islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  عبد الكريم غلاب

13 العدد

حينما انتدبني السيد رئيس التحرير لأعلق على العدد الماضي، وجدت نفسي بين اثنين كلاهما عسير وكلاهما محرج، فلم يكن من السهل أن أرد على إلحاحه بالرفض أو الاعتذار، فأنا أعتبر الاعتذار عن عدم المساهمة في أي مجهود فكري أو أدبي خيانة لرسالة الأدب و الفكر، وكفى الأدب والفكر من خيانات المنتسبين إليها في هذا البلد. ولم يكن من السهل أن أتناول عددا حافلا ممتازا حقا – كالعدد الماضي من مجلة دعوة الحق – بالنقد والتعليق، فذلك يتطلب مني على الأقل أن أقرأ – أو أعيد قراءة – مائة وأربعين صفحة من الحجم الكبير قراءة تصبر ونقد. ثم إنه يتطلب مني أن ألبي دعوة الحق، فأعلق وأنقد دون أن يكون في تعليقي ما يتنافى مع الحق، يمس بالدعوة التي تحملها هذه المجلة الفتية.
وكان لابد من إحدى الخطتين، فاخترت أرحمهما وأطلبهما إلى نفسي، عذري عند حضرات الكتاب الذين قد لا يروقهم هذا التعليق، إنني لم أستطع أن أتخلى عن رسالة الأدب و الفكر، في الوقت الذي تخلى عنها كثيرون.
والعدد في الحقيقة ضخم ممتاز شكلا وموضوعا، فإن العناية التي تبذلها المجلة في الإخراج والتنظيم لا نقل مطلقا عن العناية التي تبذلها في استجلاب الكتاب واستكشاف المواهب وبعث المقبور أو ما يمكن أن ((يقبر)) من الأبحاث و المقالات.
وقد حاولت أن أقسم العدد إلى البحث والمقالة والقصة والقصيدة، كما هو الطبيعي في مجلة تعنى بشؤون الثقافة والفكر، فوجدت معظم مواد العدد أبحاثا، أو مقالات شبيهة بالأبحاث، فالجانب الأدبي أو الفني ضعيف في العدد على العموم، إذا استثنينا أربع قصائد أو مقطعات شعرية حظ الأدب فيها – أو في بعضها – مشكوك فيه كما سنرى.
وهذه الظاهرة ليست غريبة على الإنتاج المغربي، فطابع الحركة الفكرية في المغرب – في تاريخه وحاضره – تتسم بالبحث العلمي فلسفة وتاريخا وفقها وقانونا، أما الإنتاج الأدبي العربي فإن حظ المغرب فيه ضئيل ضعيف على قدم عهد العربية واتصال المغرب بآفاق العربية في شماله وشرقه. وقد برهنت النهضة الثقافية الحديثة بالمغرب على أننا خير خلف لخير سلف، فإنتاجنا الأدبي لا يقل ضئالة وضعفا عن إنتاج أسلافنا، والدليل فيها نشهد مما أنتجه أدباء المغرب في ربع القرن الأخير.
وليس من شك في أن كثيرا من الأبحاث التي احتواها العدد سواء منها الاجتماعية أو الأدبية أو التاريخية قيمة يستحق كاتبوها التهنئة.
وفي طليعة هذه الأبحاث البحث المهم الذي كتبه للمجلة الزعيم (علال الفاسي) عن (التفكير الاجتماعي) فقد اتسم بسعة الأفق وحرية الرأي التي تقر تعبد أفكار الآخرين وآرائهم، كما اتسم بطابع التوجيه، فهو لا يقرر حقائق اجتماعية جافة، ولكنه يتتبع نماذجها في حياتنا الاجتماعية، متخذا من أخطائنا وأسلوب معالجتنا لهذه الأخطاء أمثلة لما يريد أن يقرره من أفكار وآراء، وهكذا كانت ثورته على العلاج الواحد للمشكلة الواحدة التي تظهر في مجتمعات وبيئات تختلف عقليتها كما تختلف أصول الحكم فيها على الظواهر الاجتماعية، ومن هنا كان مركب الخطأ عند الكثيرين في نظرتهم إلى الدين أو إصلاح كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية.
والبحث من نفس المستوى الذي كتب به الزعيم كتابه (النقد الذاتي) وإذا كنت أعتقد أن كثيرا من الآراء التي وردت في الكتاب قد تكررت في هذا البحث، فإن وضعيتنا ونحن نعالج مشاكلنا بأنفسنا، في حاجة إلى التذكير بهذه الآراء وإلى التبشير بها في كل ناد وكل صحيفة ومن كل منبر.
 (ووحدة المغرب العربي) كان لها نصيب في العدد الماضي، فقد نشرت المجلة بحثا قيما مستفيضا للأستاذ (عبد العزيز بن عبد الله)، وقد نشر لثالث مرة بالمغرب في وقت واحد (نشرته مجلتنا تطوان، ودعوة الحق، ونشر في الجزء الثاني من كتاب مظاهر الحضارة المغربية) كما نشرت مقالا للأستاذ (ابن منصور) في الموضوع نفسه، وإذا كان موضوع الأستاذ (ابن عبد الله) يتسم بطابع البحث العلمي الدقيق، فإن مقال (ابن منصور) يتسم بالطابع العاطفي الإنشائي الذي لا ينسى بعض الحقائق الجغرافية والتاريخية، وبعض التنبؤات لمستقبل هذه الوحدة.
والأستاذ (ابن عبد الله) في أبحاثه التاريخية لا يكاد يبتعد عن مصادره، فهي على كثرتها ووفرتها لا تقلق الكاتب بقدر ما تقلق القارئ، وعبثا تبحث عن رأي للمؤلف إلا في مناقشة لكاتب قديم أو حديث، بل إنك لتجد الحقائق المتداولة، حتى في الكتب المدرسية منقولة – بالصفحة والجزء – عن مؤلف عربي أو غربي ولعل كثرة هذه المصادر وفكرة النقل عنها تضخم مادة البحث لدى الكاتب، وتطبع بحثه بطابع الفوضى وعدم النظام، وكل ذلك لا يمنعنا من القول بأن البحث يجمعها وينسقها إلا عالم باحث صبور كالأستاذ (ابن عبد الله).
ومن الأبحاث اللامعة التي تسترعي انتباه القارئ بحث (عبد القادر السميحي) عن (اتجاهات الشعر الحديث) فقد حاول أن يصور بأسلوب فني عرضي شعر المدرسة الحديثة الذي يعتمد على الشاعر الإنسانية و الذاتية، وعلى الصور الموحية، وعلى الكلمة الحية الغنية بالمدلولات، وعلى الموسيقى الهامسة، كما حاول أن يصور انطلاق الشعر الحديث من قيود الفن القديم كالوزن والقافية، متخذا من آراء ومحاولات شعراء العرب والانجليز ونقادهم أدلة على ما يقول، كل ذلك في أسلوب فني رائع، فيه حيوية وفن، وفيه إيحاء لتجارب عاشها الكاتب مع فنه ومحاولاته. وذلك ما يجعل كلمة الأستاذ (السميحي) تخرج عن نطاق البحث إلى مجال المقالة، ولعل ذلك ما دفع به إلى أن يضع عنوانها كما يأتي (خواطر عابرة من اتجاهات الشعر الحديث).
ولا يوجد في العدد على ضخامته ما يتصل بالأدب غير كلمة (السميحي) وكلمة (الصباغ) وللصباغ طريقته الخاصة في الكتابة، حتى وهو يرثي (أبا ماضي) فهو يعتمد على اللفظة الثائرة والمقطع الهادر والمبالغة الجزئية والمقارنة النافرة التي تجعله يضع في قرن ضراوة هوميروس، وسم سقراط، وتشاؤم المعري وصخر الخنساء، وشرف المتنبي.
ولا تخلو كتابات السيد (الصباغ) من نزعة ذاتية، فهو حريص على أن يقرن اسمه دائما بأسماء الكتاب الكبار وشعراء المهجر وأدبائه على الأخص، وقد تنتهز فرصة كلمة رثاء لينقل إلى القارئ مراسلة له أبي ماضي.
ونعود إلى الأبحاث – والعدد كله بحوث – فنجد بحثا قيما للمرحوم (محمد السايح) عن (الفخر الرازي في عالم الفلسفة) وقد برهن البحث مرة أخرى عن نشاط علمي ممتاز لفقيه وقاض شرعي، ولعله آخر من تمثلت فيه شخصية العلماء الفقهاء كما عرفهم المغرب وكما عرفتهم الأندلس، فقد كان لقب الفقيه يحمل معنى العالم الذي يساهم بنصيب وافر من الثقافة الإسلامية التي اتسعت آفاقها، فشملت الفلسفة والأدب والتاريخ.
وكان المرحوم (محمد السايح) يمثل هذا الجيل من الفقهاء، وتلميذا مخلصا لهؤلاء المثقفين ثقافة إسلامية، وحبذا لو اتجهت نية أبنائه إلى نشر مآثره من كتب وأبحاث، وخاصة الأبحاث التي تتصل بالتراث الإسلامي، والتي تتصل بالعلوم والفلسفة والفقه، غير أن عنوان البحث كان أضخم من محتواه، فقد تناول بدقة عصر الرازي وأثره في نشاطه العلمي وترجمته باختصار. أما آراؤه الفلسفية والعلمية فقد كان عرضه لها سطحيا وسريعا، ولعل مما يشفع له في ذلك أنه بحث قصير وليس كتابا، والموضوع كما رسمه العنوان أضخم من أن يتسع له بحث قصير.
في العدد بحث قيم للأستاذ (عبد العزيز إدريس) عن (الشخصية الإنسانية في الإسلام) وفيه فهم قويم لروح الإسلام وإبراز للحرية الفكرية كما فهمها الإسلام، ودعوة مؤيدة بالحجج القرآنية إلى التحرر الفكري، ومقال الأستاذ (عبد العزيز) مساهمته منتجة في الأدب الإسلامي وفي الدراسات الحديثة التي ابتدأت في الشرق بأبحاث (أمين الخولي) و (سيد قطب) و (الشيخ البنا)، والتي هي استجابة كريمة لدعوة (محمد عبده) وحبذا لو كان هذا البحث نموذجا للذين يتحدثون عن الإسلام ويكتبون عنه في دعوة الحق.
من أبحاث العدد التي تسترعي الانتباه بحث عن (الدبلوماسية المغربية) للأستاذ (بنيس) وهو يصور العمل الدبلوماسي والعسكري الذي قام به المغرب للمحافظة على سيادته واستقلاله إزاء القوى الثلاث التي هددت المغرب في القرن السادس عشر، والبحث أشبه بعرض تاريخي طغى عليه العمل العسكري والخلاف الداخلي، ولم يتناول من الدبلوماسية المغربية إلا مظهرا سطحيا بسيطا عرضه عرضا سريعا. ومع ذلك فهو محاولة جديدة لدراسة الموضوع، أرجو أن يوفق كاتبها إلى مراجعة مصادره، وبالأخص منها الوثائق التي تتجلى في المكاتبات الخاصة بين السلطات المركزية في المغرب والسلطات الدولية التي كانت تنازع المغرب سيادته واستقلاله، ثم في البعثات الدبلوماسية التي كانت تتردد بين المغرب وتركيا، أو بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.
واجب أن أنبه الكاتب إلى بعض الأخطاء النحوية و اللغوية، وهي قليلة، ولكن ما كان ينبغي أن يقع فيها. وما رأيه مثلا في أن (أسبغ) لا تكتب بالصاد؟ .
وفي العدد ترجمتان لبطلين من أبطال المغرب هما (عبد الله بن ياسين) و (محمد العياشي)، كتب الثانية رئيس تحرير المجلة (عبد القادر الصحراوي)، وفي كل منهما عرض واف لمراحل الكفاح التي اجتازها البطلان، سواء الدعوة إلى التحرر الديني كما اصطبغت به دعوة عبد الله بن ياسين، أو التحرر السياسي كما اصطبغت به دعوة (العياشي). وألاحظ في ترجمة (ابن ياسين) إن الكاتب نفى عن (عبد الله بن ياسين) كل تفكير سياسي، وإذا كان قد استهدف لخوض غمار السياسة فإنما ساقته إلى ذلك الحوادث القاهرة، الذي أعتقده أن العمل السياسي كان هو هدف ابن ياسين، وقد تكون الدوافع دينية أو خلقية، ولكنه كان يهدف إلى تكوين دولة، وقد تكونت هذه الدولة بعد أن مهد لها الطريق وفتح لها أبواب المعركة.
أما ما ألاحظه على كاتب ترجمة (محمد العياشي) فهو هذا الاستطراد الممل والطول المتعب والحرية التي يعطيها لنفسه، سواء أكتب المقال أو البحث أو الترجمة فعشر صفحات من المجلة كثيرة جدا على المعلومات القيمة التي قدمها للقراء عن (محمد العياشي)  والموضوع طريف والرجل مجهول نسبيا، ولكن الموضوع والمعلومات كثيرا ما تضيع وسط الاستطراد و ((والبحبحة)) في الكلام، لعل عذر السيد (الصحراوي) أن وقته لا يتسع للتركيز والاقتصاد في القول.
ثم يأتي مقال (نحو مستقبل أفضل) للسيد (محمد بناني) وهو عرض وتصوير لبعض أوضاع المجتمع المغربي، وقد بدأه منذ خلق الله آدم (آدم العربي بالطبع) ولكنه مع ذلك تصوير لمعالجة الإسلام مشكلة تكوين المواطن الصالح عن طريق المسجد والمدرسة والنادي، وعن طريق العبادة والعقيدة والصوم والزكاة، ودعوة إلى فرض ضريبة الزكاة كعلاج للفقر، وكنت أفضل أن يعرض الكاتب بحثه بطريقة موضوعية، فيتصور مجتمعنا، ويقترح ما يراه من إصلاح لبناء مستقبله على أسس أفضل، وبذلك يتحد موضوعه وتتركز أفكاره الإصلاحية التي يدعو إليها.
وبحث آخر طويل عن (أسير أغمات) كتبه السيد (المهدي البرجالي)  وفي البحث مجهود مشكور وتلمس للحقائق من خلال التاريخ، ولكنك تبحث عن جديد من النظريات أو النتائج فلا تكاد تجد رغم طول البحث، ومهما يكن فإن المجهود الذي يبذله شبابنا في تلمس الحقائق ودراسة تاريخ بلادهم وتفهم المشاكل العلمية عن طريق الدراسة والبحث، كل ذلك مما يبشر بمستقبل زاهر للحركة الفكرية في هذه البلاد.
وفي بحث (العروبة والإسلام) يلخص الدكتور (المهدي المنجرة) النظريات التي أبديت عن نشأة العالم العربي الإسلامي، والاختلاط الذي حدث في التفريق بين العربي والمسلم، بين العروبة والإسلام، وبين الحضارة العربية والحضارة الإسلامية، والثقافة العربية والثقافة الإسلامية.
وقد انتهى من بحثه إلى نتيجة تتصل بواقعنا من مفهوم ((عربي)) وهو أن هذا المفهوم يعتمد على اللغة وعلى فحوى وطني، تلونه المفاهيم الجيدة للقومية التي تحاول أن تتجاهل الشريعة الإسلامية (لعله يقصد الدين الإسلامي) دون أن تتجاهلها.
والبحث قيم في حد ذاته، ولكن الملاحظ أن النظريات التي ساقها الكاتب – ومعظمها صائب – لخصها أو اعتمد فيها على مصادر أجنبية. وبعض هذه المصادر تحدوها نزعة غير علمية حينما نتحدث عن العروبة والإسلام، ويمكن أن يضرب مثلا لذلك بالحكم الذي أصدره (الدكتور حتى) (وهو عربي الأصل مسيحي الدين غربي الثقافة) وفي موضوع انتصار الفكرة الإسلام في العهد الأموي، فقد قال (حتى) في هذا الصدد: (لقد انتصرت العروبة بادئ الأمر، وليس المحمدية) وأضاف المنجرة تفسيرا لذلك قائلا: (ذلك أن قرنين انصرما قبل أن يبدأ الناس في ممارسة الإسلام) وقد يكون الدكتور (حتى) انساق مع ما يقرره التاريخ من أن النزعة الأموية انتصرت على النزعة الهاشمية، ولكن رغم العصبية القبلية التي كانت تسير الحياة السياسية في بداية العهد بالإسلام، فإن الفكرة المحمدية، أعني الإسلام، كانت فوق ذلك ولا يمكننا مطلقا أن نقرر – مع المنجرة – أن الناس لم يمارسوا الإسلام إلا بعد انصرام قرنين. وأعتقد أن السيد المنجرة لو اعتمد على مصادر عربية إلى جانب مصادره الأجنبية، لتحرر قليلا من المسلمات التي نقلها، وكأنها وحي نزل السماء .           

الجانب الأدبي الفني لم يحظ من العدد إلا بصفحة ونصف صفحة ((إلى جانب الشعر طبعا)) وأنتزعهما الأستاذ (عبد المجيد بن جلون) في تصويره الرائع (للحمى) وهي تقسو بسياطها الفاجرة الداعرة على مكان الجسم والروح والعقل والأحلام من شاب أخذت الحمى المجنونة بتلابيبه أخذا لا رحمة فيه.
وبودي أن لو فسحت المجلة صدرها للجانب الفني الأدبي من قصص ومقالات، فإن ذلك كفيل بتحقيق معنى ((المجلة)) وكفيل أيضا بأداء رسالتها الفكرية والأدبية.
ولي مع الشعر في العدد حديث كان بودي أن يطول لولا أن مادة العدد قد أرغمتني على أن أطيل أكثر مما قدرت.
وفي العدد خمس قصائد أو مقطعات، أولاها (ملك ونصر) (لمحمد الحلوي)، ويخيل إلي بادئ في بدء أن هذه القصيدة قد نشرت وأني قرأتها، فإذا كنت صادقا في حدسي فأي موجب لأن ينتشر الإنتاج الواحد في الصحف والمجلات عدة مرات؟ وإذا لم يصدقني حدسي فإن المعاني نفسها قد تكررت وبصورة واضحة عند الشاعر نفسه، وفي عدة قصائد من قصائده العرشية، ولو نشرت هذه القصائد مجموعة لبان واضحا هذا التكرار الفاضح، واقرؤوا المقدمة فستجدونها في قصيدة قالها (الحلوي) في مدح الملك، بل اقرؤوا القصيدة جميعها فسوف لا تجدون معاني جديدة إلا ما استحدثته الأيام من أحداث وقف فيها الملك حقا مواقف مجيدة.
وفوق هذا فالأسلوب رائق منسجم، والعافية طيعة لينة، واللفظ مختار معبر، والانسجام بين المضمون والأداء متوفر، وهي براعة نقودها في الشاعر الحلوي.
وقطعة (مصطفى المعداوي) قطعة خفيفة ذات أسلوب حي، وهي من الشعر الفردي الذي لا يكاد يحس قارئه يتجاوب مع الشاعر، فبحسبنا أن نرجو للشاعر مستقبلا وتوفيقا إذا ما تناول موضوعا إنسانيا أو تجربة شخصية تجد صداها في كل نفس.
وقطعة (نهر السين) (لمحمد الناصري) فيها تصوير لا بأس به، ولقطات لا تعدو أن تكون لقطات شخص عادي والأسلوب أيضا في حاجة إلى سبك وصقل، ويبدو أن العهد لا قد بعد بالشاعر عن ممارسة الشعر، ولكن ذلك لا يعني أن الممارسة وفتح الأفاق سوف لا نقضي على هذا التعثر، فتخرج بشاعرنا من طور المحاولات إلى الإنتاج الرفيع، فإن ذلك ما نتوقعه، وما هو باد بوضوح في القطعة التي بين أيدينا. والسيد (التواتي) يسجل في قطعة (صومعة حسان) مشاعره التي أحس بها مند سنة 1946 ولعل القراء يحسدونه على الذاكرة القوية التي يتمتع بها هذه المشاعر، فقد سجلتها بعد اثني عشر عاما، فكانت كلها تمجيدا للفن والسطوة والحرب والعدل والقوة وما شئت من صفات تمتع بها الأجداد الذين طوقتهم صحف الغابرين، أما صومعة حسان فلم تكن لها من أثر في هذه المشاعر، إلا الأثر الذي خلفته في المقدمة ، إن جاز لنا أن نحسب المقدمة من صلب القصيدة. إنها لقطات على الهامش، ولكنها مع ذلك حية بأسلوبها واختيار ألفاظها وجرس قافيتها.
وتأتي بعد ذلك (تحية) (علي الصقلي) وهي تحية كريمة لدعوة الحق كان يمكن أن يكتبها نثرا، فيعفينا من (شذا الخزام الذي يضمخ المعمور، وقرن الشمس الذي يزجى النور للتائهين من الدجى مسيطرا).

وبعد فلي مع التحرير حساب آخر: كنت آمل أن يعفينا من هذه المقدمات الطويلة التي تكاد تملأ الصفحة الأولى من كل قصيدة أو مقال أو بحث.
وكنت آمل أن ينسق العدد على ضخامته ووفرة مواده تنسيقا أفضل، فلست أدري إلى أي قاعدة من قواعد التصنيف يخضع تنظيم العدد.
 ثم هذه الصورة الجميلة البديعة توضع في كل ركن لا يملأه سواد، فتضيع قيمتها الفنية، وتأتي كسواد يملأ فراغ البياض، مع أن بعضها قد تكون أروع من مقال وأجمل من قصيدة.
وتأتي بعد ذلك مشكلة الاختيار، فلعل السيد رئيس التحرير لا يلج هذه المشكلة ما دامت المادة عزيزة، ومادام لا يظفر بالمقال أو القصيدة إلا بعد مجهود دونه مجود الكاتب أو الشاعر، ومع ذلك فليس من رأيي أن ينتشر في المجلة كل ما يرد عليها.
ثم لي ملاحظة أخيرة، وهي أن مفهوم المجلة ليس معناه مجموعة مقالات وقصائد فحسب، فالتحقيق الأدبي، والاستفتاء، والخبر، والمناظر، وتصوير النشاط الفكري والعلمي والأدبي في الداخل والخارج، كل ذلك مما يدخل في مفهوم المجلة.
والذي أرجوه أن توفق ((دعوة الحق)) في سنتها القادمة بعد أن شقت طريقها وكافحت في سبيل تدعيم كيانها في سنتها الأولى. 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here