islamaumaroc

الأصمعي في فحولة الشعراء

  محمد بناني

13 العدد

الصحراء ـ كانت ـ مسرح حياة العربي في الجاهلية. منها يستوحي نمط معيشته وعاداته وطريقة تفكيره وإحساساته.. هي التي جعلته شجاعا فخورا معصبا لقومه راحلا ظاعنا، متتبعا مساقط المياه في الصيف والربيع.
كان يناضل من أجل الحياة، يسعى ويكد ويكدح، مستروحا نفسه وناقته ((بالغناء)) معتمدا أن للأغاني قوة مساعدة على العمل، لذلك سمي صانعها (شاعرا) أي صاحب علم ودراية، له معارف سحرية خارقة..
كان عرب الجاهلين يجلون الأغاني ويخشونها، معتقدين أن فيها قوة خفية تقهر الأعداء وتنال منهم، ولهذا اعتقدت (غطفان) في (بشامة بن الغدير) و (هوازن) في دريد بن الصمة، و(قضاعة) في زهير بن حباب الكلبي.
تنوعت موضوعات هذه الأغاني ن فكان منها الوصف، والغزل، والهجاء، والرثاء، ولكن أشدها وقعا كان هو الهجاء. يسلط الشاعر بواسطته شيطان شعره على العدو، فينال من عرضه، ويثير عليه الأرواح الشريرة...
صاغ العربي هذا الشعر بلهجة قومه سجعا ثم رجزا، ويوم اهتدى إلى الرجز كان له شعر صحيح..
وعندما تغلبت لهجة قريش على غيرها قبل الإسلام بنحو قرن أو يزيد، وأصبحت لغة الشعر،، كان ذلك من عوامل إتقانه ونضجه ودفعه إلى حيث العافية والاستواء... فمن حيث المبني وجدت تفاعيل وأعاريض جديدة، أما من حيث المعنى فأحداث جديدة غذت الوجدان والشعور.. جولات في البلاد المتاخمة وتعاليم اليهودية والنصرانية، وحروب كدا حس والغرباء والبسوس، كل ذلك ألهب العاطفة وأذكى الانفعال، ولم يكن غير الشعر العربي متنفس هذا ودالك، فهو لسان العرب المعبر، وقلبهم الخفاق، وترجمانهم الأمين.
لم يعرف التاريخ هذا الشعر إلا مستويا منسجم التفاعيل كشعر المعلقات ومن أدركوا الإسلام أو كادوا، كما عرفه عربي المولد والنشأة، أعاريض ونهجا وأغراضا وروحا، إذ كل التيارات والحضارات الوافدة لم تمسه، إلا ما كان من بعض فنون البيان كالتشبيهات وبعض الأفكار.
لا شك أن هذا الشعر قد مر ضروب التنقيح والتقويم إلى أن اكتمل في أواخر العهد الجاهلي،إذ بين طفولة الشعر العربي يوم كان مجردا حداء، وبين القصيدة، عهد من الإصلاح والتهذيب قبل أن تصل إلى الجودة والإتقان ن فليس عمود الشعر، ووحدة الروي والحركة.. والتصريع، طفرة... وإنما عرفت هذه وغيرها بعد سلسلة من التجارب في التهذيب والتقويم، هذه التجارب هي التي نمت وترعرعت فكانت الأساس لدراسات قيمة منتجة في تاريخ الأدب العربي تعرف باسم (النقد الأدبي).
على أن النقد الأدبي غير تاريخه : يقول ج لانسون في كتابه: (منهج البحث في الأدب واللغة) (النقد في أدق معانيه هو فن دراسة النصوص والتمييز بين الأساليب المختلفة) وهو روح كل دراسة أدبية إذا صح أن الأدب هو (كل المؤلفات التي تكتب لكل المثقفين لتثير لديهم، بفضل خصائص صياغتها، صورا خيالية أو انفعالات شعورية أو إحساسات فنية) والنقد هو الذي يظهر تلك الخصائص ويحللها، ثم يأتي تاريخ الأدب فيجمع تلك المؤلفات تبعا لما بينها من وشائج في الموضوع والصياغة، ويفضل تسلسل تلك الصياغات يضع تاريخ الفنون الأدبية، وبتسلسل الأفكار والإحساسات يضع تاريخ التيارات العقلية والأخلاقية. وبالمشاركة في بعض الألوان وبعض المناحي الفنية المتشابهة في الكتب التي من نوع أدبي واحد، ومن تأليف نفوس مختلفة، يضع تاريخ عصور الذوق)
لقد زامل النقد التأثري عند الجاهلية وصدر الإسلام الشعر مذ كان... وهو نقد يقوم على التذوق.. يسنده الإحساس الفني المرهف، ويعتبر الأساس الذي تقوم عليه كل الدراسات النقدية المنهجية سواء في القديم أو العصر الحديث.. إن كتب الأدب العربي خاصة الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني خاصة بلمحاتهم الأولى في هذا الصدد، وقد بلغت من التركيز حدا جعل بعضها يسري مسرى الأمثال على الألسن كقولهم (أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، الأعشى إذا طرب) ولكن نقدهم هذا يعيبه أنه كان نقدا شفهيا، والنقد الشفهي يقوم عادة على التسرع أكثر مما يقوم على الدراسة والتعمق، وهو عرضه للتغير، إذ قد يغير الناقد رأيه بعد أيام، يضاف إلى هذا عدم وجود منهج، لما كان يسيطر عليهم من بداوة إذ ذاك، والنقد المنهجي ـ كما يقول الدكتور مندور ـ لا يكون إلا لرجل نما تفكيره، فاستطاع أن يخضع ذوقه لنظر العقل، وهذا ما لم يكن عند قدماء العرب.. ومن ثم جاء نقدهم جزئيا مسرفا في التعميم، يحس أحدهم بجمال بيت من الشعر وتنفعل به نفسه فلا يرى غيره ولا يذكر سواه، كما يضاف إلى كل هذا عدم تعليل ما كانوا يصدرونه من أحكام، فكانت لذلك مجرد انطباعات آنية، لا دراسات موضوعية، .. جاء نفر إلى مروان أبي حفصة ينشدونه، فكان كلما سمع من أحدهم شعرا قال له: اذهب فأنت أشعر الشعراء.. فلما ضاق بهم قال لهم: اذهبوا.. فكل الناس أشعر الناس!!
إلا أن شخصين من الذين كانوا يعنون بالشعر يتدارسونه ويتلمسونه، كثيرا ما حاولا أن يعللا أحكامهما بعض التعليل.. يقول عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس: أنشدنا لأمير الشعراء: فيجيبه: ومن هو؟ فيقول عمر: ذلك الذي لم يكن يعاظل في المنطق، وينشد الناس بما فيهم... زهير بن أبي سلمى.
كنا نجد عندهم بعض المحاولات لتصنيف الشعراء في طبقات كقولهم: أشعر شعراء الجاهلية: امرؤ القيس والأعشي وزهير والنابغة، وهذا له قيمة، إذ مثل هذا الاتجاه في التصنيف يفتح باب (الموازنة) بين شاعر وآخر وبين خصائصها، لأن تصنيفهم ـ أعني الشعراء ـ في طبقات، لا يأتي نتيجة لدراسة ما بينهم من أوجه الشبه وأوجه الخلاف، ومثل هذه النتائج الإيجابية تتجلى بوضوح فيما بعد عند عبد العزيز الجرجاني في الوساطة بين المتنبي وخصومه، كما نجدها عند الآمدي قبله في الموازنة بين الطائيين.
ولكن رغم كل هذا، فالمنهج العلمي الصحيح يفرض علينا أن نرفض كل اللمحات النقدية التي تدوولت على الألسن قبل (عصر التدوين) إذ ما مدى صحتها؟ تناقضاتها هل هي حقيقية أم من صنع الرواة؟؟ أن محاولة دراستها ستكون محاولة عائمة مانعة، ولهذا نخير للباحث أن يهملها، إذ سوف لا يخرج منها بنتيجة حاسمة.
أما عند ما تبتدئ دراستنا للنقد مع الوثائق الصحيحة في عصر التدوين فالنتيجة ـ حتما ـ ستكون شيئا آخر.. إن نشوء النقد الصحيح ابتدأ يوم بدأ العرب يدونون تراثهم في كتب، فالنقاد الأولون هم محققو الشعر ومدونوه .. الذين مهدوا سبيله أمام النقاد الفنين، حيث صنفوا مادته وحققوا روايته، وتناولوه بالإحصاء والاستقراء، حتى إذا جاء النقاد الفنيون ليقارنوا ويوازنوا وجدوا الفرصة سانحة، إذ كيف يمكنهم ـ لولا هذا ـ أن يدرسوا وينقدوا؟
ينشد الأصمعي مرة كلمة (ركك) فيعترض عليه أعرابي بأنها (رك) لا (ركك) فيسرع الأصمعي في الحال إلى تدوينها.. شأن الرواة النقاد الذين كانوا يتعهدون اللغة إذ ذاك بالتنقيح والتصحيح، هذا كان بطبيعته، أولى خطوات النقد الصحيح.
ابتدأ جمع الشعر العربي وتدوينه مع نهاية القرن الهجري الثاني وأوائل الثالث ن فصنفت الدواوين الشعرية التي تذكر شعر كل شاعر على حدة... يذكر (ابن النديم) في الفهرست) وياقوت، في (معجم الأدباء) إن الرواة الأوائل بذلوا كل جهد من أجل تصنيف هذه الدواوين، حتى خاصة.. ومن جهة أخرى فقد جمعت المجموعات الشعرية التي لا تقتصر على شاعر بعينه، بل تتعداه إلى غيره من الشعراء، كالأصمعيات للأصمعي ن المفضليات للضبي كما وجدت المجموعات الشعرية القبلية، كديوان الهذليين الذي جمع فيه السكري أشعار الهذليين... ومن هنا ابتدأت خطوات النقد الفني عند العرب في الانطلاق.
   أقدم محاولة وصلتنا وثقتها في هذا الموضوع هي للأصمعي (163-216هـ) أبي سعيد عبد الملك ابن قريب المنسوب إلى جده أصمع.
ولد في بيت عربي الأرومة كريم المحتد.. وتلقا دروسه الأولى في البصرة، كما نقل عن فصحاء العرب الذين كانوا يفدون عليها، وأكثر الخروج إلى البادية ومشافهة الأعراب بها.. وربما استغرقت بعض جولاته سنوات يحج أثناءها ويلتقي بالفصحاء في المواسم، حتى جمع من الأشعار والنوادر والأخبار الشيء الكثير.
كان معاصرا لأبي عبيدة ـ معمر بن المثنى الشعوبي المشهور ـ منافسا له في اللغة والرواية. حدث الأصمعي عن نفسه فقال:
(حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ قلت: مجلد واحد،  فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدا.. فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك كل عضو منه وسمه، فقال أبو عبيدة: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال لي الفضل: قم يا أصمعي وافعل أنت ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وجعلت أسميه عضوا عضوا، وأنشد ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه، فقال خذه، فأخذته...
وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه) وهذه القصة تدل على قوة ذاكرة الأصمعي وعظيم إطلاعه..
فكان لهذا أشهر علماء عصره ثقة في الرواية وتضلعا في اللغة.. ونقدا للشعر.
له من المصنفات ما جاوز الأربعين، أكثرها في اللغة، وأغلبها غير مطبوع، منها كتاب الأجناس، وكتاب الخيل، وكتاب النبات، وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب معاني الشعر.
وأخيرا لا آخر كتاب باسم (فحولة الشعراء) لم بطبع بعد مستقلا، وإنما ضمن بعض المحاضرات التي قام بطبعها مؤتمر للمستشرقين بأوربا، هذا الكتاب هو الذي يهمنا، ومن أجلها دار الحديث.
لم يحرره الأصمعي بنفسه وإنما رواه عنه تلميذه أبو حاتم السجستاني.
(فحولة) جمع (فحل)، وهذا وصف للبعير الذي يتقدم القطيع، ومن استقراء الكتاب يتضح لنا أن الأصمعي يشترط في الشاعر الفحل أن يكون جاهليا أولا وقبل كل شيء ـ إذ حاتم يسأله عن بعض الشعراء الإسلاميين فيجيب: لو أدركوا الجاهلية لكانوا فحولا.. وهذا أول مظهر من مظاهر التعصب للقديم الذي سيكون له أثر بالغ في كثير من النقاد بعده ـ وأن تكون عبارته جزلة فخمة، بعيدة عن الهلهلة، فالحارث بن حلزة طبقا لهذا، فحل، أما خصمه عمرو بن كلثوم فلا، كما يجب أن تكون لغته عربية أصلية لم تمسها عجمة.
يسأل أبو حاتم أستاذه عن عدي بن زيد الذي راكز الحيرة وعايش الحضر، فيجيبه: أنه ليس فحلا ولا أنثى!! والسبب واضح.. ذلك أنه لم يعش في تربة عربية خالصة، فلم تسلم لغته من شوائب. كما أن الفحل يجب أن يكون من الكثيرين، فالذي لم يرو له إلا قصائد معدودات لا يعد فحلا (لو كان لفلان أكثر من أربعة قصائد لكان فحلا)..
وهكذا يصدر الأصمعي أحكامه على الشعراء طبقا لهذا المنهج.. فيفضل من الإسلاميين من كان كلامه أشبه بكلام القدماء، فالراعي في رأي الأصمعي أشعر من ابن مقبل، لأن إنتاجه (أشبه بالشعر القديم) كما يتحدث عن بشار فيقول: لو أنه سبق عصره لعد من الفحول؟ .
هذه مبادئ في النقد لا شك أنها بسيطة ساذجة لكنها في عصرها ذاك كانت تمثل بداية المحاولة، كما أنها ستكون لها نتائج خطيرة فيما بعد على النقاد، ولهذا يعتبر كتاب (فحولة الشعراء) للأصمعي الأساس الذي قامت عليه مدرسة النقد الأدبي عند العرب.. تلك المدرسة التي كان شعارها العام (التعصب للقديم) والتي كان لها أبلغ التأثير على (ابن قتيبة) من بعد في (الشعر والشعراء).
كان التعصب للقديم المحور الذي تدور عليه هذه المدرسة النقدية، سبق إليه أبو عمرو بن العلاء.
الذي كان يقول عن شعر الفرزدق وجرير: (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته) ويقول: (لو أدك الأخطل يوما واحدا من أيام الجاهلية ما قدمت عليه أحدا) ثم نشر لواءه وأرسى قواعده الأصمعي وابن الأعرابي.. هذا الأخير الذي نشد يوما شعرا لأبي تمام، فعلق عليه بقوله: إن كان شعرا فما قالته العرب باطل.
لو أن مناصرة الشعر القديم عند هؤلاء، كانت لأسباب فنية ذاتية فيه، كصدق الإحساس أو نبل الشعور أو قوة التأثير وجمال التعبير، لقينا أنه الذوق الخاص الذي له سلطانه الكبير على النقد والنقاد، ولكنهم ناصروه ـ بل تعصبوا له ـ فقط، لسبقه ولأنه عندهم قديم!!
يتحدث ابن رشيق في العمدة عن مذهبهم هذا فيقول:
(كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب ويقدم من قبلهم، وليس ذلك لشيء، إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة).
ويرجع سبب هذه الظاهرة في الغالب، إلى أن هؤلاء النقاد كانوا لغويين، وقد أصابهم من مهنتهم هذه ما يعرف في علم النفس بـ (انحراف الصنعة) ولهذا كان نقدهم محافظا شديد التعلق بالماضي، منتصرا فقط للأدب القديم والمثل الفنية التي انبثقت عنه.
حكي أبو عمرو الطوسي قال: (وجه بي أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعارا، وكنت معجبا بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت أرجوزة على أنها لبعض شعراء هذيل:
وعاذل عذلته في عذله
فظن أني جاهل من جهله
حتى أتممتها فقال: أكتب لي هذه، فكتبتها له ثم قلت: أحسنة هي؟ قال ما سمعت بأحسن منها !! قلت أنها لأبي تمام: خرق  خرق)..
لقد كان نقادنا الأوائل ـ وعلى رأسهم الأصمعي ـ رواة اللغة في آن.. حيث انبثقت آراؤهم النقدية عما قاموا به من دراسات لغوية، وهذه الأخيرة بطبيعتها محافظة شديدة التعلق بالماضي ن إذ كان المقصود منها في الغالب المحافظة على لغة القرآن وصيانتها من الأشياء الدخيلة.
لقد كان موقفهم هذا رد فعل أيضا لنشاط الحركة الشعوبية، دفعهم إلى مناصرة كل ما هو عربي خالص، نظرا لكون الشعوبيين يتعصبون ضد كل ما هو عربي أيضا، ولكن رغم كل هذا وذاك يبقى موقفهم مجافيا لروح الفني الصحيح الذي لا يهتم بالزمان والمكان.. اهتمامه بالعمل الأدبي في ذاته ولذاته.. مدى ما ينطوي عليه من صدق فني وروعة في التأثير والتصوير، وما يعكسه من قيم إنسانية بواسطة التعبير الجميل عن الشعور النبيل.
نحن في جيل طابع أبنائه السرعة التي يحكمونها في كل شيء، حتى في قراءة الشعر أو الحكم عليه ن ولذلك قل أن نظفر بمن يقرأ الشعر بحالة نفسية انفعالية ترتفع إلى الأجواء التي هام الشاعر في فضائها وقاسى من عنائها، تهبط به على مواقع الجمال فيهيم بها وتحوم على مواطن القبح فينتكبها.
وإن مما يقر العين ويشرح الصدر ويبشر بالخير لحركتنا الأدبية الناشئة، أن نجد من بيننا من يتطلع إلى الشعر ويتعشقه كهواية، يقرأه قراءة تمعن، يبذل في فهمه الجهد ويقدح في نقده زناد الفكر، ويضع اليد كالنطاسي الخبير على موطن الضعف ويبت الداء.
وقد أسعدني كثيرا أن تكون (صرخة الجزائر) صرخة في واد، وأنها استطاعت أن تلج الأسماع وتنتزع الإعجاب، وتستأثر بمجهود كبير وزمن طويل من أخينا (ملاحظ) الذي أقدم له شكري على ثنائه ونقده الذي ساهم به هو أيضا في (تدشين) ميدان النقد الأدبي.
وكم كنت أتمنى لو كان الأخ شجاعا مع نفسه معنا فعرفنا على الاسم الكريم، وأماط اللثام فأرشدنا من أمم وأهدانا إلى الحق عن كثب، لنعرف الرجال ونعرف الحق معا، ولكنه آثر أن يتكلم من حيث لا يرى، ويجنينا العثرات وهو من وراء وراء، صنيع من يوهم نفسه وهو يقود الجمل أن الناس لن يروه ولن يعرفوه !... وعندي إن الذي يتولى مهمة النقد والتوجيه بهذه الطريقة، طريقة التقية هو واحد من اثنين، إما أن يكون ضعيف الثقة بما يقول شاكا في صحة ما يراه، وهو ما أنزه عنه الملاحظ الكريم، وإما أن يكون متملقا للصداقة مجاملا للعواطف على حساب الأدب والصراحة التي تزيد الحق وضوحا والنقد قوة واعتبارا، وهذا ما لا يعجبني لأن أقرب الناس إلى نفسي هو الذي يسدي إلي الجميل ويفتح عيني على ما تراه عيني.
وبعد فقد سجل الأخ (ملاحظ) في هامشه مؤاخذات على (صرخة الجزائر) تنكب الصواب فيها، وتوقف يسألنا بيانا وإيضاحا لأشياء لم ينفذ فكره.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here