islamaumaroc

لغة الشعر بين المنتج والمتلقي -1-

  دعوة الحق

97 العدد

استقر الباحثون على أن الإنسان عرف الرؤية الشعرية قبل أن يعرف (الشعر)، عرفها منذ أخذ يتسامى على ضروراته اليومية، فرفع رأسه ليتأمل مهرجان السماء في الليالي الساجية الصافية، وقطف الزهور ليضعها إكليلا على مفرق حبيبته الغالية، وأخذ بروعة قطرة الندى حائرة على ورقة الورد، وخفة الغزال واثبا بين احراش الغابات، وأشعة الشمس تتسلل من بين أغصان الشجر.
كانت كلماته يومئذ هي كل ما خلق الله في الطبيعة من حجر ونبت، ونار ونور، وألوان وعطور، ورود وزهور، وأغصان وأوراق. قاموس طبيعي لا حد لثروته وسعته وجماله، تعيش فيه مدلولات الكلمات لا الكلمات، وتمرح فيه حقائق الحياة ......... حياة. فهو إذا أحب عبر عن حبه لمن يهوى بالزهر واللون والعطر، وإذا كره عبر عن كرهه بتهشيم الرؤوس، ودق الأضلاع، ورفس الإحشاء، أدواته العضلات والأحجار والعصي. ومن ثم لم يكن من سبيل إلى أن يخاتل وينافق ويداجي. لأنه ابن الطبيعة البار، هذه التي لا تعرف غير الصراحة لها مبدأ، فهي تبتهج فتنعش الجو الحار برقائق النسمات، وتزين وجه الأرض برائق النبات، وتمسح كآبة الكون بأغاريد البلابل، ثم هي تغضب وتثور فتنفجر بركانا يرمي بالشرر، وأمطارا هاطلة تأتي على الأخضر واليابس، وزلازل تغير معالم الأرض وتدك الجبال.
ويوم نظر إلى الحياة نظرة الشعر تلك، كان ميلاده كإنسان، إذ بدأ يتحرر من قيود الضرورة، ليجعل من حياته فنا بمعنى من معاني الفن الكثيرة، ليصغي إلى وساوس النفس، ويهفو إلى مباهج الأحلام، وترتفع الحجب عن بصيرته لتتجلى الحياة لناظريه في أزيائها الزاهية الجميلة. وأضيف عبء جديد إلى أعباء الإنسان الثقيلة، وأي عبء أعظم وأثقل من أن يحس الإنسان بالفنان الكامن فيه، ما يلبث يتلقى أصداء الحياة الآتية من كل ذرة في هذا الكون، ليضخمها ويضع لها حكايات طويلة تكلفه كثيرا من متاعب القلب وقوارص الضمير؟ وهو عبء ثمين، قد لا تستطيع أن تنهض به جميع النفوس، لاختلاف نسبها من قوة الإحساس الفني، وتفاوت حظوظها من الصلابة والقدرة على الاحتمال، والاستعداد لحمل المعاني العظيمة والقيم الخالدة.
ومن ثم كانت (الرؤية الشعرية) اما لمسة خفيفة يتركها الإنسان على بعض الأشياء، ليهبها شيئا من مسحة الجمال، ويبعث إليها طائفة من الفن يرقق منها الحواشي، وهذه رؤية الجمهرة الكبيرة من الناس لما يحيطها من مظاهر الحياة، وإما خلقا للقيم الجميلة، وإبداعا لآيات الفن، تضاهي فن الطبيعة وتتفوق عليه وتصل به إلى مثله الأعلى، وهذه رؤية الخاصة من البشر، الذين اصطفاهم الله من بين خلقه، لأداء رسالة الفن في هذه الحياة. أولئك تكون لهم نظرات شعرية في قليل من أوقات حياتهم التي تستهلكها مشاغلهم الدنيوية الكثيرة، وهؤلاء تشغل النظرات الشعرية من حياتهم مكانا بارزا، وتأخذ عليهم كل سبيل، وتحيطهم بإيحاءاتها من كل جانب، حتى لتنقلب الحياة أمام أعينهم قصيدة جميلة من إبداع فنان عظيم. وهؤلاء هم الذين تحققت عندهم النظرة الشعرية العميقة التي ينبع منها الشعر، وتتفجر منها آيات الفن الرفيع، وهي نظرة ليست خاصة بمن نسميهم شعراء، فجميع أهل الفن لهم هذه النظرة، لأنها قبل كل شيء أسلوب في الشعور، وطريقة في الاستجابة.
وهناك آلاف الأشخاص الذين حرموا نعمة الإنتاج الفني، فلا طاقة لهم بالمساهمة فيه، ومع ذلك لهم نظراتهم الشعرية العميقة الغنية بالمعاني، تكيف استجابتهم للفن، وتصوغ إحساسهم بالجمال. ولو تأملنا لوجدناهم يبثون نظراتهم الشعرية في كثير من أقوالهم وأفعالهم، فهم يترجمونها عملا من أعمال الخير، أو تضحية من رائع التضحيات، أو ورقة في أحاديثهم وسموا في معاشرتهم. فكثيرا ما تكون هذه الأمور تعويضا عن عدم القدرة على الإنتاج الفني، وتنفيسا عن الطاقة الشعرية التي لا تجد متنفسا لها في مجالها الطبيعي، مجال الفنون الجميلة. فالإنسان في هذا شبيه بالعاشق الذي لا يحسن أن يعبر لفاتنته عن لواعج هواه، فيحمل إليها نفائس الحرير، وغوالي الجواهر، أو يضحي من أجلها تضحية كبرى، ليعبر لها بلغة العمل، عما عجز عن صياغته بلغة الكلمات. وما أخال المتصوفة المنقطعين لعبادة الله، والزاهدين المعرضين عن زخرف الدنيا وزينتها، والعابدين المتهجدين القائمين الليل، والرهبان المنكبين على صلواتهم المعتكفين في صوامعهم في الفيافي والقفار، ما أخالهم إلا معبرين عن شعورهم العالي بجمال مبدع الكون وخالقه، مفتونين بجلاله وعظمته.
فإذا استطاع الإنسان أن يستخدم الكلمة في التعبير عن نظرته الشعرية، فليس معنى ذلك أن نظرته هاته بقيت مجردة عن كل لون من ألوان التعبير، منتظرة تمكن صاحبها من الأداة اللغوية، فهي قبل ذلك بحثت عن طرق أخرى للإعلان عن نفسها، ولكن معناه أنها عثرت على أحسن الأدوات وأقواها وأشدها وضوحا عندما تساق إلى الآخرين، فتطالعهم في لغة يحصل بها التفاهم والتجاوب بين الناس، على حين أنها إذ تبقى مجردة عن التعبير الفني قد تبقى مجهولة إلا عند صاحبها، بل حتى هذا لا يتبينها في وضوح، مادام غير قادر على ضبطها واستخلاصها مما يلابسها من عوامل الفوضى والاضطراب. فمن شأن النسق الشعري أن يعمد إلى عواطفنا المشوشة المضطربة، فيهبها شيئا غير قليل من التناسق والنظام، لتكون مقبولة من طرف الآخرين، إذ يفهمونها ويتجاوبون معها. بل إن مجرد قبول صاحب النظرة الشعرية استعمال الكلمة، يدل على انه مبدئيا قد استعد لإخضاع عواطفه المختلفة المتداخلة لما للكلمة من نظام يقتضيه منشأها وتطورها، وما استقر لها من مفاهيم داخل الهيكل اللغوي العام وفي عرف الأمة الناطقة بها. وباستعماله للكلمة على هذا النحو، يكون قد أخذ بشيء مشاع بين جميع الناس، فليس الشاعر هو الذي خلق كلماته وألفاظه، وإنما وجدها كائنة مفروغا من إيجادها، وقد استعملتها أجيال وأجيال قبله، وهذا الشيوع قد يتنافى مع ما قد يكون لنظراته الشعرية من امتياز وتفرد وخصوصية. فهو يريد لمفاهيمه وعواطفه أن تبقى ملكا له وحده، على حين أن الكلمة تحاول أن تخرج بها من حدود هذه الملكية لتشبعها بين أكبر عدد من الناس، لأن الكلمة في شيوعها إن هي إلا إحدى الظواهر الطبيعية والاجتماعية الأخرى الشائعة بين الناس. فلم يثبت أن وجدت الكلمة التي يحظر على أحد استعمالها أساسا، لأنها تراث إنساني عام. وهنا لا يبقى أمام الشاعر إلا أن يقبل على لغته الشعرية تلك، الشائعة بين الناس أساسا، ليأخذها بلمساته الفنية، ويحتال عليها ضروبا من الاحتيال الفني، كي يخفف من شيوعها، ويهبها شيئا ليس متداولا. وقد ينجح في ذلك نجاحا كبيرا ليكون له قاموسه الخاص، وهذا شأن بعيد، لم يكتب النجاح فيه إلا لأقلية من عظماء شعراء الإنسانية. إنه لصعب جدا أن تجعل من الشيء العام المشاع شيئا خاصا. والشاعر الذي يترك الأداة اللغوية على شيوعها، يكون في الحقيقة غير مالك لعواطفه ومفاهيمه ونظراته، لأنه لم يعرف كيف يكتب وثيقة تملكها، فضاعت منه كما تضيع الحقوق من أصحابها عندما يفقدون الحجة على تملكها. وما حجة الشاعر في ملكيته، إلا استطاعته أن يكون له طابع خاص في طريقة تناوله لنظراته الشعرية.
ولكن مهما بذل الشاعر من جهد، لا يستطيع أن يلفظها أو يكتبها يستعملها في الوقت نفسه ملايين الأشخاص، في عدد كبير من المناسبات، وفي أغراض متفاوتة سموا وانحطاطا. وهي ـ أي الكلمة ـ سبق لها أن حملت عواطف أجيال ماضية وأدت عنها ما تريد أن تبثه الناس من شؤون العقل والوجدان، وبذلك فهي قد اكتسبت شخصية مستقلة، وتكون لها رصيد من المعاني والظلال. فإذا استعملها الشاعر لم تؤد ما حملها إياه من الخواطر والانفعالات فحسب، ولكنها تؤدي أيضا ما استقر في طبيعتها من إرثها النفيس. وعلى هذا فالشاعر إذ يترجم نظرته الشعرية إلى كلمات، لا يستطيع أن يقصرها على أشيائه وحدها، لأنه لم يأخذ مادة ميتة فنفخ فيها روح الحياة، وإنما أخذ مادة كانت حية قبله، وستبقى حية بعده، تحمل رسالة الإنسان إلى الإنسان. والقارئ الفذ هو الذي يستطيع أن يستخلص من الكلمات نظرة الشاعر الخاصة من العدد الكبير من الصور والظلال التي تزخر بها، بحكم أنها كائنات حية، تأثرت بمعطيات الأرواح والعقول في أزمنة وأمكنة مختلفة. ومن يدري!؟ فلعل في ذلك خيرا للشاعر وللناس فلو أنه استطاع أن يأخذ تلك الكلمات القديمة فيمحو المعاني والصور الدالة عليها محوا، ليصب فيها ما يريد هو من المعاني والخواطر، لما كان هناك تجاوب بينه وبين قرائه، ولكن غناؤه أو حديثه مقصورا عليه، يردده فيما بينه وبين نفسه، وفي هذه الحالة قد لا يحتاج إلى لغة موصلة، فعادة لا يتفاهم الناس إلا في حدود الأشياء التي يشتركون فيها، وترتبط بمداركهم ومفاهيمهم المتشابهة. ولعل الدفء الإنساني الذي تحمله الكلمة يعتبر أحد المقومات الأساسية لعمل الشاعر، فهو إذ يلمسها لمساته السحرية، تفيض وتشع وتتكشف عن ذخرها الإنساني الجميل، حتى لتقيمنا وتدفعنا وتخرجنا عن طورنا وحالتنا العادية، متى تلقيناها في لحظة من لحظات صفائنا الروحي.
وهذه الدلالة الواسعة للكلمات بين كيفية استعمالها عند الشاعر، وبين استعمالاتها المختلفة عبر تاريخها الطويل الحافل، هو الذي فتح أبواب الظنون والتأويلات الفنية على مصاريعها، فترى نقاد الشعر ـ مثلا ـ يأخذون قصيدة لشاعر ما، فما يلبثون يتأولون معاني كلماتها وإشاراتها ورموزها، حتى ليتأدى بهم ذلك أحيانا كثيرة إلى أن يحملوها أكثر مما أراد بها صاحبها. وكم شاعر سئل عما قاله النقاد في نقد شعره واستخراج مضامينه، فنفى أن يكون لأكثر ما قيل من ذلك علاقة بعمله الشعري وبنواياه ومقاصده الحقيقية.
وإذا كانت الكلمات بهذه المثابة، كان معنى ذلك أن الأصالة الحقيقية بمعناها الكامل، لا يمكن أن تتحقق لأي شاعر، لأنه يصب عواطفه في مادة قديمة صارت هي بنفسها معبرة، ولو لم تستعمل في سياق خاص. فنحن إذ نسمع ـ مثلا ـ كلمة (وطن) أو (جمال) أو (حب) تقفز إلى أخيلتنا صور من الحياة، وألوان من العيش، وعدد من الارتسامات التي تعود بنا القهقرى إلى ماض بعيد، وتنتقل بنا بين ذكريات كاد أن يعفى عليها مر السنين، وتحرك في أعماقنا ما ركد من العواطف فإذا هي انتظمت في سياق شعري جميل، لم تتنازل عن مآتيها المبدعة، وإنما تعطاها الفرصة كي تتكشف عنها، تماما كما يحدث لقارورة العطر، عندما تزال سدادتها، فتملأ الجو بأريجها العاطر الأخاذ.
وقياسا على ذلك، فالشاعر لا ينقل إلينا رؤيته الشعرية إلا بقدر ما تستطيع الكلمة التعبير عنها. فقد يجد الكلمة أوسع مما يريد، أو أضيق مما يريد. قد يريدها باسمة ولكنها تطلق ضحكة في غفلة منه، وقد يريدها هادئة فإذا هي تسرع قليلا فتفسد عليه شيئا من مقاصده. إنها قيثارة شدت أوتارها، وتكونت من مادة خاصة، لترسل أصواتا من نوع خاص، وما على الأصابع الموقعة عليها إلا أن تتفنن في تكييف أصواتها، اما أن تبدل من طبيعتها فذلك ضرب من المستحيل. وقد يتعاقب عليها مئات العازفين، فيبدعون في استغلال أصواتها الطبيعية، ليصنعوا منها فنونا من الألحان، ولكن الأصوات لا تفقد شيئا من أصولها، وهذا هو الأسر الذي يقع فيه الشاعر، ولا يستطيع الفكاك منه. والأمر ليس قاصرا على هذه الناحية، فهناك المعاني التي تستعمل فيها الألفاظ، هذه التي استقرت في أذهان الناس، ونقشت على صفحات عقولهم وقلوبهم. فما أشد ضيق الشاعر بها! وكم يبذل من جهود لإعطاء كلماته مذلولات خاصة، ولكنه أخيرا قد يبوء بالفشل الجزئي، فإذا بلكماته تبقى عالقة بها بعض معانيها السابقة التي ربما تفسد على الشاعر متعة مآتيه الروحية تنقل إلى الناس بكل أمانة وشفوف وصدق. ولعل هذا هو السر في كوننا نجد بعض الشعراء لا يستودعون اللغة عواطفهم إلا بعد أن يختزلوها اختزالا، ويجيلوا يد الحذف والبتر في حواشيها، حتى لا يبقى منها إلا كلمات مبهمة غامضة المعنى، وهؤلاء هم الشعراء الرمزيون.
أفلا تكون اللغة في استعمال الشاعر لها خدعة فنية كبرى، وكذبا على النفس الشاعرة الملهمة؟ هل استطاعت أن تكون هي نفس المشاعر التي حاولت التعبير عنها؟ سيلح أحد الناس ويحلف في السؤال: وهل نسيت الصدق الفني؟ هل أهملت من حسابك القدرة الفائقة التي يتوفر عليها بعض الشعراء في استغلال الكلمة إلى أبعد ما يسر لها من سمو وإشراق وشفوف؟ هل نسيت شكسبير والبحتري والمتنبي؟ ولكن مهلا، فأنا لست أجهل كل هذا، وطالما قرأته في الكتب، وقلته للطلبة، وتحمست له ودافعت عنه في محاورة الصديق ومناقشة التلميذ، ولكن تبين لي أن ما كنت أسميه صدقا، قد يكون نية طيبة عند الشاعر، ولكنه عندما يعمد إلى اللغة يجد لها كيانا خاصا، ومفاهيم ودلالات تتجدد دائما وتمتص كل ما يصل إليها من طريق الأفراد والجماعات، الأمر الذي يجعلها لا تنقل إلينا  الإحساس نفسه الذي أحسه الشاعر، بكل ملابساته، وإنما تعطينا بعض جوانبه، وتمزج بينه وبين ما استقر فيها من ظلال إنسانية عامة فأبو القاسم الشابي ـ مثلا ـ عندما يقول مخاطبا من يحب:
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام
كاللحن كالصباح الجديد!

نشعر بحيرة كبيرة بين الصور العديدة التي تتداعى إلى أخيلتنا عندما نسمع الشاعر يترنم بكلمة (العذوبة) أهي عذوبة الشكل الظاهر أم الباطن الخفي؟ عذوبة الماء النمير بعد الظمأ القاتل؟ أم عذوبة النعمة السابغة به الأرواح؟ أم عذوبة الألم الشعري الذي تنتعش به الأرواح؟ أم عذوبة اللذة التي تستغرق الحواس وتخدر الأعصاب؟ عذوبة الشيء تتمناه، ولا شيء لك منه إلا التمني ولهفة الانتظار؟ أم عذوبة الشيء تعايشه وتصل سببا منك بأسباب منه، في مأمن من مكر الأيام؟ أم هي عذوبة من نوع آخر مما لا يكاد يحصى من معطيات هذا اللفظ، بين ألفاظنا العديدة التي نستودعها أسرار نفوسنا قصد إيصالها إلى الآخرين؟ إن الشابي أراد أن يصف لنا موقع هذه المرأة الفاتنة من نفسه، فلم يجد أنسب لذلك من لفظ (العذوبة) ولكن هل استطاع هذا اللفظ أن يعطينا إحساس الشابي نفسه بكل ملابساته، وهو داخل نسقه الشعري؟ طبعا لا، وإلا فلماذا نجد الشاعر يتصيد بعض مظاهر الحياة يستعين بها على تحديد العذوبة التي يريدها ويحسها، فأتانا بـ (الطفولة) و(الأحلام) و(اللحن) و(الصباح الجديد) وهل استطاعت هذه الأشياء أن تجعلنا نتصور هذه العذوبة كما انفعلت بها نفس الشاعر بعد تجريدها من الصور الإنسانية الأخرى التي تلابسها؟ إني أشك في ذلك إلى أبعد حدود الشك، وهكذا يمكننا أن نقول بالنسبة إلى كل من (الطفولة) و(الأحلام) و(اللحن) و(الصباح الجديد) بل حتى لو تتبعنا قصيدة الشاعر إلى آخرها. وليس هذا صادقا أيضا حتى بالقياس إلى كبارهم وعظمائهم، فلم يسلم شاعر مهما علا شأنه من أحابيل اللغة ومراوغاتها الكثيرة.
ونتيجة هذا أن كل ما أنتجه الإنسان من روائع الشعر، لا يمثل من النفس الإنسانية إلا أبسط جوانبها شأنا، فكل شاعر عظيم أو فنان كبير، نفسه أغنى من فنه، وأحفل وأثرى وأوسع مجالا. فكل قصيدة قرأتها لشاعر مبدع، أو قطعة فنية شاهدتها أو سمعتها لفنان كبير، اعتبرها نقطة من بحر، ونوارة من زهر، على حد تعبير الأديب العربي. ولو كانت كلمات الشاعر تنمو نمو عواطفه، وتتشعب تشعب انفعالاته، وتسايرها في شتى مالها من انحناءات وانعطافات وتموجات، لكان له من كل كلمة دولة، ومن كل حرف صولة، وبالتالي لما انتهى من أن يقول شيئا، ولكن الشاعر المبدع لا يجد محيدا عن القناعة من أشيائه الروحية بنفس من أنفاسها، وقبس من نورها.
واللغة تقتطع جزءا من أنفس الشعراء في حالة من حالاتهم النفسية المتنوعة المتطورة، حتى أن الشاعر عندما ينتهي من عمله الشعري ربما يلفيه لا يصور حالته النفسية فور انتهائه منه، وإنما يصور شعورا ولى ولم يترك إلا أطيافا وذكريات. فينظر إليه حينئذ كما ينظر الإنسان إلى فلتة لسان في حالة من حالات الشرود. إنها رواية لا نشاهد منها دائما إلا فصلا بين فصولها السابقة وفصولها اللاحقة.
أما عندما ينتقل الشاعر في أدوار العمر، من الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة، فقد نقارن بين قصائده المنتمية إلى عهود من حياته، فنجد بينها من التفاوت الكبير ما يخيل إلينا معه أنها ليست لشاعر واحد. ورب شاعر ينظر إلى شعره الماضي ضيقا به نادما عليه، ولولا أنه داع بين الناس، وأخذ مكانه في التاريخ الأدبي، لمحاه محوا. والأمر ليس قاصرا على ما قد يكون فيه من ضعف الصياغة، بل هو يتجاوز ذلك إلى كونه ممثلا لحالة نفسية أصبح الشاعر يحسب أنها غريبة عنه، ومصورا لطور من أطوار حياته صار غير راض عنه.
فاللحظة في الشعر هي كل شيء، قد تطول وقد تقصر، وهي على كل حال منفصلة عما قبلها وما بعدها، ومعزولة عن عدد من الانفعالات التي تلابسها، مع ما قد يبذله الشاعر من جهد لاستنفاذها. وهي ـ أي اللحظة ـ تمربها النفس الشاعرة فتفرغ من محتوياتها لتمتلئ بمحتويات لحظة أخرى أو لحظات قد تختلف عن الأولى وقد تشبهها في بعض ملامحها. أما في العمل الشعري فهي ثابتة تقرأها في تضاعيفه وتعاود قراءتها مرات ومرات، واللحظة هي هي، بالرغم مما تتركه في القارئ أو السامع من انفعالات تختلف باختلاف الأجواء النفسية التي يتلقى فيها العمل الشعري. وقد تمر عقود من السنين على العمل الشعري يقرأ خلالها ملايين المرات، دون أن تفارقه اللحظة التي يعبر عنها. فكم مر على سينية البحتري من سنين:
(صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا كل جبس)

ومع ذلك فنحن عندما نقرأها اليوم، نستحضر الظروف النفسية للشاعر، تلك التي أطلقت لسانه بتمجيد الفرس والتغني بمآثرهم الخالدة. قد تكون القصيدة معبرة عن نزوة موقتة استبدت بالبحتري، ثم زايلته بعد قليل، ولكن ما صوره في سينيته لا يمكن أن يزول مهما تعاقبت السنون. وهكذا تكون خطيرة هذه المحاولات الفنية التي يقوم بها الشعراء، إذ يسجلون على نفوسهم، ويسجل عليهم التاريخ الأدبي مواقف من حياتهم الروحية تنتصب كالأعلام لتدل عليهم، ويعتمدها الدارسون في تصوير شخصياتهم، مع أنها لا تمثل منهم إلا شيئا يسيرا بالنسبة لآفاقهم الروحية الواسعة، و تنبه إلا من بعض لحظاتهم التي لا يمهلهم مالها عليهم من سلطان، فيندفعون إلى صياغتها في كلمات، ومتى كان الشاعر الكبير يخضع تجاربه لمنطق العقل ليختار منها ويصطفي ما ينسجم معه؟ فهو إنسان صاحب حماقات، لو خيل له وهمه أنه من سلالة الملائكة لا من سلالة البشر، لراح يعبر عن ذلك شعرا، ومن يدري!؟ فلربما حملنا نحن الآخرين على تصديقه، فالقارئ قد يفتنه الشعر الرائع عن بعض شخصيته ومعاييره الخاصة، ليصنع به ما يشاء.
وإذن يكون تاريخ الشعر الإنساني هو تاريخ هذه اللحظات النفسية التي جاء هبة من هباتها، وكل ما فيه إنما يحمل على هذه اللحظات ويقصر عليها، ولا يصح اتخاذه أساسا تقاس عليه حياة الشعراء بجميع جوانبها، وإلا كان ذلك ظلما لهم، وافتراء عليهم، وما أشبه من يخالف هذه القاعدة التي أقرها النقد الأدبي الحديث بذلك الذي يرى شخصا في حالة سكر فيتخذ أقواله وأفعاله في حالته هذه، كنموذج لجميع أقواله وأفعاله في ظروفه العادية. واللحظة الشعرية هي سكر، وأي سكر أقوى وأشد فعالية من الثورة على مواضعات العقل والاستسلام للأحلام، والهيام المطلق بمداعبات الآمال وألاعيب الظنون؟
وبناء على ذلك، فهؤلاء الشعراء الذين نقرأ لهم وتؤخذ بروائعهم، ليسوا هم أولئك الذين يضطربون فيما نضطرب فيه من شؤون الحياة إذا كانوا أحياء، ولا أولئك الذين مضوا وخاضوا فيما خاض فيه أهل زمانهم من شؤون العيش، فهؤلاء جميعا لا يصدر الشعر عنهم مباشرة. فليس المتنبي الذي أعرفه من خلال شعره هو ذلك الشخص الذي آوته حلب، وطاردته مصر، وإنما هو إنسان آخر أعرفه في هذه النصوص الشعرية الجميلة التي أنتجها في لحظات خاصة، تهيأ له فيها من بواعث التفتح والإشراق الروحي ما سما بالمتنبي الفنان، على المتنبي الرجل، وهذا الذي نقوله لا يمنع من الاستعانة بحياة الشعراء في تفسير شعرهم كما لا أحتاج أن أقول.
فحتى أقرب الناس إلى الشاعر من أهله وذويه وأصدقائه قد لا يعرفون عنه كشاعر فوق ما يعرفه البعداء عنه، لأن الجميع يتساوى في الاعتماد على ما صدر عنه من أعمال فنية، لتصور شخصيته الشعرية. أما نومه ويقظته وطعامه وشرابه، وعاداته الخاصة وأحاديثه العادية، فهي في مجموعها لا تدل إلا على شخصيته العادلة المألوفة. وهذا هو السر في كوننا نرى الكثيرين يختلطون بشاعر أو أديب، فيجدونه عاديا في علاقته بهم، قد لا يرتفع عن مستواهم، فيما يأخذون به من شؤون الحياة المشتركة، ثم فجأة يطلع عليهم برائعة من روائعه، يستغربون صدورها عنه، وقد يظلمونه فيظنون به الظنون، ويرفعونه أو يخفضونه على حسب ما كونوا عنه من فكرة باعتباره شخصا عاديا لا باعتباره فنانا. والمواطنة والمعاصرة والزمالة طالما كانت علة ظلم الشعراء والكتاب والفنانين، فإذا ماتوا وجاء قوم آخرون لا يعرفونهم إلا بآثارهم، يرتفعون في أعينهم، وقد يصبحون من الخالدين. ويعجبني الأستاذ أحمد الشايب في كتابه (أصول النقد الأدبي) إذ يعلل كون حسان بن ثابت كان جبانا في واقع حياته، شجاعا في شعره، بكون الشعر وليد حالة من حالات التسامي، بعدها يعود الشاعر إلى حالته العادية، أو بشيء من هذا القبيل.
لقد رأينا إلى الآن ما تستطيع اللغة أن تمثله منا، إذا كنا شعراء، وبقي أن نعرف ما تصير إليه لغتنا الشعرية بعد انتقالها إلى القارئ أو السامع. فالشاعر إذ يلقي بعمله الشعري إلى الظرف المتلقي، يجلعه عرضة للتأُثر بعوامل ربما كانت أجنبية عنه، هي ذوق القارئ أو السامع وخياله واستعداده الخاص وأسلوب استجابته لفن القول. قد يكون فرحا مستبشرا، فيعني النص الشعري عنده غير ما يعنيه إذا كان متبرما بالحياة عزوفا عنها. وقد يكون خصب التجربة حاد الذكاء سريع الخاطر، فيعني لديه غير ما يعنيه إذا افتقر إلى هذه الأمور. ولهذا فالنص الشعري الواحد يقرؤه قارئان، فيهز أحدهما هزا عنيفا، بينما قد يتيح نوعا من الخدر اللذيذ المخدر للأعصاب بالنسبة للآخر، مع أن النص هو هو في الحالتين.
وهذا يرجع بنا إلى ما قلنا آنفا من أن مادة اللغة مستودع كبير لمآتي النفس الإنسانية، وانها قابلة للانفعال بسائر المؤثرات التي تحيط بها، وإنها تمتص كل ما استودعها إياه الأفراد والجماعات. وبالرغم من أن القارئ قد يحاول التجرد من مقاييسه الخاصة، ليندمج مع الشاعر في جوه الخاص، فهو غير قادر على أن يمحو شخصيته محوا، ويلغي وجوده إلغاء، لأن هذا فوق طاقته كإنسان من لحم ودم وأعصاب، ولأن إيحاء لغة الشعر نفسها ينبهه إلى شخصيته إن هو حاول تجاهلها. والقارئ إنسان له اهتماماته الفكرية، وشؤونه الروحية، التي قد يعاني منها كثيرا، فإذا هو صادف متنفسا له في قصيدة الشاعر، أطلق العنان لكل هاتيك الاهتمامات والشؤون لتكون لها جولات في العمل الشعري. لنفرض ـ مثلا ـ أنه يحب، ولا قدرة له على التعبير الشعري الجميل عن حبه، ثم وقع على قصيدة لشاعر مبدع يتغنى فيها هواه، فهاهنا نجده يتقمصها بكل ما قد يكون في حبه من قوة عنف، حتى لربما تستحيل كلمات الشاعر انعكاسا لهذا القارئ، أكثر مما هي انعكاس لصاحبها. فالشعر مشجب يعلق عليه كل قارئ ما عنده من هموم ومشاغل روحية. ومن حسن حظ القارئ أن لغة الشعر مطواع ذات مرونة وسرعة تكيف، حسب جميع الأمزجة والطبائع وأنواع الاستعداد، كل واحد يجد فيها ما يمكنه من أن يجور على مضامينها وإشاراتها، لتتفق مع منازعه العاطفية. وليست هي باللغة المحدودة المدلول الواضحة الغرض، كلغة العلم التي لا مجال فيها لشيء من هذا.
وقد قيل كلام كثير حول هذه الفضيلة التي تتمتع بها لغة الشعر هذه، فضيلة المرونة والطواعية والتلقائية، لا نحب أن نعيده هنا، ولكن أحب أن أقف وقفة قصيرة عند هذه الفضيلة لأتبين هل تشوبها شائبة من نقص أو عيب، أو هي الخير كل الخير، والعصمة من جميع العيوب والآفات.
والآن لنعد إلى القضية من أساسها: أن قابلية لغة الشعر للتكيف حسب أذواق الناس المختلفة، الميول والاستعدادات الفنية، يعتبر مزية من مزاياها العديدة، إذ أنها بذلك تحقق نوعا من الثراء الفني والنفسي، وتجعل من النص الشعري عالما من الصور والظلال والألوان. حسن هذا، ولكن يجدر بنا أن نرى في مقابل ذلك أنها تميع وتتداخل مفاهيمها ومضامينها، وتصبح معبرة عن جميع الناس، في الوقت الذي تعبر فيه عن إنسان معين، وبهذا قد لا تكون معبرة عن أي واحد منهم.
وقد انخدع كثيرون من الشعراء بفضيلة مرونة اللغة، فلم يدققوا في اختيار كلماتهم، ووضعها في مواضع لا تصلح لها إلا هي، ولم يتجنبوا مزالق الميع اللفظي، فتركوا ألفاظهم على شيوعها وإطلاقاتها العامة، في حين أن المنطق يقضي بأن يكون العكس هو الصحيح، فمرونة لغة الشعر تفرض كثيرا من الاحتياط في الاستعمال اللغوي، حتى يستطيع الشاعر أن يحافظ للغته على طواعيتها وشفوفها ورقة حساسيتها، ولكن في الوقت نفسه يجنبها مغبة التفسخ إلى حد أن تميع وتفقد الجو الخاص، جو الشاعر المنتج. فإذا كانت الفضيلة وسطا بين رذيلتين، كما قرر ذلك الفيلسوف اليوناني القديم، ففضيلة لغة الشعر في وقوفها بين الجمود وفقدان المائية، وبين الميوعة التي تفقدها الظلال الخاصة، هذه التي هي المبرر الوحيد أو الأساسي على الأقل لوجود قصيدة الشاعر.
والدقة لا تطلب من العالم وحده، بل هي تطلب حتى من الأديب والشاعر، نقول هذا لأن هناك عددا كبيرا من الناس، درجوا على أن ينظروا إلى الشعر نظرة بعيدة عن الجدية، فهو عندهم عبارة عن أحلام وعواطف وأخيلة صيغت في قالب جميل كيفما اتفق، على حين أنهم ينظرون إلى العلم نظرة كلها إكبار، ويطالبون العالم بالدقة في استعمال الكلمات. ومن قال إن الشعر معفى من هذا؟ أليس تعبيرا عن موقف من المواقف الروحية للإنسان في علاقته بالعالم المحيط به؟ أليس لكل موقف روحي طبيعته الخاصة؟ أليست الميوعة اللغوية تخل بالكشف عن الموقف؟ ألم تضع علينا مئات اللحظات النفسية، لأن بعض الشعراء لم تكن لغتهم من الدقة بحيث تكون كفاء لها ولو بكيفية تقريبية؟ ودونك دواوين الشعر، افتحها لترى أن التلاعب بالألفاظ والاستهانة بما بينها من فروق دقيقة، أكبر مأساة مني بها الشعر على الإطلاق، لأنها أهدرت كرامة الفن، وأساءت إلى رسالته الخالدة.
ولغة الشعر هي في الحقيقة إبداع للحياة الجميلة، والوجود الأمثل الذي يود الشاعر أن يكونه، إنها تجاوز للواقع، ورفض للرتابة واطراد أساليب العيش وأنماط السلوك. كما أنها حوار بين الشاعر وبين ذاته المثلى، واندماح في عالمه الخيالي الذي لا يتسع له واقعه المحسوس المشهود، لأنه قائم على منطق الحياة وناموسها القاضي بالخضوع لشتى الأوضاع والعادات والقواعد، فكل ما في لغة الشعر من أخيلة مجنحة، وصور فنية رائعة القسمات، وتموج بالأطياف والأحلام، إن هو إلا تعبير عن ضيق الشاعر بمحدودية الواقع الذي يعيش فيه، وقنوطه من نظام الحياة الشامل. فهو أينما تحرك يجد (القواعد) فللعمل قواعد، وللاجتماع بالناس قواعد، ولتبادل المنافع والمصالح قواعد. حتى اللعب وضعت له قواعد، على حين أن الشاعر بمقتضى أنه إنسان ممتاز، وله منظاره الخاص والتحرر والخروج أحيانا عن تقاليد الحياة ونواميسها ومنطقها الصارم، ليعيش وجوده الخاص، المنبثق من كيانه الروحي. فهو قد يضع للأشياء أسماء غير التي اصطلح عليها الناس، وقد يجرد كلماتهم التي يلوكونها من بعض معانيها لصيب فيها معنى جديدا، وقد يحب الناس شيئا فيفدونه بالغالي والنفيس، على حين أنه يكاد لا يشعر بوجوده، ويكرهون شيئا آخر فيزهدون فيه، بينما يحتل عنده مكانة المقدسات، وقس على ذلك. فهو حينئذ يجنح إلى لغة الشعر الكريمة المعطاء، يبني بها عالمه الخاص، ليعيش فيه على هواه. لا سلطان فوق سلطانه، ويطلق العنان لحماقاته الجميلة التي هي أثمن من معقولات كثير من الناس. في هذا العالم يحقق المستحيل، وأي مستحيل يستعصي على شاعر مبدع؟ فكلمة منه تطلع العرائس من أعمال البحر، وتستنزل الأرواح من أعلى عليين، وتوزع الضوء على بقاع الكون بنسب أين منها نسيب الواقع المحسوس، وتصعد بأصغر الأشياء إلى سماء العز ومشارف الخلود، وتنزل بأشياء كبيرة عند الناس إلى الدرك الأسفل، حيث تكون النفايات. وليس لنا الحق في أن نناقش الشاعر في جدوى عمله هذا، ولا أن نطالبه بالدليل على صحته، لأنه لا يعترف مقدما بالأسس التي نقيم عليها مناقشتنا بصفته شاعرا، ولأننا نكون قد تدخلنا فيما لا يعنينا. ولو أن الشاعر رضي بمنطقنا لما جشم نفسه مشقة الإنتاج الشعري مطلقا. كل ما نملك حق التدخل فيه هو سؤالنا عن مدى توفيقه في التعبير عن نفسه.
وقد يتقارب عالم الشاعر وعالم الناس، وقد يتباعدان تباعدا كبيرا بجعل الشاعر يشعر بأنه غريب عن الواقع الذي يعيش فيه، ويأخذ بحظه منه بطريقة أو بأخرى، بحكم وجوده داخل هيئة اجتماعية، تضغط عليه تحت تأثير ظروف عيشه المختلفة. ويزيد في شعوره بالغربة أن يكون مجهولا عند الجماعة التي يعيش فيها، بحيث لا تعرفه ولا تصل أسبابها بأسبابه، فيبقى فيها يعاني غصص الهموم، ويقع فريسة الصراع بين مثاليته وواقعه. وقد تستطيع الجماعة أن تتجاوب معه وتأخذ عنه، متخطية باب عالمه الخاص، وحينئذ لا يشعر بهذه الغربة، وإنما يشعر بأنه يعيش وسط عائلة تكن له كل عطف ومحبة وتقدير، فيجد العزاء عما يكابده من أجل الخلق والابتكار. وقد يود الشاعر أن يبقى عالمه مغلقا على جمهرة كبيرة من القراء، فيعمد إلى إنتاجه الشعري يدبره على معاني ومقاصد ملتوية، ويكثف صوره ويضغط أسلوبه، حتى يتحول إلى ضرب من الرمز والإيماء، الأمر الذي لا يجعله مفهوما إلا عند الخاصة من القراء، وهذا يعد تعاليا من الشاعر، إذ يظن بشعره الابتذال والاسفاف، إذا هو وصل إلى الجمهور الأعظم، وصار أغنية تتردد في المجتمع والمنتديات.
والشاعر يبني عالمه بمادة حساسة مرهفة الحساسية، تنفعل بحالة الطقس الأدبي العام، وترتفع درجة حرارتها أو تنخفض، تبعا لاختلاف حالات الزمان والمكان، وتتأثر بأي لمسة تصادفها، الأمر الذي ربما أدى إلى انهيار العالم الشعري، بالنسبة إلى القارئ الذي يفوته إدراك المنطق العاطفي للشاعر، فيبعث ببنائه الفني ما شاء له العبث. فرب قارئ يغير على العمل الشعري فينقض بناءه، ويشوه جماله، لأنه بعثر أجزاءه، أو قلب مفاهيمه رأسا على عقب، فأفقده بذلك روحه الأصيل. وكل هذا ناشئ عن كون لغة العمل الشعري ليست لها مناعة أو حصانة ضد العوامل الخارجية، وإنما هي عرضة لأن يؤثر فيها كل ما يحيط بها، مادامت قيمتها متصلة بنوع الاستجابة التي تصادفها عند الطرف المتلقي، على حين أن لغة العلم تملك نوعا من الحصانة يأتيها من دقتها واعتمادها على العقل المجرد، وهذا يتشابه الناس في أحكامه ومقاييسه إلى حد بعيد. ولست أقصد طبعا أن لغة العلم لها الحصانة التامة التي تقف في مواجهة جميع عوامل التشويه، وإنما أقصد فقط إلى أنه تعصمها موضوعيتها أحيانا وتحد من التلاعب بها أو الشطط في استيعابها، أما لغة الشعر فهي ذاتية، وتثير في الآخرين مشاعر ذاتية تكيف مفهومها وتحدد طبيعتها، والاستجابات الذاتية بلغت من التنوع حدا بعيدا يكاد يكون بعدد القراء، على حين أن الحقائق الفكرية التي تصورها لغة العلم، يلتقي عليها جل الناس.
وإذن فعوالم الشعراء هشة مرنة تضيق حدودها وتتسع، وترتفع سماواتها وتنخفض، وقد تضيف عددا كبيرا من الناس، لأن مائدتها ممدودة الأطراف، طافحة الجوانب، فيعيثون فيها فسادا، ويحولون أفراحها إلى مآتم، ومآتمها إلى أفراح.
فلغة الشعر عندما تصل إلى الطرف المتلقي لا تبقى على حالها الذي تسلمها عليه، كما خرجت من فم الشاعر أو أصابعه، وإنما هو يترجمها فورا إلى لغته الخاصة بكيفية غريزية. وهي ترجمة تعمل فيها الحواس وسائر القوى العقلية، ويرفدها العقل الباطن الذي تطفح بعض مخبآته، عندما تأخذنا نشوة الشعر، وتشتمل علينا أحلام اليقظة في دنياه الجميلة المؤثرة. فالمسألة فيها تسلسل إذن: الشاعر يترجم أحاسيسه إلى لغة الشعر التي لا تكون هي الأحاسيس نفسها، والمتلقي يأخذ لغة الشاعر ليترجمها هو الآخر إلى لغته التي تتلاءم ومزاجه وتكوينه الفكري وطبيعته الفنية. والمتلقي هو الوسط الأدبي كله، بما فيه من مشارب واتجاهات. وبهذا يمكننا أن نتصور المسافة التي توجد بين مادة الشعر كما تقدمها الحياة إلى الشعراء، وبينها عندما تنتقل هذه النقلة الواسعة، إلى أن تصير استجابة لدى القارئ أو السامع. فرحلة مادة الشعر طويلة، تمر خلالها بمعادن النفوس البشرية، فتأخذ من كل معدن شيئا من خصائصه.
وأذكر بأن حديثي عن الطرف المتلقي لا يشمل الناقد المحترف، وإنما يشمل فقط القارئ الهاوي.





ـ الوادي الكريم ـ
وقانا لفحة الرمضاء واد
سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه، فخنا علينا
حنة الوالدات العظيم على الفطيم
يصد الشمس أنى قابلته
فيحجبها، وياذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد النظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here