islamaumaroc

وثائق تاريخية أندلسية ..

  دعوة الحق

97 العدد

نقدم اليوم الوثيقة الثالثة من وثائق مخطوطة ابن الخطيب «كناشة الدكان، بعد انتقال السكان»، التي كان قد جمع شتاتها في مدينة سلا بالمغرب، إبان فترة نفيه الأولى (760 ـ 763هـ /1392 ـ 1395م)، في رعاية السلطان أبي سالم المريني، الذي أقطعه الأراضي، ورتب له الرواتب، فتوفرت له وسائل العيش الرغيد، فعكف على التحبير والتأليف، وكان من هذا كتابه «الكناسة»، احد المصادر التاريخية الرئيسية، في مجال الوقوف على كنه العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة بني الأحمر، وبني مرين في فاس بالمغرب (القرن الثامن الهجري / منتصف الرابع عشر الميلادي)، وحيث كان على الأندلس يومئذ السلطان يوسف الأول ابن الحمر، وعلى المغرب السلطان أبو عنان فارس المريني.
والوثيقة التي نوردها هنا عبارة عن جواب بعث به ملك غرناطة يوسف الأول إلى معاصره أبي عنان المريني، بعد أن أعلمه هذا الأخير بما كان من أمر فتح مدينة تلمسان، واستيلائه عليها من «بني زيان» في غرب الجزائر، في وسط ربيع الأول من عام 752هـ، حسبما أرخ ابن الخطيب نفسه ذلك في مقدمة الرسالة موضوع التحقيق.
وقد صور ابن الخطيب في هذه الرسالة مدى الفرحة التي عمت الأندلس بهذا الانتصار العظيم، ومقدار الحزن الذي أصاب أعداء المسلمين لذلك، ونوه بأهمية هذا الفتح لدولة بني مرين، التي نجحت ـ إلى حد بعيد ـ في تحقيق وحدة المغرب العربي الكبير، بذلت في سبيل هذا الهدف جهودا حربية واجتماعية مضنية، وقدمت تضحيات جمة استلزمتها حركات المناهضين للفكرة، وخاصة في عصر كل من السلطان أبي الحسن ثم ابنه السلطان أبي عنان فارس.
هذا، ولنترك الباحث والقارئ مع الوثيقة، ليلمس بنفسه جوانب الموضوع من ثناياها، ويتبين الأهداف الكبرى من هذا المشروع المريني الكبير، نحو الوحدة المغربية الشاملة.


(الوثيقة)
«(11: ا) ومن ذلك(1) جوابه للسلطان المذكور «أبي عنان»، عن كتابه بالهزيمة التي أفلج على بني زيان(2)، بعد أن فرعنه الجيش، (11: ب) وأقدم بنفسه وحاشيته، ففتح عليه، وتملكه مدينة تلمسان وذلك في وسط ربيع الأول (عام سعبمائة واثنين وخمسين)(3).
«المقام(4) الذي مقدمة سعده تسلم ولا تمنع، وحجة مجده لا ترد ولا تدفع، ونوافل فتوحه المؤيدة بملائكة الله وروحه توتر وتشفع، والصنائع الإلاهية في دولته الفارسية تثني وتجمع، ويحمل منها ما يقاس على ما يسمع مقام محل أخينا الذي تبسم النصر في ثغور نصوله، واحتفل الفخر في تدوين محصوله، وشهدت مخايلة الظاهرة بكرم أصوله، وتألقت حدود المجد سالمة من النقد بين أجناسه وخواصه وفصوله السلطان الكذا (أبو عنان فارس) ابن السلطان الكذا (أبي الحسن علي المريني)، أبقاه الله يورق أعواد المنابر كلما سقتها من أبناء فتوحه الغيوث، وتفرق أسود الشرى كلما زأرت من أبطال حماته الليوث، وتأمن في ظل إيالته(5) العادلة وخلافته الفاضلة السهول من الأرض والوعوث، ويتعاضد بالمكسوب من فخره الموروث، ويقضي إلى استلام ركن يمينه ومشاهدة نور جبينه الركاب المحثوث. معظم مقامه الذي تعظيمه مفترض، القائم بحق بره الذي لا يقدم عليه غرض، فلان (السلطان أبو الحجاج يوسف بن أبي الوليد إسماعيل بن نصر ابن الأحمر)(6). سلام كريم. طيب برعميم، كما حسر وجه الفجر عن نقابه، وتقدمت طلائع نسيمه، وشهب الصبح في أعقابه، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته.
(12: ا) أما بعد حمد الله العليم الفتاح، مطلع غرر المسرات المستمرات أوضح من فلق الصباح، وميسر الآمال السنية وفق الأمنية وحسب الاقتراح، مورث الأرض كما وعد أئمة الهدى والصلاح، المتكفل لهم بحسن العواقب وفوز القداح، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله نور الهدى الوضاح، ذي القدر الرفيع والجاه المنيع والمجد الصراح، المؤيد بالرعب المنصور بهبوب الرياح، حتى أشرقت أنوار دعوته السمحة فوق الربا والبطاح، والرضا عن آله وصحبه ليوث الباس وغيوث السماح، الذين راضوا صعاب النصر من بعد الجماح، ورفعوا أسماء قبة الإسلام على عمد الرماح، ولم يشغلهم ليل التبتل عن يوم الكفاح، فكانوا لأمته أهدى من القمر اللياح(7)، وعلى أعدائه أعدى من الحين المناح، والدعاء لسلطانكم الأعلى بالنصر الذي ترتسم آثاره (في صحف الصفاح)(8)، وتسطر أخباره في صفحات الحسان الصحاح، والعز الذي تبدي الخيل له سيماء الخيلاء والمراح... فإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم فتوحا منظومة العقود معقودة النظام، وآلاء دائمة الاتصال متصلة الدوام، وسعودا معلومة الوضوح واضحة الإعلام، ونصرا يرتاح به قد القناة ويبتسم له ثغر الحسام، ويروق مجتلاها في غرر النعم الوسام ـ من حمراء غرناطة، حرسها الله، ولا زايد ـ بفضل الله جل وتعالى، ثم بما عود من آلائه التي تترادف وتتوالى ـ إلا الخير الذي أنجزت وعوده، والصنع الذي تألقت في أفق الدين الحنيف سعوده، والفتح الذي تفتح به زهره وأورق عوده، جعلنا الله ممن استبشر في مقام الشكر قيامه وقعوده، فكلما اعتلت قوى إدراكه جاءه الإمداد من الله يعوده ونحن من السرور بما ينسيه الله لكم، بحيث لا تلبسون حلة صنع إلا لبسنا مثالها، ولا تنالون سبب نعمة إلا حمدنا منالها، ولا تجتلون غرة فتح إلا استجلينا جمالها. نشرب من ذلك فضل شربكم، ونرده عقب وردكم، ونمت إليه بمثل متات مجدكم. فكلما امتد لدولتكم العلية ظل عز انفسحت آمالنا وامتدت، واشتدت لملككم عرا نصر قويت أعضادنا واستدت وإلى هذا ـ أيدكم الله بنصره، وحكم لملككم الرفيع بإعلاء أمره ـ فإنكم جئتمونا بزهرة الفتح الأول اظلال فصله، وأتحفنا ملككم ببواكر نصره قريبة العهد باقتطاف نصله، وعرفتمونا بما كان من الظفور الذي خففت عليكم رايته، والنصر الذي أنزلت إليكم آيته والفجر الذي (13: ا) دخرت لملككم غايته، وان عدوكم ـ لما ضاقت عليه المسالك، وفغرت أفواهها إليه المهالك ـ أقدم إقدام من استعجل الحمام، ولم يمطل به الأيام وأول انتهاز فرصة كانت وقاية الله من دونها، واغتنام غرة كان مدد العزم بعض عيونها.  وأقبل والمحلات تخيم بيوتها تخييم الحباب، وتطو قبابها البيض طفو الحباب فناشب حاميتها الحرب، واعمل الطعن والضرب وسلوت له الأطماع خطة أبتها قلوب ضمائرها قد خلصت، وابطال من بعد الاقدام ما نكصت وأقدام ثبتت في موقف الهول واستقرت، وقبائل من مرين عاهدت الله فوفت وبرت. وإنكم ـ لما عقدت الحرب حباها، ورجعت الظنون الكاذبة في عقباها ـ قد يتم من دونكم من الخليفة بالنفس الحرية بالمجد الخليقة، واقتديتم بأنصار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في يوم الحديقة فإنهم ـ رضي الله عنهم ـ لما ارتابوا بأوشاجهم(9)، وعولوا على أديانهم وأحسابهم. تبوءوا من الصبر حصونا، ونادى امراؤهم: اخلصونا فخاضت منهم كتيبة كانت الحملات لا تهزها، والأهوال لا تستفزها حتى علت أيديها، وحيعل بالنصر القريب مناديها(10) فما كان إلا أن طلعت شمس غرتكم يحملها من الطرف العتيق فلك، وخفف منصور علمكم يتبعه ملك ويقدمه ملك، ونهر (13: ب) موكبكم يهديه من الراي صبح ويحجبه من القتام(11) حلك وتراكمت من النقع جوز السحايب، وماجت على الأرض بحور الكتاب وضحكت النصول في اليوم العبوس، ودارت بين الرجال للآجال الكؤوس واخفرت عزمات المغافر، وتجلت رماح الحرب بالحد السافر. واشتبهت الطرق، ورمدت من الأسنة العيون الزرق. وأجرى الله مقامكم من النصر على عادته، وأثبت في درجة ذلك الاجتماع سهم سعادته فكذبت من مناويكم العزيمة، وصدقت عليه الهزيمة، وأدبر إدبارا أمه، ومضى وهمه تجاه نفسه. وانقلب مغلوبا مفلولا، يرى البرق سيفا مسلولا، ويحب الشعاب خيولا، ويظن حمرة الشفق دما مطلولا، وخلف أنصاره حصيدا ودياره طلولا. وإنكم ثنيتم العنة وللصنر لواء بكل ثنيه، وعلى كل راية عناية ربانية والوجوه بادية السفور، والخيل دامية النحور, والسيوف مورودة الخدود، والرماح مختصرة القدود. ومحابر الكنائن خاوية من أقلامها، وموارد السوابغ خالية بعد ازدحامها. الفتح قد فتح لكم بابه، والنصر حولكم كتائبه وفي يدكم كتابه. فلم نكد نعطي السرور بهذا النبأ حقه من الابتهاج والارتياح، والشكر لله على فوز القداح، وتأتي الأفراح (14: ا) والإشادة به في النواح، ونفرغ من مراجعة ذلك المجد الوضاح، حتى اتصل ...... الصنع الذي غمر ما قبله، وشرح مجمل السعد وأوضح سبله، من أنكم ملكتم مدينة تلمسان فاستأثر تم بالسعد الهنى المعجل، ودخلتومها في اليوم الأغر المحجل، وحصلتم عليها من غير سلاح اعمل، ولا حق أهمل، ولا نفس بريء ريعت، ولا حرمة للدين أضيعت. وإن بناتها من المعاقل الشم الأنوف، والمصانع السافرة عن حواجب القسي المبتسمة عن ثغور السيوف، والمعاقل التي تعد أهلة المساء من الأورة وجوازها من السقوف. رأت رأي أمها في تعجيل الطاعة، وحملت الأمر على الفوز بجهد الاستطاعة، وبادرت التوبة النصوح قبل قيام تلك الساعة فانتظمها سلك الأمر السعيد، واتصل القريب منها بالبعيد، واحتجت معتزلتها بإنجاز الوعد وإخلاف الوعيد، وكان لسابقها حق التكلم للاحقها حق المعيد.
فأقمنا فريضة الشكر والحمد لوقتها، وتلونا في بساط الاعتبار بالنعم وما تريهم من آية ألا وهي أكبر من أختها(12)» وقلنا هذا هو النبأ الذي ارتقبنا طلوع البشائر من ثنايا قلاعه، وأجزنا تلقي الركبان لرخصة استطلاعه. هذا هو الصنع السني، والفتح الهني، والنصر المثنى، والعز المتمني، «نصر من الله وفتح (14: ب) قريب(13)»، وتكييف لملك المغرب غريب هذا هو السعد الذي لم يجر في وهم، هذا هو الذي أصاب قنيص النصر والفتح بهم. فتح تلمسان، وما أدراك ما تلمسان؟؟!! قاعدة الملك، وواسطة السلك، وقلادة النحر، وحاضرة البر والبحر. أسندت إلى الليل ظهرا، وأفصحت بالفخر جهرا. وأصبحت للغرب بابا، ولركاب الحج ركابا. ولسهام الآمال هدفا، ولدور العلماء والصالحين صدفا. حسناء تسبي العقول، بين التمنع والسفور، والأطماع والنفور. شمخت بأنف الحصانة والاباية، وتبجحت بوفور العمارة ودرور الجباية ولبست حلى الجناب الخصيب، وفازت من الاعتدال وأوصاف الكمال بأوفى نصيب.
فيا لها من غادة كلما مرت عليها الأيام استجد شبابها!!، وأينع جنابها! وضفا من الحسن جلبابها! حتى كان عين أم يحيى سقتها من عين الحياة، فنورها الدهر باهر الآيات، ومحاسنها رائقة الغرر والثياب. تخدع باللفظ الخلوب، وتقلب على لظى الأشواق أفلاذ القلوب. حركت الملوك الصيد وسكتت، فما بذلت من قيادها ولا أمكنت ضاق بعبد المؤمن(14) طوقها فبعد لأي ما مزقه، ورجع منها إلى السعيد سهمه الذي فوقه. ولم تزل أحوال محييها من بعد ذلك مختلفة، وقلوبهم بهواها كلفة فمنهم من حياها على البعد، وقنع من وصلها (15: ا) بالوعد، واقتصر منها على الإلمام، وإهداء السلام. ومنهم من جد به الجد وهي تسخر، ولأن لها القول منه وهي تنأى وتفخر. ولم يجد متقدما عنها ولا متأخرا حتى غلب اليأس، وخاب القياس ومنهم من باع الكرى بالسهد، ووجد مرارة الصبر أحلى من الشهد، وبذل لها في المجال نثار رؤوس الرجال، وسجى عليها حتى بالأعمار والآجال، وصاغ لها من الحفائر أمثال الدمالج والحجال، ونازع الحرب حالى الغلاب والسجال فالحياة بلوى ضلوعها الزفير، والمجانيق يدمى أنوفها السجود والتعقير والجياد تشكو من باب جيادها إلى غير راحم، وتظمأ فتسقى من نجيع الملاحم حتى أذعنت إذعان القهر، ورضيت بما بذل لها من المهر وجاذب رداها من أردى أوداها، وأماط قناعها من غالب بالصبر أمشاعها ثم ضرب الدهر ضرباته، وأقام القدر برهانه فراجهها من كان يهواها وأثبت في الإكراه دعواها بعد أن حصلت لها بمقامكم علاقة كامنة بين الضلوع، ورسى بجوانحها رشيش هوى يجل عن الولوع وتملكها به غرام ظاهر ومستكن، ولسان حالها يتلو قوله: «الا من أكره وقلبه مطمئن(15)» ورب مغلوب سمح بالرغم قياده، وإن ملك ظاهره فلم يملك فؤاده فلما علمت الآن من حبيبها الحقيق بقرب الدار، وأدنى ركابه منها مساعف (15: ب) المقدار، همت وهامت وتطارحت وترامت، وتهللت من بعد الإطراق، وضحكت من أنس اللقاء كما بكت من ألم الفراق. أمكنت من وصالها عفوا، وأوردت العذب من ظلالها صفوا، وألقت اليد طوعا. وخير النعم ما لم يقع عن كد، وأسنى المنح ما لم يجر في حساب ولا وعد فكأنها لقطة استحقها سيفكم من بعد التعريف، ونقطة استدار عليها محيط ذلك الملك الشريف، ونكرة أدخلت عليها أداة التعريف، وقبلة عدلت من بعد التحريف، ولفظة ردت إلى الأصل الفصيح عند التصريف. وما كان البلد ـ الذي عدلت نصبة ملككم السعيد بمطالعه، وافترت السعود على درجتي عاشره وطالعه ـ ليكذبكم وعده، ولا يخلفكم سعده فما برحت بروق السعادة تبدو في خلال ما رمتموه، والتوفيق يشد أواخي العزم الذي أبرمتموه، والحركة التي أزمعتم تتضافر عليها الأسباب المتبركات، وتسبح على غروسها الزكية سحائب البركات وتجد النفوس لها خفة وحركة الفتح أخف الحركات، فالحمد لله الذي جعل القياس صادقا، والتوفيق مرافقا، والنصر للنصل موافقا، والحمد لله الذي ألبسكم حلتها السيراء لم يوهنها طول المجاذبة والمحاورة، ولا أخلفتها أيدي المساوقة والمساورة، وخولكم وصلها لم يقدح فيه (16: ا) ملل المحاورة. وليهن ـ مقامكم الذي أقال العثار، وخلد الاثار، وأخذ الثار، ما منحه الله من العز الصادق البرق، والفتح الذي وصل يد الغرب بالشرق فقد جمع حسامكم الماضي المضرب، من مدينتي تلمسان وفاس بين عقيلتي المغرب، للأولى منها الأصالة والمجادة، وللثانية العلاقة والودادة، وكلاهما الحسنى والزيادة. فإن خرت هذه بنصبة الملك فخرت تلك بنصبة الولادة وبشرى لهذا القطر الغريب الذي يعد إلى عزمات جهادكم يد الراغب، ويرتقب ارتفاع الشواغل والشواغل، بما استروحه من صرف الاستعداد إلى أعدائه، والاهطاع(16) إلى ندائه، والشروع في معالجة دائه. وإن هنى بالأقطار من تملكها، وأدار على قطب السياسة فلكها، وجب الهنى بالحق لقطر تمكنتموه، وملك قبضتم عنان أمره وأمستكموه. فقد جعل الله مقامكم كعبة الآمال، وجمع فيكم ما تفرق من أخلاق الكمال. بارك لكم في العطية من وهبها، وراض(17) لكم متن المطية من ذللها واركبها.
وإننا لما استجلنا غرر هذه الفتوح الضاحكة الباسم، والصنائع التي ألبست الأيام أثواب المواسم، رأينا غاية الشكر بعيدة عن إدراك البيان، وإن الإيجاز فيها والإسهاب سيان. فلو طالبنا بهذه الوظيفة (16: ب) ابان(18) لما ابان، أو دعونا لها سحبان(19) لكان في ميدانها الجبان، ولو استعنا بعبد الحميد(20) لم نجده فيها حميدا، أو نبهنا لها ابن العميد(21) لأضحى عميدا ولو أردنا لبيدا(22) لانقلب بليدا، ولو أقمنا لها الصاحب(23) لقعد، أو كلفناها ابن هلال لراها من ابيه أبعد إنما هو عذر بليغ، واغضاء يوغ.
ومن المعلوم أن أوداء ذلك المقام الكريم أن أخذوا من مسرته بحظ استأثرنا بجملتها، وأو تمسكو منها بمذهب قمنا بملتها، وإن هنئوه بصنع قدمنا هناء أنفسنا به، أو توسلوا بذمام حب سبقنا في حلبة أحبابه. وإن حديث نصره إلى هذه البلاد الأندلسية عائد، ومدد سعادته في أقطار هذا القطر متزايد. فكيف لا تتهلل وجوه أهليها، وتبدو الكآبة على العدو الذي يليها وكيف لا ترتفع بالشكر أيديها، ويقوم على هضبة الاستبشار مناديها، بظهور من يكف أيدي أعاديها، ويتكفل بري صاديها وإن نبأ هذا الفتح في قلب العدو الكبير وعلى سمعه لا تقل من رضوى وتيير(24). فمما لا يفتقر إلى تمهيد وتقرير، إن الجهاد لايزال تجاه ذلك المقام الكريم ونصب عينه، وإن الظهور على أعداء دين الله دين لجسامه، وهو لا ينام عن اقتضاء دينه. فما هم النفوس الكريمة إلا اكتئاب المناقب الفاخرة، ولا بعد تحصيل الدنيا إلا الفوز بالآخرة (17: ا) ولا وراء تمهيد الأمة المسلمة إلا قتال الأمة الكافرة.
وإننا وجهنا كتابنا ليخطب في هذا الهناء، بمبلغ الجهد ووسع الفناء. واخترنا للوفادة به من ينوب عنا في هذا الغرض، ويقوم للوقت بواجب المفترض. وهم صدور إيالتنا، ودرر لباب عمالتنا، فلان وفلان(25). وصل الله اعزازهم وكرامتهم، ويمن ظعنهم وإقامتهم وأوفدناهم على بابكم المقصود، وشرعة ملككم المزدحمة بالوفود وهو يلقون إلى ودادكم في تقرير ودادنا، والتنبيه على مقدار اعتدادنا ـ ما نعلم أن قواعده لكم غير مفتقرة للتقرير، بما عندكم من إشراق البصيرة وشفوف الضمبر فتتفضلوا بالقبول المعهود، وأوردهم من بركم أعذب الورود، ومهدوا لهم جناب الاغضاء فيما قصروا فيه عن الغرض المقصود. والله تعالى يصل لكم أسباب السعود، ويجعل عزمكم في الجهاد صادق البروق والرعود، ويبقى منكم على الأنام مثابة الجود وبحر الوجود. والسلام.


ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اسم الإشارة يعود إلى ما سطره ابن الخطيب من محتويات مخطوطته «الكناشة».
(2) انظر «دعوة الحق» العدد الثاني عشر «وثائق تاريخية أندلسية» بقلم المحقق.
(3) ما بين القوسين ساقط من نسخ «الكناشة» ولكنه ثابت في نسخ «الريحانة». والتاريخ المذكور يوافق (أكتوبر 1350م).
(4) هذه الرسالة وردت في نسخ مخطوطة «الريحانة» للمؤلف أيضا.
(5)
(6) انظر «دعوة الحق» العدد الثاني عشر «وثائق تاريخية أندلسية».
(7) اللياح: المتلألئ، من لاح الشيء يلوح: بدا ولاح النجم بمعنى تلألأ، وفيل في قوله تعالى «في لوح محفوظ» أنه نور يلوح للملائكة فيظهر لهم ما يؤمرون به فباتمرون. وقيل اللوح المحفوظ: أم الكتاب كذا في اللسان والقاموس.
(8) زيادة وجدناها في نسخ مخطوطة «الريحانة».
(9) ج: وشيجة: الصلة والقربى.
(10) أي قال: «حي على النصر».
(11) القتام: الغبار الأسود.
(12) اقتباسا من قوله تعالى: «وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها. وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون» سورة الزخرف، آية: 38.
(13) اقتباسا من قوله تعالى: «وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر الصابرين» سورة الصف آية: 13.
(14) هو «عبد المؤمن بن علي الكومي» أوصى له المهدي بن تومرت بالخلافة من بعده، وكان هو رجل الدولة المنتظر، فقد تمكن من استكمال دولة الموحدين، حيث قضى على دولة المرابطين باستيلائه على مدينة مراكش العاصمة (541هـ 1146م)، وفتح المغربين الأقصى والأوسط ولما غادر العاصمة (مراكش) قاصدا الأندلس للجهاد عاجلته المنية برباط سلا، في ليلة الجمعة 8 جمادى الثانية 558هـ.
(15) اقتباسا من قوله تعالى: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله. ولهم عذاب عظيم? سورة النحل آية: 106.
(16) الاهطاع: الإسراع في خوف.
(17) راض: ذلل.
(18) هو ابان بن عبد الحميد اللاحقي من الشعراء السياسيين الموالي المنتصرين للفرس على العرب في مداراة. وكان عابثا محبا للمال. تردد بين البرامكة والخلفاء ـ ولاسيما الرشيد ـ بمدحهم، وزاحم على أبوابهم أبا نواس ومروان بن أبي حفصة وسواهما. توفي سنة 300هـ.
(19) هو سحبان بن زفر بن إياد الوائلي، من قبيلة وائل فرع من ربيعة. خطيب مصقع، ضربت به العرب المثل في البلاغة والبيان. ولد في الجاهلية، ولما أن ظهر الإسلام أسلم، ثم انتسب إلى معاوية خليفة المسلمين، وعليه اعتمد معاوية في الملمات والمفاخرات، لقوة عارضته وسرعة خاطره. روي أن معاوية أراد مقاطعته وهو يخطب، فأشار إليه سحبان: لا تقطع على كلامي، ومع ذلك يقول معاوية بعد انتهاء كلامه أنت أخطب العرب ويرد سحبان: والعجم والجن والإنس!!!
وكان سحبان إذا خطب تصبب عرقا. مات في خلافة معاوية سنة 54هـ.
(20) هو عبد الرحمن بن يحيى سعيد من أهل الشام وهو من موالي بني عامر. وهو أول من أطال الرسائل ونظم مبتدياتها وختامها، كل حسب الغرض، كما اختط مواطن الإطالة والتقصير في كتابة الرسائل تخرج في البلاغة والكتابة على ختنه أبي العلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك، وكاتب دولته، وأحد بلغاء العالم والنقلة عن اللغة اليونانية. وكان في بداية حياته معلما للصبيان، حتى فطن إليه مروان ب محمد حين ذهب إلى أرمينية لإخماد فتنتها، فلما نجح في ذلك سجد ومن معه إلا عبد الحميد، فاستفسره فقال له عبد الحميد: ولم أسجد؟ أعلى أنك كنت معنا فطرت عنا؟ قال مروان: إذا تطير معي فقال: الآن طاب لي السجود، وسجد. فاتخذه مروان كاتبا لدولته وبقى معه حتى قتلا في عام 132هـ على يد السفاح العباسي وبالإجمال فعبد الحميد الرائد الأول لكتاب الرسائل، ذلك أنه أول من مهد سبلها، وميز فصولها. ويعتبر مبتدئ هذا الفن بحق، وبفضله ارتقت هذه الصناعة التي كانت من مهن الموالي حتى صارت بعده سلما للكاتب إلى مرتبة ليس فوقها إلا الخلافة.
وكانت لبلاغة عبد الحميد عمل السحر حتى جذب النفوس واستمالها، حتى أن أبا مسلم الخراساني حين هب بالدعوة العباسية، فكتب إليه عبد الحميد كتابا على لسان الخليفة، فرفض الخراساني قراءته وأحرقه، وكتب على جذاذة منه إلى مروان:
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى  عليك ليوث الغاب من كل جانب
(21) هو أبو الفضل محمد بن الحسين العميد كاتب الشرق، وهو فارسي الأصل من أهل مدينة (قم) كان أبوه كاتبا مترسلا بليغا من كبار كتاب الدولة السامانية، فنشأ محمد شغوفا بمعرفة العلوم، وبرع في كافة العلوم، وبوجه خاص في الأدب والكتابة، حتى اعتبروه قمة الكتابة، وقالوا: (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد). ثم رحل إلى ال بويه، ومازال حتى ولوه وزارة ركن الدولة بفارس سنة 328هـ، ومكث بها حتى مات سنة 360هـ.
(22) هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري من بني عامر بن صعصعة، إحدى بطون هوازن من مصر امه عبسية، وهو شاعر مصقع، وفارس معمر، ورث عن أبيه الملقب بربيعة المعتز بن الجواد، وعن قبيلته التي أنجبت عمه عامر ابن مالك ملاعب الاسنة الشجاعة والفتك ولبيد شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم، إلا أنهم زعموا زعما أنه هجر الشعر في الإسلام.
وقد ورد في الصحيحين تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يروى عنه قال: (إن أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
ويقال أنه قد حسن إسلامه وتنسك وحفظ القرآن كله. وبعد الفتوح ذهب إلى الكوفة أيام عمر ومكث بها إلى أن مات سة إحدى وأربعين من الهجرة في أوائل خلافة معاوية.
(23) هو كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد، كاتب المشرق، ووزير آل بويه وكاتبهم، توفي عام 385هـ لقب «الصاحب» لكثرة ما صاحب ابن العميد، وعنه أخذ أدبه، كما أخذه قبله عن أحمد بن فارس. وقد قال عنه الثعالبي في اليتيمة: «ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلاله في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر» كانت وفاته سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بمدينة الري التي أغلقت أبوابها يوم وفاته وله مؤلفات كثيرة منها «المحيط» في اللغة، وكذا رسالته المسماة «الكشف عن مساوئ المتنبي» لأن المتنبي أبى أن يمدحه، مع أنه وزير وابن وزير. كما مدح ابن العميد فحقد عليه، وألفها فيه هذا، وبعد الصاحب صنو ابن العميد، غير أنه ـ وإن كان أبلغ من سلك طريقته ـ قد أولع بالسجع والجناس.
(24) رضوى، جبل بالمدينة، وتبير: جبل بين مكة ومنى، يمكن رؤيته من هذه الأخيرة، وهو على يمين الداخل مكة.
(25) لم يفصح عن شخصية الرسولين، كما لم تكشف بعد مصادر في هذه الفترة عن اسمهما. وهذه عادة لابن الخطيب في معظم رسائله هنا، حيث يكني بـ «فلان» أو «كذا» كما سبق في أول الرسالة «السلطان الكذا».

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here