islamaumaroc

مذكرات ديبلوماسي

  كاتب يتم عنه أسلوبه

13 العدد

عندما يأتي المساء، تضاء الأنوار ذات الألوان، ويهب النسيم، وتتحرك الأغصان، ويتنفس الناس الصعداء، بعدئذ يكون الوقت قد أذن بأن يختلف رجال السلك إلى هذه الحفلات اليومية التي تقام كلما غربت الشمس، كما هذه الحفلات اليومية التي تقام كلما غربت الشمس ن كما لو كان الأمر أمر اختفاء بالسلامة.. 
فارتد ثيابك الرسمية هذه السوداء البيضاء، وضع على عنقك ربطة الفراشة، واركب إلى جانب الكاتب، حتى إذا ما وصلتما، ترجلت وولجت معه مكان الاحتفال لتستمتع إلى ما يدور من حديث..
يكتبها لمجلة : دعوة الحق
كاتب ينم عنه أسلوبه
((الكاتب الحق))
ليس ((الكاتب الحق)) هو الذي يعرف أن يكتب باللغة العربية الفصحى وكفى... ولكنما ((الكاتب الحق)) هو الذي يمكن قراءه من أن يشاركوه حياته، لتنبض قلوبهم بنبض قلبه، ولتتحرك أفكارهم مع تحركات فكره، فيلجون معه عالم السفاسف بمثل الخطوات الثابتة التي يلجون بها معه عالم الإشعاع..! ذلك أن حياتنا تصل بين نقطتين: العواطف التافهة ذات الأثر العميق، والتفكر الكبير الذي قد يكون أثر تافه..
((والكاتب الحق)) لا يقود، ولكنه يهدي، وينير ن ويلقي الأضواء، فإذا كان قارئي الكريم يقرني على ذلك، فعليه أن ينظر الأشياء الصغيرة والكبيرة بمنظار واحد.
وقد كان بودي أن تكون مجلة ((دعوة الحق)) مجلة يومية.. واعتقد أن هذه الأمنية المستحيلة هي نفس أمنية عزيزي عبد القادر الصحراوي - حتى أتمكن من أن القي على الحياة وأحداثها أضواء يومية، فيعيش معي قرائي دقيقة، بدقيقة، وساعة بساعة، وبذلك تختلط حياتي بحياتهم لفائدة نبض القلوب.. وحركة الآراء..
وبذلك يعيش يوميا ((القارئ الحق)) مع ((الكاتب الحق)) في ((دعوة الحق)) ولكن المرء لا يدرك دائما كل ما يتمناه...
((الأفاقون))
فاجأني صاحب السعادة الرجل القصير، ذو الابتسامة الوديعة، والعينين الرخوتين، والشهرة الدبلوماسية، حينما جاءني صوته يسألني: ألا توافقني على أن مما يرشح المرء للدبلوماسية أن تكون من الأفاقين..؟
فسألته سؤالا مضادا في شبه صراخ: من الأفاقين! ولكنه ضارب سؤالي بسؤال خبير: كم تبلغ من العمر؟
قلت أربعين عاما.
قال: كم قضيت منها في بلادك؟
قلت بعد تأمل: لا أدري بالضبط، ولكنها تتراوح بين الثمانية والعشرة.
فعاد يسأل: والثلاثون الباقية، هل قضيتها مستقرا في بلاد واحدة؟
أجبت: كلا، بل في بلاد مختلفة، وان شئت في كل مكان.
وهنا أضاء وجهه وهو يقول أدركت ما أرمي إليه؟ لقد عشت نفس الظروف التي عشتها، ومن يدري فلعل الظروف أن تعود فتقذف بنا في أمكنة أخرى من هذا الكوكب الشاسع.. لعلنا أن نلتقي في المريخ.. وأي مانع من ذلك؟ ألسنا من الأفاقين..؟ 

من بين الثلاثة
أشعل اللفافة بعود الثقاب ن فلما استوثق منها أخد نفسا طويلا نفثه بعد ذلك في الهواء، ثم سألني في خبث:
ما رأيك الآن وقد استقرت الثورة في الجزائر؟ قلت، في تباله: أية ثورة تعني يا صاحب السعــــادة؟
قال: ثورة ماسو
فقلت بنفس الخبث: ماسو قنال السويس، أو ماسو الهند الصينية!!؟ إنه بشير الهزائم..
فاعتدل الرجل في جلسته ثم نظر إلي مليا وهو يقول في جد: كلا، ماسو الجزائر!!
قلت: إنه نفس الرجل على ما أعتقد!!
_ نفس الرجل حتى تحت قيادة ديجول؟
_ هذا البهلوان الذي اعتاد أن يقذف بنفسه في الهواء... هو نفس الرجل، ولو قاده إله، لا جنرال
قال : وسالان؟
قلت لا أدري: ولكنني أشم رائحة مصرية بما يجري في فرنسا، وفي هذا ما يدعو إلى الفخر،
قال: ماذا تعني؟
قلت: من هو الجنرال نجيب ومن هو البكباشي جمال عبد الناصر من بين الثلاثة!
فعاد يأخذ نفسا طويلا من لفافته وهو يتأمل دون أن يجيب.

خليلته:
قلت بين وبين نفسي: أما إن الرجل لسيفه، أفي مثل هذه السن المتقدمة يتخذ له خليلة!!!
ومع ذلك فان هذا ما قاله بنفسه، وحينما سألته كيف يقضي يومه، فقد خرج من فمه المتغضن ذي الأسنان الخربة صوت يقول: إنه يقضيه مع  خليلته.
قلت: تقصد زوجتك، فأجاب في مرح الشيوخ ك كلا زوجتي وأولادي لم يصلوا بعد، ولذلك فإنني أعيش في عزلة تامة مع خليلتي.
كان الرجل مسنا قريب الشبه جدا من قرد أبيض، ومع ذلك يقول أن له خليلة، وأنه يعيش 
في عزلة تامة معها، فصحت دون تمالك: تعني خليلة!!
فأجاب في وداعة الشيوخ الواثقين بأنفسهم: نعم خليلتي: آلة التبريد.

وزارة الداخلية:
قلت: تسافر هذه المسافة الطويلة بالقطار في القيظ الأحمر، ولماذا لا تمتطي طائرة؟
قال: تلك أوامر وزارة الداخلية.
وحسبته سبق لسان.. فما لنا عهد بأن الوزراء المفوضين يتلقون الأوامر من وزارة الداخلية.. إنه يقصد وزارة الخارجية دون ريب.
ولكنني عدت أقول في نفسي: أما أن الأمر لعجيب، كيف تفرض عليه وزارة الخارجية أن يتوسل في أسفاره باردا وسائل المواصلات.. تحشره هو وعائلته في قطار أشبه بقطار البضاعة  لمدة لا تقصر عن سنة وعشرين ساعة، لأجل أن تصل إلى  الظل، فيقضي إجازة قصيرة يستجم فيها استعدادا لملاقاة المشواة من جديد.. يجوز.. وهل هنالك ما لا يجوز في عالم الحكومات؟!
واستخرجني صوته من تأملاتي قائلا: كنت محظوظا في هذه السنة، فقد تمكنت مرتين خلالها من أن أصل إلى الظل.. مرة حينما كاد الرئيس يزور بلادنا فاستدعتني الحكومة مند شهور، وهذه هي المرة الثانية.
إن أصحاب السعادة هنا لا يصرفون تفكيرهم في شيء قدر ما يصرفونه في حمل حكوماتهم على استدعائهم.. لهذا الأمر الخطير أو ذاك.. حتى إذا ما استقر بهم المقام في ظل تلكأوا.. وأثاروا المشاكل ليطول بهم المقام،  ولتتأخر العودة، فإذا ما حملوا عليها حملا عادوا إلى إثارة المشاكل من جديد.. واستخرجني صوته من تأملاتي مرة أخرى، قال: لقد تعمدت الحصول على الإجازة في هذا الوقت بالذات، لأن العيد يعقبه، وبذلك أتمكن من ضم الإجازتين، هذه هي الحياة، وماذا تريد مني أن اصنع غير ذلك لأجل أن أتمكن ولو لفترة قصيرة من التنفس في الهواء الطلق..وأتخلص من عرقي لأطول فترة ممكنة..
فهززت رأسي وأنا أقول: ( إن وزارة خارجيتكم في غاية السماحة..) ثم سكتت فترة لأضيف ضاحكا: (أو غاية الغفلة.. )
ولم تعجبه هذه الإضافة الضاحكة، ولكن أساريره مع ذلك انبسطت وهو يعقب: ولكن وزارة الداخلية ليست كذلك!! 
قلت: تقصد وزارة الخارجية
فقال وهو يشير إلى زوجته التي كانت منهمكة في حديث آخر يإحدى الزوايا في الحديقة: لا، لا، وزارة الداخلية!!.
وهنا أدركت أنني أخطأت الفهم.. وأن الرجل يتبع وزارتين.. لا وزارة واحدة.. ومن منا ليس ذلك الرجل..!!
ولما كان الناس قد اخذوا ينصرفون فقد سعينا نحو مضيفنا، ولما وصلنا الباب في انتظار السيارة سأل وهو يتلفت: أين وزارة الداخلية؟
فأجبته: رئاسة الحكومة، تعني رئاسة الحكومة، ثم اختفيا معا في جوف السيارة التي انطلقت بهما في الظلام لا تلوي على شيء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here