islamaumaroc

نظرة حول الأحوال الثقافية بأندونيسيا

  دعوة الحق

97 العدد

يشكل الأرخبيل الأندونيسي عالما قائما بذاته متراميا على مسافات شاسعة في المحيط أقصى القارة الآسيوية، ويعيش ضمن هذا العالم الرحب، عشرات الملايين من الناس، تسودهم لغات متنوعة، وقد تسربت إلى محيطهم الفكري في القديم، تيارات ثقافية، واردة من وسط آسيا، كالهند ومن غربها كالبلاد العربية، ان الاهتمام الإندونيسي الحاضر في ميدان الفكر، ينصب على تطوير لغة قومية موحدة في الارخبيل إلى جانب اللغات المحلية الأخرى، وتظهر من خلال ذلك كله نزعات أدبية متجددة تضفي على الأدب الاندونيسي ملامح خصب وغنى ـ ما هي آفاق هذا التطور الأدبي واللغوي في الأرخبيل؟ وإلى أي مدى يسير؟

استأثرت ايندونيسيا باهتمام العالم كثيرا خلال الشهور الماضية، وذلك إثر التطورات السياسية التي كانت مسرحا لها، والتي نشأت عنها ءاثر دولية في منطقة جنوب شرقي آسيا، وقبل ذلك التفتت الأنظار كذلك كثيرا إلى إيندونيسيا في صراعها من أجل «ايريان» ثم عند انسحابها من الأمم المتحدة، حيث خيف حينئذ أن يشكل ذلك سابقة بعيدة المدى يكون لها ما بعدها من تأثير على مستقبل المنظمة الأممية، وأوغل من ذلك في حساب الزمن سنة 1954 حينما احتضنت إيندونيسيا مؤتمر «باندونغ» وتسمرت حولها الأعين في العالم تراقب عن كثب هذا التجمع الشرقي الكبير، وبالطبع، فقد أصبح الأرخبيل إنئذ معرضا لكل تيارات الرأي والفكر الافريقية الآسوية، و«عكاظا» سياسيا يقل أمثاله، إذا حاولنا أن نقارنه بأمثاله. وفي خلال هذا، وقبله، وبعده، فإن كل واحد ممن يتتبع النشاط الإندونيسي يعنيه من أمر هذه البلاد ما يتفق مع ميوله وموقفه، فهناك من يعنيه من أمر ايندونيسيا ألا تصبح قوة ثقل في المعسكر المضاد له، وهناك من يهمه من أمرها أن تبقى عامل توازن دولي بالتزامها للموقف الذي عليه الكثير من أقطار العالم الثالث: أي موقف محاربة التدخل الأجنبي وإيثار مبدأ التعاون الدولي غير المقيد، وهناك من يرى في ذلك العالم السابح في المحيط، عبارة عن قوة فكرية وسياسية إسلامية، لها من الوزن ماديا ومعنويا، ما تستطيع أن تبرز به الوجود الإسلامي في المنظمة الآسيوية، وتوفر له ممكنات مختلفة، تتعلق بحاضره ومستقبله، ان إيندونيسيا من هذه الناحية الأخيرة تأخذ باهتمام الكثيرين في العالم الإسلامي وليس ذلك راجعا إلى طاقتها البشرية والاقتصادية فحسب، وإنما يرجع بدرجة لا تقل أهمية إلى قيمتها الفكرية وما يمكن أن تحدثه من إشعاع فكري إسلامي، في منطقة آسيا الشرقية والجنوبية، المتصارعة فيها القيم، والعقائد، والحضارات، تصارعا عظيما. وخارج النطاق الإسلامي تستثير ايندونيسيا عناية المتتبعين لتطور الأفكار والاتجاهات الفكرية بجنوب الشرق الآسيوي، لأنها بوابة ضخمة من بوابات آسيا إلى المحيط الهادئ، وبالتالي فيمكن النظر إليها بصفتها إحدى صلات الوصل بين الشرق الآسيوي ونصف الكرة الغربي في الطرف الآخر من المحيط الهادئي،ومن هنا تستمد أهميتها المتزايدة على الصعيد السياسي والفكري، ومن هنا أيضا منشأ هذه التيارات الدولية المعقدة التي تتصارع حولها في شكل سافر أحيانا، ثم في أشكال أخرى أقل سفورا، بل وأوغل أحيانا في الغموض والأسطورية إلى درجة بعيدة، غير أن إمكانياتها الذاتية في مضمار السياسة، وشخصيتها القوية في مجال الثقافة والفكر، كل ذلك يكسبها في الغالب صلابة ملحوظة أمام جميع التيارات المتدافعة في المنطقة الشرقية الآسيوية، ومناعة تحول بينها وبين أن تتحلل في بوتقة التفاعلات السياسية التي يعرفها الشرق الأقصى منذ عشرين سنة، وعلى أي حال فإن الذي لابد من تأكيده بهذا الشأن أن الحقيقة السياسية والاقتصادية لأيندونيسيا، ليست هي الحقيقة الايندونيسية كاملة، فخطأ كبير أن يحاول المرء تبين الصورة المتكاملة للأرخبيل الايندونيسي منذ خلال المرآة السياسية والاقتصادية فحسب، فالجوانب الفكرية والثقافية لها شأن كبير في فهم التطور الايندونيسي في الماضي، وإدراك بعض الآفاق التي تظهر منها ملامح هذا التطور في المستقبل، وفكر أمة وثقافتها، هو أدل على شخصيتها، ومعاني وجودها الإنساني من أي شيء يتصل بحياة هذه الأمة من جوانبها المادية اليومية، بل إن الحياة المادية اليومية نفسها تخضع في اعتبارات عدة، لنوع الثقافة التي تسود المجتمع، والأفكار التي تكيف عقليته. وتدمغ وجهته الحضارية، وقد تفاعلت العقلية الثقافية الايندونيسية في الماضي مع جملة من تيارات الثقافة وألوان الفكر والحضارة تواردت على جزر الأرخبيل خلال العشرين قرنا الماضية، ولم يكن لهذا التفاعل أن يقع دون أن يخلف أثارا عميقة في المزاج الثقافي الايندونيسي، ويطبع تاريخ الفكر والثقافة في الارخبيل بطابع خاص تترآى من خلاله ملامح عربية وهندية وجاوية وغيرها، ثم إن التيارات الحديثة: تيارات التطوير والتجديد، التي تجد سبيلها إلى الفكر الايندونيسي الحديث، كما تجد سبلا عديدة إلى مختلف البيآت الثقافية والفكرية في عالمنا المعاصر، هذه التيارات تربط أسبابا بين الفكر التقليدي المحلي والأفكار الأوربية المتجددة ولكن المهم فيها كذلك أنها تتجه لتحدث نوعا من التلاقي والتفاعل الثقافي بين هذا القطر الشرقي النائي وبين الأقطار النامية الأخرى في آسيا وغيرها. كل هذا يبرر الأهمية التي تكتسيها حركة الفكر في تلك البلاد، وإن كانت نظرة عجلى كهذه، لا تكفي لتصوير هذه الحركة تصويرا يستوعب مختلف التطورات الواقعة، والمفاهيم المستجدة، والآثار الكثيرة الناتجة عن ذلك والملحوظ بهذا الشأن أن التبلورات الثقافية والفكرية الواقعة في الأرخبيل الايندونيسي، لا تنحصر فقط في نطاق المفهوم الدنيوي لحركة الثقافة وما يتولد عنها من أداب موضوعة وفنون مستجدة، وأساليب شتى تتعلق بالسياسة وغيرها. إن الفكر الايندونيسي انفعل كذلك طويلا وينفعل الآن بمفهوم ديني للثقافة، له قابلية التعاطي مع النهضات الدينية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وقد كان للتفكير الديني في الارخبيل، تأثير جوهري في انبعاثه السياسي والفكري الحديث، ولاشك أنه لايزال للتفكير الديني هناك إمكانيات متزايدة تناط بها أمال لا من أجل الاحتفاظ للإسلام الايندونيسي بفنونه ونشاطه بل كذلك من أجل توفير القدرة له ليضطلع بدوره في إرشاد الكتل الوثنية الكثيرة بالشرق الأقصى التي لها قابلية التفتح على الإسلام إذا وجدت من يقودها إليه.
تيارات خارجية ثلاثة تواردت على ايندونيسيا خلال العصور، وساهمت ـ على درجات مختلفة ـ في تلقيح الطاقة الفكرية الايندونيسية، وربط الصلة الحضارية بين ايندونيسيا والعالم الخارجي.
أولى هذه التيارات: هو التيار الهندي. وثانيهما التيار العربي الإسلامي ثم التيار الأوربي الحديث.
1) وترجع الاتصالات الايندونيسية ـ الهندية إلى زمن مبكر بعض الشيء، كان ذلك تقريبا في القرن الأول للميلاد. وقد كانت الهند وقتها من مراكز الإشعاع الثقافي والحضاري بالشرق الأقصى والقارة الآسيوية.
ويعتقد ـ بموجب البحث التاريخي ـ إن الاتصالات الهندية ـ الايندونيسية كانت تتم عن طريق الهجرة من الهند إلى ايندونيسيا بصورة أخص، وقد انتقلت على هذا الأساس إلى جزر الارخبيل طوائف مختلفة من الهند، منها ما هو من قبيل الطبقات المثقفة والمتحضرة جدا ويظن أن النازحين إلى الارخبيل من الهند، قد أقبلوا على التناسل مع النساء الايندونيسيات، فكان من ذلك تمازج قوي بين المجتمع الهندي والايندونيسي، يسر السبيل للهنود بعد ذلك، ليلعبوا دورا مهما في نقل الدعوة الإسلامية إلى تلك البلاد. ويدل البحث التاريخي أن النفوذ الهندي في خلال العهود الأولى للميلاد، قد وصل في جاوة إلى درجة الأخذ بزمام المبادرة السياسية، حيث تحقق في خلال ذلك قدر من التفاعل الحضاري والثقافي بين الهندية والجاوية سنرى بعض ملامح سريعة منه في الفقرة التالية.
2) ويأتي بعد التيار الهندي تيار آخر لعله أقوى التيارات الخارجية التي انفعل بها المجتمع الايندونيسي فكريا وحضاريا، أكثر مما انفعل بشيء آخر. والمراد بذلك هو التيار العربي ـ الإسلامي، الذي تعرف عليه الايندونيسيون ـ كما تقدم عن طريق الهند أيضا، وبالطبع عن طريق مسلمي الهند، الذين كان لهم ـ على العموم ـ أثر بارز جدا في نشر القيم العقائدية والحضارة الإسلامية في عدد من أقطار المحيط الهندي وعلى الرغم من توسط الإسلام الهندي ـ بصورة أساسية ـ في نقل المؤثرات الثقافية الإسلامية إلى الأرخبيل الايندونيسي، فإن العناصر العربية ـ وخصوصا التجار قد كان لهم نشاط كبير بهذا الشأن وقد عرف عن العرب أنهم كانوا مالكي زمام التجارة والملاحة في المحيط الهندي إلى القرون الأخيرة. ودخول العرب للأرخبيل يرجع لعهود بعيدة، يظن أن ذلك كان خلال القرن الثالث عشر الميلادي، أو ربما فيما قبله إلا أن القرن السابع عشر يسجل مزيدا من الاتصال العربي الايندونيسي عن طريق الهجرة الحضرمية الواسعة وما نشأ عنها من ازدياد الجاليات العربية هناك.
3) وفي أوائل القرن السادس عشر جرت أول الاتصالات الايندونيسية بالأوروبيين، وكانوا برتغاليين في البداية وفي أواخر القرن بدأت الطلائع الهولاندية الأولى تتصل بالأرخبيل. وكانت الحركات الهولاندية هذه ـ كما نعلم ـ جزءا من التحركات الأوربية العامة، التي اندفعت بعدد من أقطار غربي أوربا إلى الانتشار في الشرق وأفريقيا وأمريكا وتكوين الإمبراطوريات التي كانت حماها قد اجتاحت الأوروبيين الغربيين خلال القرون القليلة الماضية، وعلى الرغم من طول المدة التي وقع فيها هذا الاحتكاك بين الايندونيسيين وحاكميهم الأجانب! فإن طبيعة النظام الاستعماري السابق لم تمكن الايندونيسيين من تفتح واسع على آفاق العالم الحديث من خلال هذا النظام. ومن المظاهر الصغيرة لذلك، أن ايندونيسيا غداة توصلها للاستقلال سنة 1945 لم تكن تتوافر فيها جامعة كاملة، وإنما كان هناك بعض المعاهد العليا للفنون والحقوق والملاحة وطب الإنسان والطب العام، وأكثر روادها كانوا أوربيين ومع ذلك فقد كان العصر الحديث مرحلة جديدة في حياة الفكر الإندونيسي، انفعل بها بأفكار جديدة ومفاهيم جديدة، كان لابد أن تهب عليه رياح من آسيا وأروبا وأمريكا وغيرها.
وخلال هذه القرون كلها، وعبر التيارات المختلفة التي تواردت على إيندونيسيا في العصر الوسيط أو العصور الحديثة، كانت الثقافة الايندونيسية، تتكون شخصيتها وتتكامل، مستمدة غذاءها ـ كما تقدم من البيئة العقلية المحلية ـ متفاعلة على درجات مختلفة مع التيارات الثقافية الواردة من هنا وهناك.

للثقافة مفهوم واسع جدا، يشمل مختلف نشاطات الإنسان من أجل العيش، والتقدم والاستمتاع، وتنظيم العلاقات وغير ذلك وتتبلور من خلال هذا الإطار الواسع للثقافة الأوضاع الاجتماعية والقانونية وأحوال الحكم، والتقاليد والمعتقدات والعمران وما إلى ذلك كثير وإذا ذهبنا نستقصي مظاهر الثقافة الايندونيسية من هذه الزوايا، لخرج بنا القول عن هذه النظرة السريعة التي نلقيها الآن غير أن ذلك لا يمنعنا من استعراض بعض جوانب التواصل الثقافي بين اندونيسيا والعالم الخارجي ـ وهذا هو محور الموضوع الذي نتناوله ـ ومن خلال ذلك، يمكننا أن نتبين بعض مظاهر الثقافة الايندونيسية، والعوامل التي ساهمت فيها في الماضي، والاهتمامات التي تلح عليها الآن. لقد قدمنا أن الارخبيل الايندونيسي، تواردت عليه خلال القرون العشرين الماضية، تيارات ثلاثة أساسية: التيار الهندي والتيار العربي الإسلامي والتيار الأوروبي الحديث.
ففي خلال القرون الأولى للميلاد ـ وفي فترات الاتصال الايندونيسي بالهند الهندوسية، حدثت كثير من حالات التفاعل والتعاطي بين العقلية الحضارية الهندية والعقلية الحضارية الايندونيسية.
لقد حمل المهاجرون الهنود معهم قيمهم الحضارية والثقافية المحلية، ومن بين ما حملوه معهم، الفلسفة الهندوكية، وما تضمه من أفكار وعقائد مختلفة، وتدل التحريات التاريخية أن المجتمع الهندوسي الجاوي ـ في خلال القرن الأول للميلاد وما تلاه، قد تعرض لنوع من التفاعل الحضاري عميق الغور، تبلورت من خلاله جملة من العادات والتقاليد الفكرية وغيرها التي انطبع بها هذا المجتمع. وقد كانت هذه التقاليد تتضح بنكهة هندية بارزة إلا أن العقلية الايندونيسية الغلابة، قد استطاعت أن تهضم الكثير من هذه المؤثرات الهندية، وتصهرها في إطار محلي، بما يتفق مع بقاء الشخصية الايندونيسية قائمة، وقل مثل ذلك عن الجوانب الفنية التي أورثها النفوذ الهندي لايندونيسيا.  فقد تأثرت جاوة بالأخص وبعض الجزر الايندونيسية الأخرى، بأمثولات فنية ونقشية، ذات أصل هندي وارد. فمعابد كالتي مثلا، أقيمت في «بوروبودور» و«بولان» وغيرهما، تمثل حقيقة خصائص فنية هندية من حيث الأسلوب المعماري الذي أقيمت به، ثم النقوش التي زخرفت بها، ولكنها ـ مع ذلك ـ تمثل طابعا ايندونيسيا بارزا يمكن تعليله بما ذكرناه من قابلية العقلية الايندونيسية لهضم المؤثرات الواردة، على مستوى الفنون أو غيرها. وخلال فترة الاتصالات الايندونيسية الهندية، كانت تتوافر لمجتمعات الأرخبيل لغات محلية مكتوبة، دلت عليها بعض الكتابات المنقوشة على الحجر أو المعدن، والتي عثر عليها في بعض النواحي بالارخبيل. ومن هذه الكتابات المعثور عليها ما يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلادي، كالكتابة التي اكتشفت في «مالامبانغ» مثلا، ولا تستمد الكتابة المعثور عليها أهميتها من مجرد كونها كتابة وكفى، بل تعكس حالة من التفكير جدير بالالتفات، من ناحية دراسة الأحوال العقلية للمجتمع المحلي في ذلك الحين. فقد وجدت بعض الكتابات تتضمن أوامر حكومية، وكتابات أخرى هي عبارة عن أناشيد وحكايات، وتعاليم دينية وغيرها. على أن المهم في تلك العصور، لم يكن هذه الكتابات المنقوشة وكفى، فتاريخ الأدب الايندونيسي القديم يتحدث عن أعمال أدبية كثيرة يرجع بعضها إلى القرن السابع الميلادي، منها ما هو منظوم، ومنها ما هو مصاغ صياغة نثرية. وقد توالى خلال القرون اللاحقة ظهور أعمال أدبية مختلفة، منها أعمال ملحمية مستوحاة من بعض المؤثرات الهندية، ومنها بعض أخبار الملوك الاندونيسيين القدامى، وقصص بعض العشاق المشاهير هذا إلى أشعار مختلفة تتناول أغراضا مثل هذه أو غيرها.
وبمجيء الإسلام عرفت جزر الهند الشرقية، عناصر تفكير جديدة، أغنت الفكر الايندونيسي وهيأت له مجالات واسعة، لإنتاج آثار دينية وأدبية وغيرها. وقد تأثر التعليم في كثير من أقطار الشرق الأقصى الإٍسلامية بنفس الأشكال والأساليب التي كان يتم بها التعليم التقليدي في الأقطار العربية، وما فتئت المساجد تلعب دورا مهما في نشر المعرفة والثقافة، وهذه التقاليد التعليمية قد كان من أمرها أن ساهمت ـ لحد كبير ـ في الإبقاء على الصلة الثقافية بين العرب وجزر الأرخبيل، والمهم في ذلك أن البيئة الثقافية الاندونيسية قد تسرب إليها بمجيء الإسلام عنصر جديد ومنتج أدخل عليها قوالب جديدة في التفكير والتعبير، وظهر ذلك سواء في ميدان التعبير الأدبي أو العلوم الاعتقادية والشعائرية أو الفنون المعمارية بالأخص. فقد احتوت اللغة الرئيسية (لاباهاسا) مصطلحات عربية كثيرة دينية، ويومية وغيرها، واشتملت اللغة الإندونيسية الأخرى على ألفاظ عربية مختلفة، وقد سبق في عصور الاتصال الاندونيسي الهندي، أن تسربت إلى الأرخبيل كذلك مؤثرات لغوية هندية من خلال النفوذ الذي كان للغة السنسكريتية في ذلك الحين، وإذا رجعنا إلى التأثير الإسلامي نجد للثقافة الدينية تأثيرات كثيرة حققتها في المحيط الثقافي الإندونيسي خلال القرون الأخيرة فقد نقلت إلى اللغة الإندونيسية عناصر الثقافة الإسلامية وتأثر الأدب الإندونيسي كثيرا بالقيم والتصورات الدينية، وبدا ذلك في بعض القصص الدينية التي ظهرت خلال القرن السابع عشر وما بعده. وقد أوحت الحياة الدينية الإسلامية للذوق الإندونيسي بتشييد معالم دينية مختلفة، تتميز بأشكال أصيلة في الهندسة المعمارية.
وتأتي بعد التيار العربي ـ الإسلامي، مبادرات الاتصال الأولى بين الأوربيين والأرخبيل. وقد أحدث هذا التيار الثالث تقلبات بطيئة في الحياة الفكرية الإندونيسية، وإن كان ذلك لم يحدث كله بالضرورة عن طريق النظام الاستعماري السابق، والأحوال التي خلقها الاحتكاك الشديد بين إندونيسيا والغرب تشبه في كثير من جوانبها الأحوال التي خلقها نفس الاحتكاك في أقطار أخرى بالشرق، فقد أمكن للجيل الجديد من الإندونيسيين أن يتلقى مفاهيم جديدة عن الثقافة والحياة الحضارية الحديثة. وكان الاحتكاك بين الحضارة الحديثة، وسواد الناس أقل تأثرا بالنظريات المجردة فقد كان احتكاكا على صعيد الحياة اليومية أكثر. فماذا أدت إليه كل هذه الحالات من الاحتكاك؟
والحق أن العقلية الأندونيسية ـ أمام تيارات التعبير الواردة من أوربا ـ قد برهنت عن تحفظ وشدة حذر، يمكن أن يلحظه المرء بسهولة من خلال دراسته لأوضاع التفاعل الفكري بين أندونيسيا والغرب خلال القرون الأربعة الأخيرة، والتحفظ الاندونيسي هذا لا يبدو وكظاهرة فريدة، تتميز بها العقلية الإندونيسية عن غيرها، ولكن يمكن القول أن المجتمع الإندونيسي يشترك في هذه الظاهرة مع المجتمعات الأخرى الأصيلة حضاريا كالمجتمعات العربية، التي لم يستطع الفكر الأوربي أن يجردها عميقا من أصول شخصيتها الفكرية، ويمكن للمرء أن يلاحظ أكثر من ذلك، أن وضعية الأرخبيل الايندونيسي الجغرافية كان من الجائز أن تجعل مناعته الفكرية بهذا الصدد، أقل من غيرها، فأقطار المحيط الهادي تكاد كلها تكون قد تأثرت حضاريا بالتيارات الواردة عليها من أوربا إلى درجة إصابة الشخصية الحضارية المحلية في الصميم في بعض الأحيان، لكن لا يجب أن ينسى المرء أيضا أن إندونيسيا ـ وإن كانت تنتسب لعالم المحيط الهادئ فهي ذات ارتباط جغرافي وحضاري وفكري أيضا بعوالم المحيط الهندي، ومناطق الالتقاء بين المحيطين، وذلك مضافا إليه قوة شخصيتها التاريخية، وارتباطاتها الفكرية بعالم العروبة والإسلام ـ كل ذلك كان من شأنه أن يكسبها قوة مناعة حقيقة إزاء عوامل الانصهار الخارجي التي تواردت عليها من أوربا خلال القرون الأخيرة، على أنه يجب أن نعير انتباهنا لملاحظة جوهرية تتعلق بالظاهرة هذه، ذلك أن المناعة التي تتحدث عنها لا يرجع وجودها فقط، إلى حالة وعي عميق بسبل الاختيار، وماذا تفرض من تبصر في نوع المصير الحضاري والفكري الذي يوثره مجتمع أو آخر، إن المجتمع الإندونيسي كالمجتمعات الآسيوية والافريقية الأخرى، لم يكن لكتله كلها أن تعي القضية الحضارية المعروضة، بكل أبعادها وملابساتها المعقدة، إن وعيا بهذا المستوى يكون في غالب الحالات داخل الأقطار المتخلفة ـ من نصيب ما نسميه بـ «الانتلجنسيا» أو النخبة المثقفة، أما سواد الناس، فإن أزمة الاختيار. لا تنفتح أمامهم حقا بكل أبعادها الدراماتيكية التي يفرضها استبطان القضايا المعروضة، وإدراكها إدراكا كاملا من نواحيها السلبية والإيجابية، وبهذا المعنى يمكننا أن نتصور حدود النطاق الذي شمل دالة المعركة معركة التفاعل الفكري بين الأرخبيل والقوى الفكرية الواردة من الغرب، ويمكننا بذلك أن نتصور طبيعة المناعة التي كانت حاصلة، فقد ثارت في أندونيسيا، كما في غيرها، مسائل عميقة تتناول وضعية الفكر المحلي أمام التيارات الأوربية الواردة، غير أن سواد الناس لم يكن لهم من داع فكري قوي يدفعهم إلى التأثر عميقا بالقضايا المطروحة، ولكن النقاش الذي كانت تثيره النخبة، لم يكن له ليمر دون أن يترك أصداء بعيدة في حظيرة الكتل الاجتماعية المختلفة، ولم تكن هذه الكتل خالية من أي استعداد للتجاوب، لقد كان هناك في أعماقها قدر من النزوع للتجاوب، ولكنه تجاوب مع العوامل الأقرب إلى اهتمامات بيئة إسلامية كالبيئة الاندونيسية. ومن أهم هذه العوامل العامل الفكري الإسلامي. وهكذا وجدت التيارات الفكرية الآتية من الشرق العربي مجالا واسعا لأحداث تجاوب واسع مع العقلية الشعبية الاندونيسية. وفي ذات الوقت كانت العناصر المتعلمة في أوربا والتي لم تعش عيونها بوارق الحضارة الأوربية ـ كانت هذه العناصر تعمل مع التيار الإسلامي على بلورة الفكر الاندونيسي ليستطيع استيعاب الحركة القومية الاندونيسية.
وقد تأثرت حركة الفكر والثقافة بكل هذه التطورات على نطاق واسع، ومن الممكن تقسيم تيارات الفكر الاندونيسي على هذا الأساس إلى ثلاثة أقسام:
1) أدب القرن الماضي وما قبله.
2) أدب القرن الحاضر إلى سنة 1945 حيث انتزعت اندونيسيا استقلالها انتزاعا.
3) ثم فترة الأدب الأندونيسي في عهد الاستقلال وقد كان الأدب الأندونيسي خلال الفترة الاولى وما قبلها، كان ذا نزعة أخلاقية غيبية في كثير من الأحيان، وكانت القوالب السائدة فيه، هي قوالب الشعر والحكاية والأمثال والأساطير وغيرها، إلا أن الأدب الديني كان له مقام ملحوظ خلال العصر الوسيط وما تلاه، وكانت القصة قالبا متبعا في عدة أحيان، لصياغة هذا النوع من الأدب، الأدب الديني الذي كان يتناول العصور الأولى للإسلام في بلاد العرب نفسها.
أما في الفترة الثانية التي تبدأ أوائل هذا القرن وخصوصا في العقد الثالث منه، فقد تميزت بتطورات جديدة في محيط الأدب الأندونيسي، سواء من حيث الأشكال والمضامين، وقد غدا الشكل الروائي بأسلوبه الحديث، شكلا متبعا في صياغة الأفكار الأدبية وبلورتها، ومن الرواد في هذا الميدان« نورسوتان اسكندر»وغيره عدد غير قليل، وقد أدت الرواية دورا في التعبير الأدبي ذا شأن كبير، فقد شاهدت العشرينات والثلاثينات، ازدهار الحركة الوطنية بالصورة التي يعرف بها تاريخ اندونيسيا السياسي في الغالب حالات وعي اجتماعي وتفتح نفسي، وأخلاقي عميق في بعض الأحيان. وقد عكست الرواية الإندونيسية في تلك الفترة كثيرا من المعاني على هذا الطراز، ومن ذلك بعض الروايات التي تعالج مشاكل الشبيبة، ممن تعشى عيونهم أضواء المدن الأوروبية، فيدفعهم ذلك حتى إلى درجة الانسلاخ عن كيانهم الثقافي والحضاري، انسلاخا غير هادف. وليس من ورائه آثار إيجابية تهم المجتمع أو تجديه بشيء، ومثل هذه الصورة الروائية وغيرها، تدل على أن المشاكل الناشئة عن تفاعل المجتمعات الإسلامية مع حضارة الغرب ـ هذه المشاكل تكاد تشكل حالة واحدة تشترك فيها ـ من حيث الجوهر ـ مختلف الأقطار الإسلامية إلا فيما يتعلق ببعض التفاصيل الجزئية.
3) أدب ما بعد الحرب العالمية، وإعلان الاستقلال، ومن بين الأوجه البارزة في هذه الفترة «سيريل انور» و«اوسمار إسماعيل» وغيرهما، وتتميز هذه الفترة بازدياد تأثر الأدب الأندونيسي بالتيارات الفكرية الواردة من الغرب، وقد عرفت أعمال بعض كبار الروائيين الغربيين طريقها إلى القراء الإندونيسيين عن طريق الترجمة، وفي نفس الوقت، كان الأدب ذو الصبغة الوطنية يزداد ازدهارا تغذيه ظروف النضال القومي التي خاضته إندونيسيا في أعقاب الحرب لحماية نظام الاستقلال الذي انتزعته انتزاعا، وقد عنى الشعر بهذا الصدد، بإثارة ذكريات الأبطال الإندونيسيين القدامى، ومنهم أبطال الكفاح ضد الوجود الأجنبي في غضون القرن الماضي.
وتتبين من خلال الحياة الفكرية والأدبية في الأرخبيل أثناء هذه الفترة، ظواهر مألوفة في كل بيئة أدبية متقدمة أو ناشئة، ومن بين هذه الظواهر: ظاهرة الصراع الدائم بين أنصار الأدب التقليدي المحافظ، ورواد الأدب الحديث، المتأثر ـ في العادة ـ بالنزعات الجديدة الواردة من الغرب، مثل ما كان ولا يزال عليه الأمر في أدبنا العربي، حيث الصراع شديد دائما بين التيارات التجديدية الأدبية، وبين النزعات المحافظة، سواء في النثر أو في الشعر، في القالب أو في المضمون. وكما قدمناه، فقد كان للحركة الفكرية والأدبية بالعالم العربي اصداء مهمة بجاوة والارخبيلك، كما ان المؤلفات العربية الحديثة كان عدد منها ينقل إلى اللغات المحلية، بعامة الشرق الأقصى الإسلامي.
أما في الميدان اللغوي فقد عرفت اللغة الإندونيسية وخصوصا خلال عهد الاستقلال تطورا مهما في قدرتها التعبيرية، وفي نزوعها إلى التلاؤم مع مقتضيات العصر والإيفاء بحاجياته المستجدة.
والوضع اللغوي في الأرخبيل الإندونيسي، يتميز بتعدد اللغات، وتكاثر اللهجات، كما هو شأن عدد من أقطار الشرق الأقصى، وقد يتجاوز عدد اللغات واللهجات .

1) لم نأت بنماذج مفصلة لذلك، نظرا لكون إيراد تفصيلات من هذا القبيل، من شأنه أن يضخم حجم المقال إلى درجة لا يحتملها نطاق المجلة، ولعلنا راجعون إلى الموضوع ـ بحول الله ـ بصورة أكثر تفصيلا بعد هذه الإلمامة السريعة.
المتكلم بها المائة، بل يعدها البعض بنحو المائتين فإدخال اللهجات البسيطة، والتي لا يجاوز عدد المتكلمين بها بضعة آلاف، وكما تقدم، فإن إندونيسيا لا تختص بهذه الحالة من التعدد اللغوي الواسع، فالهند مثلا يبلغ فيها التعدد اللغوي نسبة عالية جدا. ويثير من المشاكل هناك، قدرا كبيرا، غير أن هناك ملحوظة بالنسبة للوضع اللغوي بإندونيسيا، وهي أنه بالرغم من تعدد اللغات بها فإنه لا توضع أمامها مشكلة لغوية بهذا المعنى، الموجود في بلدان آسيوية أخرى.
لماذا؟ لأن هناك لغة إندونيسية مقررة من قبل، كلغة رسمية، وهي مفهومة ومتكلم بها في طول الأرخبيل وعرضه، وتقوم اللغات واللهجات الأخرى، إلى جانبها كأدوات محلية للتفاهم لا غير، وليس للكثير من هذه اللغات المحلية تراث أدبي معين، تعبر عنه، أو ترتبط به كما هو الشأن في اللغات الحقيقية المهمة. والواقع أن البنية الجغرافية لإندونيسيا، وامتدادها على شكل أرخبيل يتألف من عدد كبير من الجزر موزعة على نطاق واسع في المحيط ـ أن هذه الصورة الجغرافية التي تظهر بها إندونيسيا من شأنها أن تعطي لحالة التعدد اللغوي القومي في الأرخبيل مظهرا معقدا أكثر مما هو عليه في الواقع، فإذا كانت إندونيسيا ـ مع ذلك ـ لا تواجه مشكلة تعقيد لغوي قومي، مثل ما تواجهه أقطار أخرى غير موزعة جغرافيا، بل تشكل وحدة جغرافية متراصة، فإن هذه إمكانية إيجابية مهمة، تتوافر لإندونيسيا، وتوفر لها قدرا من الانسجام التلقائي له قيمته.
وهذه الحالة اللغوية الملائمة نسبيا، قد ساعدت الإندونيسيين على العمل على تطوير اللغة القومية، وتطويقها لمقتضيات العصر، وتلقيحها بما يزيد في إمكانياتها التعبيرية الحديثة، ويرجع الاهتمام بهذا الأمر إلى عهد ما قبل الاستقلال نفسه، حيث أسست أثناء الاحتلال الياباني ـ لجنة لمراجعة قواعد النحو الإندونيسي ووضع المصطلحات الضرورية لتطوير اللغة الإندونيسية، أما الطريقة التي سار عليها توليد المصطلحات، فكانت جد واقعية وعملية، ذلك أن المكلفين بالوضع لم يقتصروا على الوسائل المعروفة في التوليد اللغوي، كالنقل والاشتقاق وغيره، وإنما ذهبوا إلى الأخذ من اللغات المحلية المنتشرة بكثرة في أنحاء الأرخبيل، والتي تحتوي على ثروة تعبيرية قيمة وكان أتباع هذه الطريقة مفيدا من ناحيتين، فمن ناحية يتيح ذلك موردا زاخرا بالإمكانيات في ميدان البحث عن المصطلحات المختلفة، ومن ناحية ثانية فإن نقل المصطلحات هكذا عن اللغات المحلية إلى اللغة الإندونيسية الرسمية من شأنه أن يوفرا قدرا كبيرا من فرص التقارب بين اللغة الرسمية، واللغات المحلية المتناثرة هنا وهناك، وذلك بمساعدة سكان الجزر على  إدراك اللغة الرسمية بصورة أكثر سهولة وإضفاء صبغة جوهرية عليها بذلك الأجانب صبغتها العامة.
والرغبة المشتركة التي يتبنها المرء في الأرخبيل ـ هذه الرغبة ـ هي التمكين للغة رسمية، ذات استعمال عمومي يشمل التراب القومي بأكمله، ولا بأس أن تعيش إلى جانب هذه اللغة القومية، اللغات واللهجات الأخرى المستعملة على الصعيد الجهوي.
وقد تجدد الاهتمام بقضية المصطلحات في عهد الاستقلال بصورة أكثر جدية، فتألفت لجنة جديدة لهذا الأمر سنة 1947، وكان النضال القومي لما يزل حادا مع النظام الاستعمار السابق، ومنذ سنة 1952 كانت إندونيسيا قد صفت المظاهر الأساسية من الوجود الاستعماري بالأرخبيل في تلك السنة، صار الأمر بمجموعه، أمر المصطلحات والإصلاح اللغوي، تحت إشراف معهد اللغة والثقافة الإندونيسية.
وتؤكد بعض التقريرات أنه أمكن إلى حد السنوات الثلاث الأخيرة ـ وضع أكثر من ثلث مليون مصطلح، يرجع كثير منها إلى الفروع العلمية والتقنية، التي هي أكثرها يتشعب اليوم في نطاق اللغات التي تعنى بمتابعة التطور العلمي في كافة أنحاء العالم.
وتثير مبادرات التطوير اللغوي في إندونيسيا، حالة من الأخذ والرد بين الاتجاهات المختلفة في فن توليد المصطلحات، ويدور الأخذ والرد هذا، على موضوع الموارد التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الفن: أضروري الالتزام بالموارد الذاتية، النابعة من صميم اللغة أو البحث عن موارد أخرى في اللغات الأجنبية، وكما هو الأمر من هذا القبيل في عالمنا العربي وفي البلاد الأوربية العريقة نفسها ـ فإن هناك نزعات محافظة، ونزعات أخرى أقل محافظة، وتؤثر النزعة المحافظة الإبقاء على صفاء اللغة الأصلية، والحفاظ على سلامتها التعبيرية، وذلك بتجنيبها مغبة فتح الباب على مصراعيه أمام الدخيل. وعدم اللجوء إلى تقبل هذا الدخيل إلا عند أقصى الضرورات الملحة، ويرى مثل هؤلاء ـ من ذوي النزعة المحافظة ـ إن إعطاء حرية واسعة لتسرب الدخيل إلى اللغة الأصلية، ليس من شِأنه فقط. إن يغرقها في خضم من المصطلحات الأجنبية التي ربما قد تؤدي إلى المس بشخصيتها ونكهتها التعبيرية، بل فوق ذلك فإن هذا الاتجاه المتحرر جدا، من ِشأنه أن يقود حتى إلى النيل من القواعد النحوية والصرفية كذلك.
وأمام هذه النزعة المحافظة في الميدان اللغوي هناك الاتجاه الآخر، الأقل تقيدا بالأفكار المحافظة، ويجد ذووا هذا الاتجاه في اللغات الغربية مجالا عمليا للاقتباس، وتكييف الاصطلاحات المقتبسة هكذا، حسب الطرق المختلفة للتكييف اللفظي.
وجدير بالالتفات أن اللغة العربية، لايزال لها مؤثراتها كذلك على الصعيد اللغوي الإندونيسي مثل ما كان عليه الأمر، عندما تسربت في فترات مختلفة، عدة مصطلحات عربية إلى مجال التعبير الأدبي والعلوم الدينية وغيرها بالأرخبيل.
وإذا انتقلنا من ميادين التعبير الأدبي إلى مجالات التعبير الفني، فنجد مختلف جزر الأرخبيل ذات تقاليد راسخة بهذا الشأن. إن الفولكلور الغنائي الإندونيسي يعتبر تراثا غنيا ضخما، يتميز بتنوعه وطبيعته، وما يعكسه من صور صادقة عن حياة الجماعات الوديعة التي تعيش هنا وهناك في شتى الجزر.
ومعروف عن جزيرة «بالي» وتقع جنوب «بورينو» و«سيلييس» معروف عنها انتشار الهواية الموسيقية في ربوعها، وتعتبر لذلك من بين الجزر الإندونيسية ذات الشهرة الواسعة في الخارج: والواقع أن النزعة الموسيقية في هذه الجزيرة، ليست منفصلة عن الماضي، عن التاريخ الفني لإندونيسيا، فالمعتقد أنها ـ هي وجزيرة «جاوة» أيضا ـ يعتبر كل منهما المصدر التاريخي للموسيقى الكلاسيكية الإندونيسية، وكما هو الشأن بالنسبة لعلاقة العموم بالموسيقى الأندلسية عندنا في المغرب العربي، فإن الموسيقى الكلاسيكية الإندونيسية تتغلغل ـ بالفعل ـ في الحياة العامة بالأرخبيل، حيث تبرز بشكل واسع في كل مناسبة دورية أو يومية، أو بدون مناسبة أحيانا.
والثقافة الفنية هي جزء هام ورئيسي من ثقافة أي مجتمع، وقد رأينا كيف تفاعلت عدة عناصر محلية وخارجية في صياغة الأسلوب الخاص الذي تنطبع به الحضارة والثقافة الإندونيسية وإذا كان هذا التفاعل الحضري الإندونيسي الهندي العربي، واضحة معالمه في الآثار المعمارية، وبعض التقاليد والقيم الذكرية السائدة، فإن الموسيقى الإندونيسية وبقية الفنون الأخرى في الأرخبيل، من المحتمل كثيرا أن تكون قد تلاقت مع روافد فنية أخرى، جاءت من هنا وهناك، وحدث من التفاعل نتيجة ذلك، ما نتج عنه هذا التراث الموسيقي الغني الذي يتوافر في إندونيسيا مبادرات مهمة في التعريف بالفنون الإيقاعية المحلية لدى الخارج، كما عرف كذلك مبادرات مماثلة لتقريب الجزر من بعضها البعض على الصعيد الفني، وتعريف هذه الجزيرة بألوان الإيقاع الموسيقي وغيره، التي تسود في جزيرة أخرى. ولاشك أن مثل هذه المبادرات من بين ما يساعد على لحم الوحدة القومية وتمتين أسسها الشعورية بشكل أفضل.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here