islamaumaroc

المناهج التعليمية عند ابن خلدون.-4-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

عرضنا في المقال الأول والثاني والثالث عن التعليم أمورا متفرقة، بعضها يرجع للغايات من التعليم وبعضها يرجع للطرق والوسائل، والبعض الآخر يرجع لمحاولة تحديد مفهوم العلم، ومحاولة التفريق بينه وبين المعرفة، والإدراك، وفي هذا المقال نتابع عرض بعض القضايا الرئيسية في موضوع التعليم، ما هي أسباب نهضة التعليم؟
لقد عرضنا في غير هذا الموضوع ان التعليم صناعة، وكل صناعة يعرض لها ما يعرض لغيرها من الصناعات ما يجعلها تنهض وتزدهر، أو تتعرض للخمول والكساد أو للاندثار والفناء.
إلا أن أسباب ازدهار الصناعات مختلفة، بعضها عام تزدهر به كل الصناعات سواء منها التعليم أو غيره، كازدهار الحضارة التي ينشأ عنها ازدهار شتى الصنائع في كل عصر، وفي مكان تعرف فيها ازدهارا.
وبعضها خاص يخص التعليم ولا يتعداه إلى غيره كالسند الذي يزدهر بسببه أمر التعليم، وهذه الأسباب هي كما يلي:

1) ازدهار الحضارة:
إن ابن خلدون الذي يطلق كلمة عمران ويريد بها الاجتماع أو بمعنى أعم الانتقال من طور البداوة إلى طور الحضارة ـ يرى أن من وسائل نهضة صناعة التعليم ازدهار الحضارة الذي يسميه كما رأينا «بالعمران» والعمران وحده غير كاف لنهضة صناعة التعليم، فقد يكثر العمران في بلد وتنشأ مع هذا العمران حضارة، لأن الحضارة مرتبة أخرى فوق العمران، ذلك أن الحضارة من الحضور والحضور يعني توفر كل الأسباب التي يقتضيها التجمع والعمران، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان العمران، وكان مع العمران توافر الأسباب التي يتطلبها هذا العمران، حتى يسمى ذلك حضارة، ولذلك رأينا في الفصل الثالث عن الباب السادس الذي خصصه للعلوم ـ بجعل هذا المعنى فيقول: «الفصل الثالث في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران، وتعظم الحضارة» فهو يعبر عن العمران بالكثرة وعن الحضارة بالعظمة أي الازدهار وتوافر الأسباب التي يقتضيها هذا العمران. وفي مكان آخر يؤكد ابن خلدون هذا المعنى فيقول «والسبب في ذلك أن التعليم كما قدمناه من جملة الصنائع، وقد قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمضار وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة».
فهنا ـ كما نرى ـ يدخل ابن خلدون في سبب نهضة صناعة التعليم عنصرا ثالثا هو الترف، العمران أولا والمهم فيه الكثرة والحضارة، ثانيا، والمهم فيها توافر الأسباب والوسائل، والوسائل التي يتطلبها هذا العمران والترف. ثالثا وهو غاية تنشأ عن العمران والحضارة، وهو فوق هذين العنصرين، أي أنه عمران وتوافر أسباب هذا العمران، ثم تجاوز لهاتين المرحلتين إلى المرحلة التي يصبح فيها المجتمع متوفرا على الكماليات، وفي الجمل التالية، يذكر ابن خلدون الترف بالمعنى الذي ذكرنا، ثم يبين لماذا كان الترف وسيلة من وسائل نهضة صناعة التعليم. «وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة، تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصة الإنسان، و هي العلوم والصنائع، ومن تشوق بفطرته إلى التعلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو كما قدمناه، و لابد من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها.
وبعد أن يسرد ابن خلدون نظريته هاته ويجملها في ازدهار الحضارة مع التلميح الدقيق إلى الفروق الثلاثة: العمران والحضارة والترف. بعد أن يعرض هاته الأمور كلها يأخذ في سرد الأمثلة أو بالأحرى الحجج التي يسند بها رأيه في سبب نهضة صناعة التعليم «واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة. لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم وتقننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون، حتى اربوا على المتقدمين،  وفاتوا المتأخرين، ولما تناقض عمرانها، وابدعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم، وانتقل إلى غيرها من الأمصار».
ويمقضي ابن خلدون في سرد الحجج لتأكيد نظريته هاته فيقول:
«ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، كما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم».
وفي مكان آخر يؤكد ابن خلدون نظريته ويتوسع في سرد الحجج بما يزيد النظرية تأكيديا فيقول: «فإذا تقرر ذلك فاعلم أن سند تعليم لهذا العهد قد كان ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقض الدول فيه، وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها» وكلمة تناقض الدول تعطي أن ابن خلدون الذي يجعل ازدهار الحضارة إحدى أسباب نهضة صناعة التعليم يشترط لهذه الحضارة، وهذا الازدهار ما يسمى بالاستقرار السياسي، وقد كان يجوز أن نجعل الاستقرار السياسي عاملا من عوامل نهضة صناعة التعليم على انفراد لولا أن العلامة ابن خلدون ذكره ضمن عامل الازدهار الحضاري الذي يدخل فيه عدم تناقض الدول، هذا العامل الذي لم نكد نجده عند ابن خلدون إلا تلميحا حينما جعل يسرد علينا الأمثلة التي عاقت ازدهار نهضة التعليم وخاصة عند قوله: «قد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقض الدول فيه، وما يحدث عن من نقص الصنائع وفقدانها».
وفي كل مكان يتحدث ابن خلدون عن العلم وما يعرض له من ازدهار أو عدمه يؤكد نظريته التي لا يختلف فيها من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر، مما يؤكد أن الرجل متمكن مما يرتئيه وواثق مما يقرر في هذا الصدد.
ولذلك فابن خلدون عندما يتحدث عن سبب نهضة العلم عند العجم دون العرب لا يجد سببا يعلل به هذا الاختلاف بين الجنسين إلا النظرية التي ارتآها من قبل وهي عامة شاملة في كل نظرية، وفي كل ناحية حتى تصبح عند علة لكل نهضة، وسببا في كل ازدهار. ففي حديثه عن نهضة العلم عند العجم دون العرب يذكر فيما يذكر أن سبب ذلك إنما هو ازدهلر الحضارة أو عدمها، أي توفر الوسائل التي يتوقف عليها العمران لا الاستقرار الحضاري فحسب.
«فصل في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم».
وأما لماذا كان ذلك فهو ما يقول فيه: والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة، ولنفس السبب يقول في مكان آخر من نفس الفصل: «وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد عنها العرب وعن سوقها والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف، لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس، فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما، وكلهم عجم في أنسابهم».
فابن خلدون يطبق رأيه في سبب ازدهار صناعة التعليم، فكل توسع، كما رأينا ومفهوم الحضارة عنده يشمل العناصر التالية:
1) العمران:
2) توفر الوسائل التي يتطلبها توفر هذا العمران.
3) تجاوز هذين العنصرين إلى التوفر على الكماليات الذي هو الترف.
4) الاستقرار السياسي.

هذه العناصر الأربعة هي مقومات الحضارة التي هي بدورها عامل من عوامل نهضة صناعة التعليم.

2) السند:
ثانيا من العوامل التي يعتبرها ابن خلدون ذات أثر في صناعة التعليم اتصال السند ويريد الرجال الذين يروى عنهم العلم، ذلك أن تحصيل العلم يقوم من جهة على التلقي عن رجال العلم وعلى المجهود الفردي من جهة ثانية، ذلك أن البلد إذا توفر على أسباب الحضارة بالمفهوم الذي عرضناه آنفا توفر بالضرورة على عنصر آخر يكون عاملا في ازدهار صناعة التعليم وهو عنصر خاص لا يتعدى العلم إلى غيره من الأمور التي تدفع إلى الازدهار.
فرجال العلم  وتوفرهم في بلد ما عامل من عوامل نهضة العلم من ناحية، وصناعة التعليم من ناحية ثانية، ذلك أن السند بمعنى تلقي العلم عن رجاله يقتضي أن يكون هذا التلقي في العلم ذاته أولا، وفي طرقه ثانيا، ولذلك رأينا ابن خلدون عندما تحدث عن قصور المغاربة في الملكات علل هذا القصور بأمور كان في جملتها انقطاع سند العلم. «وما أتاهم هذا القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده».
وعندما يتحدث عن اندراس بعض العلوم في الأندلس وبقاء بعضها يعلل الباقي منها ببقاء السند، «وانخفض سند تعليمه بينهم فانخفض بحفظه» وعندما يتحدث عن أهل المشرق وعن نشاط العلم فيه يعلل هذا النشاط ـ أيضا ـ ببقاء سند العلم. «وأما أهل المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة».
إذن فابن خلدون يأخذ بالقاعدة العربية القديمة العلم من أفواه الرجال لا من الأوراق» وبهذه القاعدة يحاول أن يفسر سبب نهضة العلم وصناعة التعليم، وهو تفسير ساقه ابن خلدون من الحياة المشاهدة، ومن الواقع الذي كان يراقبه ويرى حوادقه تمر أمامه في بعض الدول الإسلامية.

3) المناخ:
لقد عرف ابن خلدون بعدة نظريات لم يسبق إليها، أو سبق لها ولم تظهر مفصلة أو بالأحرى لم تقدم بالطريقة التي عرضها ابن خلدون كما في قضية المناخ أي تأثير الطبيعة في الناس باختلاف الأقاليم واختلاف طبيعة كل إقليم من حيث الحرارة والبرودة، أو من حيث تقلب الطقس، أو من حيث جودة هدوئه، أو رداءته، وهي نظرية عرف بها ابن خلدون وعلل بها كثيرا من المظاهر الإنسانية التي جعلها أساسا في اختلاف الناس في كثير من المظاهر البشرية جعلها علة أو سببا في اختلاف بني البشر في الذكاء وعدمه وجعلها علة في اختلاف بني الإنسان في النشاط وعدمه، وهكذا.. ولذلك رأيناه حتى في موضوع نهضة التعليم وإدراك أعلى الدرجات فيه، يعلل ذلك باختلاف طبيعة الأقاليم مكذبا الادعاء بأن الاختلاف في أصل الطبيعة البشرية ومؤكدا عدل الله في خلقه ومواهبه، وبذلك أزال كثيرا من الملابسات وحل كثيرا من القضايا التي قد يكون منشؤها القول باختلاف الناس في ذات الطبيعة البشرية التي هي من صنع الله، سواء في التعليم أو في غيره من قضايا الحياة البشرية وفي هذا الصدد يقول معللا اختلاف الناس في موضوع العلم خاصة: «فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم، وفي سائر الصنائع حتى أنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقلوهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب، وانهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى، وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب، ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشبعون لذلك، ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم  والصنائع، وليس كذلك، وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللهم إلا الأقاليم المنحرفة مثل الأول والسابع فإن الأمزجة فيها منحرفة والنفوس على نسبيتها ـ «أي على قدر انحرافها أو اعتدالها ـ كما مر».
وفي موضوع سر اختلاف الناس يبدب ابن خلدون كثيرا من الإلحاح على القول بعدم صحة الزعم الذي يتضمن القول باختلاف في أصل الطبيعة البشرية لا في البيئة الجغرافية كما هنا، أو البيئة الاجتماعية في غير هذا الموضوع، ولذلك رأيناه في جهة أخرى يؤكد النظرية بما يلي «وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة لما قدمناه في الفصل قبل هذا ظن المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في حقيقة الإنسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح».
إذن فازدهار طبيعة النفوس البشرية أولا، ثم ازدهار ما يتبع النفوس البشرية ثانيا من علوم وصنائع وحضارات، يرجع بعضه إلى ازدهار الحضارة وإلى توفر الأسباب التي قد تنشأ عن الحضارة أو قد لا تكون الحضارة سببا في نشأتها، كالسند الذي يمكن أن ينشأ ويزدهر نوعا ما دون أن تكون الحضارة عاملا في هذا النشوء أو هذا الازدهار، وكذلك الطبيعة الجغرافية للإقليم التي علل بها ابن خلدون نهضة التعليم وغيرها من الصنائع، وبذلك كانت العوامل الرئيسية في نهضة التعليم كما يلي:
1) ازدهار الحضارة.
2) توافر رجال العلم المعبر عنه باتصال السند.
3) الطبيعة الجغرافية المعبر عنها بالمناح.

ملحوظة:
لقد جعل ابن خلدون ازدهار السند قائما على ازدهار الحضارة أي أن ازدهار الحضارة سبب في ازدهار السند وتوافر رجال العلم، كما يوخذ من قوله «وأما أهل المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه، بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتصال العمران الموفور واتصال السند فيه».
وهو رأي ليس عاما في كل الأحوال، بل هو رأي قد يختلف ونظرية قد يكون لها شواذ، فقد يتوافر رجال العلم في أماكن قد تتوفر لها كل وسائل الحضارة وقد شاهدنا في المغرب عائلات من البادية توارث أبناؤها العلم واتصل فيها سنده دون أن تكون الأماكن التي عاشت فيها هاته العائلات عرفت ازدهارا حضاريا يذكر بالمعنى الذي ذكرنا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here