islamaumaroc

لا توجد عقلانية خالصة

  دعوة الحق

97 العدد

كثيرا ما يقال بأن المسلم، أو العربي، لا يستطيع، أبدا، أن يكون «ديكارتيا» بسبب ميله الشديد إلى كل ما هو غامض، وخرافي ومعاد للمنطق السليم.. غير أنه يمكن للمسلم أن يشك في «ديكارتية» الفكر الفرنسي، والعقلانية الغربية عامة!
أعرف ملحدين وماديين متطرفين لا يجرؤون على أكل اللحم يوم الجمعة المقدس، وعندما اعترضت على أحدهم، أجاب:
«نعم إنني، رغم إلحادي، لم أتغلب على الجانب الأسطوري من تفكيري. إن ذهنيتي مغلوبة على أمرها!..».
لقد قطع (شارل بيجي) راجلا، سنة 1912 ثمانين (كلم) ما بين (باريز) و(شارتر) ليطلب من مريم العذراء شفاء ابنه المهدد بالموت! وهل توجد كنيسة في أوربا لا تحرق فيها الشموع أملا في عودة جندي، أو شفاء مريض؟ والتماثيل المقامة للعذراء في الساحات العمومية لحماية القرية؟ ومواسم الحج، وتقديس البحر والصيد؟..
تتجذر هذه اللاعقلانية في سلوك مواطني (ديكارت)، والأمريكيين، والسوفياتيين على السواء. فقد أخبر وكالة (فرانس بريس)  في منتصف يونيو 1956، حسب مصادر روسية شبه ـ رسمية، أن طائفة مسيحية، تعيش بناحية موسكو، لاتزال تمارس تقديم القرابين البشرية، وأن سيدة أقدمت على التضحية بحفدتها الصغار رغبة في إنقاذ روح أبيهم الملحد!..
هذه الأمثلة التي هي قطرة من فيض، تبين لنا قيمة مزاعم الغربيين الذين ينسبون لأنفسهم عقلانية متكاملة، وديكارتية خالصة. ان لكل مجتمع بدائيته، كما أن لكل طبقة، بما فيها طبقة المثقفين، لا عقلانييها المتشبثين بالخرافات. فحفاظا على نفوذ الماضي يرفض مثلا، بريطانيون مثقفون استعمال القياس المتري رغم مزاياه العملية.. واحتراما للتقاليد، لن يتم إصلاح الإملاء الفرنسي. وكل هذا يتعارض مع الوضع والتميز اللذين يدعو إليهما ديكارت.

أي شيء نريد البرهنة عليه، من خلال هذه الأمثلة؟ نحاول أن نثبت، بكل بساطة، أنه لا وجود لعقلية ممتازة وأخرى منحطة، بل هناك فكر إنساني واحد له ردود فعل واحدة أمام ظواهر الطبيعة: انه يكافح، في كل المجالات، ومنذ الأزل، سعيا وراء التسلح بمعارف ومهارات تتيح له أن يتغلب على مختلف العقبات التي يصادفها في الحياة. وإن تجربة ها الكفاح قابلة للتنقل، إنها تزداد غنى من جيل لآخر، على مر العصور، ومنذ عهد موغل في القدم...

بما أن التاريخ ينطوي على أحداث عرضية، وعناصر مجهولة، وظروف معقدة تساعد أو تعارض بعض النشاطات الثقافية، نلاحظ حدوث اختلاف بين مستويات البيئات: هنا مستوى مرتفع، وهناك مستوى أكثر أو أقل ارتفاعا. كما نلاحظ أن تاريخ مجتمع ما يتزحزح من مستوى لاخر.فالتقدم والحضارة نتيجة لجهود بذلتها الإنسانية جمعاء، لذلك يتحتم علينا أن نفخر بنوعنا البشري لا بأجناسنا. فكم شاهدنا أن محققي الاختراعات والاكتشافات لا يستفيدون منها، كما يشهد على ذلك مثال الطاقة الذرية: فالماء الثقيل أتى من (النرويج) ومر عبر (باريز) حيث وقعت الاختبارات الأولى، ثم انتهى تحقيق التجربة في الولايات المتحدة، بفضل معادلات وتصميمات فرنسية وألمانية.
لم تعد هناك عقلية ممتازة وأخرى بدائية أو غير منطقية. ان (ليسبان ليفي برول Lévy Brull اضطر، قبل وفاته ببضع سنوات، إلى تغيير المفهوم الذي عارض به ما بين التفكير العقلاني والعقلية البدائية. وقد كان يعرف العقلية البدائية بخاصيتين:
1) قانون المشاركة La loi de participation والتناقض.
2) عدم الاهتمام بالعلل الثانوية، وانعدام أية علية علمية، (الإيمان بالسحر).
يغلب على ظننا أن ما قاله الأستاذ (جيب Bibb) عن الفكر الإسلامي من أنه «يفتقر إلى الحتمية العلمية، رأي مقتبس من نظرية (ليفي برول) عن تركيب «العقلية البدائية».
إن الخاصيتين اللتين وضعهما (ليفي برول) لا تقتصران على ما سماه بالعقلية البدائية، بل توجدان، واقعيا، في جميع المجتمعات، وقد استنتج الأستاذ (بياجي Piaget)، وجودهما في الحياة النفسانية للأطفال، كما اعتمد عليهما الأستاذ (بلونديل) في التطبيقات التي أجراها بمستوصفات السيولوجيا. وأخيرا، توفق الأستاذ (شول) إلى فهم وشرح الشعور بالروعة العاطفية و«الصور»، في إطار الفكر الذي سمي، عن جهل، بالفكر «البدائي».
لا جدال أن جميع الثقافات القديمة (مصر واليونان وبابل والهند..) قد أسهمت بجهود كبيرة في إعطاء التفكير الإنساني طابع العقلانية، إلا أن هذه العقلانية قد اختلطت، دائما، بالسحر ولم تكن قط خالصة إذ كانت تشتمل على قانون المشاركة الذي اكتشفه (ليفي برول) في القرن العشرين عند «البدائيين»، فالطب القديم مثلا، يحتوي، أساسا، على فرعين: الجراحة، والعلاج بواسطة صيغ سحرية.. فكان لزاما بذل مجهودات جبارة، عبر العصور المختلفة، قبل التوصل إلى مبادئ الموضوعية واستخلاص القوانين. فعند الإغريق، كان الطب، أول الأمر، إما مرادفا للسحر، وإما مرادفا للتأمل: فالأطباء، باستثناء أتباع (هيبو قراط)، عندما لا يستعملون أساليب الغيبيات والروحانية، ينقلبون إلى وعاظ ودعاة للأخلاق، يقول (أفلاطون): المعرفة للأرواح مثل الأدوية للجسد. ان الشعور بالروعة يغمر كل الاهتمامات بالفعالية..

إن هذه الاستشهادات بحوادث تاريخية معاشة، يؤكد أن اللاعقلانية والمعتقدات السحرية ليست وقفا على الشعوب المسماة بالمتأخرة أو المتوحشة، بل هو الفكر الإنساني، في عمومه، الذي يحمل ظلالا من المتناقضات والخرافيات، واللاعقلانية، والاعتباط.

قد يوجه هذا الاعتراض: ان الأمم التي لها ماض حافل هي، بحكم منطق الأشياء والتاريخ، أكثر عقلانية، ومن ثمة يتحتم أن توكل لها قيادة الإنسانية، ويعطاها حق سن الأساليب، والأنماط لسير العالم.

بوسعنا أن نورد أربعة اعتراضات مضادة:
أولا ـ أن لجميع الشعوب تاريخا، وحتى الشعوب المسماة متوحشة، أو بدائية، أو غير منطقية، لها أيضا ماض ذو قيمة من بعض جوانبه.
ثانيا ـ كيف يمكن اختيار ما يجب أن يفرض على الشعوب؟ إن الحضارة لا تقوم على مقياس واحد مطلق، ولا على مبدأ واحد ومطلق، بل هي نتاج تركيب حي لمبادئ شتى، ومثل عليا متباينة من حيث المعايير والأهداف.
ثالثا ـ يمكننا، بالنسبة لثقافة ما، أن نصف الرقعة المنثرة فيها، وأشكالها، ومختلف الأحداث المكونة لتنظيماتها المادية والعقلية والسياسية، لكن:
أ‌) هذا الوصف لن يعطينا سوى خطوط موضحة، لأنه يهتم فقط بما هو متغير وعارض، إذ كل ثقافة تحيى وتتغير، وهذا التغير ملحوظ في جميع المجالات: فرقعة ثقافة ما يمكن أن تتسع أو تضيق، لن «الإمبراطوريات أيضا معروضة للاندثار».
ب‌) أما ما يتصل بالزمان، فيمكننا أن نتساءل: في أية مرحلة من مراحل التطور، أو الانحطاط، يجب اعتبار الثقافة القومية، لمجتمع ما، ثقافة نموذجية بالنسبة لمجتمعات أخرى؟؟.
رابعا ـ الاعتراض الأخير يتمثل في السؤال: لأية أمة من بين الأمم التي ترشح نفسها للاضطلاع برئاسة توجيه الشعوب، يجب أن تعطى الأسبقية؟ ذلك أن لكل الأمم بدائييها، مهما بلغت درجة حضارتها.
فإذا كانت شعوب لا تتوفر على نفس العمر التاريخي، رغم تعاصرها، فمن الطبيعي ألا يكون أفراد المجتمع الواحد متوفرين على نفس العمر العقلي، ونفس المستوى الثقافي والحضاري.

أن لكل جماعة، جنسية أو جغرافية أو دينية، حيزا تاريخيا واضحا يتميز بملامح معينة تمايز بين هذه الجماعة وبقية الجماعات البشرية. بيد أن هذا التغاير يتجلى في مظاهر البنيات الفوقية للثقافة وللمجتمع فحسب، لا في البنيات العميقة بدرجة تسمح بتصنيف اختلافات نوعية من شأنها أن تبرر الدعوة المسمومة لتعارض جنس مع جنس، ولوجود عقلية سليمة وأخرى مشوهة.

إن عجلة التاريخ لا تدور في مكانها، ولا تظل حبيسة ماض خالد. فالمقياس الصحيح للحكم على ماضي شعب ما، هو قدرة هذا الماضي على تقبل مقاييس كونية وإنسانية، أي قدرته على تخطي الإطار القومي الخاص. إن زمن التاريخ هو التفتح على عالم زاخر بالنماذج والآمال. فالتطور الحضاري مرادف للمغامرات، أما زمن التاريخ الجامد، فزمن الموت، إذ يظل متجمدا بكليته في الماضي.

يجب أن نحقق قفزات، لنتجاوز، قبل كل شيء، ذاتنا، وأن نكون عارفين الهدف الذي نقصده أن بإمكان الماضي أن يصبح بمثابة نقطة إيضاح تمدنا بالأضواء اللازمة، لا ملجأ نأوي إليه لنستقر في ارتخاء، علينا أن نفعل مثل السباح الذي يتقهقر قليلا ليتحفز للانطلاق. فالزحف يتجه نحو المستقبل، والمستقبل، ليس ملكا لأحد. إن المستقبل، إن الحضارة، إن التاريخ ليس ملكا لأحد، على الخصوص، إنه لكل الذين يعملون في الحاضر لمطابقة مشاريعهم ونزوعاتهم الخاصة، مع مطامح الإنسانية، بعيدين عن الحدود الجغرافية، والاختلافات الجنسية والدينية والمجتمعية.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here