islamaumaroc

نظرات في ديوان أبي حيان الغرناطي -2-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

وأما شعر أبي حيان في الطور الثالث، ونعني به طور الكهولة والشيخوخة ـ فهو شبه رد فعل لطوري الصبا والشباب: شكوى وعتاب، ودموع وآلام.! فهو شعر تشاؤم، لأن طول تجربة أبي حيان للناس، ومعرفته بدخائلهم؛ مما جعله يؤمن بأن الشر طبيعة هذا البشر؛ فمن أسدى إليك منهم معروفا، فإنما ذلك لغرض يرجوه، أو رفد يدعوه.
لا ترجون دوام الخير من أحد
فالشر طبع وفيه الخير بالعرض
ولا تظن أمرا أسدى إليك ندى
من أجل ذاتك بل أسداه للغرض

ومما زاد في شكواه وبلواه، أن طال عمره، وضعف بصره، وانخارت قواه، واصطلحت عليه الأحداث، فمل الناس وملوه، وأصبح غريبا في عالم دنياه:رماني الزمان بأحداثه
وكنت صبورا على ما حدث
وأفنى الشباب وأهلا مضوا
وما كنت ممن بذاك أكترث
ومنذ عسرا بصري ضعفه
فعدت كأني رهين الجدث
وقد كنت مستأنسا ساكنا
فقد صرت مستوحشا ذا عبث

انه شعري شكوى وعتاب، وحديث هموم وأحزان:
مللنا وملتنا الحياة فلو أتت
شعوب استرحنا من مقاساة أعراض
تقارب خطو وانحناء وشيبة
وضعف لحاظ وانتهاض كمنهاض
أي عيش لشييخ
هو حي مثل ميت
عادم الأنس غريب
مفرد من أهل بيت
وله نفس تنادي
للمنايا هيت هيت
تترجى وتمنى
بلعل وبليت
وسراجي ليس فيه
للبقا نقطة زيت
سوف يكنى عن حديثي
كان منه كيت كيت

وانه شعر الفجيعة والآلام.! فقد فقد أبو حيان الهل والوالد، وأخنى عليه الدهر الذي أخنى على لبد؛ وودعهم واحدا واحدا إلى عالم الأموات! وكانت الصدمة عنيفة، إذ فقد شريكته في الحياة، وكانت أنيسه في الغربة، وسميره في الوحشة؛ وهو الشيخ العجوز، تبر به كما تبر الأم الرؤوم بوحيدها الصغير:
كانت أنسي في وحدتي واغترابي
ومنامي ويقظتي وسفاري
ونديمي في رحلتي ومقامي
وزميلي في حجتي واعتماري
كنت أرجو بأن تعيش وتبقى
حين سقمي تدور بي وتداري
لم تكن زوجة ولكن كام
وأنا كابنها صغير الصغار
كانت الروح بين جنبي وراحت
فحياتي صارت كثوب معار
ولكن الأمر الذي لم يجد معه اصطبارا، والذي هيج لوعته فاستعارت نارا، هو فقه لابنته نضار؛ وكانت عالمة أديبة، راوية محدثه، حاجة برة، عفيفة زاهدة؛ سميرها كتاب الله، وشعارها خوفه وتقواه.. فلنستمع إليه يناجيها ـ وهي طريحة الفراش، تعاني مرارة السقم، والآلام:
أمر حياتي يا نضار سقامك
وكونك لا يسري إليك منامك
أقمت شهورا  يبل لك اللهى
شراب ولا يغذوك يوما طعامك
تواترت الأسقام نفخ وسعلة
وقي وإسهال فعز مرامك
وعما قليل يذهب البأس كله
ويبدو على أثر العبوس ابتسامك

غذيت بدر الفضل مذ كنت طفلة
وكان بتعليم القران فطامك
قرأت كتاب الله والسنن التي
أتت عن رسول الله فهو إمامك
وبالكعبة الغراء طفت بمكة
وللحجر المسود كان التثامك
وجاورت أياما بها ولياليا
وكان كثيرا بالمقام مقامك
وزرت رسول الله أفضل من مشى
على الأرض واحتلت هناك خيامك

وتشاء الأقدار أن لا ينتهي أبو حيان من نظم هذه القصيدة حتى تلفظ هذه البنت النادرة المثال، نفسها الأخير، وتسلم الروح إلى باريها. ويأبى أبو حيان إلا أن يختم القصيدة بهذا البيت:
وقد كنت أرجو أن تعيش والآن قد
أتاك من الله الكريم حمامك

وقال وهو يودعها إلى مقرها الأخير، وقد غطت مآقيه سحابة سوداء:
أمن بعد أن حلت نضيرة في الرمس
تطيب حياتي أو تلذ بها نفسي
فتاة عراها نحو ستة أشهر
سقام غريب جاء مختلف الجنس
فما ضجرت يوما ولا اشتكت الضنى
ولا ذكرت مما تقاسي من البأس
قضت نحبها في يوم الاثنين بعدما
تبدى لنا قرن الغزالة كالورس
فصلى عليها الناس يثنون وانثنوا
بها لضريح مظلم موحش الطمس
يؤنسها في رمسها العمل الذي تقدمها أعظم به ثم من أنس
سقى روضة حلت نضار بتربها
من المزن وبل دائم السح والبجس؟
وهكذا بكى أبو حيان ابنته نضارا، بكبد حرى، وبلل قبرها بدموع غزار، ولازم محراب ضريحها سنة كاملة، يرتل فيه آيات شعره، ويرسلها أنات تذيب الصخر،وتتصدع منها الأحشاء:
ضريح بنتي جعل بيتي
وقلت ليتى أموت ليتي
قدوم حي يغيب يرجى
وليس يرجى قدوم ميت

أمضني الحزن يا نضار
وصرت مضنى لما مضيت
أصبحت فردا فليت أني
قضيت نحبا لما قضيت
وأن بيتا أضحى محلا
لخير بنت ـ لخير بيت

ويذكر أبو حيان أنه قيد نفسه عند ضريحها، وجعل فؤاده وقفا على بكائها وندبها:
أن جسمي مقيد بالضريح
وفؤادي وقف على التبريح
ولعيني إذا ذكرت نضارا
مدد من دماء قلب جريح
راح عيد وبعد عيد كبير
ونضار تحت الثرى والصفيح
لا أرى فيهما وجيه نضار
يا لشوقي لذا الوجيه المليح
ونضار كانت أنيسي وحبي
ونضار كانت حياتي وحبي
ونضار أبقت بقلبي حبا
ليس ينفك أو أوافى ضريحي
ويذكرنا هذا التوجع الأليم،وتكرار الفجيعة والمصاب، برثاء الخنساء لأخيها صخر؛ وإذا كانت الخنساء زعيمة الشواعر، في التفجع والبكاء؛ فأبو حيان زعيم الشعراء في التوجع والرثاء. ولا نعرف شاعرا بكى ولدا له أو بنتا، مثل ما بكى أبو حيان ابنته نضارا. وقد كتب عنها كتابا، جله ـ فيما نعتقد ـ شعر؛ سماه «النضار، في المسلاة عن نضار».

فنون الشعر الأخرى:
وبالإضافة إلى الموضوعات السابقة الذكر، كالغزل، والرثاء، والشكوى، والعتاب؛ فهناك أبواب أخرى، هي أقل نصيبا في الوفرة والإجادة بالنسبة إلى الغزل والرثاء. فأتت إذا سرحت نظرك في الديوان وأردت أن تخرج بتصنيف الموضوعات التي احتواها، ـ فإنك ستجد من بينها المدح والهجاء والفخر والحكمة والزهد وما إلى ذلك.
ومدح أبي حيان يكاد يكون مقصورا على أهل العلم والأدب؛ من أصدقائه وبعض شيوخه؛ وهو شعر مناسبات ومجاملات.
وممن مدحهم أبو حيان ابن منظور صاحب لسان العرب، وقد نوه بهذا الكتاب وأضفى عليه حلة الإعجاب:
أجلت لحاظي في الرياض الرحائب
ونزعت فكري في فنون المباحث
وشاهدت مجموعا حوى العلم كله
فأول مكتوب وثان وثالث

وقال بمدح بعض المتأدبين:
أيا لافظا بالسحر ها أنا سامع
ويا ناشرا للدر ها أنا جامع
لقد حزت في شرح الشباب معارفا
وجزت مدى للشيب إذا أنت نافع
مبين بيان ليس ينفك دائما
بدائه منه تعترى أو بدائعه

ومدح أبا زكرياء ابن أبي القاسم العزقي أمير سبتة بقصيدة مطولة أظهر فيها مدى حنينه إلى وكره الأول، واجتاحته موجة من الحب الفياض إلى مسقط رأسه، ومقر أجداده (بلد المغرب).

يقول فيها:
الملك يحمي بملك من بني العزفي
والعلم يحيا بيحيى الخير ذي الشرف
مستحكم الرأي لا يغتال فكرته
ذهن الرجال ولا ينقاد للجنف
ف (سبتة) الغرب قد ألقت مقالدها
إليه فاستعصمت بالكامل الأنف
من أسرة الملك لخم طالما منعوا
ذماره بالظبا والذيل والقصق
هم الملوك فلا ملك يقاس بهم
من الورى ايقاس الدر بالصدف!!
ارتاح للغرب لكن كم عوائق لي
من خضرم من مرتد أو مهمة قذف
وما ارتياحي بأني لم أنل شرفا
بمصر بل نلت منها منتهى الشرف
لكن ذاك ارتياح هاج ساكنه
ذكرى مكان به نشاي ومؤتلفي

وأما الهجاء فلم يكن لأبي حيان فيه باع طويل، وقلما تعثر له على قصيد في هجاء مستقل؛ وإنما تأتي أهاجيه في غضون مدائحه والفخر بنفسه. وقد هاجم المتصوفة وحمل عليهم حملة شعواء!
يقول في بعض قصائده:
قرامط يدعون لهم صلاحا
ودينا والفسوق لهم حليف
إذا فسروا القرآن قالوا
بواطنهم لهم فيه كشوف
فمن علم لدنى وعلم
بطيني له سر لطيف...
وقال من قصيدة أخرى:
أرى كل زنديق إذا رام نشر ما
طواه ادعى أن صار في الناس صالحا
فيستخدم الجهال ينهب مالهم
ويبدي لهم كذبا على الله فاضحا
قرامط دجالون سنخ ضلالة
كلاب على الإسلام أضحت نوائحا
وأبو حيان على كثرة شعره لا يوجد له في الوصف إلا قصيدتان أو ثلاث.
قال يصف التمساح:
وخلق غريب الشكل في مصر ناشئ
وما هو في أرض سوى مصر يوجد
هو السبع العاري بنيل صعيده
بقافص من للماء في النيل يقصد
ويخطفه خطف العقاب لصيده
ويفصله عضوا فعضوا ويزرد
وما من شخوص النيل خلق له بد
ورجل سواه وهو في البر يصعد
له ذنب مرخى طويل يقيمه
يلف به من كان في الناس يفند
وأسنانه أنثى على ذكر أتت
لكسر العظام الصلب منها تفقد
ويحفر في رمل ويدفن بيضه
يعاهدها غبا إلى حين تولد

وهي قصيدة طويلة وصف فيها هذا الحيوان العجيب وصفا دقيقا. وله نظيرها في الفيل.
وشعره في الحكمة والزهد متناثر في كثير من قصائده:
عداتي لهم فضل على ومنة
فلا أذهب الرحمان عني الأعاديا
هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

لا تصحبن ملكا أو من يلوذ به
وان تنل منهم عزا وتمكينا
يستخدمونك في لذات أنفسهم
ويذهب العمر لا دنيا ولا دينا
وأبو حيان فخور بنفسه، مزهو بعلمه وأدبه:
وعينني الوجود لكل فضل
أقر به المعادي والموالي
فلست بعاتب أبناء دهري
ولست بماقت جور الليالي
كفاني رتبة أن صرت فردا
فمالي في المعالي من مثال
إذا ما لحت في أفق لناس
أشاروا بالأصابع كالهلال
إذا قالوا أبو حيان هشت
إلى رؤياي أفراد الرجال
ولو كان القياس يفيد شيئا
لكان الصخر من ضرب الآلي

فإن أمس قد أقوت من العلم حضرتي
وأصبت نقضا هامدا بين أنقاض
فما مات من أبقى تآليف زانها
تلاميذ كل في مباحثه ماضي

هذه لمحات عنت لي وأنا أقرأ لأبي حيان، وتلك نظرة عجلى ألقيتها على ديوانه، لم أقصد بها إلى الدرس والتحليل، بقدر ما قصدت إلى التعريف به، ونفض عن بعض جوانبه؛ بعد أن ظل مآت السنين، في زوايا الإهمال والنسيان، وما أكثر ما خلف أبو حيان، من إنتاج حي، وتراث خالد؛ تزخر به المكتبة العربية في المشرق والمغرب!
ولنردد مع أبي حيان بحق قوله:
ليهن بني الأعراب إن كنت شيخهم
وأنهضتهم في علمه أي إنهاض
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here