islamaumaroc

لا مستقبل للإنسانية إلا في ظل السلام والتعاون الدولي

  دعوة الحق

العددان 98 و99

عاش الإنسان الجزء الأكبر من حياته كإنسان وعلى هذا الكوكب، يرى في نفسه نوعا، يختلف عن سائر ما في الدنيا من أنواع، فلم يبذل نشاطه في معاداة نوعه، فضلا عن أن يعمل على القضاء عليه، وإنما كرس كل جهده في التغلب على ما يعرض له من مشاكل طبيعية، ساعيا لتوفير طعامه وملبسه ومأواه، من خلال التعاون مع أبناء جنسه وأفراد نوعه.
والرأي على أن الإنسان لم يعرف الحرب فيما بين جماعاته إلا في وقت قريب جدا، يقول لنا جوليان هوكسلى في كتابه «الإنسان في العالم الحديث»:
«الحرب ظاهرة تبواوجية نادرة جدا، وليس يوجد إلا نوعا من الحيوانات من عادتهما الاشتباك في الحروب، وهما الإنسان والنمل، بل إن النمل لا يمارس الحرب منه غالبا إلا جماعة واحدة. وكثير من علماء تاريخ السلالات البشرية يعتقدون أن الحرب، أو على أية حال الحرب المنظمة المألوفة لم تنشأ في مراحل تطور الإنسان، إلا عندما وصل إلى طور المدنية المستقرة، وبدأ يكنز الحبوب وغيرها من صنوف الثروة».
ونحن نعلم أن عصر المدنيات والحضارة لم يبدأ إلا منذ سبعة آلاف سنة على الأكثر على حوض النيل والدجلة والفرات. عندما بدأت الجماعات المتقاربة تتوحد في تشكيلات جماعية أكبر وأكبر، حيث تخضع لأمير أو ملك.
ثم بدأت هذه الوحدات الكبيرة تدخل في حروب مع جيرانها، فلم تعد الحرب، حرب قبائل متجاورة، وإنما حرب دول ضد بعضها، وقامت إمبراطوريات مصر القديمة، وآشور، وبابل، وفارس تحاول فرض سلطانها على جيرانها من الدول الأخرى، ولم تلبث كل بدورها ان وجدت من ينازعها الغلبة والسلطان، من خلال المعارك والحروب.
ولكن الظاهرة المؤكدة، أن تيار الحضارة والمدنية، ظل يتدفق دوما نحو الإمام، لا تنال منه هذه الحروب الجزئية المحدودة، ولا يعرقل سيره قيام إمبراطورية وانهيار أخرى، بل إن المشاهد والثابت أن الحوادث المختلفة، قد أغنت دائما التطور الحضاري وأثرته. فليس سوى الاحتكاك والمنافسة والرغبة في الدفاع عن النفس كان حافزا للعقل البشري على الخلق والإبداع.
ولقد كتبت منذ أكثر من عشرين سنة، والحرب العالمية الثانية مشتدة الأوار، رسالة في موضوع الحرب حاولت أن أثبت فيها أن كل تقدم آلي وتكنيكي حققه الإنسان، إنما تم من خلال الحروب التي جهزته بأسلحة لم يلبث أن استخدمها في أيام السلم فزادت في قدرته على الإنتاج ورخائه.
وهذه حقيقة مؤكدة لا يمكن إنكارها، فقد عاشت البشرية حتى الآن، بل وتقدمت وازدهرت وهي تمسك الفأس في يد تزرع وتنتج، والسيف في اليد الأخرى تقتل به وتذبح.

الأسلحة النووية:
ولكنا وصلنا الآن إلى مرحلة لم تعد الفأس فيها كافية لإطعام بني الإنسان، فلابد من جرارات وكيماويات، كما لم يعد السيف هو أداة القتال، وإنما قنابل ذرية وهيدروجينية، وقنابل كوبالت يطلق عليها اسم قنبلة «يوم القيامة».
والرأي على أن هذه القوى، لو انطلقت من عقالها، لما بقى على ظهر الأرض إنسي.
أن الثقات يجمعون على أنه لو قامت حرب ذرية في العصر الحديث، فإن ضحاياها يتجاوزون في الساعات الأولى للمعركة ثلاثمائة مليون نسمة، من سكان المدن الكبرى، ومراكز الإنتاج الصناعي والعملي والثقافي، أما استمرر الحرب بعد ذلك لبضعة أيام، فإن هذا يعني فناء البشرية كلها.
ولننقل لك فقرة من تقرير هيئة الأمم عن نزع السلاح لعام 1961:
«إننا نشك في استمرار وجود العالم بأي شكل من الأشكال دون نزع السلاح، إن شبح الموت يسيطر علينا، فإن طيران سرب من الإوز البري في هدوء عبر اركاتيكا البيضاء (القارة القطبية) ثم يدخل في نطاق تحذير شاشة رادار أمريكي أو سوفييتي، تتصور الشاشة على أنه صواريخ، فتتأهب حكومة الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي للقيام بالضرب النووي المضاد كما تقضي الحالة، فيبدأ اعصار الحرب النووية بينما يطير الإوز في هدوء إلى الأمام.
والحق أن الإوز سيكون هو المخلوق الوحيد الذي يظل حيا بعد حرب عالمية».
ولا يظن القارئ أن هذا الذي ختمت به لجنة نزع السلاح تقريرها مجرد فرض نسجته من وحي الخيل، فهي إنما تشير إلى حادث وقع بالفعل، فإن محطة الرادار النووية الموجودة في شمال جرينلند المخصصة للإنذار عند اقتراب قاذورات القنابل السوفياتية، حدث أن أعطت الإنذار، فقام الطيارون المدربون على أن يكونوا في الجو في ظرف دقيقتين بطائراتهم حاملة القنابل الهيدروجينية ثم اتضح للرادار أن القذيفة التي شوهدت على شاشة الرادار لم تكن إلا سربا من الإوز.
فالحروب الذرية اليوم إذا اندلعت، لن تكون كحروب الأمس، التي سمحت للحياة الإنسانية بل وللحضارة الإنسانية، بالنمو والتطور، إنها حرب إفناء إن لم يكن للجنس البشري، فعلى الأقل لحضارته.

الانفجار السكاني:
على أن ثمة خطرا آخر أصبح يهدد الإنسانية لا يقل في أثره على المدى الطويل من خطر الحرب الذرية، وهو ما أصبح يعرف باسم الانفجار السكاني. ذلك أن البشر يتزايدون بمعدل ثلاثة أشخاص كل ثانيتين، أي بمعدل تسعين شخصا في الدقيقة الواحدة، و5400 شخص كل ساعة أو 129600 شخص كل يوم. و47,300,000 شخص في السنة أي ما يزيد على مجموع سكان فرنسا بأجمعها.
وقد أجمعت كل الكتب التي ألفت قبل عام 1960، على أن سكان العالم سيصلون في ختام القرن العشرين، أي بعد 33 سنة من الآن، إلى ثلاثة آلاف مليون نسمة. وقد استند المؤلفون على بيانات هيئة الأمم الدقيقة التي تصدرها كل عام حول عدد المواليد. وكان هناك تخوف من بلوغ العالم هذا العدد من السكان.
ويتجلى خطر الانفجار السكاني عندما تعلم أن العالم قد تجاوز هذا القدر منذ عام 1965، فلم يعد الأمر بحاجة للانتظار ثلاثة وثلاثي عاما ليبلغ مجموع البشر ثلاثة آلاف مليون نسمة. والتقدير الآن لسكان العالم في ختام القرن أي عام 2000 يتراوح بين ستة آلاف مليون وسبعة آلاف مليون، أي أكثر من ضعف ما كان مقدرا من البداية.
ويقول الخبراء، أن العالم لو استمر في الزيادة السنوية بهذا المعدل، فإن عدد البشر سيبلغ حدا لا يعود سطح الأرض كافيا لموطئ قدميه، وذلك بعد بضعة قرون فقط.
ومعنى ذلك، أن إنقاذ العالم من حرب ذرية، يفضي إلى سلام ينتهي بها إذا لم يتضافر البشر على مواجهته إلى الفناء كذلك.

ضرورة التعاون بين البشر:
ولا سبيل لإنقاذ البشرية من هذا الخطر الآخر، إلا بالعمل على رفع مستوى الشعوب المتخلفة، شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ذلك أن هذه الزيادة المخيفة لسكان العالم، إنما تتدفق من هذا الجانب، فحيث لا يتزايد سكان أوربا إلا بنسبة 9% من الواحد الصحيح في المائة، فإن شعوب افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تتزايد بنسبة 2,3% كل عام.
ومن الظواهر الثانية، أنه كلما زاد رقي الإنسان، كلما قل نسله، يتجلى ذلك في نفس أهل المدن عن أهل الريف، ونقص إنسان الأغنياء عن الفقراء، والدول المتحضرة عن الدول المتخلفة. والارتقاء بالشعوب المتخلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا يمكن أن يتم إلا من خلال تعاون عالمي، يضع فيه القادرون إمكانياتهم العلمية والتكنولوجية، من أجل مضاعفة الإنتاج الزراعي الرأسي، باستخدام الآلات والكيماويات وأحدث الأساليب العلمية، والأفق بزراعة أرض جديدة، بدلا من الغابات والمستنقعات والصحاري، وتحويل البحار التي تؤلف ثلثي مساحة الكرة الأرضية، إلى مصدر رئيسي للغذاء وكل ما يحتاجه الإنسان من معادن.

المائة عام القادمة:
وقد وضعت خطط محسوبة ومدروسة للارتفاع بالإنسانية كلها في المائة عام القادمة إلى مستوى الحياة الأمريكية، وقدرت موارد الأرض ومصادرها، فوجد أنها تكفي البشر لتحقيق هذا الذي يعتبر حلما، شريطة أن يبدأ البشر منذ الآن تعاونهم في صدق وإخلاص، في ظل هيئة الأمم، وسيادة حكم القانون في علاقة الشعوب ببعضها.

نموذج من العالم العربي:
ولكي نقرب هذه الصورة إلى أذهان القارئ الكريم، ما علينا إلا أن نسوق له مثالا من واقعنا العربي وكيف أن تعاونه مع بعضه، ومع بقية دول العالم في صدق وإخلاص يصل بسكانه إلى الذروة في الوقت الذي سيظل يغص بمشاكل الفقر والجهل والمرض، إذا ظل على تشتته وخلافاته.
تبلغ مساحة العالم العربي 11 مليون كيلو متر مربع، أي قدر مساحة أوربا، ومع ذلك فإن عدد سكانه لا يزيد عن تسعين مليون نسمة في الوقت الذي يسكن أوروبا 434 مليون نسمة.
وحيث يمثل سكان العام العربي 3% من سكان العالم فإنه ينتج من القمح 35% من الإنتاج العالمي أي مليون طن. وينتج من الحبوب الغذائية من قمح وشعير وذرة سبعة عشر مليون طن أي أنه يخص الفرد الواحد 200 كيلو جرام سنويا، وهو قدر محترم.
وينتج العالم العربي 3 مليون وربع طن من الكروم وهو ما يساوي 8% من الإنتاج العالمي و1,5 مليون طن من الحمضيات، وهو ما يساوي 9% من الإنتاج العالمي.
ويوجد بالعالم العربي من الثروة الحيوانية أكثر من مليون رأس من بين أبقار وجاموس وإبل وأغنام أي أكثر من رأس لكل فرد، من أفراده.
وقصة البترول العربي أصبحت معروفة ومشهورة، فقد استوردت أوروبا 118 مليون طن من بترول العرب عام 1960 مقابل 15 مليون طن وصلت غرب أوروبا من نصف الكرة الغربي، وقد زادت هذه الأرقام في السنوات التالية بطبيعة الحال.
والأمر المجمع عليه أن 60% من بترول العالم موجود في البلاد العربية، ولما يكتشف بعد البترول في صحراء العرب الكبرى ويقدر المخزون بها.
ويبلغ دخل الكويت سنويا من البترول ما يزيد على خمسمائة مليون دولار، حيث لا يزيد عدد سكانه على ثلث مليون.
ويوجد في السودان وحده مائة مليون فدان صالحة للزراعة ولكنها لا تزرع لعدم وجود الأيدي العاملة التي تزرعها.
وفي العراق وسوريا، أراض زراعية تقدر بملايين الأفدنة لا تجد من يزرعها لقلة اليد العاملة وتعاني ليبيا بعد اكتشاف البترول بها من قلة اليد العاملة.
وذلك في الوقت الذي يتزايد فيه سكان مصر إلى الحد الذي جعل من زيادة السكان مشكلة المشاكل التي تشغل بال الدولة، إذ تلتهم الزيادة السنوية، كل محاولة لزيادة الإنتاج لرفع مستوى الشعب المصري.

قارة أفريقيا:
هذا الوضع بالنسبة للبلاد العربية، هو بعينه الوضع بالنسبة لأفريقيا كلها، فحيث يمكن اعتبار قارة افريقيا أغنى قارة في الدنيا، ففيها من الطاقة المتاحة التي يمكن توليدها من مساقط الأنهار ثلاثة أضعاف ما تنتجه أوروبا من هذه الطاقة، وحيث تنتج 98% من الماس في العالم وأكثر من نصف ذهب العالم، وكانت حتى وقت قريب هي المصدر الوحيد لإنتاج اليورانيوم، وحيث توجد بها أعظم ثروة حيوانية في العالم.
وحيث لا يتجاوز عدد سكانها عن 250 مليون نسمة، فهي آخر قارات الدنيا من حيث التخلف بالرغم من تحرر أغلب شعوبها سياسيا، وستبقى كذلك لعدة أجيال، إذا ظلت على فرقتها وخلافاتها وتنابذها.

علاج العالم العربي والافريقي والإنساني:
ولا علاج للعالم العربي، كما لا علاج للعالم الأفريقي، والعالم الإنساني في مجموعه، إلا إذا ارتفع إلى مستوى المسؤولية التي أوصله إليه العلم الحديث وراح ينظر لمصلحته الخاصة باعتبارها جزءا من المصلحة العامة، لا يتحقق عن غير طريقها، فيتكلم بلغة جديدة، ويصوغ العلاقات بين الدول على أسس جديدة، مما فصلناه في كتابنا «الأمة الإنسانية».
وبغير هذا التعاون الدولي الصادق، فإن مستقبل الإنسان على ظهر هذا الكوكب قد أصبح في خطر، وفكرة فناء البشرية ككل لم تبعد في أي يوم من الأيام، عن خاطر الإنسان.
وهذا هو القرآن الكريم يصور لنا هذه الإمكانية بقوله:
«حتى إذا أخذت الأرض زخرفها. وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا. فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس».
والكلمة الآن لبني الإنسان، إن شاروا ارتقوا بمستواهم، وحسنوا أحوالهم، واستداموا حضارتهم، أو عرضوا أنفسهم للخراب والدمار، وجعلوا ما على سطح الكوكب الإنساني حصيدا كأن لم يغن بالأمس.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here