islamaumaroc

الإبداع الفني عند ريلكه (تر. م.السرغيني)

  دعوة الحق

العددان 98 و99

إذا لم تكن نظرية الإبداع الفني فكرة رئيسية عند «ريلكه»(1)، فهي على الأقل من العناصر الجوهرية في تفكيره الفلسفي. ومن اللائق أن لا يغيب عن الأذهان أبدا، أن الكاتب قبل أن يكون مفكرا يسلك سلوك رجل الخيال الذي هو الشاعر الحقيقي.
إن الإبداع الفني يشكل لدى «ريلكه» نموذجا لتحقيق المطلق في هذه الدنيا. فالمرأة إذا كانت في الحب ـ وخاصة منه الحب الأمومي ـ تصل من غير شعور منها إلى المطلق(2)، فإن الفنان المبدع لكذلك، هذه هي الفكرة التي ألح شاعرنا عليها. فقد بدأ تأكده منها حوالي سنة 1894 عندما كان يوزع محاولاته الشعرية بالمجان على العمال والمرضى وأهالي مدينة «براغ». وازداد تأكده هذا، في نهاية ديسمبر من سنة 1926، وهو على فراش الآلام في مصحة «فالمونت Valmont قبل موته بأيام قلائل.
وبينما كانت فكرة الإبداع عند «ريلكه» تستوعب أغلب تفكيره، كان هناك اختلاف مهم في الطريقة التي عبر بها عن فكرته الأساسية فيها، وفي هذا المجال كأكثر غيره من المجالات، فإن علاقات شاعرنا «برودان» Rodin (3)  كانت تشكل دائرة.
فقبل مجيء شاعرنا الناشئ إلى باريس في أوائل القرن العشرين، كان على وعي تام برسالته الفنية، كما سنبين فيما بعد، انه كان يضم إلى هذه الرسالة كل السلوك الداخلي لحياته، سلوكه ككاتب ناشئ لازال يبحث عن طريقه، ثم سلوكه كأب وزوج، حيث تنكر للرغبات الشخصية لفائدة موهبته الشعرية.
فبالنسبة إلى شاعرنا في ديوانين من مثل: «الفجر الشعري» و«كتاب الصور» لابد من النفاذ إلى عمق ا الأشياء، وتذوقها، والتوصل إلى نفس جوهرها، بل إلى روحها، إذ قصد بالروح تعريتها من كل محتوى ما ورائي يمكن أن تشتمل عليه. فبعيدا من الضوضاء والصخب اللامجدي، يتحول الجو نفسه إلى أشياء عند استعمالنا للمصطلحات الأكثر بساطة، هذا هو الواجب الأول الذي على الشاعر الحق أن يؤديه، ولهذا قال «ريلكه»:
إن الكلمات الفقيرة، تندغم في حياة كل الأيام تلك الكلمات التي لا إشعاع فيها، والتي أحبها كثيرا
فقلبي الذي يعمره فرح العيد، يمنحها اللون
فتبتسم ويعود إليها الجدل ببطء
إنها لا توجد أبدا في الأناشيد
ولكنها في أشعاري تتقدم مرتعشة.
وكما تتوجه العذراء الشابة في صلاتها إلى مريم، الشاعر يجب أن يعيش شبابه المزهر، فهو يشعر بأنه في عالمه بين اليوم والحلم. ان ترك أية فكرة مؤقتة، ورفض «معرفة الحياة» حسب قاعدة، وإعطاء النفس روح طفل، والاستسلام دون احتياط إلى الشعور بالغربة، معناه خلق شروط أفضل للإبداع الشعري، ولأجل التوضيح، نضيف إلى قول «ريلكه»:
ينبغي ألا يكون عند الشاعر وطن في الزمن، وفي الوحدة، وفي السكينة، وفي المبهم، يبنغي الاقتراب بتواضع من الواقع الأقل انتصارا، والأكثر تجردا من السحر. إذ من المهم التعرف على النفس في الأشياء، وجعلها رهن إشارتها، حتى يصبح وجودها معاشا، وينبغي على الأخص، أن يتجنب الشاعر فرض نفسه عليها من الخارج، بهذا وحده، يستطيع أن يجعل الصمت يتحدث. ومن اللائق قبل كل شيء، أن يفتح روحه لأدنى نفس. فهذا ما يجعل الفنان المبدع يحول الحياة إلى عيد للعقل، حيث تتمدد الروح:
كثوب زينة فوق أشياء تتأمل
هذه الأشياء التي نشير إليها تلعب دورا أوليا في الجمالية «الريلكية» انها ذات حساسية لامنتهية للفساد الأكثر خفة؛ إذ هي قبل كل شيء، تحتفظ بمظهر بخاري. فأقل هرج من الخارج، وأصغر إشاعة تروج حولها تكفي لهدمها والقضاء على جوهرها. فالتعبير عن الأشياء شرف خطير. ان كلمات اللغات الإنسانية تقتبل هذه الأشياء اقتبالا سيئا. أما اسمنا فليس هو ذاك الذي يعطي الجاه لها.
ومن اللائق أيضا التجنب النهائي للكلمات التجريدية وللاصطلاحات التي لها خاصية عنيفة جدا، أو معروفة جدا. كما أنها ينبغي ترك الأشياء تغني بنفسها؛ حيث نتلذذها ونتعرف فيها على أنفسنا. وبغير هذا، نخاطر بأن نفسد كل شيء.
من أجل هذا كانت صعوبات كبيرة تعترض الإبداع الفني. يجب أن تكون ملتقى لكل الأشياء، فلا نترك أيا منها يتسرب أو يضيع منا. ومن المهم أن نذكر حقيقة أن الكلمات ليست غير أسوار صماء، خلفها تنهض جبال كلها إشعاع، وذات زرقة دائمة، بفعل المعنى الواقعي للأشياء. وبهذا الثمن، وبه وحده، يتوصل الفنان المبدع حيث يتغلف بالضعف، إلى أن يكون خادما مخلصا للأشياء. إلى تحقيق المصطلح الذي وضعه «ريلكة» تعمق في الداخل نفسه للأشياء لتكون في خدمتها».

وفي هذه القواعد للإبداع الفني، بعض أشياء أكثر ترددا مما اكتشفه «رودان» Rodin ذلك الذي كان قد وضع اكتشافه بعنف في يوم جديد. وبعد ذلك، اكتشف «ريلكه» في «رودان» الأستاذ، حين أتاه سائلا مستفهما، قاعدة الحياة، وليس فقط قواعد جمالية.
(كتب «ريلكه» إلى «رودان» في سبتمبر من سنة 1902: إنني لم آتك لا قوم بدراسة، ولكن لأسألك عن الكيفية التي يجب أن أعيش عليها. وحين أجبتني: بأنها العمل، فهمت جيدا، وشعرت بأن العمل حياة لا موت وراءها. فأنا كلي اعتراف وجدل، إذ منذ شبابي لم أكن أريد غير هذا العمل).
وبعد أسبوعين من العلاقات الشخصية بينهما، اقترح «رودان» على «ريلكه»: أن قانون العمل في هذا العالم، هو قاعدته الجوهرية، كما هو الحال عليه في مجالات أخرى من حياة الإنسان.
إن الإبداع الفني مستحيل التحقق بدون عمل يومي متحمس. «فالعبقرية ليست غير صبر طويل»، كما عبر عن ذلك «بيفون»(4) Buffon في القرن الثامن عشر. وحين أتى هذا النحات الكبير الذي استحق إعجاب «ريلكة» العميق، أكد هذه القاعدة. ففي العصور الوسطى، رجع الفضل في تشييد الكنائس إلى قوة عمل المعماريين، حيث حصلوا على شرف إنجاز الأشياء العظيمة. فكان أن انطبعت كل الأعمال الشعرية لشاعرنا بهذه النصيحة.
وفي هذا المجال، يمثل ديوان «كتاب الصور» مرحلة وسطى. فلقد أعطى شاعرنا للنحات الفرنسي مثالا مؤلفا ومطبوعا بعناية. وبما أن هذا النحات كان يجهل اللغة الألمانية، فلم يمكنه الإعجاب بغير مظهره الخارجي، فإنه حين نفض يديه منه، كان متيقنا أن شاعرنا قد تعمق نصائحه، وجرى على التأثر بمثاله.
إن الإبداع بالنسبة إلى الفنان يعني محاولة التعمق إلى نواة الأبدية، حيث أن الوجود يتأكد للبعض تحت ظواهر محسوسة. وعلى العموم، هو مسك شرارة الحياة. إننا لن نخطئ أبدا حين نصف الأعراض الزائلة للشيء، وحين نضم مجموعة من الخطوط الواقعية، مرتبين الانطباعات والإحساسات التي تثيرها الأشياء فينا، فسيكون من الجائز أن نتوصل إليها فيها. الفنان ابن، وها يعني أنه حصيلة Résultante (قوة تفاعلية تقوم مقام قوات تفاعلية مختلفة). ولكن الابن يجب أن يكون أعلى من الأب. إننا نرى في هذا الشعر الرمزي Der Sohn لشاعرنا، «أما تمشي لابسة ثيابا بيضاء عبر المراعي المخضرة، وهي على ما يبدو تنتظر ساعة الغروب» وكان الابن متهيئا للرد على ندائها، ولكن هذه الام لم تكن قد نادته. وشيئا فشيئا، أخذت تنام. ولقد تحدث الابن الذي كان رأسه متوجا طيلة ليال كاملة مع أبيه عن رسالة غامضة وصلت إليه، واستطاع أن يخبره عن مصدر هذه الرسالة، وعن قيمة الأشياء في البلد الذي يقطنه، وحكى له ما إذا كانت المدينة المائلة هناك مبنية من الحجارة، أو إذا كان يجب عليه انتظاره في خيمة.
فإذا أصررا على هذه الصورة الشعرية التي استعملها الشاعر التي لاشك في أنها لم توجد أبدا. وينتهي إلى الجميع في اللاواقع بين أوجه زخرفية لا تنتسب أبدا إلى الزمن، لخلق طريقة للعلاقات بين الأشياء التي لها علاقة ثابتة. ان شعر (Der Sohn) هو مفتاح هذا. فالأصوات لا تجعل النبرة خالصة إلا في وسط الصمت.
والواقع اليومي يبدو مؤلما وعبيسا
نعم؛ ولكنه وراء كل غروره
لا يحتوي على بعض الجوهر الخالد.
لقد عاش «ريلكه» نفس التجربة الحية بصفة متتابعة، فهو قد قال في مسرحية أسماها «التقدم»:
(أن الأشياء عادت إلى أكثر ارتباطا. فحين اجتاز قمم السلاسل انهض في مثل غزارة السماوات التي تجتازها الريح، وأشعر أنني أكثر قربا من اللامعبر عنه).
إن الشاعر حين يبقى جد متعلق بالأشياء المادية وبظاهرها، فإنه لكي يكون حقيقيا، عليه أن يصل خارج هذا الظاهر إلى لمس العناصر الدائمة لواقع لا يشبه بكثرة الواقع الذي تعكسه حواسنا وتصوراتنا. إذ في هذا وحده، يكمن نمو الإبداع الفني.ولكن إبداعا كهذا ليس نتيجة اتفاقية لرؤية ثابتة بالصدفة. هكذا استطاع (رودان) أن يقنع محاوره بأن الإبداع الفني ليس إلا العمل بصبر وتؤدة.
وأمام ضرورة العمل المستمر، تلك الضرورة البينة. فإن الفنون التشكيلية وكذلك الشعر، مهددة بأن تحرف المعطيات الجمالية (الريلكية) تحريفا خطيرا بسبب من فقدان شجاعة أصيلة لأنها عابرة.
وبكثرة الانتظار وتوقع الوحي الذي لن يأتي، فإن الموهبة الأدبية الأكثر ثراء يمكن أن يلحقها الذبول. ان الإبداع الفني الناجح، ينبغي أن يكون عيدا حقيقيا. ولكن «اللحظة الخلافة» كما عبر الشاعر نفسه، لا يجب أن تنتظر في كسل وبطالة تأملية خالصة. والواقع أن هذه اللحظة، تتعرض لخطر واحد، هو أن لا تدق أبدا. فيجب للحصول عليها أن توضع لها شروط مناسبة. ومن اللائق التي وجهها (ريلكه) إلى (رودان) بتاريخ 11 سبتمبر 1902، تلك التي رأينا من اللازم الروع إليها.
«ان عملي، لأنني أحببته، صار بعد سنين شيئا مقدسا، بل عيدا مرتبطا بالهامات نادرة، فهناك أسابيع لا أفعل فيها شيئا غير الانتظار، انتظار اللحظة الخلاقة، وكلي أحزان لا نهائية. ولقد كانت هذه حياة مليئة بالحفر. لقد تجنبت بكثير من القلق، جميع الوسائل الاصطناعية لنداء الإلهام. فابتدأت بالامتناع عن شرب الخمر، الشيء الذي كنت أفعله منذ عدة سنوات. وقربت حياتي من الطبيعة نفسها. ولكن في كل ما كان عقليا، لم أكن بدون شك، أتوفر على شجاعة تجعلني أدفع الإلهام إلى مداه البعيد حين أعمل. والآن وبعد أن عرفت وسيلة الحفاظ عليه، أعتبر أن ما أعطيتني كان أكبر ميلاد لحياتي ولأملي».
ينبغي أن يضحي بكل شيء في سبيل العمل اليومي الذي يسمح وحده للشاعر بأن يعبر عن اللامعبر عنه، هنا تكمن عناصر الفن الشعري، وهنا تنتصر العوامل اللاعقلانية، رغم أن العمل حسب اعتقاد الشاعر، يكاد دائما أن ينطلق من الواقع كما يتمثل.
وبالتأكيد، فهذا لا يفسر بتأثير (رودان) بل أنه ليفسر على الخصوص إذا حللت أعمال هذا الأخير الذي استطاع (ريلكه) المرتبط به كما كان مريدو (ميسي Messie)(5) يفعلون معه، أن يندفع لتعريف الفن على العموم. أن هذا النحات قال في أول دراسة خص بها الشاعر: «انه كان في مدرسة (دانتي) Dante ومدرسة (بودلير Beaudelaire). فلقد وجد عند هذا الأخير مجموعة من الكلمات ذابت في يديه الساخنتين، وخطوطا لمس وجهها، وقصائد بدت كما لو كانت أعمدة ذات تاج مرتبك، وثقل فكرة قلقة».
ولقد قال (ريلكه) في محاضرة عن (رودان) ألقاها سنة 1907: أن العمل الفني المنتهي في اللحظة، عند الإنسان البدائي، «يدخل إلى عالم الأشياء، ويحصل على طمأنينتها وكرامتها الهادئة، ولا ينظر أبدا إلا مشابها لمن ينظر بقلق فهمي خارج ديمومتها. وهذه الأشياء تعني أننا نبدع بالعناصر الإنسانية والحيوانية أو عناصر أخرى تقع عليها حواسنا، «اننا لا نعرف ما لا يموت معنا، ما يستمر، أكثر قربا مما هو فوقنا، وأنه شيء».
إن الشيء لا يمكن أن يتحول إلى حياة «بفضل الأفكار الكبيرة، ولكنه يستطيع ذلك، لو جعلنا منه حرفة، وشيئا يوميا يستمر أمامكم إلى النهاية». هذا ما قاله (ريلكه) في نفس المحاضرة السابقة الذكر. ونحن نعتقد أنه من الضروري استقلال هذه النصوص المختلفة، لأنها تبدو لنا مشتملة على الجوهري من الأفكار (الريلكية) حول الإبداع الفني.
ماذا يميز الفنان الحقيقي؟ انه ليس تقنية التركيب، ولا المواد المستعملة لجمع الشخوص والأسباب، بالنسبة إلى النحات. إن كل هذا، يبقى من التوابع، إنه موهبة لمس الحياة التي تبقى أبدا عنصرا رئيسيا. ففي اليوم الذي اعترف فيه (رودان) بهذا، بفضل حدسه، صار أكثر عظمة من مصممي الكنائس. وكما قال (أوجين كاريير(6)) (Eugène Carrière) في القرن العشرين: «أن (رودان) لم يستطع الإسهام في الكنيسة الغائبة». بينما نجح في أن يتابع ويلمس الحياة.
ان هذا النحات عرف كيف يأخذها من كل النواحي التي تتمثل فيها، لقد رصدها، وانتظرها، بل لقد طاردها حين كان ذلك ضروريا. إن الحياة التي كان يميل إليها لم تكن هي تلك المرسومة على الأوجه، كما لو كانت مرسومة على رخام الساعة.وفي فراغ جسم الرجل والمرأة العصرية، حيث لا يبدو أي جزء منه قابلا للإهمال، فإن (رودان) الفنان المبدع، توصل إلى لمس الحياة في وجهها الغير المقنع. لتتقدم الحياة بلا مبالاة أو بخطى واثقة، «وراء كواليس الثياب» فإنها تخلع القناع.
ويندفع (ريلكه) بدوره في مطاردة الوجود، في ديوانه: (أشعار جديدة). فبجانب القانون المقدس، الذي هو حصيلة جوهرية ناتجة عن علاقته بالفن التشكيلي الفرنسي، فمن العسير تدقيق القياس الذي بموجبه يكون الرسام (سيزان(7) Paul Cezanne) قد أتى ليتم تأثير (رودان)، ولأن يجعل من الشاعر كما قيل، «شاعر الأشياء» أو «مبشرا بالواقع».
وحوالي سنة 1910 أخذت الجمالية (الريلكية) صبغتها النهائية، وبما أنها جزء من أساس لاعقلاني، فكان يجب أن تقطع مسافة طويلة لكي تلتقي في بعض المجالات مع فكرة (بول فاليري Paul Valéry) ويجب التذكير بأنه ابتداء من ديوانه: كتاب الصور، كان (الريلكه) Duino إلى ديوانه: مرتبة دوينو على الرغم من بعض المظاهر، طريقة واحدة بنفسها، لملاحظة الإبداع الفني.
أن العمل يمنحنا السعادة، ولكن بقدر ما يحب الفنان عمله، فإنه يحكم عليه ويقدره. إلا أنه لا يجب عليه أن يتصرف هكذا، فعليه أن يعيش عمله، ولا يليق به أن يتحمس للأشياء التي كلف بها، بل عليه أن يعمل بشكل يجعله خادما لها بحيث يندمج فيها بشكل من الأشكال قبل أن يعبر عنها ويقولها.
غن للملاك أمداح العالم... غن له الأشياء
إن المرأة في الحب الأمومي، تستطيع أن تحقق المطلق: وما الفنان إلا متصرفا كذلك، بفضل قوته الخلافة، هذا هو المعنى الحقيقي للجزء السابع من «مرثية دونيو» وخاصة الجزء الشعري منها:
أن تكون في الأرض، فذلك روعة وسحر

هكذا يكون دور الفنان هو إعطاء الحياة للدمن الجامدة، وخلق عالم لا يوجد إلا في نفسه. ان الإنسان ليغتنم «عسل المرئي» بدون انقطاع، ليجمعها في «الخلية الكبيرة المذهبة للامرئي». ان (ريلكه) يشعرنا في هذا الحديث الرمزي، بعد أن عرض لنا الإنسان الذي يؤلمه محيطه، ويختنق بالطبيعة، وتطرحه الملائكة أرضا، ولا تفهمه الحيوانات نفسها. يشعرنا بانتصارنا عندما نتملك هذا الاكتشاف الذي يمنحنا الإبداع الفني سمة الدخول إليه. بينما لابد من المرور بتجربة الموت، من أجل أن نكون قادرين على البدء بغناء نشيد انتصار كل من يحيا.
وسيبقى بعد ذلك، سلم لابد من صعوده، أنه التحول الذي يغذي في الإنسان القوة على المرور في المجال الفائق الوصف.


ـــــــــــــــــــــــ
(1) Reiner Maria Rilke شاعر نمسوي ولد في براغ، سنة 1875. كان شاعر الفقر والموت والتشرد، مطبوعا باليحث عن الغامض والمبهم. سافر إلى مصر واستلهم أهرامها وتغنى بكنوزها الفرعونية. وقبل أن يسافر إليه زار تونس والجزائر وأحب الإسلام والعربية، حتى أنه أنشأ قصيدة كشف فيها عن إعجاب الشديد بالنبي، فيقول فيها:
ولم ييأس، بل ظل
يردد دائما: اقرأ
فقرأ حتى انحنى الملك
وأصب ممن يعرفون
كيف يقرأون
ويستمعون ويتمون (الرسالة)
ومات (ريلكه) في مستشفى (فال مون) (Val-Mont) بسويسرة في 29 ديسمبر 1926.
ولعل السبب في موته أنه أراد أن يقطف وردة من حديقة قصر (ميزو) ليقدمها إلى سيدة مصرية جميلة هي نعمت علوي بك، أحبها، وأحب فيها سحر مصر الإسلامية والفرعونية، فوخزته شوكة منها، وكان السبب في دخوله إلى المستشفى وموته (المترجم).
(2) الشعر المطلقي هو ذاك الذي يتعارض مع الطموح اللامقاس للرومانسية، حين كانت تريد أن تلعب دور النبي، ولهذا فلا يجب الخلط لا بينه وبين رمزية (ملارميه Mallarmé)، ولا بينه وبين شعر الأب (بريمون هنري L’Abbé Henri Br&mond) الخالص، ولا بينه وبين فكرة الفن للفن عند البرناسيين الفرنسيين. ان الشعر المطلقي (الريلكي) شعر كله أصيل، ويرتبط من بعض وجوهه فقك، بتقاليد (شارل بودلير)، و(بول فاليري). (المؤلف).
(3) Auguste Rodin نحات فرنسي، ولد بباريس سنة 1840، ومات بها سنة 1917، وهو واقعي ذو قوة على النفاذ إلى عمق منحوتاته. ومن أعماله الشهيرة: تمثال الشهيد (أوسطاس Eustavhe) في كنيسة القديس (سان بيير)، ثم المجموعة الشهيرة المسماة: (بورجوازيو طاليه Baurgeois de Calais) من البرونز، ثم القبلة، ثم المفكر، ثم باب جهنم، وتمثال (بلزاك). ويقال أن جبران خليل جبران تلمذ له في باريس في مدرسة الفنون الجميلة بحي (بونابارت). ويبدو أن هذا من الدعاوي الجبرانية الكاذبة. (المترجم).
(4) Georges Luis le Clerc. Comte de Buffon عالم طبيعي وكاتب فرنسي، ولد في (Montbard) سنة 1707. ومات سنة 1788. وهو مؤلف التاريخ الطبيعية المنشور من سنة 1749 إلى سنة 1789 وارتقى إلى درجة أنه وضع نظرية عن تشكيل وتطور العالم. وكان في الوقت نفسه كاتبا مهتما بالتعبير عن أفكاره بوضوح ونبل. (المترجم).
(5) Messi. كلمة في الفرنسية من أصل عبري، وتعني مخلص ومحرر إسرائيل الذي سيقوم في آخر الزمن، وهذا شبيه بما عند المسيحية من أن المسيح سيقوم في آخر الزمن ويخلص العالم من الشرور وهذا نفس ما تعتقده بعض فرق الشيعة من بعث للإمام الذي سيعيد العدالة والخلافة إلى أهلها. ولعل المؤلف يعني به موسى مع حوارييه. (المترجم).
(6) Eugène Carrière رسام ونقاش فرنسي ولد في Goumay سنة 1849. ومات سنة 1906 ولقد كان فنه الشخصي يعتقد فضاء معتما في لوحاته. (المترجم).
(7) Paul Cézanne رسام فرنسي ولد في (ايكس ان بروفانس) سنة 1839. وما سنة 1906. كان يرسم كزملائه الانطباعيين في الهواء الطلق، ولكنه جهد في أن يرسم حسب تعبيره الخاص: «أفراخا في الطبيعة» ليعلم على الخصوص بأن ردود الفعل النفسية تعدل من الرؤية. ولقد كان معتبرا من أكابر الذين مهدوا لكل الحركات المعاصرة في الفن. ولقد نعى عليه الرسام الإسباني المعاصر: (سالفادور دالي) الذي يتزعم وحده الاتجاه السوريالي في الرسم: «جهله المطبق بالرسم، ذلك أنه كان عاجزا عن أن يرسم صورة لأمه المتوفاة، حيث رغب إلى أحد المغمورين من الرسامين بوضع هذه الصورة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here