islamaumaroc

القومية المغربية -2-: بعض مظاهر القومية المغربية في القرنين 10 و11

  دعوة الحق

العددان 101 و102

استعرضنا فيما سبق العناصر الأساسية للقومية، ورأينا كيف يكون المغرب واحدة جغرافية وبشرية حقيقية. والآن نرجع إلى بعض الأحداث التي جرت على مسرح بلادنا خلال القرنين الهجريين: العاشر والحادي عشر (16 – 17م) فأثارت الوعي القومي لدى السكان، وفجرت فيهم طاقات العمل لصالح الوطن، اعتبارا بأن القومية ـ كسائر الظواهر النفسية ـ «لا تنمو نموها الكامل ولا تبلغ أوجها إلا إذا لقيت مقاومة أو إرغاما، أو لاقت خطرا مداهما».
كلنا يعلم أن المغرب عرف خلال هذين القرنين ـ بل ومنذ القرن الذي سبقهما ـ مشكلة احتلال الثغور على طول سواحل المتوسط والمحيط الأطلنطيقي. وكان لهذا الغزو الأجنبي ـ البرتغالي والإسباني ـ رد فعل قوي لدى السكان الذين راحوا يقاومون المهاجم الغاشم بكل ما أوتوا من حول وقوة في صبر واستماتة. والغريب أن أمد المقاومة طال طول عهد الاحتلال وحدة الصراع تشتد أحيانا وتضعف أخرى دون أن تنقطع أو تضمحل. هذه المقاومة من أبرز مظاهر القومية المغربية، إذ كانت في أغلبها شعبية تلقائية، شارك فيها مصامدة الأطلس الكبير، وصنهاجة الأطلس المتوسط، واعراب السهول الساحلية إلى جانب سكان الريف والمدن. ولقد مرت المقاومة الشعبية للاحتلال المسيحي بثلاث مراحل رئيسية:
1 ـ مرحلة ضعف السلطة المركزية أواخر عهد المرينيين فالوطاسيين. وفيها انفرد المتطوعون بالوقوف في وجه العدو لمحاولة منعه من التسرب إلى الداخل، إلا حملات ضعيفة محدودة قام بها الوطاسيون في ثغور الهبط لم تغير من واقع الاحتلال شيئا.
2 ـ مرحلة انتعاش الدولة على يد السعديين حتى وفاة أحمد المنصور. وفيها نشطت المقاومة وانتقلت من طور الدفاع إلى طور الهجوم، فكان طرد البرتغاليين من ثغور عدة على الساحل الأطلنطيقي.
3 ـ مرحلة انحلال السلطة وقيام أمراء الزوايا إلى أن استرجع الرشيد بن الشريف وحدة البلاد. وتمتاز هذه الفترة بتألق نجم المجاهد العياشي السلوي ومساعده الخضر غيلان، واشتداد أمر الجهاد البحري في مراسي سلا والقصبة (الودايا) وتطوان بانضمام المهاجرين الأندلسيين، وظهور ما عرف عند الأوروبيين بأسطول (قراصنة سلا).
وإذا لم يكن بالإمكان هنا تتبع هذه المراحل بما تستحق من تفصيل واستقراء، فإن من حقنا أن نتساءل كيف كانت تلك المقاومة الشعبية على وجه الإجمال؟ وما الدافع إليها؟ وما كان مفعولها؟، الحقيقة أنه يصعب الجواب بدقة عن السؤال الأول، لإغفال المؤرخين المعاصرين تدوين أكثر الأحداث الخارجية عن النطاق الرسمي، لكن مع ذلك تفيدنا أخبار عارضة ونصوص متناثرة هنا وهناك بمعلومات صحيحة قيمة ندرك منها أن المتطوعين للدفاع عن حوزة البلاد كانوا يقومون بعملهم بدافع وطني تلقائي مصطبغ بصبغة دينية (الجهاد). فهم يحصلون بوسائلهم الخاصة على ما يلزمهم من سلاح ومؤنة، ويقضون في الربط والمحارس القريبة من المراكز التي يحتلها العدو مددا قد تطول وقد تقتصر. وكان الفقراء منهم يقضون شهورا في تلك المراكز الحربية، وشهورا في مدنهم أو قراهم للكد في تحصيل الرزق للإنفاق على العيال وادخار ما يلزم لقضاء مدد أخرى في مواجهة العدو والمحتل(1). بينما كان العلماء والطلبة يقسمون السنة إلى فترة دراسة وفترة مقاومة وجهاد، فلا يقيمون في المساجد والمدارس إلا في الفصل المطير، ويقضون سائر أيام السنة في ميادين العراك(2).
أما كيف ومتى كانت تنتظم صفوف المقاومين، فإن الأمر ـ على ما يبدو ـ لم يكن مضبوطا ولا موقوتا، إذ أبواب الربط والمحارس مفتوحة باستمرار، والناس أحرار في أن يأتوها أو يغادروها متى شاءوا، وهي على أي حال لا تكاد تخلو من عشرات أو مئات أو آلاف المقاومين ـ حسب أهمية الرباط وتطورات الأحداث ـ. وهناك يقضون أيامهم في العبادة والتعلم ومراقبة تحركات المحتل، حتى إذا آنسوا من أنفسهم قوة باغتوا العدو فقتلوا منه وأسروا وسبوا، أو حاصروه في معاقله وضيقوا عليه الخناق. وقد تكون الكرة على المجاهدين فيسقطون في ميدان الشرف بعد أن يبلوا البلاء الحسن، وتقام على أضرحة من برز منهم في علم أو صلاح أو مزيد نكاية في العدو قبب ومشاهد تترجم ما لهم في قلوب الناس من مكانة ورفعة. وحظي المرابطون في سبيل الله بتقدير كبير من لدن العامة والخاصة، حتى أن لفظ (مرابط) ظل في المغرب حتى يومنا هذا، وبخاصة في البداية، لقبا تشريفيا يأتي مباشرة بعد وصف (شريف) الخاص بذرية الرسول الكريم. ومازلنا نشاهد قباب أولئك المرابطين شهداء الواجب على طول السواحل في بلاد سوس والحوز والغرب والهبط والريف، وأكثرها في حالة مزرية من الإهمال، تنكر لهم رهط من قومهم، وأنكرهم آخرون لما جهلوا كل شيء عن ماضيهم المشرق، وانقلبت الحقائق في أذهان البعض فراحوا يرمون أولئك الصلحاء ـ كما تسميمهم العامة ـ بالشعوذة، ويجردونهم من ألقاب السيادة التي ظلوا يتمتعون بها عبر القرون.
وبالعكس... ما أحوجنا إلى كتابة تراجم أولئك الأبطال الصالحين وإحياء آثارهم ومآثرهم لتكون منارات هداية لشبابنا الحائر، ولنؤدي كذلك خدمة لتلاريخ بلادنا الضائع.
وهناك مراكز تجمع أخرى عرفت تطورا كبيرا واتساعا عظيما خلال فترة الاحتلال الطويلة، هي زوايا الصوفية التي أدت خدمات جلى في الذود عن حمى الوطن. كان الشيوخ يرمون من وراء استقبال المريدين أو إيوائهم في الزوايا إلى تربيتهم تربية روحية تتدرج بهم من الاخشوشان في العيش والزهد في الدنيا وزخرفها إلى التفاني في حب الله والاستشهاد في سبيله للفوز بحياة النعيم المقيم. وتكاثر عدد الصوفية النابهين من تلاميذ الشيخين محمد بن سليمان الجزولي وعبد العزيز التباع، وانتشروا في كل أرجاء المغرب حواضره وبواديه، فكانوا قوة دينية وطنية مهمة لعبت أدوارا سياسية خطيرة أثناء القرنين اللذين نتحدث عنهما(3). فهم الذين رفعوا السعديين إلى العرش وظاهروهم حتى تمكنت دولتهم، وشدوا أزرهم في مطاردة البرتغاليين من كثير من الثغور. ثم قلبوا لهم ظهر المجن فانتزعوا من أبناء المنصور الذهبي وأحفاده كل شيء وتركوهم شبه محاصرين في مراكش ناقلين السلطة الفعلية إلى زوايا الدلاء وايليغ وترودنت...
وإذا أردنا أن نبحث في الدوافع التي حفزت المغاربة إلى مقاومة الأجنبي النازل في الشواطئ، وجب أن نستقرئ في أناة وصبر مراحل تلك المقاومة، والظروف والملابسات المحيطة بها، ونتعرف على مختلف العناصر التي شاركت فيها والأهداف التي كانوا يتوخونها وهم يتوارثون ذلك الصراع المضني أجيالا بعد أجيال. ومادام ذلك خارجا عن نطاق المضني أجيالا فلنكتف بطرح ومناقشة مشكلين طالما ردهما بعض المتشككين في وجود القومية المغربية في القرون الخالية. قهم يقولون: أن سكان المغرب لم يكونوا قبل عقود قليلة من السنين يشعرون بوحدة يمكن معها ادعاء وجود قومية مغربية. وكل ما كان من مقاومة للاحتلال المسيحي في القرن العاشر والحادي عشر إنما كان بدافع ديني ـ لا قومي ـ أي أنهم كانوا يجاهدون الكفار ويمنعون المسلمين ويحمونهم،لا أنهم كانوا يدافعون عن وطن أو يناصرون أقواما تجمعهم وإياهم تلك الروابط الكفيلة بتحقيق القوميات...! ولكي نبقى في نفس الإطار الزمني نذكر هؤلاء بوقوع احداث مماثلة في بلاد إسلامية مجاورة كان رد فعل المغاربة فيها مغايرا. فهذه الأندلس قد سقطت في يد الإسبان، وظل المسلمون فيها زهاء قرن يضطهدون أبشع اضطهاد فيثورون ويعتصمون بالجبال والحصون. لماذا لم يتقدم المغاربة إلى نصرتهم وقد استنصروهم فعلا؟ أليسوا مسلمين؟ ولنفرض جدلا أن المضيق قام فاصلا منيعا بين البلدين، فهذه الجزائر المتصلة بنا تسقط ثغورها تباعا في يد الإسبان، وتجري المذابح الفظيعة في المرسى الكبير ووهران على مرأى ومسمع من المغاربة. فلماذا لم يخفوا لنجدة إخوانهم المسلمين ضد المسيحيين؟ مع العلم أن هذه الثغور الجزائرية بالنسبة لكثير من قبائل المغرب الشرقي أقرب من بعض المدن المغربية المحتلة على الشاطئ الأطلنطيقي؟ أليس في ذلك دليل على وجود اعتبار آخر غير الذين كان يراه المغاربة هو الذي جعل شعورهم وموقفهم يختلفان باختلاف موقع المصاب. فهم يأسفون ويغتمون لما حل بالأندلسيين والجزائريين ـ وكفى ـ حتى إذا وطئت قدم العدو تراب المغرب وراح يروع سكانه ويسومهم سواء العذاب، تقلدوا السلاح وذهبوا خفافا وثقالا إلى الميدان دفاعا عن قوم أشقاء، وأرض غالية يرتبطون بها جميعا أشد ارتباط. أليس في ذلك عبرة ودليل على أن سكان المغرب الأقصى كانوا ـ منذ قرون ـ يشعرون شعورا واحدا داخل النطاق الجغرافي المعين مكونين بذلك (قومية مغربية) مكتملة العناصر متميزة الذات!
وهم يقولون أيضا أن وقوف المغاربة في وجه المحتل لم يكن إلا من باب الدفاع عن النفس، وضرورة دعا إليها الخوف على المصالح الشخصية المهددة باكتساح العدو المهاجم. وبعبارة أخرى أن الذين حملوا السلاح إنما دفعهم إلى ذلك دافع شخصي أو محلي ـ عن صح التعبير ـ لا وازع قومي شامل. وهذا الرأي ناتج ولا شك عن قصور في الاطلاع، ولعل لأصحابه ـ أن سلمت نياتهم عذرا لكون النصوص المعاصرة الدالة على خلاف ما يذهبون إليه لم تجمع وتدرس بعد في كتاب أو في فصل من كتاب، وإنما هي ـ أو أكثرها ـ مبعثرة هنا وهناك في مؤلفات غالبها مخطوط ليس في متناول الجميع... وإلا فكيف نعلل خروج آلاف المتطوعين من سكان الأطلس الكبير وما وراءه مع يحيى الحاحي لمهاجمة المحتلين في الجديدة؟ وبماذا نفسر نداء أبي حسون السملالي في بلاد سوس لاستنفار المجاهدين من أجل مؤازرة السلويين المهددين إذ ذاك بهجوم برتغالي ساحق؟ وما تأويل نزول كتائب من الأطلس المتوسط لحصار حلق المعمورة (المهدية) مع عبد الله الدلائي؟ أيقال أن أولئك كانوا يستشعرون خوفا وهم الآمنون في جبالهم الشاهقة وحصونهم المنيعة، لا يحسون من المسيحيين من أحد ولا يسمعون لهم ركزا. ومثلان آخران نضربهما لسكان المدن، تحركات أهل فاس الجهادية كانت تستهدف المحتلين في المهدية وأصيلا وغيرهما، مع العلم أن مدينة فاس ـ بحكم موقعها في الداخل ـ لم تكن قط هدفا لهجوم مسيحي. والمجاهد العياشي يوم أمره شيخه عبد الله بن حسون بالانطاع عن الدرس والانصراف إلى الجهاد، توجه أول ما توجه إلى آزمور لمقاومة محتلي البريجة (الجديدة) الآخذين إذاك في التوسع ليستحوذوا من جديد على ثغور دكالة وعبده، فقضى هنالك بضع سنوات قبل أن يرجع إلى مسقط رأسه بسلا، بل وحتى في فترة مقام العياشي بسلا كانت تحركاته الجهادية لا تقتصر على حلق المعمورة (المهدية) القريبة منه، بل بلغت أقصى ثغور الهبط المحتلة،  وقتل وهو راجع من إحدى غزواته في طنجة. فأين المصالح الشخصية والاعتبارات الحلية في كل ذلك؟
ولعل أروع مظهر للقومية المغربي في القرن العاشر هو معركة وادي المخازن، إذ لم يكن السعديون يتوقعون هجوم البرتغال عليهم في عقر دارهم بمثل تلك القوة الهائلة، فلم يعدوا للمر عدته.. أثار الخطر الداهم حماسا وطنيا شامل فقامت الأمة المغربية عن بكرة أبيها، ووقع التجمع الكبير في سلا حيث وافاها السلطان عبد الملك في جموع أهل الجنوب وانضم إليها المتطوعون من أعراب السواحل وزمور، وأسهمت القبائل في جميع الأقوات والخيول وكل ما يلزم للقتال، ثم دارت المعركة الحاسمة بضاحية القصر الكبير فكان ذلك الانتصار الرائع. إن حادثة وادي المخازن ـ بكل واقعية وتجرد ـ عمل أمة واعية وجهد قومي صرف. فالعناصر التي شاركت في المعركة مغربية قحة، كثرتها الكاثرة من المتطوعين. أما الجند النظامي الذي كان يضم مرتزقة من العلوج والأندلسيين والأتراك فقد بقي معظمه في المناطق الجنوبية يحمي الثغور ويحافظ على الأمن. ولولا الشعور القومي المتوقد والعمل الشعبي التلقائي السريع لما أمكن للأخوين السعديين عبد الملك وأحمد أن يهيئا في شهر ما يقابلان به حملة صليبية هيئت في نحو أربع سنوات، وضمت إلى جانب القوة الحربية البرتغالية الكاملة قوات إسبانية وإيطالية وألمانية...

أما عن مفعول المقاومة الشعبية فإن من أهم آثارها وقف مد الاحتلال البرتغالي والإسباني ومنعه من التسرب إلى داخل البلاد. والكل يعلم أن البرتغاليين مع كل ما بذلوا من جهود وتضحيات لم يستطيعوا أن ينفذوا مخططهم العنصري الجهنمي في الاستحواذ على بلادنا ومحو الإسلام منها تطبيقا لمؤتمر طورديزيلاس Tordeillas الذي قسم فيه البابا شمال افريقيا على الدولتين الكاثوليكيتين، جاعلا المغرب للبرتغال، والجزائر وتونس لإسبانيا. ومن الواضح أنه لولا المقامة الشعبية المستميتة لكانت السنوات الست التي ظلت سبتة تدافع أثناءها قبل أن تسقط في أيدي المغيرين كافية لامتلاك شواطئ المغرب جميعا بسبب تدهور السلطة المركزية آنذاك. لكن البرتغاليين عانوا الأمرين في احتلال الثغور المغربية وكلفهم ذلك عملا حربيا استمر ـ ولو بتقطع ـ أزيد من قرن (818 ـ في مناطق ضيقة لم تكن تتجاوز أحيانا أسوار المدن المحتلة بفضل انتشار الوعي القومي.


(1) هذا لا ينفي أن هناك موسرين كانوا يقدمون لفقراء المجاهدين ما يلزم من خيل وسلاح ومؤنة، خصوصا وقد جعل الإسلام ذلك مصرفا من مصارف الزكاة (... وفي سبيل الله).
(2) ربما كان لقضية المقاومة التي دامت في المغرب عدة أجيال علاقة بعادة تعطيل الدروس في فصل الصيف...؟
(3) ارجع إلى كتاب محمد المهدي الفاسي، ممتع الإسماع في ذكر الجزولي والتباع وما لهما من الاتباع، طبعة فاس الحجرية، عام 1313هـ ففيه تراجم نحو 150 من هؤلاء الصوفية.



بجيرانها تغلو....
يقولون لي: «لم بعت بالرخص منزلي»
وقد علموا جارا هناك ينغص
فقلت لهم: «كفوا الملامة إنما
بجيرانها تغلو الديار وترخص».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here