islamaumaroc

دفنا الماضي، لعبد الكريم غلاب

  دعوة الحق

97 العدد

إلى الأستاذ عبد الكريم غلاب
تحياتي الصادقة وتقديراتي الوافرة
وبعد فلقد كنت أشاركك وأنت «تدفن الماضي»، ولكن بصفة متقطعة أيام كنت في بغداد، فلما حلت بين يدي اليوم هديتك كاملة شاملة شكرت لكم ذلك التفضل منكم والتكرم، فإني وأنا أؤرخ لجامعة القرويين وجدتني في حاجة ماسة إلى استشارة سائر الكتب وما قيل عن مدينة فاس باعتبارها الهالة التي تحتضن هذه القرويين... وسائر ما كتب وما قيل عن المغرب باعتباره مدينا ـ سواء شعر أو لم يشعر ـ لهذا البيت العتيق كما أراد له الفاتحون الأولون... وسائر ما كتب وما قيل عن الحركات الوطنية باعتبار أن «القرويين» ظلت مركز إشعاعها ومهد ثورتها منذ كان للمغرب كيان... كنت مضطرا فعلا لذلك لأن التعريف بالقرويين لن يتم بغير ذلك.
ولقد قرأت لبعض الأجانب من أمثال ريبرنيد، وطارو، وايدوارد، ولوتورنو... كتبوا عن الحياة في فاس، وعن الحب فيها، لكن كتابة معظمهم كانت مغرضة أو ناقصة، أو مرتبكة، بيد أن حديثك عن فاس كان حديث المنصف المتثبت المستوعب...  ولن يقدر مجهودك إلا من عني بتاريخ هذه المرحلة من حياة المغرب... ولن يشعر بالمتعة كاملة إلا من سلك معك خطواتك من دار بن كيران إلى دار التازي إلى رجوع جلالة محمد الخامس من منفاه... لقد برهنتم على أن القلم المرهف في استطاعته أن يقوم مقام أبرع ديكور وأجمله وأدقه، ولا أبالغ إذا قلت أن حاجة المؤرخ إلى كتابك لا تقل عن حاجة الأديب إليه إن لم تكن تفوقها لأنه تناول تاريخ حقبة نصف قرن أو يزيد في أسلوب مرح خفيف لا يقتحم معه زوايا المؤرخين المظلمة الباردة، ولا أساليبهم المغفلة العابسة! ولكن يسير بهم الهوينا من (أيام فاس الدامية 1912) إلى (احداث الثلاثين) و(أحداث 36 و(أحداث 37) و(أحداث 44) إلى (احداث 53) إلى «حادثة وادي زم» وما أدراك ما «حادثة وادي زم» التي كادت تنسى بمئاسيها وزعماء تهدئتها! إلى يوم الفرحة الكبرى.
ترجم كثير من الكتاب لأنفسهم وحبذا ما كانوا يصنعون فإننا من خلال ذلك نقرأ تاريخا آخر للمحيط الذي يؤويهم لكن كتابك لم يكن ترجمة لك وحدك بل كان لك ولي وللآخرين لكن تواضع عبد الكريم أبى عليه إلا أن يعني بالتاريخ أكثر مما يعني «بالأنا!» وقد أكبرت فيك ذاكرتك التي لم تنس كثيرا من ذلك الماضي الذي قلت أننا دفناه! وقدرت تصويرك الدقيق لكثير من المظاهر الاجتماعية التي كانت تحياها ـ وبعضها مايزال ـ أسرنا إلى الأمس القريب... تصويرك لمنعرجات فاس وأزقتها وقد اضطرت المارة للركوع أمام البهائم! أو الالتصاق بالجدار اتقاء شر البغال! كنت أتصوركم وأنتم تتحدثون عن جو الخدم في المطبخ، والبدو في الأرياف، والنساء في مجالسهم كأنك عشت بين ظهراني هؤلاء وأولئك ردحا من الزمان... والطريف في قصتك أنها تبتدئ مجتمعة في «المخفية» لتتسع وتتفرع وتزداد امتدادا ثم لا تلبث أن تنقلب لتتجمع وتقف عند عبد الرحمن...
إنني ـ ونحن نتوق إلى تعريف الأجانب بنا ـ لا أكتمك رغبة أرجو تحقيقها: ذلك أن نتوفقوا لترجمة القصة إلى لغة أجنبية، فإني على ثقة تامة من أنها ستجد لها الآف القراء وخاصة منهم الذين يردون على هذه البلاد ويطرحون سؤالهم عن الماضي... إني ـ وأنا أكرر الطلب بل أرفعه إلى الهيئات الثقافية في بلادنا ـ أومن ـ بما في هذا الإيمان الحق من مرارة ـ بأن الكتاب العربي لاسيما والقصة منه يظل مقبورا مغمورا إن لم نعمل على نقله إلى لغة أخرى في عالم يقرأ فيه الروسي للأمريكي والأمريكي للروسي وهلم... ترجم قصتك فإنها نعمت السفارة تبعث بها إلى الذين ناوا عنك وعن بلادك بل إنها لنعم الهدية تقدمها لهؤلاء الذين يقرأون من اليسار إلى اليمين منها، من مواطنينا نحن في المغرب..
لي بعض الملاحظات على ما قرأت، أرى من حقك علي أن أهمس بها إليك.
فأولا كنت أود أن تخصصوا فصلا أو فصلين للحديث عن اقتحام البنت المغربية للمدرسة وما أحدث من بعض المضاعفات فإني لا أقتنع بالحديث العابر الذي سقتموه صفحة 137.
ثانيا ـ وأنت تعلم أنني ألفت في أعراس فاس! ـ أن الفتاة من حقها أن تحضر في الأعراس ولكن المناسبتين اللتين لا تحضرهما البنت هما: عيادة المريض وتهنئة النفساء وعلى هذا أجرى المثل الفاسي «عاتق باب الجيسة تطل على المريض وتهني النفيسة».
ثالثا هناك حقيقة تاريخية لا يمكن أن نغفل عنها وهي أن الحركة الوطنية خرجت من عقر بيوتنا نحن، من المسيد، إلى المسجد، قبل أن تمتلئ رؤوس الشبيبة بالأفكار التي تلقاها عبد الرحمن في المدرسة الفرنسية (الفصل 25)
رابعا اختلط على القلم احداث 1936 التي قام فيها بالنجارين سفيرنا الحالي بإيران ليقول فينا نحن المتظاهرين: «أزفة الآزفة»، واحداث 1937 التي وقف فيها نوكيس ليقول: «انه سيسحقنا تحت قدمه» ص 217.
خامسا كنتم جد موفقين في الأسماء التي استعرتم للناس بما فيهم أسماء الرجال والنساء، بما فيهم الخدم، في المدينة والقرية بيد أن أسماء العلماء كانت بعيدة عن طبلة آذاننا... ولعلها أقرب إلى حي بولاق منها إلى حومة المخفية (ص 140).
سادسا كنت أعتقد أنه ينبغي الالتزام ـ كما فعلتم مرارا ـ بذكر بعض المفردات المحلية فإنها تعيد إلى الذاكرة الصورة الحقيقية للظروف التي مرت علاوة على ما في ذلك من عمل على الاحتفاظ بذلك المفرد كأثر... مثل المرمة عوض (المطرزة) ص 280 العروبية عو (الضيعات) 97، المحبس عوض (الحلاب) 383، العولة عوض التموين ص 46 الاذرع عوض (الامتار) ص 165 الخ الخ.
سابعا بالنسبة للذين يقرأون الكتاب في خارج فاس أو المغرب أرى أنه من المناسب جدا أن تفسروا لهم في الهامش عند أول مناسبة بعض المصطلحات المحلية مثل الغرامة (67) والمسيد (9) والاسفنج (13) والمنصورية والملاح ص 10، واللبدة (100) والتسليم (63) والفلاقة (94) والمراح 111 والزوالغ ص 117 وقب الجلابة 197 والجوزة 349 الخ الخ
ثامنا مؤاخذتي للذين عهدتهم إليهم بالتصحيح فلقد ندت عنهم بعض الأشياء مما يعثر القراء المشارقة بصفة خاصة.
ومع كل ذلك فإننا نحن جيل الوسط ـ لابد أن نجزل الشكر والتقدير لما أتحفت به خزانة التاريخ وخزانة الأدب وخزانة الآداب الشعبية والخزانة الاجتماعية...
وإننا وقد أوشكنا أن نأخذ بناصية المصادر المتناثرة هنا وهناك مما يتناول تاريخنا القديم جدير أن نتوجه ـ أو على الأقل بعض منا ـ إلى وجهة أخرى من «الترفيه والترف التاريخي» أي أن نتناول تاريخنا في قصص من هذا النوع تستهدف الحقيقة ولكنها تتوسل إليها بالطرق التي أمست اليوم لدى طائفة مهمة من الناس معبدة محببة.
وأخيرا عسى أن يتحرك قوم آخرون فيدفنوا الماضي في سلا والرباط وتطوان ومراكش وبني يازغة ووادي زم ووجدة ومكناس وغير هذه، فنحن على يقين من أن لكل واحد ما يقول.. وخير لنا أن نكتب بأناملنا هذا التاريخ المشرق، وخير جدا أن نفعل ونحن متحلون بالنزاهة فيما نقول، وخير جدا أن نسمو فيما نكتب إلى سمو التاريخ نفسه الذي لا يرضى أن يقع ضحية كثير من التزييف والتضليل.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here