islamaumaroc

الثقافة والعلم في العصور الحديثة بالمغرب

  دعوة الحق

97 العدد

لعل من التعسف أن نقسم عصور المغرب الأدبية تبعا لعصوره السياسية كما فعل الكثير من كتاب العصر بخصوص الأدب العربي لأن هذا الأسلوب لا يخلو من الافتعال وأرى أن أضمن وسيلة لدراسة عصر من العصور هي التمهيد له بنظرة عن الحالة الفكرية في القرن الذي يسبقه ثم الاسترسال في دراسة العصر الذي هو موضوع البحث إذ ينتج عن ذلك اصطدام الباحث آليا بالفروق البارزة التي تميز بين العصرين فيسهل حينذاك رسم الحدود.
إن تاريخ حركة الفكر بالمغرب مهمة شاقة نظرا لقلة المصادر وانتشار الوثائق ـ على ندرتها ـ بين طيات كتب قد لا يخطر ببال مؤرخ الثقافة المغربية أنها مظان محتملة لما ينتجعه من معلومات. فقد تجد مستندات أدبية في كتب الفقه والتصوف وقد تعثر على أروع القطع الشعرية في كتب الفتاوى أو الحوليات السياسية وقد تظفر بدقائق تلقى ضوءا على خوافي التيارات الأدبية بين ثنايا كتب التراجم التي تكاد تحتكر عالم التأليف في جهازنا الثقافي.
وبالجملة فمصادر تاريخ الفكر في عهد الشرفاء تذهب من الكتب الفقهية كالدر الثمين لميارة والمعيار الونشريسي، إلى كتب التاريخ كمصنفات ابن القاضي والفشتالي والإفراني إلى الرحلات كمحاضرات اليوسي ورحلة العياشي إلى كتب التراجم كالدرر المرصعة ومرآة المحاسن ونشر المثاني إلى أراجيز كالاقنوم إلى كتب أدبية صرف كالأنيس المطرب للشريف العلمي.
واستقراء هذه المصادر كلها قد يرسم في ذهن الباحث صورة لا نقول واضحة ولا تامة عن خصائص الحركة الثقافية ومميزات الناتج الفكري وعن الروابط أو الفروق التي يمتاز بها هذا العصر عن ذاك وهذه الطائفة عن تلك وهذا الفريق من المحدثين والفقهاء عن ذلك الرعيل من الشعراء والمتأدبين والمؤرخين، والمعلومات التي تكتمل تحت ضوئها صورة الجهاز الفكري بالمغرب هي عبارة عن فسيفساء يستلزم التوفيق بين نوازعها إن لم نقل مناقضاتها شيئا غير قليل من الاصطبار والأناة إذ بقدر ما تختلف المصادر بقدر ما تتنافى الألوان والنزعات وأساليب الحكم والتقدير.
وقبل أن ندخل صلب الموضوع نود أن نحلل الخصائص الكبرى المشتركة بين العصرين السعدي والعلوي في الميدان الفري: ففي كليهما كان لفاس مركز الصدارة والإشعاع وفي كليهما اتحدت مناهج التدريس في القرويين وغيرها من الجوامع كما اتحدت أساليب البحث وطرق التصنيف مع اختلاف طفيف في الموضوع غير أن جامعة فاس ازدادت صدارة في عصر العلويين بعد أن انهارت المراكز العلمية التي كانت تزاحمها كزاوية الدلائيين أو تقلصت كزاوية الناصريين وقد كان كل منهما مقصد رواد المعرفة ومجمع العلماء والشعراء والمتأدبين، ولكن هذا الانقلاب لم يمس المجموع بل كان مجرد انتقال من جهة إلى جهة لأن العناصر الثقافية التي كانت تمد زيان وتمغروت ظلت عاملا قويا في توطيد الحركة الفكرية في المغرب ولكن بقدر ما تضاءل إسهام الدلائيين خلال العهد العلوي بقدر ما تضخمت مشاركة الناصريين في نشر الثقافة بالربوع السوسية خصوصا والجنوب عموما غير أن المدارس الفكرية ظلت هي أسلوبا وروحا وغاية.
ولعل أقرب الأساليب إلى توضيح الفروق بين العصرين ـ أن كان هنالك كبير فروق ـ هي استعراض صور الشخصيات العلمية والأدبية التي برزت في كل من العصرين.
فأقطاب العلم في الدولتين كانوا ينتجعون الشرق لاستتمام المعارف وتبادل الإجازات وكان هؤلاء العلماء يشعرون بالرغبة في الاتصال بعلماء الشرق كما كان المشارقة يتوقون إلى مبادلة علمائنا وجوه النظر وقد عرف الشرق كيف يقدر المغرب في شخص أفذاذه أمثال ابن سليمان الروداني والمقري وابن الطيب الشرقي ويجيى الشاوي وغيرهم لأن أساليب الشرق والغرب كانت تتكامل كما أن عناصرها الحيوية كلها يتمم بعضها بعضا في هيكل موحد رصين. ولعل ما لاحظه المقري وقبله ابن خلدون من فروق بين الشرق والمغرب في الاتجاهات الفكرية والمناهج العقلية قد ظل على ما كان عليه إذ بينما كان الشرق مطبوعا بالعمق في ملكه العلوم النظرية طفق المغرب يوغل في البحث اللفظي مع تحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وبينما غلب على تآليف المشارقة الإيجاز (عدا البعض كالغزالي والفخر الرازي) مع انحصار في الموضوع سواء في التصنيف أم التدريس إذا بالمغاربة من القيروان إلى القرويين يوغلون في الاستطراد. وإذا كانت صناعة التآليف قد انتهت في علماء المغرب على صناعة أهل المشرق في شخص ابن البناء المراكشي فقد عللوا ذلك (ببراءة نسبة من البداوة) غير أن الأمر لم يبلغ الحد الذي زعمه ابن خلدون في المائة الثامنة من انقطاع ملكة التعليم(1) على طريق النظار لأن التحقيق العلمي ظل طابع الكثير من علماء عهد الشرفاء هذا مع تحفظات منها نوع من التجمد في المنهج وإيغال في استظهار النصوص حيث أدى الحال في بعض نواحي المغرب كسوس إلى تطرف في الاستظهار تجاوز المتون إلى معاجم اللغة ولكن هذا الأسلوب الذي كان يحجر الفكر أحيانا عند من لا يستطيع أن ينسق بين واعيته وملكته التصورية قد ضخم على العكس عند البعض السليقة العربية ولا أدل على ذلك من وفرة أعداد الأدباء والشعراء في سوس حيث لايزال التحقيق اللغوي خاصة بارزة ولا يعزب عنا أن ابن القزاز البربري هو الذي صحت عليه اللغة بالأندلس بعد أبي علي البغدادي وأن أهل شنقيط أقرب إلى ملكة التعليم عنهم ولم يكن منهم من له عناية بالرحلة بل قصرت هممهم واقتصرت على طريق تحصيل القراءة ودروس التهذيب فقط، نعم أخذوا شيئا من مبادئ العربية من أهل الأندلس مثل ابن أبي الربيع والشلوبين وغيرهما لوجود ملكة النحو في قطر الأندلس بسبب رحلة علمائهم إلى تلقيه من أربابه بالمشرق كما ارتحل أعلامهم إلى بغداد في تحصيل علم الفقه عن الابهري وكذا يحيى بن يحيى عن مالك وغير واحد وكذلك علوم الحديث كرحلة الإمام أبي بكر بن العرب. (نشر المثاني ج 2 ص 97).
وهذا يناقض ما ذكره علي بن ميمون الحسني في تأليف له استطرد فيه الكلام على فاس فقال: «ما رأيت مثلها ومثل علمائها في حفظ ظاهر الشرع العزيز بالقول والفعل وغزر الحفظ لنصوص امامهم الإمام مالك وحفظ سائر العلوم الظاهرة من الفقه والحديث والتفسير وحفظ نصوص كل علم مثل النحو والفرائض والحساب وعلم الوقت والتعديل والتوحيد والمنطق والبيان والطب وسائر العلوم العقلية كل ذلك لابد فيه عندهم من حفظ ذلك الفن.. ما رأيت مثلها ومثل علمائها» في سائر مدن المغرب لا في مدينة تلمسان ولا بجاية ولا تونس ولا إقليم الشام بأسره ولا بلاد الحجاز فإني رأيت ذلك كله بالمشاهدة ولا بمصر على ما تقرر عندي من العلم الحقيقي بمشاهدة أناس من أهلها» (سلوة الأنفاس ج 1 ص 74) وقد تحدث عبد الواحد المراكشي في المعجب (ص 221) عن فاس فقال: «هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا (أول القرن السابع الهجري) وموضع العلم منه اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة.. رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة فرارا من الفتنة فنزل أكثرهم مدينة فاس فهي اليوم على غاية الحضارة، وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم ومازلت أسمع المشائخ يدعونها بغداد المغرب.. إلى أن قال: «ولم يتخذ لمتونة والمصامدة مدينة مراكش وطنا، ولا جعلوها دار مملكة لأنها خير من مدينة فاس في شيء من الأشياء، ولكن لقرب مراكش من جبال المصامدة وصحراء لمتونة» الفصحى من باقي عناصر الشعوب العربية بفضل تلك الروح الاستظهارية البسيطة.
فلهذا وذاك كان من المفيد قصد تحقيق التكامل استمرار الاتصال بين علماء المغرب وعلماء المشرق وقد تطورت هذه الحركة أيام العلويين فشاهدناها كثيرا من علماء المغرب وأدبائه يتجهون إلى مصر والحجاز للاستجازة والإجازة كالعياشي واليوسي واحمد بن  ناصر واحمد القادري ومحمد (فتحا) الفاسي ومحمد بن الطيب العلمي المتوفى بالقاهرة واحمد بن الخياط الذي مكث طويلا في القاهرة أيضا واحمد الهلالي الذي ترك لنا وصفا شيقا لرحلته العلمية هذه.
ولكن الآفاق اتسعت بعد ذلك برحلة كل من الزياني والوزير الغساني إلى سواحل المتوسط الأوروبية حيث كتب لنا الأول صفحات ناصعة عن الحياة الثقافية بالاستانة والثاني عن إسبانيا، وكان هنالك رحالون آخرون كابن زاكور الذي خلف لنا حاشية على قلائد العقبان وشرحا في ثلاثة أجزاء على الحماسة زيادة على شروح أدبية أخرى.
وهذه الرحلات التي قام بها كل من الزياني والغساني كانت سفارات رسمية وهذا بدا لنا على أن الملوك العلويين كانوا يختارون لسفاراتهم السياسية الكتاب الأدباء كما فعل المنصور السعدي أوائل المائة العاشرة حيث وجه إلى الاستانة سفارة فيها محمد بن علي الفشتالي الشاعر المؤرخ وعلي التمغروتي صاحب النفحات المسكية في السفارة التركية وسفارة أخرى إلى مراد الثالث فيها الكاتب أبو العباس أحمد بن علي الهوزالي.
ولكن إذا كان هؤلاء قد استغلوا رحلتهم لتدوين ما التقطوه من فوائد ومعلومات فقد اغتنم ابن القاضي مؤرخ الدولة السعدية رحلته للقيام بعمل أوسع نطاقا هو تصنيف موسوعة عن علماء الإسلام شرقا وغربا.
وقد تبلورت في العهد العلوي بعض الخصائص الثقافية كالإكثار من التصنيف حيث بلغت تآليف أبي زيد الفاسي مائة وسبعين مصنفا شملت حتى الطب والفلك زيادة على التاريخ والتنجيم والكيمياء هذا بينما لم يحص للصومعي قبل ذلك سوى ستين مصنفا ولابن بابا أربعون.
أما الإيغال في الحفظ فقد كان ميزة العصرين حيث كان محمد الرقاد بين أحمد المدعو الفيوم بن عمر الكنتي يحفظ ألف مجلد وقبله كان الجزولي ـ قبيل العصر السعدي ـ يحفظ ـ على ما ذكره احمد بابا في كفاية المحتاج ـ فرعى ابن الحاجب وقيل حتى المدونة وكان هنالك من يحفظ الحلية بمجلداتها العشرة وكان أبو زيد الفاسي يحفظ الصحيحين.
أما تشجيع العلم والعلماء من طرف الملوك فإن مجهود المولى الرشيد لم يقل عن أيادي المنصور السعدي البيضاء ويكفي دليلا على عناية الرشيد رغم ما كان يشغله من مهام سياسية نظرا لحداثة دولته واضطراب البلاد ـ أنه كان يكلف نفسه عناء حضور دروس العلماء في القرويين كالشيخ اليوسي ويتحف رجال الأدب بالهدايا بآلاف الدنانير وبالرغم عن حركة التحرير الواسعة التي قام بها المولى اسماعيل فإن بناء المدارس ظل موصولا حتى بلغ منتهاه أيام حفيده المولى محمد بن عبد الله الذي نشر العلم وأسس عشرات المعاهد في «المداشر» والقرى وتعاطي صناعة التأليف وطور مناهج التدريس والتصنيف.
فنحن نرى إذن أن القرنين العاشر والحادي عشر موسوما بسمات مشتركة على وجه العموم إلا أن بعض المميزات قد تضعف هنا بينما تقوى هنالك وسنأتي بأمثلة حية نستقيها من حياة الكتاب والشعراء وقد أدى انبساط الأمن في العهد الإسماعيلي إلى استمرار الاتصال بين نقط المغرب المتتالية فأمست العواصم العلمية الحضرية مهبط العلماء من أقصى الجنوب وقد عرفت هذه الحواضر سوسيين أفذاذا منهم التمنارتي الشاعر المؤرخ وأحمد البوسعيدي والمرغيثي الشاعر الفلكي الطبيب وغيرهم. وكانت العائلة الفاسية أحد العناصر التي تتولى الزعامة في العاصمة العلمية ولكنها أصحبت مزاحمة في العصر العلوي من طرف الدلائيين (الذين نبغ منهم خلال القرن الحادي عشر اثنان هما محمد المسناوي ومحمد ابن عبد الرحمان) والقادري والسوديين وغيرهم وبينما كان الدلائيون والناصريون يتقاسمون آخر أيام السعديين النفوذ الثقافي في بادية أقصى الجنوب وبعض نواحي الأطلس أصبح هذا المركز الأخير ميدانا يكاد يحتركه الشرقاويون الذين لم يكن نشاطهم ثقافيا أكثر منه صوفيا كما كان الحال بالنسبة للزاويتين الدلائية والتمغروتية.
وقد عرف العصر العلوي أطباء من بينهم المرغيثي المذكور وابن زاكور الذي ذيل أرجوزة ابن سينا في الطب وآل أدراق البرابرة الذين توارثوا مهنة الطب أبا عن جد وأرزهم عبد الوهاب وقد وصل هؤلاء الحلقة التي بدأها في المغرب بنو زهر وبنو أفلاطون الفاسيون في العهد الموحدي.
وقد امتاز العصر العلوي بظواهر منها دخول عائلات إسرائيلية في الإسلام ونبوغ علماء أفذاذ منهم لاسيما في فاس ووفرة التآليف لاسيما منها تراجم الصوفية والروح الفقهية والحواشي والذيول والأراجيز، وظهور أنماط جديدة من التآليف كمحاضرات اليوسي وقانونه واقنوم عبد الرحمن الفاسي ورحلة العياشي وكلها تعد دوائر معارف لما كان يروج في ذلك العصر على أن الأنيس المطرب للشريف العلمي يعد أيضا فتحا جديدا في ذلك العصر لصبغته الأدبية الصرف وتخصيصه تراجم ضافية لاثنى عشر من أبرز أدباء العهد العلوي كالحلبى وابن زاكور ومسعود المريني والعربي الشرقي والمهدي الغزال وعمر الحراق والبوعصامي الموسيقار وغيرهم وسنتعرض لخصائصهم الأدبية منظرين بينها وبين ما امتاز به بعض شعراء وكتاب الدول المغربية السالفة أو الأمصار العربية الأخرى.
ومن الظواهر التي امتاز بها العصر العلوي حرية النقد حتى أن محمدا الضعيف مؤرخ الرباط كتب صفحات نقدية شديدة اللهجة ضد العائلة العلوية كما كتب الحسين ابن السلطان محمد بن عبد الله مؤلفا ضد الدولة العلوية وحكومة والده.
وقد فسح المغرب صدره لعلماء الإسلام كأحمد بابا السوداني في أيام المنصور السعدي كما تبنت فاس الإمام الحلبي أيام المولى اسماعيل وقد تخصص الأول في باب جديد هو تراجم الفقهاء بينما برز الثاني في لون جديد من الشعر هو المديح النبوي على الطريق الصوفي بما فيه من التغني بالحقيقة المحمدية مما أدى إلى منافرة بينه وبين اليوسي.
وهكذا فإن الحركة الأدبية في العهد الإسماعيلي لم تكن كما يقول ليفي بروفنصال محصورة على وجه التقريب في دائرة الكتاب المخزنيين ببلاط مكناس وإن من الصعب التمييزبين الحالة الفكرية في القرن العاشر وبينها في القرن الحادي عشر بل الثاني عشر، ولعل الأدباء المخضرمين الذين عاشوا في أعقاب السعديين وأوائل العلويين صورة لوحدة الطابع من كافة النواحي اللهم إلا تقلصا هنا وامتدادا هناك تبعا لمقتضيات التطور الحتمية.
وإذا أردنا أن ندرك نوع المعارف التي كانت سائدة في ذلك العصر والتي احتكرت نشاط رجال الفكر فما علينا إلا أن نستعرض زمرة ممن شملهم العهدان أمثال البوسعيدي والاغلالي والتمنارتي وميارة والمرغيثي واليوسي والعياشي وآل الفاسي والعساني والحلبي وابن زاكور والولالي واحمد بن ناصر وغيرهم فستتضح لنا خطوط ذلك الإطار الذي انحصر فيه النشاط الفكري.
فمن عالم يكدح في خمول موزعا يومه بين التدريس والعبادة إلى مصنف لا يعدو شرح النصوص الفقهية أو جمع تراجم الصوفية أو وضع لوائح مطولة عن شيوخه وإجازته إلى فقيه انصرف للقضاء أو الفتيا فاحتكره حديث النوازل والأقضية والخصام والشجار إلا أن غالب الفقهاء يعزفون عن المناصب العمومية وينصرفون إلى التعليم احتسابا وتطوعا.
ولكنك تجد إزاء هذا النزوع الفقهي والوجهة الصوفية اتجاهات من نوع جديد تضفي على المجتمع الفكري ألوانا طريفة فإنك تعثر في هذه الفترة على دواوين شعرية وتحريرات تاريخية إلى جانب كتابات في الحساب والفلك والطب فهذا عبد الرحمن التمنارتي يتولى الفتيا والقضاء ويقرض الشعر العالي ويؤرخ لسوس العالمة في فهرسته القيمة وهذا المرغيثي يدلي دلوه في كثير من شعب المعرفة بعد أن أقام في زاوية الدلاء محفل الآداب والعلوم فيكتب في الرياضيات والهيئة ويجمع معلومات شيقة عن مجتمع عصره مازجا ذلك بفوائد مختلفة تتراوح بين التنزلات الروحانية والوصفات الطبية والشوارد الأدبية وقد استقى الإفراني مادة تاريخ المجتمع السعدي عن أمثال هذه المصنفات، وهنالك نوع آخر من التصانيف يتجلى في (الدر الثمين) لميارة حيث نجد إلى جانب الذيول الفقهية والتعاليق الصوفية طرائف عن الحركة الفكرية المعاصرة وبرحلة العياشي يظهر أسلوب جديد في البحث يحاول أن يتجاوز النطاق المغربي المحدود إلى ذلك الفضاء الواسع الذي يمتد إلى الشرق الأدنى حيث المناهج الدراسية تختلف نوعا ما عنها في المغرب وحيث طرائق التصنيف ومواضيع التأليف تتسم بميزات من طراز جديد فنرى العياشي يحاول أن يدرس خصائص الشرق ليقارنها بالحالة المغربية مخللا ذلك بنظرات تاريخية وتلويحات صوفية واستطرادات أدبية فهو يحدثنا عن شارب البن في الشرق مشيرا إلى انعدامه إذ ذاك بالمغرب كما يصف لنا يوم المحمل بمصر ثم لا يلبث أن ينتقل إلى الطرقية ومناكر المواسم معرجا على جزئيات كتطويل اللحية وحكمها وعدد العوالم البالغ ثمانية عشر ألفا ثم يدرج فوائد طريفة كاستيناس المصريات المترفات بشراء ريال من الأزهار كل يوم ولاشك أن شيوع هذا النوع من التأليف في الوسط المغربي يحدث أثره السريع.
وقد أغرق العلماء في التصنيف حتى بلغت تآليف بعضهم المائة والسبعين وهذه الوفرة من أبرز ميزات العهد العلوي يضاف إليها التنوع حيث تجد الرجل الواحد يؤلف في الطب والهيئة والفقه والتاريخ والتراجم والآداب ولكن إذا كانت بعض المصنفات صورة صادقة لذلك العصر كمحاضرات اليوسي فإن الكثير يمتاز بموضوعية متطرفة لا تترك مجالا لانبثاق ذاتية المؤلف مما يفقدها الروح والمتعة فالمحاضرات تصور لك الحرية بكيفية تثير في النفس حب التطلع وروح الانسياق مع المؤلف حتى ليخيل للقارئ أنه يعيش في ذلك العصر وهل هنالك لوحة تاريخية أبلغ من تلك الصور المتتالية التي يرسمها اليوسي فيشخص فيها الأدباء في مساجلاتهم والصوفية حضراتهم والملبسين في دعاويهم والعوام في خرافاتهم وتشبه الرحلة اليوسية رحلة أحمد بن ناصر من حيث الإفاضة في الحديث عن الشرق.
ثم ينبثق القرن الثاني عشر فيتسع نطاق النشاط الفكري ويتضخم التنوع فيظهر أمثال الزياني والوزير الغساني والشريف العلمي.
فالزياني مؤرخ دقيق الملاحظة يخطو بأسلوب البحث والتحقيق خطوات ويوسع موضوعه فيكشف عن الحياة في جزء من القارة الأوربية وينطبع أسلوبه التاريخي بمنزع جديد لأنه يحاول مزج وصف الأحداث بنظرات عن نظام الحكم والحالة الفكرية أما رحلة الغساني إلى إسبانيا فإنها وثيقة عرفت أدباء المغرب إذ ذاك بأساليب الحياة في بلدان مسيحية ووصفت المجتمعات الأوروبية وحياة البلاطات والطبقات الارستقراطية الإسبانية وتجد الشريف العلمي يفرد أدباء وشعراء بتأليف خاص فيتجه بالتصنيف اتجاها فنيا يهدف إلى النقد والتحليل والتنظير من خلال محاورات أجراها المؤلف مع اثنى عشر من معاصريه كالحلبي، رغم ذلك موسوما بالطابع العام الذي كان يصطبغ به التصنيف في القرن الثاني عشر وهو الانتشار وعدم التزام الموضوع وقد شبهه بعضهم من هذه الناحية بقلائد العقبان أو المنتقى المقصور. فنحن نجد إلى جانب هذا البيت الذي هو من نظم المؤلف نفسه يخاطب به المولى إسماعيل:
أمولاي أمنت البلاد وأهلها
فلله رب الناس ثم لك الشكر

قصيدة للحلبي مطلعها:
يا رب إني ضعيف هالني الوجل
ما حيلتي يوم هول العرض ما العمل

وأخرى لابن زاكور (وحيد البلاغة وفريد الصياغة) صدرها بقوله:
اتق الله ما استطعت فإن
الله ربي مع الذين اتقوه

هذا مع أن للحلبي مقامات عارض بها الحريري ولابن زاكور (عنوان النفاسة في شرح الحماسة) ثلاثة أسفار و(مقياس الفوائد في شرح ما خفي من القلائد) والصنيع البديع وشرح المقصور والممدود وشرح لامية العرب والمعرب المبين وغير ذلك.
وهذه النزعة الصوفية نجدها عند معظم شعراء هذا العصر فالشاعر مسعود المريني (واعظ المدينة المرتدي بالوقار والسكينة) الذي له تآليف في التصوف وقصائد عارض بها ابن الوفا وطاول ابن الفارض يقول في مطلع قصيدته:
يا رب إنك موحدي ومكوني
ومديري ومصوري ومشكلي

وفي أخرى:
سهام الموت راشقة النبال
ونحن مع البطالة لا نبالي

ولكنه يقول أيضا:
طيف الخيال تعرضا
أخذ المقام واعرضا
وأثار وجدا كان في
طي الاضالع أجهضا

ويقول في رسالة التزم فيها السين محتديا ابن الخطيب:
سلام كنسمة مسك سرت
لأنفاسكم بنسيم سحر
لساحتكم ساقه مستهام
سباه سنا حسنكم وسحر

ومن شعراء العصر أيضا محمد ابن العربي الشرقي (شاعر الأوان الذي لم يشتمل على مثله ديوان) القائل في حقيقة الشاعر: (إن اسم الشاعر لا يطلق إلا على من وقف في حرم المعاني بكل المشاعر أما من سلك طريقة واحدة فآراؤه فاسدة وبناؤه على غير قاعدة) ولعل هذا التعريف صورة لذلك العصر الذي كان شعراؤه يستوحون من خيالهم وعواطفهم المتأججة مثلما يستوحون من أرواحهم المضطلعة بأوار التقوى وفي ذلك الحوار الذي دار بين هؤلاء الشعراء وبين الشريف العلمي ألوان شتى وضروب مختلفة للآداب والفنون التي كانت رائجة في ذلك العصر.
وبعدما يذكر العلمي شعراء معاصرين آخرين أمثال أحمد عمور نراه يعرج على كتاب العصر كالمهدي الغزال القائل في وصف راقصة:
قامت بكأس الراح راقصة
بين الغواني رقصها يطرب
كأنها والكأس في يدها
بدر تبدى حوله كوكب

وفي وصف بستان:
انظر إلى الروض وقد نشرت
عليه أوراق من الياسمين
يحكي بساطا ناعما صيغ من
زبرجد يعلوه در ثمين

ولكنه يقول أيضا متأثرا بنزعة العصر.
الموت لا شك آت
وكل آت قريب
فثب وثب قبل أن
يعتريك منه وثوب

ومنهم الوزير الكاتب عمر الحراق القائل في ديوانه أنه يفاخر بمسقط رأسه شفشاون:

ما شعب بوان ما مرج دمشق وما
نيل بمصر وما العاصي لدا حلب
في جنب شفشاون الغراء ان فخرت
بتينها وبزيتون وبالعنب

ومنهم أحمد دادوس (صاحب التعاريض في الضروب والأعاريض) الذي رثى وغزل وجد ما شاء وهزل) والأديب البوعصامي (بليغ مصره وإمام الأدباء في مغربه وعصره رحل إلى المشرق، وطلع عليه كالبدر المشرق) القائل:
محى بدمع كالعقيق محاجري
شوقا لطيبة والعقيق وحاجري


ولهذا الشاعر باع طويل في ترتيب النغمات الثمان التي عليها مدار الغناء والألحان ومنهم أيضا الشاعر عبد القادر بن شقرون القائل:
اسقياني كؤوس بنت الدوالي
إن عراني السقام فهي الدوا، لي

إلى أن قال:
كم ليال قطعتها في نعيم
حفظ الله عهد تلك الليالي
بين راح وشمعة ومغن
وظباء قنصتها باحتيال
ولكنه ينفعل (لنزعة العصر) فيقول:
رب يسر لعبدك الفتح واشرح
صدر من صدره من العلم خال

ومنهم الكاتب محمد بن سليمان (شاعر مطبوع... وأديب همام) القائل:
عذيري من هوى غصن رطيب
أراني البدر من فوق القضيب
مليح فاتر الألحاظ طفل
صبوت لحسنه بعد المشيب

ومنهم الحاج على مندوصة كلامه (يغار منه امرؤ القيس ويحن إليه جميل بثينة وقيس القائل:
إلى كم فدتك النفس ترمي فؤادي
بسهم نضى اللحظ أرياشه هدب

إلى أن قال:
فدوتكم ربات قرط خريدة
مفوفة هيفاء هام بها الحب
مبرقعة لمياء غضة بضة
سوى أنها عذراء ناهدة عرب

ومنهم محمد بن يعقوب (صاحب الأبيات السهلة العبارة اللطيفة الإشارة) ومن تلك النماذج تدرك ان شعراء العصر العلوي الأول مراتب فهم بين فحل (يتصرف في فنون الكلام كثير الاغراب لا يعلم له مراد ولا يفهم من أبياته إلا الأفراد).
وهناك شعراء وكتاب آخرون لم يذكرهم الشريف العلمي في أنيسه أمثال عبد الواحد البوعناني مفتي فاس الذي هنأ المولى إسماعيل على تحرير العرائش بقوله:
ألا أبشر فهذا الفتح نور
قد انتظمت بعزكم الأمور وقد وصف اشرئباب أعناق المدن المختلفة إلى التحرر على يد السلطان فقال:
ووهران تنادي كل يوم
متى يأتي الإمام متى يزور

وقال قبله:
إذا ما جاء سبتة في عشى
تناديه إذا كان البكور

ومنهم عبد السلام بن حمدون جسوس القائل:
رفعت منازل سبتة أقوالها تشكو إليكم بالذي قد هالها
مع بادس وبريجة فتعطفوا
وتنبهوا كي تسمعوا تسآلها
فلقد قضيتم للعرائش حاجة
مع طنجة فاقضوا الذي آمالها
وارفع لهذا المغرب رأسا انه
في الضعف مادام العدا انزالها

وقال عبد السلام القادري:
علا عرش دين الله كل العرائش
وهد بنصر الله قصر العرائش

تلك ألوان خاصة من الشعر الوطني الذي يحاول فيه الشاعر التعبير عن آلام الشعب وآماله.
وعندما قام المشاغب أبو حفص الوقاش يدعي الملك قائلا:
أنا عمر الموصوف بالبأس والندى
أنا عمر المذكور في ورد الجفر

أجابه ابن بجة الريفي بقصيدة منها:
في صفحة الدهر قد خطت لنا عبر
منها ادعاء الحمار أنه بشر

وهذا لعمري إبداع، في فن الاقذاع.

وفي هذا العصر كانت زاوية شرقاوة في ناحية تادلا محفلا للأدب والفنون وقد خلفت زاوية الدلاء فشملت بعطفها كثيرا من الأدباء الذين وجدوا في ربعها المقام الرحب كالإفراني الذي بدأ حياته التصنيفية بشرح بديع لتوشيح ابن سهل الأندلسي وهو نموذج للنثر (الفني) في ذلك العصر أما الزاوية الناصرية فقد احتفظت بإشعاعها في الجنوب وفي (الدرر المرصعة) لمحمد المكي الدرعي صور ناصعة لآثار هذه الزاوية في العلم والأدب والكتاب ينطوي على معلومات أدبية قيمة وقصائد رائعة منها مقطوعات كلها تفجع على أهل الدلاء كقول العربي الفاسي:
أدار بذات السدر في الجانب الشرقي
سقاك الحيا، مادام صوب الحبايسقى
أما درعة فقد قيل فيها بين ما قيل:
المم بدرعة واختر لنزول بها
زاوية الفضل مأوى المجد والكرم

وهناك مقطوعات منها للهاشمي الشكلنطي الرباطي:
يا جاديا أسرع بذات الزمام
وارع رعاك الله حق الذمام فإنني أمسيت ذا قلقل من شدة الشوق وفرط الغرام

وقال:
ورشا من آل يافث
لحظة بالسحر نافث
بخطا السين إلى شاء
المثاني والمثالث
قلت جد لي بوصال
قال دع عنك الوثاوث

وتذكرني هذه الأبيات بالبيتين الذين ساقهما الجاحظ في البيان والتبيين:

والثــــــــــغ رأيــــــــــــتـــــــــه         بفعــــــــــل مـــــا لا ينـــبغـــــي
قلـــــــــــت لـــــــه أنـــت بــري         قــــــــال بلــــى أنــــــــا بغــــي

 
ويمكن القول بأن تلك النهضة الأدبية الرائعة التي عمت بلاد سوس في العهد العلوي حتى تفتحت القرائح عن أبدع ما أنتجه الفكر المغربي ـ إنما يرجع فضلها للحركة الناصرية التي نشرت العلوم والفنون إلى ثخوم الصحراء.
وهذه العجالة تضيق عن استعراض النماذج المختلفة للحياة العقلية في العصر العلوي ولعل في كتاب (نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني عشر) لمحمد القادري مادة وافية لمن أراد أن يقف على ألوان الحركة الفكرية بالمغرب خلال قرنين.
أما القرن الثالث عشر فإنه لا يكاد يختلف في مجموعه عن سابقيه فقد امتدت إلى أوائله حياة رجلين هما محمد التاودي ومحمد المنالي الزيادي اللذان مات كلاهما عام 1209 وكانا انموذجا جديدا لعلماء يحرصون على إنتاج الشرق للتبحر في علوم لم تكن منتشرة في المغرب وإذا أردنا أن نأخذ صورة عن هذه العلوم التي كانت أساس الدراسات في الأزهر فلنرجع إلى سند الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري المتوفى في عام 1196 حيث ذكر أنه تلقى في الأزهر (الحساب والميقات والجبر والمقابلة والمنحرفات وأسباب الأمراض وعلاماته وعلم الاسطرلاب والزيج  والهندسة والهيئة وعلم الارتماطيقي وعلم المزاول وعلم الأعمال الرصدية وعلم المواليد الثلاثة وهي الحيوان والنبات والمعادن وعلم استنباط المياه وعلاج البواسير وعلم الترشيح وعلاج لسع العقرب وتاريخ العرب والعجم) ويلاحظ أن العلوم الرياضية والكيماوية لم تكن تدرس وقد صرح شيخ الأزهر لأحمد باشا كور عندما تولى حكم مصر عام 1161 أن الأزهر لا يعرف الرياضيات وقد حارب الأزهريون الجهود التي بذلها الأفغاني عند دخوله إلى مصر عام 1288هـ لنشر العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة. ومع ذلك فقد كانت تروج في الشرق علوم متداولة بالمغرب إلا عند القليل من الخواص فلذلك اتجه التاودي والزيادي إلى الشرق حيث طال مكث الأول ولقي الشيخ مرتضى وهنالك آخرون مثل عبد القادر الكوهن الذي مات بالمدينة بعد أن ترك لنا وصفا لرحلته الأولى إلى الشرق.
وممن نبغ في هذا القرن من رجال الفكر ابن عجيبة، الذي تحتوي فهرسته على معلومات حول الحالة الفكرية في تطوان وسليمان الحوات الذي جمع في البدور الضاوية إجازات الدلائيين ومراسلاتهم ومقتطفات من أشعارهم والشيخ حمدون ابن الحاد الذي ترك لنا ديوانا حافلا بمدائح المولى سليمان الذي حركت مآثره المشاعر حتى قال محمد بن إدريس الفاسي:
ليس إلا أبا الربيع ربيــــــع
خلقه الجود والهدى والوفاء
بسليمان قد سلمنا وســـــرنا
فالعلى منزل له والعــــــلاء
كفه كفت الفساد وكفـــــت..
كل عاد فمالكم أكفـــــــــــاء

وبلغ صدى المفاخر السليمانية تونس الشقيقة فتحركت شاعرية فحلها الهمام إبراهيم الرياحي الذي نظم في أبي الربيع قصيدته الخريدة التي مطلعها:
إن عز من خير الأنام مزار
فلنا بزورة نجله استبشار

ومعها:
هذا الذي رد الخلافة غضة
وسما به للمسلمين منار

وأبرز ما امتازت به العقود الأخيرة لذلك القرن الماضي تقلص التصانيف الصوفية على إثر الحركة الوهابية التي أثارت أيام المولى سليمان موجة من التعاليق والمساجلات عقب وصول استفتاء من ابن سعود إلى علماء فاس وقد تصدى المولى سليمان نفسه للتأليف في الموضوع حيث أصدر رسالة في بدع العوام من الطرقيين.
وكان من أهم وسائل نشر العرفان وتوطيد الحركة الفكرية بناء المدارس الوفيرة في أنأى النواحي ويكفي أن المولى محمد بن عبد الله شيد ست مدارس في قصبة مراكش وحدها وقد كان للملوك العلويين تدخل مباشر في توجيه الحركة الفكرية فهذا المولى محمد ابن عبد الله الملك العالم يضع منهاجا جديدا للتدريس أساسه المطولات والموسعات من مصادر الفقه والأصول وعدم الخوض في جدليات علم الكلام والاقتصار في الاعتقادات على الكتاب والسنة. وهذا المولى سليمان يبذل الأموال الطائلة في تشجيع الطلبة على استظهار المتون كمختصر خليل وقد عرف قبلهما محمد العالم نجل المولى اسماعيل كيف ينهض الحركة الأدبية في سوس حيث كان خليفة عن والده وكان هو نفسه ضليعة في شتى الفنون.
وقد اتصل حبل الأدب على الطريقة التقليدية في النصف الأول لهذا القرن كما تواصلت حلقات التصنيف في نطاق محدود على غرار القرون السالفة مع إيغال في الاقتصار على الجمع والتنسيق بكيفية تجرد عالم التأليف من كل روح ولكن المغرب دخل منذ بضعة عقود عهد انبعاثه لاسيما في العصر المحمدي الذي ظهرت فيه على النسق الشرقي في الحديث أنماط وألوان جديدة يهدف بعضها إلى الجمع بين طرافة الحديث ومتانة القديم.


(1) قال ابن خلدون: «لم نشاهد في المائة الثامنة من سلك طريق النظار بفاس لأجل انقطاع».
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here