islamaumaroc

الإسلام والتطهير

  محمد الطنجي

13 العدد

إن مصالح الأمة كمصالح الملة، يحتاج قيامها على أحسن حال إلى الإخلاص والكفاءة والنشاط، ولا يخفى أن الإخلاص للمبدأ يعتمد التفاني في خدمته، ونشر الدعوة له، وحياطته وصيانته عن تلاعب أصحاب الأغراض والأطماع الشخصية به، مهما كلف الحال المومنين به من تضحية بالنفس والمال فما دون ذلك.
وأن الدولة والأمة إذا طالت قيمها عهد الاستقرار قد لا يعرف غير الناهبين المومن الصادق من المداهن المنافق، فيكثر المدعون للإخلاص والعمل به، دون حاجة إلى إقامة الحجج والبينات على صدق الصادقين وكذب المداهنين المتملقين، ولكن إذا اضطربت الحال، وأبرزت الخطوب أنيابها، وأظهرت الظروف الحرجة صعابها، هناك فقط يعرف إخوان الكذب والرخاء من أهل الصدق والوفاء. فجزى الله أيام الشدة كل خير فهي المعيار الحقيقي والامتحان الصادق للأخيار والأشرار، وكم من محنة في طيها نعمة، يعلم بها الأمين من الخائن والصادق من الكاذب والطيب من الخبيث، فيهلك من هلك عن بنية، كما قال الله تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ـ لقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.
وأن في تقلبات الأحوال من انتصار وانكسار لعبرا ومواعظ لأهل الاستبصار، لا ينبغي أن يهمل الاتعاظ بها الأحرار، ولنا معشر المسلمين في عسيرة نبينا ما يضيء أمامنا السبيل، ويكون في عهد الاستقلال خير دليل، فقد نصر الله المسلمين على أعدائهم يوم غزوة بدر وهم أذلة، فبوأهم من الكرامة والعزة مكانه مرموقة، انتشر لهم بها الذكر الجميل، وأبقى الله ذكرى غزوة بدر علم انتصار الإسلام الخالد في كل تاريخ وجيل، فقال رأس المنافقين إذ ذالك عبد الله بن أبي بن سلول: هذا أمر قد توجه ودخل في الإسلام كما في صحيح البخاري، ولكن الله سبحانه، اقتضت حكمته أن يأتي بعد ذلك النصر غزوة أحد، كامتحان لصدق إيمان الصادقين وافتضاح نفاق المداهنين، ليقوم بناء الإسلام على أساطين المخلصين ولا يتولى شؤون أهله إلا من عرف بالصدق وقوة اليقين، قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: أن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ( يعني غزوة أحد) ميزت المومن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمون، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم صريحا، وانقسم الناس إلى مومن وكافر منافق، وعرف المومنون أن لهم عدوا في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، قال الله تعالى ما كان الله ليذر المومنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المومنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، كما ميزهم بالمحنة يوم أحد، وما كان الله ليطلعهم على الغيب الذي يميز به هؤلاء وهؤلاء، وأنهم متميزون في عمله وغيبه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تميزا مشهودا فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة، وقوله ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء استدراك لما نفاه من إطلاع خلقه على الغيب كما قال: ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من  رسول ) فحظكم أنتم وسعادتكم بالإيمان الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة))
وقد وقع امتحان الأمة المغربية في إيمانها وفي ولائها، والوفاء بوعودها، وبيعتها لإمامها والجالس على عرشها، والمحافظة على إسلامها وعروبتها، فكان امتحانا صعبا، أقام بين الخيانة والأمانة حربا، انتهت ببيان وتمييز الصادقين المخلصين، و أعوان الظلمة الخائنين، كما ميز الله في غزوة أحد المنافقين الخبيثين من المومنين الطيبين، فهل كان لهذا التمييز أثر في العهدين العهد النبوي الكريم وعهد استقلال المغرب الفخيم ؟ الجواب عن هذا لسؤال واضح من السيرة النبوية من مرحلة التطهير التي تسير فيها الحكومة المغربية، فإن رسولنا العظيم لم يكن يولي المنافقين على المسلمين أية ولاية، وكذلك لم يكن يولى من لم يحسن إسلامه، إلا ما كان من بعض المؤلفة قلوبهم الذين كانت بين قومهم عصيبة وشوكة، مثل عيينة بن حصن وأشباهه، فإنه كان يداريهم ويتألفهم بالعطايا حتى ينقادوا لحكم الله ورسوله، ويحسن إسلامهم.
وما عمل تطهير الإدارة ودواليب المصالح العامة في دوائر الحكومة المغربية من المتعاونين مع الاستعمار ضد مصلحة العرش والشعب إلا تطبيق لما توحي به السيرة النبوية التي هي قدوة للمسلمين في الاسترشاد بهدايتها لإتباع الحق وإقامة العدل، فإذا كمل هذا التطهير الذي ينادي به الشعب ويقتضيه الإخلاص لمصالح الأمة، فستسير المصالح العليا للأمة في الطريق المستقيم، وما الطريق المستقيم في هذا الموضوع غير التمييز التام بين المصلحين والمسيئين المفسدين، لأن الله سبحانه لم يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولم يجعل المتقين كالفجار، وهذا الإطلاق يشمل الحالة الدينية والدنيوية.
ولا ينبغي أن أهمل في هذا الحديث الإشارة إلى ما يخشى أن يجري في الأوساط من المساعي والوسائط، لغض الطرف عن بعض المتعاونين حتى تبقى لهم جميع اعتباراتهم المجادلة عن الخائنين ليست محمودة في دنيا ولا دين، قال تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما.
ثم إذا تم هذا التطهير الذي تشكر عليه الحكومة الموقرة كل الشكر، فستبقى هناك مشكلة أخرى أو قضية هامة أخرى يتساءل عنها كثير من المخلصين، وليس من حقي أن أسبق الحوادث فأدلي فيها بقول فصل، ولكني أطرحها على بساط البحث بمناسبة تأليف لجنة مراجعة تشريعات العهد البائد، وألقي حولها  بعض التوجيهات راجيا أن تأخذها اللجنة التي يعنيها الأمر بالدراسة الوافية، تلك هي امتيازات أولئك الموظفين القدماء ثبتت حسب نظام استعماري كانوا فيه مستسلمين لإدارته، وكان الموظفون الجدد في المعارضة بل في المقاومة، معطلة مصالحهم، معذبة أجسامهم وأرواحهم، لا يحفظ لهم مال ولا يستقر لهم بال، ينتقلون بين السجون والمنافي، ويعيشون عيشة المحروم والعافي، حتى إذا طلع فجر الاستقلال، وجد أولئك المناضلون للاستعمار الموظفين القدماء المستسلمين للاستعمار سبقوهم في جميع الأحوال، وادخرت لهم أرصدة المعاش للمال، فهل من الحق والعدل أن يقر هؤلاء على ما أعطاهم وخولهم النظام الاستعماري فيعطي لهم من ميزانية عهد الاستقلال، ويبقى الأبطال على هامش التعويضات محرومين، قد قال أن الحق يقضي بالتسوية بين الموظف القديم والموظف الجديد، ومحو آثار الامتياز تماما بينهما في العهد السعيد، وقد يقال أن الأولى أن يعطي الموظف الجديد امتيازا جديدا نظرا لسوابقه الحسنة وجهاده في شتى الميادين، وهذه مسألة قد أثارت انتباه الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد جاء مال إلى ابن بكر الصديق فقسمه بين الناس بالسوية على الصغير والكبير والحر والمملوك و الذكر والأنثى، فجاء ناس من المسلمين فقالوا يا خليفة رسول الله إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم، فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك.
وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش  فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجاء الفتوح، فضل وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله (ص) كمن قاتل معه، وفي رواية أخرى: أن أبا بكر رأى في هذا المال رأيا ولي فيه رأي آخر، لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه، ففرض للمهاجرين والأنصار خمسة آلاف خمسة آلاف، وفي نفس هذه الرواية وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين، ثم قال وفرض لأهل مكة والناس ثمانمائة ثمانمائة، فعمل عمر بهذا خلافته، رواه أبو يوسف في كتاب الخراج.
وهذا ما يؤكد جانب مراعاة السوابق الحسنة لأهلها ومحو آثار الامتياز الاستعماري، والحكومة الآن بيدها حق التشريع والنظر المطلق في مصلحة جميع الطبقات، ومن جهة أخرى فإن هذا النقل يبين لنا أن العفو الذي صدر من النبي (ص) في حق أهل مكة يوم الفتح حيث قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء، ولم يسوهم بأهل السابقة في الإسلام في نظر الصحابة، وإن كان الكل موعودا بالخير والحسنى كما قال الله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى.
وبهذا نعلم أن ما يهلج به بعض الفقهاء ن عفو النبي عفوا مطلقا عن المعارضين له حتى يتمتع المعارضون للأمة والعرش بكل مزايا العهد الجديد لا محل له في هذا الموضوع، لأن عمر بن الخطاب لم يخولهم حق التسوية مع السابقين الأولين طول مدة خلافته، وفق الله ولاة أمورنا للنظر الصحيح في مصلحة الدولة و الأمة.             
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here