islamaumaroc

من الأعلام المغمورين، أبو عمرو بن العلاء

  دعوة الحق

97 العدد

تناولت أقلام الكتاب من الباحثين والأدباء، في عصرنا، جل أعلام الفكر الإسلامي ورجال الحركات العلمية والأدبية والإصلاحية، ولاسيما أعلام الصدر الأول من عصور الإسلام، اما بالدراسات الموسعة وإما بالترجمة والتعريف، بحيث أصبح ما يكتب عن بعضها أحيانا حديثا معادا وكلاما مكررا، بينما بعض أولئك الأعلام البارزين في حياتنا العلمية مغمورا هملا لا تكاد تلتفت إليه أقلام هؤلاء الباحثين.
وعلى رأس هؤلاء الأعلام المغمورين الذين لا يعرف عنهم الناس أكثر من أسمائهم المدوية أمام القراء والرواية واللغة والأدب أبو عمرو بن العلاء. وفي البحث التالي ما يشبه إزاحة الستار عن هذه الشخصية القوية والعبقرية المنسية(1).


1 ـ الرجل
كان أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة ورواة الأدب واللغة. وكان أستاذ جيل من العلماء يعتبرون أئمة العصر العباسي الأول في الأدب واللغة والنحو، وكان بمثابة بحيرة انتهت إليها روافد كثيرة ففاضت على ما حولها خصبا وريعا. وأجمل ما تحلى به الرجل أنه كان صاحب سنة ورواية ثقة، وعلى الرغم مما قيل في ذلك العصر ورجاله من ألوان التجريح، وما ساده من خلط وانتحال وتحريف ظل أبو عمرو أرجح وزنا وأزكى ضميرا وأشرق تاريخا في إطار الرواية.

2 ـ عصره
عاش أبو عمرو بن العلاء في الربع الأخير من القرن الأول الهجري، والنصف الأول من القرن الثاني، وهي فترة من تاريخ العرب والإسلام ملأتها الأحداث والتقلبات من الناحية السياسية كما شهدت البواكير الأولى للاتصال بين العرب وغيرهم من الأعاجم، هذه البواكير التي تمثلت في نشأة كثير من العلوم وتطور كثير من المفاهيم، وظهور عدد من التيارات الأدبية المختلفة.
ومن واجب الباحث في حياة أبي عمرو وبيان ما له من فضل على الأدب العربي بالنسبة لتلك الفترة أن ينظر إلى الرجل من خلال عصره وبيئته ليرى إلى أي حد استجاب الرجل لرسالة عظيمة كان يضطلع بها ذلك العصر، وينهض بها لخير اللغة العربية وحفظ تراثها علماؤه ورجاله، وكيف كان أبو عمرو بن العلاء رائدا عظيما من روادها.

3 ـ في الحياة السياسية
ولد أبو عمرو بن العلاء في الوقت الذي كان فيه الزبيريون يوسعون نفوذهم في العراق بعد استيلائهم على الحجاز إذا أخذنا بالرواية التي تجعل ولادته سنة 65 هجرية، وكان الخليفة عبد الملك بن مروان ينفخ في دولة بني مروان روحا جديدة بعد أن كان بنيانها يتداعى تحت ضربات الثورات الداخلية وانقسام العرب على أنفسهم. ولكن الخلافة الأموية استعادت كل قوتها بفضل الخليفة عبد الملك الذي ترك لأبنائه الوليد وسليمان ويزيد وهشام دولة قوية موطدة الأركان.
كل هذه الأحداث بين الدولة وخصومها في الداخل أي بين العرب فيما بينهم على مسرح الحجاز والشام والعراق لم تؤثر في حياة الرجل بشكل مباشر، لأنه لم يكن رجل دولة أو سياسة أو مغامرة، وإنما كانت تعكس على حياة بيئته المحلية أحداثا خاصة ولاسيما البصرة التي عاش فيها. ففي البصرة كانت الجماهير الكادحة من الأعاجم أي الفرس والنبط وغيرهم تؤلف قوة تقاوم السلطان العربي يقودها ابن الأشعث إلى ان جاء الحجاج ابن يوسف سنة 75 هـ فأخضعهم لسلطان بني أمية.
وفي مستهل القرن الثاني الهجري تبدأ الدعوة السرية الهاشمية، فتصبح الكوفة في العراق وكرا لنشاط الدعوة. وبما أن بني تميم كانوا ظهيرا لبني أمية في البصرة، وكانت البصرة تنافس الكوفة، ورأت ظهور أمر العباسيين فإن التميميين انقلبوا حزبا معارضا للعباسين بعد أن كان قوة يخشى جانبها من طرف بني أمية. هذا الصراع بين بني أمية وبين بعض القبائل والأحزاب من جهة، وبين دعوة العباسيين من جهة ثانية، ثم قضاء هؤلاء على دولة المروانيين، وقيام الخلافة العباسية في الكوفة، ثم بناؤهم عاصمة بغداد وتحول الدولة إليها، كل تلك الأحداث عاشها أبو عمرو بن العلا كأي فرد عربي أو تميمي من البصرة، تلفحه بنارها بالرغم من كونه لم يكن من الذين يخوضون غمار السياسة ويجدون وراء سرابها. وقد ذكر الزبيدي، إن الحجاج أخافه، فكان يتستر، وخرج في الغلس يريد التنقل من الموضع الذي كان فيه إلى غيره(2). ولاشك أنه كان يتجاوز العشرين من عمره. لأنه روي عنه في هذه الحادثة بالذات أنه سمع امرأة عجوزا تقول مات الحجاج، والحجاج مات سنة95هـ.

4 ـ في الحياة الاجتماعية
نحصر الحديث عن الحياة الاجتماعية في النطاق الذي عاش فيه أبو عمرو بن العلاء لأنه وحده يتصل بموضوعنا. وهذا النطاق هو الحجاز والعراق، ولاسيما البصرة، هذه المدينة التي قضى بها معظم حياته.
لقد شهد المجتمع الإسلامي في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني تطورا عظيما تغيرت بسببه أوضاع الحياة العربية، وازدادت تعقيدا، وأهم مظهر لهذا التطور انتقال المجتمع الإسلامي من طور أشبه بالبداوة إلى طور أعلق بأسباب الحضارة، وفيه قامت الخلافة العباسية، مازداد العنصر العربي التحاما بالعنصر الفارسي، وإغراقا في الحضارة. وفي البصرة كان يتجلى ذلك أكثر مما في أي مصر آخر. فكان فيها العرب وهم الذين يمثلون الطبقة الحاكمة المترفة. وكان فيها الانباط والفرس والزط الذين جاءوها من الهند والسند وفارس، وكان هؤلاء يمثلون الجماهير الشعبية أو القطاع الوطني القديم(3) وكان هؤلاء وأولئك يعيشون حياة معقدة فيها من مظاهر الحياة القديمة ومظاهر الحياة الجديدة أشكال متداخلة شديدة التعقيد. ولم يستطع المسلمون الذين عمروها بما في ذلك السلطة المحلية إزالة تلك الفروق بين السادة أصحاب الأرض والأجراء العاملين في أرضه، كما لم يستطيعوا التخفيف من غلواء الفاتحين وغير الفاتحين في الحرص على التوسع والكسب والترف على حساب الطبقة المستضعفة، بالرغم مما بشر به الإسلام من مبادئ العدالة وحمل عليه الناس من تحقيق تلك العدالة. فأما العرب فقد دخلت قبائل منهم مدينة البصرة ولاسيما قبيلة تميم، وجعلت خطط المدينة قبلية، فسكنت كل قبيلة ناحية من نواحيها، وكانت هناك مبررات عديدة وشخصية طبعا دفعت العرب إلى احتجان كثير من المصالح واقتطاع كثير من الإقطاعات، والعيش في بذخ ونعيم.
أما القطاع الوطني فكان يمثله النبط والفرس والهنود وغيرهم من الموالي، وكان جلهم من الاكرة والفلاحين وصغار التجار. وقد لقي هؤلاء في ظل الحكم الأموي كثيرا من مظاهر الإهانة، وكما سبق القول. عرف هذا المجتمع المختلط النامي المتعدد الأجناس صراعا قويا رغم ما كان يقوم عليه الإسلام من مبادئ إقرار المساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية، عرف ذلك الصراع مجتمع الحاكمين أي طبقة العرب من مضربين ويمنين، وعرف مجتمع الموالي. وكان التميميون ـ وهم قبيلة أبي عمرو ـ يمثلون أصلب تلك العناصر عودا في مدينة البصرة، ولكنهم كانوا دائما في صف الدولة لما وراء ذلك من حماية الارستقراطية العربية المتمثلة في وضعهم من خصومها من الموالي وأهل الذمة.

5 ـ في الحياة العقلية
اتصل العرب بغيرهم من الفرس والروم والبربر واليونان والهنود اتصالا عسكريا أول الأمر، فأخضعوهم لدولة الإسلام إخضاعا عسكريا، فكان اتصالهم بهم أول الأمر اتصالا عسكريا وسياسيا، وطبيعي أن يعقب هذا الاتصال تبادل التأثر والتأثير في المجالات الاجتماعية والعقلية. فأما العرب فكانوا يحملون للمغلوبين رسالة دينية سامية ولغة قوية، غير أن السلطان العسكري دائما كان يسبق الدعوة الدينية والاقتناع بها. كما كان التأثير الديني يسبق التعريب، وانتشار اللغة العربية في الأقطار المفتوحة إنما تم ببطء متفاوت بين قطر وآخر. والمهم أن العراق أخذ يستعرب تدريجيا، وكان الشعراء الأوائل من الموالي يمزجون في شعرهم بين العربية الفصحى والفارسية، بل كان هؤلاء الموالي ينطقون بالعربية على غير أصواتها ولحونها(4).
وأمر صراع عرفته اللغة العربية الفصحى هو الذي عرفته مع الفارسية بسبب طغيان الحضارة الفارسية ولاسيما في الكوفة والبصرة لمتاخمتها بلاد فارس ثم بغداد فيما بعد ذلك. هذا الصراع اللغوي بين العربية ولغات الأمم المفتوحة وما أعقبه من ظهور اللحن، وظهور الألفاظ المولدة، وتحريف أصوات العربية، وانحراف سلائق العرب أوحى شكل انذار قوي لنابهين من العلماء بضرورة حفظ اللغة وصونها تحت تأثير عوامل محتملة أبرزها العامل الديني، وكون اللغة العربية هي لغة القرآن، وان المحافظة عليها وعلى أدائها صحيحة جزء من الحفاظ على كتاب الله.
تحت تأثير هذا الوازع الديني القوي والوازع القومي المتمثل في لغة الغالب، وفي ظل صراع حضاري ولغوي لم تتكافأ فيه القيم والمقاييس والآراء يوجد أبو عمرو بن العلاء وغيره من العلماء ورواة الأدب ليقوموا برسالة لغوية اقتضمتها مرحلة التاريخ العربي التي كانوا يحبونها، وهذا الصراع نفسه يدفع بالعرب في سبيل تقضيها طبيعة الغالب من فرض للغته وحمايتها، ويدفع بالمغلوبين في سبيل تقتضيها طبيعة المغلوب من حيث كونه مولعا دائما بتقليد الغالب والاندماج معه، فهؤلاء الموالي من الفرس يسعون للارتفاع إلى مستوى العرب فتتملأ نفوسهم برغبة علمية قوية، وينكبون على علوم اللغة العربية والدين الإسلامي فينبغ منهم عدد كبير من النحاة والشعراء واللغويين والأدباء والفقهاء والمحدثين.
وأما الثقافة العامة فيقول عنها الأستاذ أحمد أمين بعد أن يحدد طبيعة كل ثقافة اتصل بها العرب في صدر الإسلام والأثر الذي كان في خضم الحركة العلمية والأدبية: «هذه الثقافات التي ذكرنا من فارسية وهندية ويونانية وعربية ويهودية ونصرانية التقت كلها في العراق في عصرنا الذي نؤرخ له، ولكن كل ثقافة في أول أمرها كانت تشق لنفسها جدولا خاصا يمتاز بلونه وطعمه، ثم لم تلبث إلا قليلا حتى تلاقت وكونت نهرا عظيما تصب فيه جداول مختلفة الألوان والطعـــوم...»(5).
وإذا نحن نظرنا إلى البيئة العقلية في البصرة، لأنها البيئة المحلية لأبي عمرو بن العلاء، وحاولنا أن نلم بخصائص الحياة العقلية فيها على ضوء النشاط الفكري والثقافي الذي كانت تنهض به مختلف العناصر، وما كانت تعرفه من تيارات ثقافية لاحظنا بالإجمال أن النزعة العقلية التحررية مع ما يصاحبها من نقد وتمحيص، وما تصطبغ به من نظرة واقعية، كانت الطابع العام لكل نشاط فكري نشأ في البصرة، والصفة البارزة التي يتميز بها كل عالم من علمائها ففي البصرة نشأ علم الكلام، وهو تطور بالعقيدة وارتفاع بها عن مجرد الإيمان السلبي إلى الحجاج والجدل والمناظرة دفاعا عنها مع شيء من التفلسف، وذلك ضد الدهر والمجسمة والمشبهة. وفي البصرة ظهر العلماء الذين رسموا مناهج النقد والشك المنهجي والتمحيص العلمي، ففيما ظهر أعلام كالنظام والجاحظ وأبو عمرو بن العلاء.
وفي البصرة ظهرت النزعة الفردية يشجعها ذلك الصراع المادي والفكري والقومي بين مختلف الأقوام والعناصر والطبقات. فتعددت الفرق والمذاهب والآراء في كل ميدان. وفيها وقع رد الفعل لطغيان النزعة المادية إذ ظهر التيار المعاكسي للترف والبذخ، وهو تيار الزهو والتصوف. فكان الحسن البصري سيد التابعين وكان المتفرقون والنساك والمتصوفون أمثال مالك بن دينــــــار(6).

6 ـ نشأة أبي عمرو
شحت كتب الأخبار والطبقات كثيرا بأخبار أبي عمرو بن العلاء فلم تذكره إلا في عبارات وجيزة وإشارات عابرة. يصدق ذلك على كتب الأدب القديمة، وربما اكتفى بعضها بذكر أسانيد تنتهي إليه أحيانا، أما الكتب التي عنيت به فلم تزد في الترجمة له على ذكر بعض أخباره اللغوية والتأكيد على سعة علمه ومعرفته، كما فعل الزبيدي في «طبقات النحويين واللغويين» وابن خلكان في «وفيات الأعيان» فحياة الرجل مغمورة في حين كان لها أبعد الأثر في تاريخ الرواية ونشأة علوم اللغة العربية.
أما اسمه فهو زيان(7) بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله التميمي، وقد اختلف في اسمه كما اختلف في نسبه، فقيل إنه من بني العنبر، وقيل إنه من بني حنيفة، وقيل ـ وهذا أضعف الأقوال ـ أنه فارسي. ولعل هذه الغمزة في نسبه شاعت في عهده حتى قال فيه الشاعر بشار بن برد:
ارفق بعمرو إذا حركت نسبته
فإنه عربي من قوارير(8)

واختلف في اسمه أيضا ما ذكره ابن الجذري على أكثر من عشرين قولا، لا ريب في أن بعضها يعود إلى التصحيف. وأكثر الناس على أنه كما ذكرنا زيان، واختلف في تاريخ ولادته فقيل سنة 55هـ وقيل 65هـ وقيل 68هـ وقيل 70هـ(9). وكانت ولادته بمكة.

ويظهر أن تعاطي الدرس والتعلم منذ حداثته في مكة، فقد ذكر الزبيدي أن الأصمعي قال: قال أبو عمرو. أخذت في طلب العلم قبل أن أختن(10).
ونشأ في مكة يأخذ عن قرائها وعلمائها، ولا نستطيع أن نستنتج ممن ترجموا له متى انتقل إلى البصرة، فقد يكون انتقل إليها مع أبيه قبل أن ينتهي القرن الأول أو في أوائل القرن الثاني إلا أن الذي لاشك فيه أنه طلب العلم في حرص وطموح فطاف في مختلف الحواضر والأمصار قبل أ ن يستقر على ذلك من كثرة الشيوخ الذين أخذ عنهم القراءة والعلم بالمشافهة والسماع. فقد ذكر ابن الجزري أنه ليس في القراء السبعة من هو أكثر شيوخا من أبي عمرو ابن العلاء(11) وهذا أمر طبيعي بالنسبة لأبي عمرو وغيره من طلاب العلم ممن كانوا يومئذ يلتمسون التزود من العلم ويترحلون إليه كل مطية مهما شط المكان. فقد ازدهرت  إذاك كثير من الأمصار، وعمرها عدد كبير من التابعين، والعلماء، وامتدت الآفاق أمام طالب العلم، ورجل التجارة، ورجل الرحلة. وإذا أضفنا إلى ذلك مسألة تفرق التابعين في الأمصار ـ كما سبق القول ـ فاستأثر كل مصر برأس من رؤوس العلم علمنا مدى اشتداد الحاجة لدى طالب العلم أمثال أبي عمرو بن العلاء إلى الضرب في الأرض سعيا وراء مشافهة الرجال.
وقد ذكر ابن الجزري من شيوخه ثمانية عشر رجلا من بينهم الحسن بن أبي الحسن البصري وسعيد بن جبير من التابعين، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، ونصر بن عاصم، وعاصم بن أبي النجود أحد القراء السبعة وعبد الله بن كثير من القراء السبعة وعطاء بن رباح. وكان شيوخه من النحاة نصر بن عاصم الذي أخذ عن أبي الأسود الدؤلي وكذلك يحيى بن يعمر البصريان وهما من الطبقة الثانية من نحاة البصرة، وكذلك عبد الله بن اسحاق الحضرمي البصري الذي قال عنه الزبيدي انه أول من يمج النحو ومد القياس وشرح العلل. وكل شيوخه من الجيل الثاني من النحاة والقراء الذين أخذوا مباشرة عن الصحابة أمثال علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس، وأنت تلاحظ كيف جمعت هذه النجوم في عقد واحد يطوق جيد ذلك العصر وكيف تهيأ لأبي عمرو أن يجمع اختصاصها واتساع آفاقها العلمية في صدره الرحب. وكان الرجل بدوره صلة الوصل بين تلك الطبقة الممتازة وبين طبقة الجيل الخامس من كبار علماء اللغة العربية أمثال الخليل والأصمعي وسيبويه ويونس بن حبيب وأبي عبيدة.

7 ـ أبو عمرو ورواية الأدب
واكبت العناية بالقرآن والحديث النبوي والسبر والمغازي لدى العلماء عناية فائقة بالشعر الجاهلي لما فيه من شواهد وأمثال وتاريخ اجتماعي ونفسي للأمة العربية، وما يتصل بهذا الشعر من أخبار وأنساب لما فيها من ضوء لفهم ذلك الشعر. ولم يكن ذلك يعني عند المهتمين بهذا الجانب الأدبي من تراث العرب الجاهلي نزعة أدبية خالصة، ولا نزعة علمية خالصة، وإنما هو الحرص على فهم الدين الجديد، وفهم القرآن والحديث بالذات كان يستوجب عند هؤلاء فهم لغة العرب.
يقول الرافعي متحدثا عن رواة اللغة والأدب من الطبقة الثانية: «وكانوا جميعا إنما يطلبون رواية الأدب لقيام به على تفسير ما يشتبه من غريب القرآن والحديث حتى لا تجد فيهم البتة من لا رواية له في الحديث كثرت أو قلت، والمحدثون يرون أنه ليس براو عندهم من لم يرو اللغة لأن موضوع الحديث أقوال النبي وهو أفصح العرب. ورواة الأدب هم الذين جعلوا غريب الحديث علما وخصوه بالتدوين كأبي عبيدة معمر بن المثنى والنضر بن شميل والاصمعي وقطرب إلى عهد ابن قتيبة في القرن الثالث الهجري»(12).
غير أن العناية باللغة والشعر الجاهلي وأخبار العرب أصبحت عند كثير من العلماء الشغل الشاغل بحيث استأثرت بهم دون غيرهما من فنون العلم. ولاسيما بعد أن مست الحاجة في القرن الثاني الهجري إلى تتبع اللغات والسماع عن العرب للاحتجاج بلغتهم بعد أن قامت المناظرات بين العلماء الذين طفقوا يجردون اللغة ويؤلفون فيها الرسائل المعجمية ويستخرجون قواعدها ويقيسون الأشباه بالأشباه ويعللون الظواهر اللغوية إيذانا بوضع النحو(13).
نعم كانت العناية بالأدب ورواية الشعر فرعا من الاهتمام باللغة وجمعها وتدوينها في البداية، ثم أصبحت العناية بهما موضوعا علميا يقصد لذاته.
ويرى المستشرق الفرنسي بلاشير أن اهتمام اللغويين والنحويين بالشعر الجاهلي إنما نشأ صدفة فقد كان فهم القرآن والحديث يقتضي الاطلاع على أسرار اللغة ومفرداتها فلجأ المفسرون الأولون والقراء إلى الأمثلة الشعرية، وهكذا ربط بين القرآن واللهجة الشعرية في الدراسة، وانتقلت الرغبة من مجرد اعتبار هذا الشعر وسيلة إلى اعتباره موضوعا جديرا بالدراسة، وسارت الرغبة المزدوجة عند القراء النحويين (يحيى بن يعمر) والرغبة الموضوعية في الشعر الجاهلي عند آخرين في خط واحد فاجتمعنا في شخصية مقرئ لغوي راوية كأبي عمرو بن العلاء(15).
ويعود بلاشير لتتبع نشأة حركة جمع الشعر فيرجع إلى سيرة أبي عمرو بن العلاء مؤسس مدرسة البصرة. وبدون شك كانت الرغبة عن هذا العالم وأمثاله من كبار القراء تعود إلى نزعة دينية هي خدمة القرآن. وكانت ظروف العراق العقلية وما تضطرم به من منازعات مذهبية ومنافسات إقليمية وقبلية، وصراع شعوبي تغذي الحركة الأدبية العامة. وفي هذه الفترة الخاصة من تاريخ اللغة العربية وآدابها وجد أبو عمرو بن العلاء ليضطلع برسالة الجيل الذي وجد فيه، وليكون أستاذ الجيل الذي يأتي بعده، وليكون أمينا بما عهد فيه من نزاهة العالم ـ على تبليغ رسالة علمية في فترة شاعت فيها دواعي الانحراف عن الحق، وتجاذبت نفوس الناس أهواء وأهواء.
لقد أفاد أبو عمرو رواية الأدب من وجوه:
أولها ـ أنه كان من أولئك الذين قاموا بجمع اللغة ورواية الأدب تلقيا عن الجيل الشفوي وأداء لهما بعد ذلك لجيل الكتابي، ولقد كانت الكتابة قبل أبي عمرو شائعة معروفة، ولكن صيرورتها وسيلة ميسورة لتدوين العلم لم تتم إلا في القرن الثاني، زد على ذلك أن لم يتلق علمه في الأعم الأغلب، وفيما يتصل باللغة والشعر خاصة إلا من أعراب قد أدركوا الجاهلية(16). قال الجاحظ والرواية عن الأصمعي: «وكانت كتبه التي كتب عن الأعراب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف»(17).
ثانيها ـ أنه حاول أن يكون أمينا في نقله وروايته، ومصححا لما تسرب إليه الخلل والتصحيف والكذب من الرايات الأدبية واللغوية حتى عد من الثقات المعدلين، فلقد عرف الشعر الجاهلي كثيرا من التزيد والانتحال منذ العصر الجاهلي نفسه كما يحدث في كل بيئة أدبية حين يسطو بعض الناس على آثار بعضهم فيدعونها أو يتزيدون فيها أو ينسبون لواحد من الشعراء ما ليس له لغرض من الأغراض، بل لقد عرف الحديث النبوي نفسه الوضع والانتحال فكيف بالشعر. والواقع أن دواعي الوضع والانتحال تكاثرت في صدر الإسلام للأغراض التي اقتضتها السياسة والعصبيات. وتصدى لمقاومة هذه الحركة من الوضع في كلا الأثرين علماء توفر لهم التبصر بإدراك الصحيح والمنحول، أما الحديث الشريف فكان الرائد في هذا الباب، وإلى العلماء المحدثين يرجع الفضل في وضع مناهج النقد وتحديد شروط القبول والرد. وأما علماء الرواية الأدبية فقد تأثروا بتلك المناهج في تصحيح الشعر وتمييز صحيحه من زائفه. وكان أبو عمرو بن العلاء ممن تصدى لمقاومة هذه الموجة من الوضع والانتحال في نطاق رواية اللغة والأدب، فضلا عن قيامه بالجمع والتدوين للشعر والأخبار كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وذلك بما عرف في طبعه من صدق وغيرة على الحق وما اعتاده في بيئة البصرة المتحررة من نزعة علمية تقوم على الشك والنقد والتمحيص.
ولا بأس أن نورد بعض الأمثلة تشهد بما ترى:
ـ ذكر الدكتور ناصر الدين الأسد(18): أن أبا عمرو بن العلاء كان من الرواة الذين يصلحون الشعر فمن أمثلة ذلك أنه ذهب إلى أن كثيرا مما جاء في قصيدة ذي الاصبع العدواني يرثي قومه هو منحول، وأن القصيدة المنسوبة لامرئ القيس والتي مطلعها:
لا وألبيك ابنة العامر  ي لا يدعي القوم أني أمر

هي لرجل من أولاد النمر بن قاسط، وأولها عنده:
أحار بن عمرو كأبي خمر  ويعدو على المرء ما يأتمر

ـ كان أبو عمرو لا يأخذ بروايات الأعراب الذين يفدون إلى الأمصار أو الذين يذهب إليهم العلماء في كبد البادية أخذا أعمى لا يميز بين صحيح وكاذب، بل كان يقبل ما يقبل على شرطه، أي بعد النظر والشك والاختبار بالبصر والتجربة. بل كان يستضعف بعض هؤلاء الرواة الكبار ويختبر فصاحتهم، وبعدهم عن الريب قبل أن يأخذ عنهم أو يدع(19).
ـ قال الأصمعي: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله:
فيالك يوما خيره قبل شره  تغيب وأشبه وأقصر عاذله
فقال خلف الاحمر: ويله، وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقال الاصمعي له: هكذا قرأته على أبي عمرو، فقال صدقت، وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمر ليقرئك إلا كما تسمع(20).
نعم، تصطدم في هذه الأخبار المتساوقة التي تزكي الرجل بخبر ينقله ابن جني في الخصائص في باب صدق النقلة وثقة الرواة والحملة يقول فيه: قال أبو عمرو بن العلاء ـ رحمه الله ـ ما زدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا يعني ما يرويه للاعشى من قوله:
وانكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا

ويعقب ابن جني بقوله: أفلا ترى إلى هذا البدر الطالع الباهر والبحر الزاخر الذي هو أبو العلماء وكهفهم وبدء الرواة وسيفهم كيف تخلصه من تبعات هذا العلم وتحرجه وتراجعه فيه إلى الله وتحويه، حتى أنه لما زاد فيه ـ على سعته وانبثاقه وتراميه انتشاره ـ بيتا واحدا، وفقه الله للاعتراف به(21).
ما سند هذا الخبر الذي يروي ابن جني؟ تجد الجواب عن ذلك في كتاب الأغاني ففيه يذكر أبو الاصفهاني يسند ينتهي إلى أبي عبيدة قال: سمعت بشارا وقد أنشد هذا البيت في شعر الأعشى فأنكره، وقال: هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الاعشى، فعجبت من ذلك فلما كان بعد ها بعشر سنين كنت جالسا عند يونس فقال: حدثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الاعشى. فجعلت حينئذ ازداد عجبا من فطنة بشار وصحة قريحته وجودة نقده للشعر(22).
هذا الخبر جملة وتفصيلا يتناقض مع ما يذكر به الرجل من ثقة ونزاهة، وإن كان ابن جني يرى فيه دليلا على تلك الثقة بحيث يورده في مساق الاعتراف والتخرج من تبعات العلم. أما نحن فنرى أن من يجرؤ على وضع بيت من الشعر وينحله غيره، أو قريبا من ذلك ثم يعترف بعد ذلك بوضعه وتزيده يجرؤ على أن يكتم لنفس السبب ما يكون قد وضع أو انتحل لغيره، ثم لا يعترف إذا لم يكن في الأمر داع إلى الافتضاح.
ويستنتج بلاشير من هذا الخبر معطياته الأولى دون تمحيص فيقول(23):
«ويحسن بنا أن نأخذ على أبي عمرو نفسه اعترافه بالوضع بالتزيد في شعر العرب. وإذا سلمنا بأن هذا العمل لم يحدث كما يقول أبو عمرو إلا مرة واحدة فنحن نعتقد بأن هذا الرجل الذي تخرج في أواخر حياته عن زيادة بيت واحد لم يظهر مثل هذا التخرج تجاه مخبريه من الأعراب، فإذا كان أبو عمرو بن العلاء من الذين جمعوا الشعر والأخبار المتعلقة بهذا الشعر أصبح ما جمعه مدعاة للشك حتى ولو أتلف تلك المواد تورعا أو اعترافا بوضعها وقد بنى كثير من الباحثين نظرياتهم على اعتبار هذا الخبر من المسلمات. أما نحن فنشك فيه، بل ينبغي أن نقول أننا نرفضه رفضا باتا قاطعا. فللخير في صورته كما نراه يزكي بشارا ويؤكد صفات الفطنة وصحة القريحة وجودة النقد عنده، فكأن شهادة للشاعر بشار من ناحية على قدر ما فيه من طعن على أحد القراء السبعة العظام وعلماء العربية الكبار وقد مر بك بيت بشار الذي يطعن فيه على نسب أبي عمرو. والخبر ينتهي بسنده إلى أبي عبيدة الشعوبي الذي يقول فيه المستشرق المجري جولدزيهير: «ان أبا عبيدة مولع بوضع الأخبار والأحاديث التي تظهر خلاف القبائل فيما بينها وتهاجيها وتشاتمها بقبيح الكلام ومقذع الهجاء» (24)  ويقول عنه الدكتور محمد نبيه حجاب «وقد بلغ به الأمر أن استغل ثقة الناس في عمله الغزير وعبث بحقائق التاريخ بما وضعه على العرب من أخبار وأمثال وقصص فخرية كانت تسير في البلاد طولا وعرضا، وقلما يفطن الناس إلى اختلافها بل قلما يفطنون إلى أنها مكيدة مدبرة ونكاية مقصودة(25).
فإذا عرفنا موضع بشار من النزعة الشعوبية والتطاول على العرب، والإباحية المتطرفة لم يعسر علينا ربط ذلك بوضع هذا الخبر الذي يزكيه ويطعن على عالم عربي كبير، هذا الخبر الذي وضعه أبو عبيدة في هذه الصورة المحكمة «ليضرب عصفورين بحجر واحد» كما يقولون. فيسير في الناس وينطلي على الباحثين والمؤرخين فيربكهم حينا ثم لا يجدون بدا من الأخذ به.
وإذا لا يسعنا إلا قبول رأب الدكتور نجيب البهبتي من أن هذا الخبر وضعه أبو عبيدة للرفع من شأن بشار بن برد والحط من شأن عالم عربي شأن كل الأخبار الموضوعة في شأن بشار للرفع من قيمته(26).
ثالثها ـ انه عني بالشعر الجاهلي من جميع وجوهه، بتدوينه وتصحيحه ونقده، والسماع عن الاعراب لفهم غريبه، وانه كان معنيا بتقييده وتدوينه فضلا عن حفظه وروايته ولم تكن لتصرفه العوائق الطارئة أو القائمة عن متابعة البحث عنه والسؤال عن فهمه فكان من أثر ذلك أنه ملأ قدر بيت له بالكتب والدفاتر التي دونها(27). وكان من أثر ذلك أنه لازم الشعراء. ونقل عنهم ما يحفظون، وسألهم عن مقاصدهم. فقد ذكر صاحب الأغاني أنه كان إذا لم يحج إلى البيت الحرام استبضع أخاه معاذا بعض الحروف يسأل عنها أمير مكة يومئذ الحارث بن خالد الشاعر المشهــــور(28).
وذكر الاصمعي أنه جلس إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج ما سمعه يحتج ببيت إسلامي(29) وقال الاصمعي جئت أبا عمرو فقال لي من أين أقبلت يا أصمعي؟ فقلت من المربد. قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها فخرج يعدو، وقال: شمرت في الغريب(30) ويحتفظ لنا كتاب الأغاني والعقد الفريد بكثير من الروايات والتحقيقات التي تنتهي بسندها إلى أبي عمرو، كلها يتصل بموضوع رواية الشعر الجاهلي وشرحه.
رابعها ـ أنه من أوائل من عنوا بجمع اللغة واستنباط قواعدها وتوحيد فصيحها في ذلك الخضم الهائل الذي كان يعرفه من اللهجات القبلية. وقد لاحظ ما كان يجري على الاطراد منها فسماه قياسا، ولاحظ ما يشذ عنه. وربما كان قد وضع من ذلك شيئا لم يبلغنا إلا على أيدي تلاميذه الذين أصلوا الأصول، وفرعوا الفروع. «قال رجل لأبي عمرو: أخبرني عما وضعت مما سميت عربيته، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ فقال: أحمل على الأكثر وأسمى ما خالفني لغات»(31)، وهذا سر ما نجده في كتب الأدب من روايات عن أبي عمرو تدور حول تصحيح مفهومات أو ألفاظ بعض ما يروى من الشعر.
قال يونس بن حبيب: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرو أن يؤخذ كله. وقال: وكان أبو عمرو يسلم للعرب، ولا يطعن عليها. أي يعتبر كلامها حجة. وفي أبي عمرو يقول الفرزدق:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها
حتى أتيت أبا عمرو بن عمار(32)

ويكفي أن نذكر بعض الأمثلة على مقدرة أبي عمرو في فهم الشعر، وتصحيح معانيه، من ذلك ما رواه الأصمعي قال: سألت الخليل بن أحمد النحوي عن قول الراجز:
حتى تحاجزن عن الذواد
تحاجز الري ولم تكادي
ثم قال: تكادي ولم يقل: تكد؟ قال: فطحن يوما أجمع. وقال: وسألت أبا عمرو بن العلاء ـ وكأنما كان على طرف لسانه ـ فقال: ولم تكادي أيتها الإبل.
خامسها ـ أنه كانت له آراء نقدية بالمعنى المألوف للنقد: ومن مظاهر النقد أن يحكم على قيمة الشعر والشاعر، ويقيم المعاني وينظر في الألفاظ. وهو عمل كان ضروريا لكل من يقوم بدور الرواية الأدبية. وكان أبو عمرو بحكم الفترة التي عاش فيها مؤمنا بالقديم منصرفا له معنيا به مؤثرا له على كل ما يسمعه من يحدث، ولو أن هذا المحدث كان امتدادا للقديم في شكله ومضمونه إلا ما ندر. وهو القائل: «لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياتنا بروايته» يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما(33). ومن أحكامه النقدية أنه كان يشبه جريريا بالأعشى والفرزدق بزهير والأخطل بالنابغة(34) ومن آرائه في مثل هذا الباب أنه لا بيت شعر أصدق من قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
فقيل له: وقول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك بالأخبار من لا تزود

فقال: من يأتيك بها ممن زودت أكثر. وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن إلا قول الحطيئة(35).
سادسها ـ ان الرجل كان مدرسا للغة والأدب في مسجد البصرة خلال عقود من السنين.
فقد كانت البصرة تصطدم يومئذ حياة وثقافة، وكانت أسواقها ومساجدها ودورها حافلة بالدروس والمناظرات وحلقات العلم والتدريس. وفي مسجد البصرة كان العلماء يتخذون حلقات للتدريس. وهم أحرص الناس على اجتذاب الطلاب. بل كان هناك فيما نظن صراع بين علماء العربية. وكان من أروع هذه الحلقات حلقة أبي عمرو ابن العلاء في اللغة والأدب. ونستدل على قيمة هذه الحلقة يومذاك بأنه كان يختلف إليها عدد من العلماء الذين كانوا أئمة الجيل الذي خلف جيل أبي العلاء.
ويروى عن الخليل بن أحمد أنه كان معجبا بحلقة أبي عمرو. كما روى عن الاخفش قوله: مر الحسن البصري بأبي عمرو وحلقته متوافرة والناس عكوف فقال: من هذا؟ قالوا: أبو عمرو، فقال: لا إله إلا الله، كادت العلماء أن تكون أربابا. كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول.

8ـ شخصية أبي عمرو
لكي ندرك مكانة أبي عمرو في الثقافة الإسلامية، ودوره في الحركة العلمية الأولى ينبغي أن نحدد مظاهر الحركة الأدبية التي كان يتزعمها والمذهب الفكري أو الأدبي الذي يوجهه. لقد كانت هناك حركة جمع وتدوين الشعر العربي القديم، واحيائه. وكانت هناك حركة جمع اللغة والسماع عن أعراب البادية ووضع رسائل اللغة الجزئية، ثم المعاجم الجامعة. وكانت هناك حركة الثقافة الدينية التي تدور حول تفسير القرآن، وقراءاته والحديث النبوي وجمعه ووضع مسانيده، واستنباط الأحكام الفقهية منه. وكان أبو عمرو ملتقى هذه التيارات من كل الحركات العلمية.
أما في القرآن وما يتصل به فكان أبو عمرو أحد القراء السبعة، كان مقرئ الناس في مسجد البصرة والحسن البصري حاضر. قال الاصمعي: قال لي أبو عمرو: لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري لفعلت. لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ لقرأت كذا وكذا حروفا(36).
وأما في اللغة والأدب والأخبار فقد كان الرجل أمام عصره. قال الجاحظ: حدثني أبو عبيدة قال: كن أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية وبالقرآن وبأيام العرب وبأيام الناس(37). وفي الوفيات يذكر ابن خلكان أنه كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة بعد علي بن أبي طالب(38).
كان أبو عمرو لغوياورواية أدب قبل كل شيء، ولقد تحولت عنايته باللغة من مجرد عناية مؤقتة لفهم القرآن وشرح غريب الحديث، والحفاظ على أصوات اللغة ومعرفة القراءات. فأصبحت عناية باللغة وشواهدها من الشعر، ومعنى ذلك أنه استطاع أن يكون في مستوى الجيل العلمي الذي يحس بالدور العلمي الذي عليه أن يضطلع به فتتحول الوسائل الأدبية نفسها وتصير موضوعا وغاية، لأن وضعها موضعها العلمي كفيل بتحقيق الغاية الدينية منها فيما بعد. على أن أبا عمرو بوصفه أحد القراء السبعة الكبار ربما ألح عليه إيمانه أن يؤثر القرآن بجهده، فيترك الشعر والأدب إلى حين. ولكن جانبا من نشاطه العقلي لم يكن ليفتر عن خدمة اللغة ورواية الأدب. وبهذا نعلل ما حكاه الرواة من أنه كان إذا حل شهر رمضان لا يقرأ بيتا واحدا من الشعر. وأنه عندما تقرأ أحرق ما كان قد كتبه من الكتب التي ملأت بيتا إلى السقف وأنه عاد بعد ذلك يملي مما حفظه. ويذكر بروكلمان أنه خلف شرحا لبعض الدواوين كما يذكر اليافعي أنه عاد بعد ذلك فكتب بعض ما كان قد أحرقه(39).
ومهما تكن تلك الأزمة النفسية التي ألمت بالرجل، وجوهر الدافع إلى إتلاف حصيلة جهوده العلمية فإننا لا نشك في أنه كان ذا عقلية مولعة برغبة البحث في اللغة والأدب والشعر وأخباره. ولم تكن عقلية رجل دين أو فلسفة في تلك البيئة التي كانت محمومة بعلم الكلام والجدل في قضايا الاعتقاد.
قال أبو حاتم: حدثني الأصمعي قال: حدثني شعبة قال: كنت أختلف إلى ابن أبي عقرب فأسأله أنا عن الفقه ويسأله أبو عمرو عن العربية، فيقوم وأنا لا أحفظ حرفا مما سأله عنه ولا يحفظ هو حرفا مما سألته عنه»(40).
وقال أبو الحسن الباهلي: مر أبو عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد (شيخ المعتزلة) وهو يتكلم في الوعد والوعيد ويثبته فقال أبو عمرو: ويلك يا عمرو، إنك ألكن الفهم، ألم تسمع قول القائل:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف ايعادي ومنجز موعدي

إنما أراد أن الله تبارك وتعالى قد وعد وأوعد، وهو قادر على أن يعفو عمن أوعده وقادر أن ينجز لمن وعده.
وهذا الكلام من أبي عمرو بن العلاء يدل على سذاجة في معارفه الكلامية ـ لو صح ـ وذلك بالنسبة لما يرمي إليه المتكلمون من وراء نظريتهم تلك. ولهذا قالوا: إن ابن عبيد قال لأبي عمرو: يا أبا عمرو شغلك الأعراب عن معرفة الصواب(41).
لقد كان الرجل راوية أدب ولغة في عصر تقاسمه الكلام والدين والأدب، فشهد له بالأمانة والرئاسة في القراءة واللغة والأدب. وكان معدلا في روايته، موثوقا به، مضطلعا برسالة العلم كأحسن ما يكون مؤثرا للحق على راحة نفسه. وهو إن لم يترك آثارا مدونة تناسب قيمته العلمية وتدل على دوره العظيم فيها، إلا أنه ترك صدورا من العلماء تروي عنه وتفيض مما نالت من علمه الغزير. وكان أحد مؤسسي علم فقه اللغة وواضعي مدرسة البصرة النحوية.
وفي تعزية يونس بن حبيب لأبنائه يوم مات سنة 154هـ قال: نعزيكم وأنفسنا بمن لا ترى له شبيها آخر الزمان، والله ولو قسم علم أبي عمرو وزهده على مائة إنسان لكانوا كلهم علماء زهادا. وإنها لتعزية ينبغي أن تظل شاهدة ببعض ما تحلت به تلك الشخصية من مزايا العلم والورع وحسبه بهما ذكرا في التاريخ.


(1) لا نعلم أن أبا عمرو حظي من أقلام المترجمين والكتاب في القديم والحديث بكتاب أو دراسة غير ما كتبه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة 335هـ وهو كتاب «أخبار أبي عمرو بن العلاء».
(2) طبقات النحاة واللغويين ص 28 ـ 29 ـ وانظر أيضا: الوفيات ج 3 ـ 137.
(3) نأخذ بالرأي الذي يذهب إلى أن البصرة كانت بلدا قديما تعاقبت عليه الغزوات والأسماء من (باصرا) الكلدانية إلى (بيسي راه) الفارسية إلى (البصرة) العربية، وان تمصيرها على يد عتبة ابن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب إنما كان يعني تركيز السلطة الإسلامية بها باعتبارها مركزا هاما في ملتقى طرف العراق، وصبغها بالصبغة العربية. ويقول لويس ماسينيون: «إن التمصير انتقال من حالة المعسكر إلى التوزع في أحياء حضرية» على أن اللغويين لم يتفقوا على مدلول فعل «مصر» ورأي المقدسي أوجه، لأنه يعني تركيز سلطة الحكومة في المصر. انظر كتاب الجاحظ لشارل بيلا تعريب الدكتور كيلاني ص 24 – 25
(4) البيان والتبيين ج 2 / 18 – 19.
(5) ضحى الإسلام 1/173.
(6) الحياة الأدبية في البصرة: للدكتور أحمد كمال زكي.ص 95 ـ 105.
(7) زيان كشداد، ويذكر الفيروزابادي أنه لقب لا اسم.
(8) الأغاني: ج 3 ص 190.
(9) غاية النهاية في طبقات القراء ص 290.
(10) طبقات النحويين واللغويين ص 31.
(11) غاية النهاية في طبقات القراء ص 289.
(12) تاريخ آداب العرب، ج 1 ص 296.
(13) تاريخ آداب العرب، ج 1 ص 340.
(15) تاريخ الأدب العربي، بلاشير.
(16) البيان والتبيين ج 1 ص 320.
(17) نفس المرجع ج 1 ص 320.
(18) مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. ص 326.
(19) كان الرواة عموما إذا وجدوا من الأعراب من يفهم اللحن وعلل الاعراب بمرجوه وطرحوا لغته، فأبو عمرو بن العلاء استضعف فصاحة أبي خبرة العدوي الأعرابي إذ سأله كيف تقول حفرت الاران؟ فقال: حرت أرانا والصحيح أرين جمع أرة وهي الحفرة. أما الأران فخشب النعش.
(20) مصادر الشعر الجاهلي ص 326.
(21) الخصائص، ج 3 ص 310.
(22) الأغاني ج 3 ص 143.
(23) تاريخ الأدب العربي بلاشير ـ تعريب الدكتور ابراهيم كيلاني ص 111.
(24) الدراسات المحمدية ـ جولد زيهير ص 198 ـ وانظر (مظاهر الشعوبية في الأدب العربي) ص 551.
(25) مظاهر الشعوبية في الأدب العربي، الدكتور محمد نبيه حجاب ص 556.
(26) تاريخ الشعر العربي ص 340 ـ 344.
(27) روي أنه أحرق كل ذلك عندما تنسك، ولكن يظهر أنه عاد في أواخر حياته إلى جمع الشعر الجاهلي.
(28) الأغاني ج 3 ص 312.
(29) البيان والتبيين ج 1 ص 320.
(30) الحياة الأدبية في البصرة.
(31) ضحى الإسلام ج 2 ص 259.
(32) طبقات النحويين واللغويين للزبيري ص 28.
(33) البيان والتبيين للجاحظ ج 1 ص 320.
(34) تاريخ الشعر العربي للدكتور البهبيتي ص 187.
(35) الأغاني للأًفهاني ج 2 ص 173.
(36) غاية النهاية، في طبقات القراء لابن الجزري ص 290.
(37) البيان ج 3 ص 136.
(38) الوفيات ج 3 ص 136.
(39) مرآة الخنان ليافعي 1/325 وانظر تاريخ الأدب العربي لبلاشير ص 111.
(40) طبقات النحويين واللغويين ص 30.
(41) نفس المرجع ص 34.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here