islamaumaroc

عبقرية الإسلام في المغرب.-4-

  دعوة الحق

97 العدد

لقد استطاع الغرب أن يصبغ على الإسلام المفهوم الديني الذي يريده، والذي استمده من التقاليد المسيحية، وبذلك جعل كثيرا من المسلمين أنفسهم يعتقدون أن الدين الإسلامي هو في أفريقيا وفي آسيا بمثابة الدين المسيحي في أوروبا وفي أمريكا، يعني أن المجتمع يقوم على ثنائية يتقاسمها الدين والدنيا ورجال الدين ورجال الدنيا، وروج كثير من المستشرقين والكتاب الشرقيين لهذه الفكرة فنادوا بفصل الدين عن الدولة وكان من نتائج ذلك سقوط الخلافة الإسلامية التي كان انحرافها عن الاستقامة الإسلامية من الأسباب التي دعت المسلمين إلى التخلي عنها.
والمهم أن نهاية الخلافة كان انتصارا لفصل الدين عن الدولة، ولو أن طبيعة الإسلام لا تقر هذا التجزؤ، ولذلك فإن الدول الإسلامية أصبحت تساس بحكام يجمعون بين السلطة الزمنية والسياسية، وليس هنالك في الإمكان حل قريب من طبيعة الإسلام أقرب من هذا، غير أن معظم المسلمين في هذا الوضع لم يتفادوا البحث عن منفذ للوحدة الإسلامية بطريقة أخرى بعد سقوط الخلافة العثمانية ولذلك فهم ما يزالون يعانون أزمة عدم تنسيق التجديدات التي تفرضها طبيعة التطور على العالم الإسلامي، والمسلم يشعر بانعزالية أفكاره التجديدية الإسلامية في عدة قضايا كقضية توحيد الهلال والاقتصاد الإسلامي والقوانين الشرعية فيما يخص الأحوال الجنائية والمدنية،  ولاشك أن ركود التطور سيسلب عن الإسلام حيويته المتدفقة، وتطوره الطبيعي وقدرته الفائقة على الملائمة بين الزمان والبيئة.
أضف إلى ذلك أن عصرنا يتيح للجميع فرصة التعلم والاطلاع على مختلف المذاهب المعاصرة التي لها كتاب نشطون مشجعون، يعرضون مذاهبهم في الإنتاج التأليفي والمسرحي والقصصي والفني ويضعونه في مختلف الأيدي مشروحا مبسطا ويعتمد على مفكرين اديولوجيين يقودون المذاهب الفكرية وسط خضم الصراع المذهبي، فيطلع على هذا الإنتاج الضافي شبابنا المسلم ثم يلتفت حواليه عله يجد ما يفسر له الإسلام فلا يجد إلا كتبا عتيقة أو أفكارا مرددة تنقصها الجدة وقوة العرض وفعالية التأثير.
ولا نشك أن المذاهب إنما تتحرك وتنمو بالنماذج الحية أو بالفلسفات المتجددة، فالإسلام عاش عظيما في عصوره الأولى بنماذج مثالية من الصحابة وتابعيهم، ولم يكن في حاجة إلى فلسفة، فكان متمثلا في مجتمع حركي يخضع النواميس الكونية إلى خالقها حيث ترد الناس إلى الخضوع بشريعة الله وقوامة دينه الذي هو الإسلام ملتزمين الإيمان المطلق بتعاليمه النبيلة المرتفعة فوق مصلحة الفرد والجنس واللون، ويدركونه ببصيرتهم وعقليتهم كدين شمولي لكل النزعات والمنازع الإنسانية مهما تعدد مظهرها في العلم والفن والعقيدة أو العمل، لا يحتقرون فردا أو مجتمعا ولا يشعرون بتناقض بين ما يعرفون وما يؤمنون به وما يصنعون لأنهم كانوا يصدرون من نبع واحد هو تلك القوة القهارة المسيطرة على الوجود كله، والتي تقيم حياة المسلم على الاعتدال: الاعتدال بين العقل والعاطفة والفكر والوجدان والفرد والمجتمع والأخلاق والقانون، فليس هنالك استسلام مطبق لسلطة العقل مهما كانت خرافية وصادرة عن هوى، لأن الاستسلام للعقل جمود وضحالة وقسوة، والتنكر له شعوذة وتضليل وتحريف كما أن الاستسلام للعاطفة تنكر للعقل والعدل، والتنكر لهما غلق لمنافذ التأمل الداخلي وعدم معرفة الإنسان لما حواليه عبر نفسه.
ولما فقد الإنسان المسلم النماذج المثلى في مجتمعه تولدت فلسفة إسلامية قوية قهرت الفلسفة اليونانية والفلسفات المادية واستطاعت أن تعطي للإسلام قوة الحجة المنطقية ليدحض مزاعم خصومه المسيحيين والدهريين والوثنيين ومايزال الفكر الفلسفي إلى يومنا هذا ينحنى إجلالا للفارابي وابن سينا والغزالي وابن الطفيل وابن باجة  وابن رشد وابن عربي.
أما العالم الإسلامي اليوم فهو يفقد النماذج والفلسفة معا، ولولا ظهور بعض المفكرين المسلمين كمحمد إقبال والأفغاني ومحمد عبده والشيخ أبو شعيب الدكالي لظل الإسلام يفتقد المدافعين والمناضلين.
ولا ننسى أن كتابنا المقدس «القرآن الكريم» الذي يتلى في كل مسجد ويردد على ألسنة المومنين بقي وحده القوة الخارقة التي تجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
والواقع أننا كمسلمين نتفاءل ببزوغ فجر ذلك اليوم الذي يصبح الإسلام فيه دين البشرية جمعاء، ومهما اختلفنا وضعفنا كمسلمين، فإن الأفكار الإسلامية في تقدم لا يعرف التراجع، وقد ظل الفكر الإنساني يسير دائما نحو تعاليم الإسلام، ولعل ثورة «لوثير» و«كالفن» وانتقادات فولتير (كير ككارد) وبرجيس وبعض القرارات التي اتخذها المجمع الماسكوني، كلها رجوع عن الانحرافات المسيحية إلى طبيعتها لتأخذ طريقها في تعاليم الإسلام آخر الأديان وجامعها، أما التجارب المادية التي تنهجها كثير من الدول اليوم والتي سلخت نفسها عن الروحيات أو المعنويات، فقد أعلنت عن إفلاسها، سواء في المذاهب المادية التي أدت إلى فلسفة العدم واليأس والعبث وما تقود إليه من انهيار لأساس المجتمع الأخلاقي والاجتماعي، أو في المذاهب الشيوعية التي تناقض في كثير من مواقفها طبيعة الفرد والمجتمع فتعيش في تنافر دائم وخوف من الاصطدام تحت حراسة ويقظة مستمرة لمكاسبها. كل هذا يجعلنا كمسلمين واثقين من قوة الإسلام وفعالية دعوته، غير أن الإسلام اليوم يعاني أزمة لا مفر من الاعتراف بها والعمل على الخروج منها، وهذه الأزمة تبدو في انعزالية ثقافته، وحاجته إلى فلسفة حديثة، والملاءمة بين آرائه ونظرياته الاجتماعية والاقتصادية والتطور الحديث دون التضحية بها ودون التنكر لهذا التطور نفسه..
فالثقافة الإسلامية منعزلة أو منفصلة عن ثقافة عصرنا الذي نعيشه، وقد سعى الاستعمار إلى تفويت معظم هذه الثقافة كما فوتت الأرض التي طغى على خيراتها، وإذا كانت الأرض استغلت لصالح الاستعمار، فإن الثقافة كانت هدفا لهجوم لا رحمة فيه، ونشأ جيل جديد من المسلمين لا يفهم حقيقة الإسلام أو يفهم الإسلام من خلال نظرة مزيفة لحقائقه، ويوهمنا المستشرقون في دراستهم للإسلام أو في تبنيهم لهذه الدراسات عنايتهم بالفكر الإسلامي.
ترى هل نستطيع تحطيم القيود الفكرية المفروضة علينا والخروج من الأزمة بوسائل أكثر فعالية وجدوى، فالكتابة الجانبية عن الإسلام، والوعظ والإرشاد لن يساعد على الخروج من المأزق، فالثقافة الإسلامية يجب أن تسيطر على التعليم بصفة عامة، وليس معنى السيطرة إلا صبغ الفكر بالثقافة الإسلامية، فالدراسة العلمية والفنية والأدبية ستظل منحرفة ما لم تكن مسترشدة بمبادئ السلام والمحبة والتآزر في محيط الفرد والجماعة والشعوب على السواء، وما لم تكن تعتمد على أسس صوفية لا تنسى نصيبها من الدنيا، ولا تنام تحت ظلال شجرة الأفيون، والإسلام ليس دين وعظ، وإنما هو دين إلزام باتباع دعوته، وليس دين ضمير فردي، ولكنه دين فرد وجماعة وأمة. ومبادؤه لا تعلم في المدارس وحدها ولكن في الأسرة والبيئة أيضا...
ومن الغريب أن نرى الشباب المسلم يردد شعارات الوجودية وأزمة الفراغ ودونه في الإسلام ميدان العمل المثمر. والمجتمع الإسلامي عليه أن يفهم بوعي حقيقة الدين بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة، فالدين وحده قادر على تقرير مصير الإنسان أما العلم فهو يهمل المصير الإنساني، كما أن الدين شمولي النظرية إلى الحياة، أما العلم فلا يستطيع الخروج من الجزئيات إلى الشمول، وإذا كانت الفلسفة تستطيع ذلك فليس في وسعها أن ترضي مختلف الاستعدادات الفكرية البشرية، بل لن تستطيع حتى المينافيزيا أن تسد هذا الفراغ لأنها من عالم العقل، ولا تسيره بقوة خارجة عنه تجمع بين الإحساس والفكر معا... والإسلام هو الدين الوحيد الذي يعمل على إبراز شخصية الفرد والجماعة، ويستحث الفضائل الداخلية لتبدو واضحة غير مقنعة، ولذلك يبعد الاستعانة بالفن لاستفزاز الطبيعة البشرية حتى لا تبدو مصطنعة أو مزيفة، فلا يقر الموسيقى أو التصوير في العبادة ليترك العاطفة تظهر في صورتها الطبيعية الناصعة، فاستهلاك العواطف ونخسها تزييف لاستمرارها وحقيقتها معا، والعبادة في الإسلام سواء الصلاة أو الصوم أو الحج كلها تكشف عن حقيقة الإحساس الإنساني وشموليته، وكذلك قانونه الاجتماعي يعتبر خالدا لمسايرته للعقل والإحساس الطبيعي البشري دون استغواء للعاطفة أو تمويه أو تملق للمظاهر، فالمرأة في وضعها الاجتماعي لا تتجاوز ما حدد لها في ميدان الجماعة، والرجل في وضعه لا يتجاوز حدوده صيانة لروح الجماعة الإسلامية قبل استرداء العواطف الفردية.
ومأساة الحضارة الغربية تكمن في عدم أخذها من طرف كل المعطيات البشرية وتركيز ثنائية العلم والدين، وعدم وجود أسس أخلاقية وقيم ثابتة، وتملق الأفراد على حساب العمل الجماعي أو العكس. أما الإسلام فقد استطاع أن يجمع بين الأطراف ويحقق الاعتدال الذي تستطيع الفلسفة الإسلامية أن تعتبره مصدر قوته العظيمة، فقد كان آخر الأديان ليعطي للإنسان قوة احتمال الأمانة والعبء معتمدا على ما نهج له الدين، وعلى قوة عقله لمواجهة التطور الزمني والبيئي حتى لا يظل منتظرا للمخلص كما في الوثنية والمسيحية، ولن يضل الإنسان المسلم مادام بيده القرآن رائده الدائم في خضم الحياة، لأنه ليس مجرد نصوص تتلى فقط، ولكنه أيضا آيات مفعمة بالقوة والفعالية والدعوة إلى التجربة واعمال الفكر في معالجة قضايا الإنسان (والاعتدال) بين النظرة الداخلية والخارجية للإنسان كفرد وكمجتمع، وبين حق الفرد وكفاحه وحق الجماعة واستمرارها، وبين التأمل الداخلي والعمل الحركي، وبين التصوف والفلسفة، والإيمان والتفكير، وبين الاشتراكية والملكية، والروحية والمادية وأخيرا بين نعمة الدنيا ونعيم الآخرة وهو الأساس الذي تبنى عليه الفلسفة الإسلامية، وليس من قبيل الصدفة أن يعنون الغزالي كتابه «ميزان الاعتدال» دون أن يكون ركز تفكيره على ذلك وهو من أعظم المفكرين المسلمين.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here