islamaumaroc

المغرب وفارس عبر التاريخ -3- [رد على تعقيب]

  دعوة الحق

العددان 98 و99

بعدما مضى على مقالنا المنشور بدعوة الحق وجدت الصديق الدكتور عبد اللطيف السعداني، يذكره ويعقب عليه، بعلمه الغزير وأدبه الجم، فأشكر للأستاذ الصديق هذه العناية وهذا الأدب اللطيف الذي استعمله معي، ومع مقالي المتواضع، وأعود لأذكر فيه ما يلي:
لم أقل ـ ولا أريد أن يفهم مما قلت ـ أن العرب هم من أطلقوا هذا الاسم فارس) على إيران.
أما كون «الفرس هم الذين أطلقوا على العرب طائي» تازي أو طازي» فلا يدفعه كون العرب كانوا يعرفون بهذا الاسم، طائي، عند السريان، والعمدة في ذلك الاشتقاق والتاريخ المؤيد بالبقعة الجغرافية، ثم الأستاذ الراحل بول كراوس، الضليع في اللغات السامية، ومنها السريانية، طبعا: فلقد كنا ندرس عليه فقه اللغة سنة 42 – 43، فعلمنا أن إطلاق طائي على العرب كان فارسيا، لأنهم كانوا ملاصقين لهم، ولا أظن ذلك كان لأولئك السريان الذين جاروا الاستعمال الفارسي، عن علم أو غير علم منهم.
أما إيران، ففي أقدم كتاب للجغرافية العربية، نجد ابن خرذاذبه يذكر أن «ايرانشهر هي العراق وأن «السودان.. كانت ملوك الفرس تسميه دل ايرانشر أي قلب العراق، وهو نفسه يذكر أن افريدون... ملك إيران وهو ايرج على ايرانشهر وهو العراق... ثم أتى بالأبيات المذكورة في عدة كتب، والتي سقناها ـ كما نظن ـ فيما سبق لنا نشره بهذه المجلة، وآخرها:
ولإيران جعلنا عنوة
فارس الملك وفزنا بالنعم

أما كون هذا أسطورة، فلا نتعرض لنفيه ولا إثباته، لأنه لا فائدة في نفسه أو إثباته، من حيث أنه وهو أسطورة، لا يعرف الناس الأول عن تلك التسمية لذلك الاعتبار الأسطوري، فالآرية وغير الآرية مسألة صارت في عموما لا في خصوصها تخضع للعلم، والعلم لا يحتم على الناس في ماضيهم السحيق أن يكونوا مناطقة مصيبين في كل أشيائهم، ومنها هذه التسمية، التي ذكر وجه اعتبارها ابن خرداذبه منذ ما يزيد على ألف ومائة سنة، وكان فيها لا محالة معتمدا على من سبقوه بمئات أو آلاف السنين، وهو طبيعي قائم على فكرة النظام الايوي (Patriarcat) للشعوب.
أما كون كلمة خاور من قبيل المشترك بين المغرب والمشرق فهو ما يفصح به أهل اللغة، ولا نحتاج لهؤلاء لترد على صديقنا في قوله «ليست كلمة المغرب (خاور) في اللغة الفارسية من قبيل المشترك» لأنه نفسه سيقول بعد أسطر قليلة «وقد يطلق الاثنان (خاور وباختر) على المعنى الآخر» يعني المشرق والمغرب، عكسا بعكس، وهذا الذي ذكره هو الفاصل في هذا الاشتراك، فما الاشتراك إلا جعل كلمة دالة على عدة معان، منها الأضداد، بطريق ما، يكون فيها المجاز وغير المجاز. وزادنا علما بأن «باختر» هذه أطلقت في لغة الابستاق على الشمال، زيادة على كونها، أطلقت على المغرب، بشيوع كثير، ثم على عكس «خاور» التي يجعل الشيوع فيها للمشرق عند الإطلاق.
وبهذه المناسبة، قد استرعى نظرنا أخيرا، ونحن مازلنا دائبين في حبثنا، أن (خاوار) كانت عاصمة لإقليم كوار فيما وراء فزان بالصحراء، بل عند أول الصحراء الكبرى، كمفازة على ظهر جبل، وقد ضرب عقبة الحصار على هذه المدينة فامتنعت عليه. «فخاوار» هذه يظهر أنها «خاور» الفارسية، بمعنى المغرب، هنا، لا المشرق الذي جعله الأستاذ الزميل هو الشائع الكثير، وان كنا ما تعرضنا للشيوع بالمرة، بل قلنا الاشتراك المجرد الذي ينشأ في اللغة لعوامل شتى كما قلنا.
وكون المغرب في اللغة الفارسية كان يعني «في كثير من الأحيان المغرب الذي نعرفه ونسكنه» لا يقدح في كونهم كانوا يطلقون المغرب على غير هذا المغرب الذي لا نعرفه ولا نسكنه، وإن كان ذلك منهم في غير كثير من الأحيان، فنحن لم نقل بالكثير ولا بالقليل في ذلك، وإنما قلنا بالإطلاق، كما لم نقل بالشيوع الكثير وغيره قبيل هذا، وبذلك لا يكون مفهوم المغرب «واضحا في ذلك العهد» بالضرورة، كما يرى صديقي الأستاذ عبد اللطيف، ونحو هذا يقال في البربر، فلا نطيل فيه الكلام، وقد قال فيه الأستاذ «بتارة» و«تارة أخرى»..
وما قلنا بـ «أن يكون البربر بمعنى بابر الفارسية» بل قلنا بما معناه ـ وليس بيدي مقالي ـ إن كثيرا من الأساطير قد تدخل في الحقائق التاريخية في يوم من الأيام كما أن كثيرا من الحقائق التاريخية قد تدخل في حيز الأساطير يوما من الأيام، وأذكر أن السفير الإيراني بالمغرب، قال لي أن البربر لعلهم أتوا من إيران، فهم عندنا جماعة رحل يسمون برابر إلى آخر ما قال وذكرناه، فقلنا نحن: هذا كلام لا يقبله العلم اليوم وقد يقبله غدا، أو كما قلنا، وبذلك لا نلزم بغيرنا فيقال لنا «هذا تكلف لا مبرر له.. الخ».
وأظن أني في غنى عن التذكير بأن كلمة «القيروان» عرفت في العربية معربة بهذا اللفظ قبل أن توخذ لتسمية المدينة التونسية (كما يعتقد)، ولعلي أشرت إلى هذا نفسه فيما كتبت، والذي مازلت أذكره، واذكر به هو أنا قلنا أن المكان كان معروفا بهذا الاسم قبل تأسيس المدينة به، ولهذا وجدنا ابن خلكان في إحدى وفياته، ينقل أن المكان كان معروفا بهذا الاسم فيما قبل لنزول القوافل به، ولا لزوم لأن يكون (Caravannage) هكذا، وإن كان يذكر بصورة قريبة منه «قروان» كذلك، وعن الليث بن سعدان أن عقبة رحمه الله غزا افريقية فأتى وادي القيروان، كما نقل السلاوي في الاستقصا، وعلق عليه الأستاذان ولداه بهذا التعليق «في تاريخ الفلاسفة في ترجمة أرستيب منهم أنه كان من مدينة القيروان من مدن برقة وكان هذا الفيلسوف معاصرا لأفلاطون الحكيم قبل الاسكندر، فدل هذا على أن القيروان كانت مدينة قديمة بنواحي برقة فاندثرت والله أعلم» فليحقق هذا الكلام الذي يفيد أن تحقق وتأييدا لما قلنا من أن العرب آنذاك احتفظوا بالأسماء الموجودة في أماكنها، ان القيروان لو روعي فيها أن تكون معسكرا للجيش أي تكون مدينة عسكرية، فقد روعي هذا في غيرها ولم يسم قيروانا، بل سمي «كوفة» و«بصرة» و«فسطاطا» لأن كل واحد من هذه اتخذت الاسم الإقليمية المحلي، فلم ينشئ لها العرب أسماءها من عندياتهم، كالاعتقاد السائد عند الناس.
ولم أثبت أن اسم مدينة فاس هو فارس، بل نقلت ذلك عن روضة القرطاس، ذاكرا هذا النقل عنه، وعبارة صاحب الروض ليست كما ساقها الأستاذ الصديق، حتى لا يكون فيها دليل على ما سقناه نحن، فليس فيها جماعة من «الناس» بل جماعة من «الفرس»، كما نقل ذلك صاحب الاستقصا، فلعل نسخة الصديق سقيمة محرفة مصحفة.
ولم استدل بدليل في غير محله، لا في كتابي ولا في مقالي، فتخليد وجودهم بالمدينة، هدفت إليه التسمية لأحد أبواب المدينة لا محالة، سواء سقط عليهم السور، فكان تخليدا لمأساتهم هم أم لم يسقط فكان تخليدا لذكراهم كذلك، فلا تهم المأساة في حد ذاتها بقدر ما يهم الوجود الذي عنيناه، ولا أفهم كيف تدفع عبارة «فصنع هناك بابا سماه باب الفصيل» الأستاذ الزميل لأن يرى «في الكلمة فرسا» « Faras » لا فرسا « Fors ».
ولا ضير على الصديق أن يرى «عن طريق الحدس أن فاسا هي فاس بالألف وهذه اسم مدينة معروفة بمنطقة فارس في إيران وهذا التأويل غير بعيد عما علل به صاحب روض القرطاس تسمية مدينة فاس» فهذا ما قلناه منذ  خمس عشرة سنة فيما نشرناه بمجلة الأنيس أو لسان الدين.
وإذا استأنسنا، ولنا صبابة من الفارسية، بمن قال أن البصرة معربة عن «بس راه» الفارسية، فلا يضيرنا أن ذكر ياقوت احتمالات أخرى قبل هذه، بل لا يضيرنا في هذا حتى لو لم يذكر هذا الاحتمال بالمرة، وذكره غيره، لأن الله لم يخلق غير ياقوت، بل خلق غيره من الجغرافيين واللغويين والرواة، وهم كثير بحمد الله.
ثم أستفيد الصديق، عن أبي عثمان المغربي الذي زار إيران في القرن الثالث الهجري، من هو هذا الزائر، وهل كان من مغربنا الذي يعنينا ونعنيه؟
وأما ميسا Misa الإسبانية فليست فارسية، كما أن Mesa ليست كذلك، فالأولى المسيحية والثانية المعتادة والتي يقصدها الأستاذ وكلتاهما ليست فارسية، بل لاتينية، الأولى Missa والثانية Messa.
وأخيرا أؤكد للأستاذ من جديد أن كلمة خنجر وطرة ليستا عربيتين كما قال، بل هما فارسيتان كما قلت وشاهدي معاجم اللغة ومعالم الاشتقاق، والله الموفق للصواب، وشكرا للأستاذ الصديق، وحمد لله إن صار الموضوع يهتم به الناس، بعد ما مضى على اهتمامنا وحدنا به، نحو العشرين سنة، فلله الحمد مرة أخرى ثم لله الحمد.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here