islamaumaroc

معالم الأخلاق الاجتماعية في القرآن الكريم

  دعوة الحق

97 العدد

لقد اعتنى الناس منذ القديم بالأخلاق فتدارسوها محاولين أن يضعوا مقاييس للخير وأخرى للشر، فكان أن تفلسفوا ولم يتخلقوا، وفرق بين الاثنين، إذ الفلسفة عمل عقلي تأملي، أما الأخلاق فهي السلوك، هي الحياة الدائبة الحركة، هي الأخذ والعطاء، الأخلاق لا تعتمد المنطق الجاف كما لا تعنى بالنتائج والمقدمات، بل هي عمل فطري وإحساس عميق يجده الإنسان في نفسه فيدفعه إلى الاعتقاد في خيرية عمل معين وشرية آخر، وفي كل ذلك لا يتأثر بما يقوله الفلاسفة أو الفلسفة، وربما كان العكس صحيحا، إذ الفلسفة هي التي تتأثر بعمل الإنسان فتجري وراءه لاهثة محاولة تغيير سلوكه وفلسفته، فأوجدت لنا بذلك مجموعة من النظريات والمقاييس هي ما سمي بالأخلاق المعيارية، أي مجموعة القواعد الأخلاقية التي وضعتها الفلسفة نصب أعين الناس ليراعوها في طريقهم نحو المثل الأعلى للإنسان الكامل فلا يستطيعون، إذ كان عليهم قبل ذلك أن يكونوا جميعا فلاسفة، وهذا شيء تأباه طبيعة الحياة بل طبيعة الفسلفة نفسها، فنحن لا نستطيع أن نوجد مجتمعا من الفلاسفة، ولهذا كان أثر الفلسفة على الأخلاق ضعيفا من الناحية العملية، وأهم شيء في الأخلاق هو الجانب العملي، إلا أننا من جانب آخر نستطيع أن نوجد مجتمعا من المسلمين أو المسيحيين أو البوذيين مثلا، ومن هنا جاءت الميزة التي للدين على الأخلاق الفلسفية - إن صح التعبير- فالوازع الخلقي إنما ينشأ ويقوى بالعقيدة الدينية، وبدونها يبقى مجرد شيء نظري صرف لا يغير من واقع الأمر شيئا، فالقيمة الخلقية لا تأتي من الفلسفة وإنما تنبع من إيمان الفرد بعقيدة ما وتمثله لهذه العقيدة في سلوكه وعمله، ولعل هذا هو السر الذي جعل الأخلاق تنجح في المجتمعات المتدينة وتفشل في المجتمعات التي ضعفت فيها قوة العقيدة الدينية وأثرها في النفوس.
طبعا هناك الضمير الذي وضعه البعض في مركز العقيدة لتوجيه الأخلاق والتحكم في السلوك، ولكن ما هو الضمير وما مصدره؟.
إنه الملكة التي يدرك بها الإنسان القواعد التي فرضت عليه، أو بعبارة أخرى هو مشرع في باطن الإنسان، يطالب بالسيطرة المطلقة، التي لا يحدها قيد ولا شرط، على كافة المنابع التي تصدر عنها أعمال الإنسان(1)، وبشيء من التأمل يظهر أن الضمير كاد يرقى إلى مستوى الألوهية، فهو يتولى السيطرة المطلقة على كافة المنابع التي تصدر منها أعمال الإنسان، وهل تطالب التعاليم الدينية بأكثر من أن تكون أعمال الإنسان مسايرة لما تمليه من الأوامر وتفرضه من الواجبات؟
لقد حاول بعض علماء الأخلاق أن ينزعوا من العقيدة الدينية أخص خصائصها وهي توجيه سلوك الإنسان، وإعطاءها للضمير، وحتى إذا اعترفوا للعقيدة بالتدخل في توجيه الأخلاق واعتبروا وازع الضمير وازعا ذاتيا باطنيا وكأن العقيدة توجد خارج الإنسان! فما العقيدة الدينية إلا ذلك الشعور الباطن الذي يسيطر على الإنسان ويملك عليه إحساسه ومشاعره مهما تظاهر بالتنكر له أو الإفلات من سيطرته، ومن ثم فإن التلاؤم بين الأخلاق الناشئة عن أوامر الدين وبين الناشئة عن الضمير ليس ممكنا فقط، بل إن الدين هو أصل الضمير، والعقيدة مركز إشعاعه ونقطة انطلاقه، ولا يعني هذا أن الإنسان يفقد حريته أمام تعاليم الدين، فمادام الإنسان مكلفا ومسؤولا عن أعماله فلا بد أن تتاح له حرية الاختيار، وإلا فما كان هناك داع لابتلائه واختباره، بل إن تغيير واقع حياة الإنسان لا يتأتى إلا بتغيير نفسه أولا، فمن الشروط الأساسية لخلق ظروف ملائمة لحياة كريمة أن يغير الإنسان ما به، فالخير إنما يأتي من تفاعل الإنسان مع الحياة تفاعلا إيجابيا؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)‏ [الرعد: 11]، ومادام الإنسان يملك هذه السلطة على نفسه، ويملك بواسطتها خلق التوافق بين إرادته وإرادة الله، فلا مجال للقول بأن الأخلاق الدينية والأوامر الإلهية من قبيل السلطة الخارجية عن ذات الإنسان، بل هي من صميم ذاتيته مهما حاولنا فلسفة الموقف وتعقيله.
لقد كان ضروريا أن نتعرض بصفة موجزة لنشأة الشعور الخلقي وعلاقة هذه النشأة بالدين قبل أن أتناول الأخلاق الاجتماعية في القرءان الكريم، والواقع أن القرآن الكريم مليء بمواعظ أخلاقية وتوجيهات سامية تفيد الإنسان في دينه ودنياه، وإذا كان كل تشريع ديني يمتزج فيه الخلقي بغير الخلقي، والجزاء فيها أخروي صرف، فإن القرءان يمتاز بكونه لم يقتصر على العقاب الأخروي بل سن عقابا دنيويا يلقاه كل من خالف التعاليم القرءانية، فالقضية ليست متروكة فيما بين العبد وربه، بل هي موضوعة فيما بين العبد وربه وفيما بين الأول ومجتمعه الذي له كامل الحق في الاقتصاص منه بواسطة التفويض الإلهي للمجتمع المبني على العدل ومساواة الناس بعضهم لبعض «وأمرهم شورى بينهم».
وقد سلك القرءان طرائق مختلفة وأساليب متنوعة في إيصال التعاليم الأخلاقية إلى الناس وتركيزها في نفوسهم، مراعيا دائما ظروف الإنسان النفسية وأحواله الاجتماعية، فتارة يسلك أسلوب القصة وأخرى نهج الوعظ المباشر والتوجيه، وطورا طريقة التعنيف والتقريع، ومرة وسطا بين هذه وتلك حسب ما تمليه طبيعة الموقف والواقعة التي كانت سببا من أسباب نزول الوحي.
والدعوة الخلقية في القرءان ترتكز على أسس ثابتة لا تتغير، وإذا كان ليس بإمكاننا أن نستقصيها الآن فإنه يمكن أن نشير إلى بعض منها:
1) الدعوة إلى الحياة: فدعوة القرءان دعوة إلى الحياة بكل ما في كلمة الحياة الإنسانية الفاضلة من معنى شريف نبيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24].
2) تحليل الطيب وتحريم الخبيث: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) [الأعراف: 157].
3) تكريم الإنسان لذات الإنسان: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70].
4) القصد والاعتدال في كل شيء دينيا كان أو دنيويا: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: 29]، (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) [الإسراء: 110]، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقْتِرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67].
5) الحرية المقرونة بالمسؤولية: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) [القيامة: 14]، (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ..) [الإسراء: 14]، (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164].

إلى غير ذلك من المبادئ القيمة التي راعاها القرءان في دعوته الأخلاقية، والشيء الذي يثير انتباه الإنسان وهو يتتبع الآيات الأخلاقية في القرءان هو أن تناول القرءان للأخلاق ليس مبنيا على فلسفة تجريدية، بل القرءان ينزع نزعة عملية فيأخذ بيد الفرد ويقوده في رفق ولين إلى ما هو أحسن له وأولى به، وعلى هذه الطريقة حث الرسول عليه السلام: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]. وإذا عدنا إلى الفلسفة وجدنا بحرا من الكلام في تحديد مفهوم الفضيلة ودائرتها ويستقر الرأي في الأخير على أنها وسط بين رذيلتي «الإفراط والتفريط»، فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين الإسراف والإمساك.. الخ، والقرءان الكريم يقر نفس الشيء ولكن بطريقته الخاصة التي هي في متناول الخاصة والعامة: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: 29] (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقْتِرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67]، (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195]، «خذوا حذركم» الخ الآيات البينات التي تحدد معالم طريق العمل الإنساني من غير إفراط أو تفريط، وإذا كان بعض الناس يرى أن مذهب التوسط الذي أخذ به بعض علماء الأخلاق المسلمين مقتبس من الفلسفة الإغريقية فإن الذي يظهر أن استنباط هذا الاتجاه التوسطي من الآيات القرءانية والأحاديث النبوية ليس بالشيء الصعب، ومن ثم فلا داعي لرده إلى الفلسفة الإغريقية ولا إلى غيرها من الفلسفات الإنسانية.
ذلك هو الأسلوب الأخلاقي في القرءان بإيجاز، فما هي طريقة الكتب المقدسة قبله؟ وكيف عالجت هذا الموضوع الشائك والحيوي في ذات الوقت بالنسبة للحياة الإنسانية؟
في هذا الموضوع يقول الأستاذ مالك بن نبي ما يلي:
«إن الأخلاق اللادينية - بقدر ما لهذا التعبير من معنى - تقيم أعمال الإنسان على أساس المنافع الشخصية العاجلة التي صارت أساس المجتمع المدني، على أن الأخلاق الدينية «التوحيدية» تحترم أيضا المنفعة الشخصية، ولكنها تمتاز برعاية منافع الآخرين، وهي بذلك تدفع الفرد إلى أن ينشد دائما ثواب الله قبل أن يهدف إلى فائدته.
من أجل هذا الثواب صاغت التوراة الميثاق الخلقي الأول للإنسانية في وصاياها العشر، وساق الإنجيل توجيهاته في عظة المسيح على الجبل، ولكن الأمر في كلا الكتابين أمر مبدأ أخلاقي سلبي، فهو يأمر الناس بالكف عن فعل الشر في حالة وبعدم مقاومة الشر في أخرى.
أما القرءان فيأتي بمبدأ إيجابي أساسي كيما يكمل منهج الأخلاق التوحيدية، ذلك المبدأ هو مقاومة الشر، فهو يخاطب معتنقيه بقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران: 110]، ومن جهة أخرى يقر القرءان فكرة الجزاء، أساس الأخلاق التوحيدية، ويقول الأستاذ أندري لودز «إن القيمة الدينية للفرد لم تظهر في الديانة اليهودية إلا على عهد حزقيال (النبي) فحتى ذلك العهد كان الواجب ونتائجه الخلقية يقعان على عاتق الأمة التي تتوقع جزاءها في ذلك النصر الموقت»، وقد كان الإنجيل على عكس من ذلك، فقد قصر الجزاء كله على يوم القيامة بحيث أصبحت الأخلاق من مسائل الآخرة وأضحت برمتها من الهموم الشخصية، حتى إذا جاء القرءان وجدناه يقيم بناءه الخلقي على أساس القيمة الخلقية وعلى العاقبة الدنيوية للجماعة»(2).
لقد نقلت هذا النص بكامله لأنه يبين الميزة التي للأخلاق القرءانية على غيرها من أخلاق الكتب السماوية الأخرى فضلا عن الأخلاق اللادينية إن صح وجودها.
بعد هذا فإلى من يتجه القرءان بأمره الخلقي؟
الأمر الخلقي في القرءان يتجه إلى الفرد باعتباره نواة للأسرة وإلى الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وإلى المجتمع باعتباره نقطة انطلاق إلى الإنسانية التي استهدفها القرءان كغاية لرسالة الإسلام الخالدة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، فالقرءان إذن لا يعنى بالأخلاق الفردية إلا بالقدر الذي يجعل من الفرد فردا صالحا مهيأ للاندماج في الجماعة، ولذا جعل القرءان مبدأ التضامن الاجتماعي محور دعوته، فالقرءان ينظر إلى المجتمع الإسلامي كوحدة متماسكة وكتلة مهما اختلفت في العمل والتوجيه فإنها مرتبطة فيما بينها برباط العقيدة التي تجعل أكرم الناس أتقاهم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13]، ولذلك فإن المؤاخذة تتجه إلى الجماعة بدل الفرد، فالأخيار مسؤولون عن جرائم الأشرار: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) [الأنفال: 25]، ونتيجة لهذا كان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا لبناء الأخلاق الاجتماعية القرءانية، فليس يكفي لتبرئة المسلم ألا يكون هو قد ارتكب ذنبا، بل تبرئته قائمة على أساس أدائه لواجبي الأمر والنهي، واجب الأمر بما هو معروف وواجب النهي عما هو منكر، وينبغي أن يكون واضحا أن الله قد حدد المعروف والمنكر، إذ الحلال بين والحرام بين، ولاشك أن القيام بتأدية هذا الواجب من طرف الإنسان المسلم يكون لديه حاسة قوية للنقد الخلقي والاجتماعي، والذي ينقص المسلمين اليوم هو هذه الحاسة النقدية التي تجعلهم يميزون ما يأخذون وما يدعون من نتاج الحضارة الأوروبية المعاصرة، ولاشك أن نقد سلوك معين يستوجب من الناقد أن يكون يقظا حذرا حتى لا يقع في فخ الفوضى وتختلط المفاهيم عليه، ولاسيما في هذا العصر الذي ضاعت فيه المقاييس وامتجزت القيم وتشابكت الرذائل بالفضائل في عقول الناس، فأصبح من العسير على الإنسان - إذا لم يملك من الجرأة ما يكفي- أن يصدع بكلمة الحق مخافة التشنيع عليه ووصفه بالجمود والتحيز، ومع ذلك فإن على المسلم أن يعمل ليحقق خير الجماعة التي يعيش بين أفرادها ومن ثم فإن من الواجب عليه أن يصدع بما يعتقده أنه حق ولا يبالي بما يثار في طريقه من الغبار لأنه يبني وكل بناء لا بد فيه من جهود وتضحيات.
إن الأمة الإسلامية نالت شرف الأفضلية على باقي الأمم لقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران: 110]، واحتفاظها بهذا الشرف رهن باحتفاظها بدورها في التوجيه والإرشاد ودعوة الناس إلى الخير العام الشامل. والقرءان الذي يقر مبدأ النقد البناء والتوجيه السليم، لكي تسير الحياة سيرها الطبيعي، قد جعل التعاون كذلك من الواجبات التي على كل مسلم أن يلتزم بها. بالتعاون يخلق الانسجام في المجتمع ويحقق غايات الناس في تحصيل حاجياتهم. وإذا كانت الفلسفات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة قد جعلت من التعاون أساس انطلاقها، لتحقيق الرخاء والعدل الاجتماعيين، فإن القرءان قد دعا المسلمين إلى هذا قبل ذلك بمآت السنين، وقد اتخذ المسلمون مبدأ التعاون أساسا لبناء مجتمعهم الأول وعلى أساسه تم الإخاء بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة.
والتعاون الذي يريده القرءان بين أفراد المجتمعات الإسلامية ليس تعاونا مطلقا، لأن التعاون من هذا النوع كما يكون على الخير يكون على الشر، ولكنه تعاون على البر والتقوى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، فهنا ازدواج بين الأمر والنهي، فالقرءان لا يقر مبدأ التعاون على الإثم والعدوان، ولكنه يقر فقط مبدأ التعاون على البر والتقوى، ولكن ما البر وما التقوى؟ إنهما مجموعة من القيم الاجتماعية والإنسانية الرفيعة التي دعا إليها الإسلام وأمر الناس باعتناقها؛ ولنقرأ هذا التحديد القرءاني للبر، وهو يشكل وثيقة رائعة في دعوة القرءان الخلقية والإنسانية: (لَّيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إِذَا عَاهَدُواْ. وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ. أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا. وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[البقرة: 177].
ومن الأخلاق الاجتماعية التي بثها القرءان الكريم في نفوس المسلمين: «الإيثار»، وقد كان له الأثر البالغ في نفوس المسلمين الأولين الذين حققوه في أسمى معانيه وأنبل مقاصده، فأثنى عليهم جل جلاله بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: 9]، ولا شك أن الإيثار عنوان التضحية ونكران الذات وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والمجتمع الذي يسود الإيثار بين أفراده مجتمع لا بد أن ينال غاياته ويحقق أهدافه، لأن السخاء والبذل وتقديم الغير على النفس قيم ترفع أصحابها وتسمو بهم إلى مستوى الشهادة، والإيثار يخلق الألفة بين أفراد المجتمع وينشر ألوية المحبة والصفاء بينهم، وهو نقطة انطلاق إلى الإحسان والعدل اللذين دعا إليهما القرءان وأمر الناس بهما: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..) [النحل: 90]، فالمجتمع الذي يفقد العدالة، ولا يحسن أفراده، مجتمع فاقد لعبرة وجوده.
إن القرءان الكريم قد حدد للإنسان المسلم دوائر معينة لسلوكه الاجتماعي فألهمه كثيرا من القيم الخلقية وألزمه باتباعها في سيره في الطريق وفي كيفية طرق باب منزله ومنزل غيره، وحدد له نوعية اللباس وشروطه، وما إلى ذلك مما يعتبر عند من لم يدقق النظر ولم يتعمق حكمة الآداب القرءانية من المسائل الشخصية التي تخص الفرد وحده، ولكنها في الواقع جزئيات تتدخل في تكوين الكل أي الإنسان في مظهره وفي مخبره، وقد كان الإنسان ولا يزال محط عناية الأخلاق القرءانية.
إن الأخلاق القرءانية هي أخلاق الفطرة أي أخلاق الإنسان الكامل الذي لم يدنس ولم تشوه فطرته الشهوات والنزوات، ولذا ينبغي التمسك بها. لقد قال أحد كتاب الغرب: «إن الإحساسات الصادقة الشريفة والنيات الطاهرة الكريمة تظهر لي فضل القرءان... الفضل الذي هو أول وآخر فضل وجد في كتاب نتجت عنه جميع الفضائل على اختلافها».
ولكن مع ذلك فإن أمة القرءان عن أخلاق القرءان غافلة.
وبعد، فلقد حاولت في هذه السطور أن أستعرض بعض معالم الأخلاق الاجتماعية القرءانية حسب ما يسمح به الوقت، وواضح أنني أقصد بالأخلاق الاجتماعية ما يدخل في نطاق الواجبات الاجتماعية وأدب السلوك.


(1) المجمل في تاريخ علم الأخلاق لسدجوبك ترجمة الأستاذين توفيق الطويل وعبد الحميد حمدي ص 76.
(2) الظاهرة القرؤانية ص 192 وما بعدها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here