islamaumaroc

القضاء الإداري في المغرب

  محمد التوزاني

13 العدد

لقد كنا نود أن نكتب في موضوع القضاء الإداري كتابة موضوعية، تتناول بالدراسة جانبا من جوانبه، أو تستقضي خاصية من خواصه، ولكن ظروف هذا القضاء في المغرب لا تتيح فرصة البحث في مسألة محددة بالذات بحثا فقيها تحليليا، لذلك آثرنا أن نتناول موضوع القضاء الإداري بطريقة عامة مجملة تبرز فيها الفكرة الجمهورية التي يقوم عليها النظام، والاعتبارات التي يستند إليها، كل ذلك كمقدمة لمناقشة النظام الذي أخذ به المشرع المغربي، ومقارنته بغيره من الأنظمة الأخرى.
ونقصد بالقضاء الإداري ذلك القضاء المتخصص في نظر المنازعات القضائية التي تكون الإدارة طرفا فيها باعتبارها سلطة عامة تتمتع بها تضفيه عليها هذه السلطة من مزايا خاصة، أو بعبارة أخرى هو ذلك القضاء المنوط به رقابة مشروعية أعمال الإدارة وسلامة تصرفاتها من الناحية القانونية، وحين تتصرف كشخص عام ذي سلطة عامة وبإدارة منفردة.
فالإدارة ـ باعتبارها شخصا معنويا ـ قد تظهر أمام القضاء بأحد مظهرين مختلفين تمام الاختلاف، فهي إما أن تظهر كشخص عام، ذي سلطة عامة، تتمثل فيه سائر المزايا والاعتبارات التي تنطوي عليها فكرة السلطة العامة، وعندئذ تكون في مركز قانوني لا يعرفه القانون الخاص، وإما أن تظهر كشخص خاص، يبيع ويشتري ويتعاقد كما يفعل الأفراد، وطبقا لأحكام القانون الخاص، ولقاعدة ((العقد شريعة المتعاقدين)) وفي هذه الحالة تخضع لأحكام القانون الخاص كسائر الأفراد، وتخاصم أمام القضاء العادي.
وقد لعبت فكرة السلطة العامة التي تتلبس بها الإدارة دورا هاما في تحديد مركزها أمام القضاء وأمام القانون ن إذ ذهب أنصار القضاء الإداري إلى أن الإدارة، باعتبارها ممثلة للسلطة العامة، لا ينبغي أن يساق الأفراد، دون أي اعتبار لمركزها الأدبي وأنه إذا كان لا بد من مثولها أمام القضاء، فينبغي أن يكون القضاء الذي تمثل أمامه مغايرا للقضاء الذي يتردد عليه عامة الناس بمعنى أن يكون قضاء خاصا بالإدارة، يستقل بنظر القضايا والمنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها باعتبارها سلطة عامة، وقد نشأت هذه النظرية في فرنسا عقب الثورة، ثم تطورت مع الزمن حتى استحالت إلى حقيقة عميلة، هي مجلس الدولة الفرنسي الذي أصبح فيما بعد محور نظام قضائي كامل، هو القضاء الإداري الفرنسي.
وفي ظل نظام القضاء الإداري حققت الإدارة كل ما كانت ترنو إليه من امتيازات وأهمها تلك المجموعة من الأحكام والمبادئ التي استنها مجلس الدولة، لتنظم علاقات الإدارة بالأفراد على أساس مغاير للأساس الذي تقوم عليه الأحكام والقواعد التي تنظم علاقات الأفراد فيما بينهم ضمن دائرة القانون الخاص، استنادا إلى أن الإدارة تعمل للمصلحة العامة بينما يعمل الأفراد للمصلحة الخاصة، الأمر الذي يستوجب تقديم مصلحة الإدارة على مصلحة الأفراد عند قيام التعارض بينهما.
ولكن القضاء الإداري الذي أسبغ عليها من امتيازات، حتى عدل في مركزها القانون أمام الأفراد، لم يتوان لحظة واحدة عن مقاربته الشديدة على أعمال الإدارة نظير تلك الامتيازات التي اعترف لها بها، حتى أصبحت معظم قرارات الإدارة خاضعة خضوعا تاما لرقابته الشديدة، التي لا تعرف اللين أو التسامح، فأي قرار تصدره مجافيا لأحكام القانون أو المبادئ المقررة يستوجب الإلغاء السريع والتعويض العادل لكل من أصابه ضرر بسببه، وقد استطاع القضاء الإداري ـ بحكم قرابته من الإدارة وتخصصه في قضاياها ـ أن يلم إلماما دقيقا بمختلف الأنظمة الإدارية، وبطريقة سير الجهاز الإداري بأكمله، فأصبح يرسم الإدارة الطريق الذي يجب أن تسير عليه، القواعد التي ينبغي أن تتبعها في سيرها.
والحقيقة أن نظام القضاء الإداري، هو وليد البيئة والعقلية الفرنسية ن وهو إلى جانب أنه يستند أيضا إلى ظروف ومبررات تاريخية خاصة بالبيئة الفرنسية التي ولد فيها وترعرع، لا مجال لتفصيلها في هذا البحث .
على أنه بالرغم من الأصل الفرنسي لهذا النظام، فقد تأقلم كثير من البلاد التي تقل إليها، وبرهن على صلاحية ذاتية للبقاء والحياة، وتعتبر مصر مثلا من أهم البلاد التي تأقلم فيها هذا النظام وازدهر حتى غدا ركنا هاما من أركان العدالة بها، لا يمكن الاستغناء عنه، بل أنه استطاع في المدة القصيرة التي سلخها من حياته، أن يقر أحكاما ومبادئ ذات شأن كبير.
ولكن القضاء الإداري بالرغم مما سبق، ليس هو النظام الأوحد الذي لا بديل عنه في العالم، ففي مواجهته يقوم نظام آخر له شأنه إلهام، وهو النظام الانجلوسكسوني، المأخوذ به في بلاد كثيرة، كانجلترا، وأمريكا، وكندا،واستراليا، ونيوزيلندا، وجنوب إفريقيا وغيرها، وهذا النظام لا يعرف الامتيازات العديدة، التي تتمتع بها الإدارة في ظل نظام القضاء الإداري، ولا يستسيغ أن تختص الإدارة بنظام قضائي مستقل عن قضاء الأفراد، ولا أن تخضع لأحكام وقواعد خاصة تجعل منها كائنا ممتازا في مواجهة الأفراد، فالإدارة في النظام الأنجلوسكسوني تقاضي أمام القضاء العادي، وتخضع لنفس أحكام القانون العام الذي يخضع له الأفراد كقاعدة عامة.
والآن، وبعد هذا العرض الوجيز لنظامي القضاء الإداري، والقضاء الأنجلوسكسوني يهمنا أن نعرف بأي نظام أخد المشرع المغربي، وهل أخذ بأحد النظامين السابقين، أم ابتدع جديدا في ميدان التنظيم القضائي؟
لا شك أن المغرب في عهد الحماية لم يعرف نظام القضاء الإداري مطلقا، فقد كانت الإدارة في علاقاتها بالمواطنين المغاربة لا تخضع لأي قضاء، ولا تلتزم بأي قانون كقاعدة عامة، أما في علاقاتها بالأجانب فكانت المحاكم المؤسسة بظهير سنة 1912 مختصة بالنظر في المنازعات الإدارية التي ترفع إليها، وكانت تملك الحكم بالتعويض عن الأضرار، التي تسببها الإدارة لأفراد بسبب قراراتها أو أعمالها غير المشروعة، ولكن هذه المحاكم لم تكن محاكم إدارية وإنما محاكم عادية.
ولما استقل المغرب، وأصبحت يد المشروع المغربي طليقة من كل قيد ن استحدث جديدا في ميدان التنظيم القضائي، وأنشأ جهازا كاملا للقضاء وضع على رأسه محكمة عليا للنقض والإبرام، واعترف ـ لأول مرة ـ للقضاء بحق إلغاء قرارات الإدارة غير المشروعة وجعل من المحكمة العليا رقيبا على تصرفات الإدارة، بعد أن أنشأ بها غرفة خاصة بنظر الطعون في القرارات الإدارية، فتحقق بذلك للقضاء ما كان يصبو إليه من نفوذ واسع وسلطان كبير، لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم.
غير أن الطريقة التي فرض بها المشرع رقابة القضاء لمشروعية أعمال الإدارة، لا تخلو ـ مع ذلك ـ من عيوب وغموض، فهو قد أناط هذه الرقابة بالمحكمة العليا وحدها، ورفض أن يعترف بها لغيرها من المحاكم الأدنى منها درجة، فجعل بذلك من المحكمة العليا، مزيجا من محكمة النقض ومحكمة القضاء الإداري، الأمر الذي أثار الشكوك والالتباس حول طبيعة النظام الذي قصد الأخذ به، كما سنرى من الملاحظات الآتية:
1) ولعل أول ما يلاحظ بهذا الصدد أن اختصاص المحكمة العليا بالقضايا الإدارية ابتدائي وانتهائي معا، بمعنى أنها محكمة أول وآخر درجة، فهي محكمة أول درجة، لأن الطعن في القرار الإداري، يطرح أمامها لتحكم فيه ابتداء، وهذا مفهوم من الفصلين (الأول) و(الرابع عشر) من ظهير 27 سبتمبر 1957: وهي كذلك محكمة آخر درجة لأن حكمها نهائي لا معقب عليه: وفي هذا، تبدو محكمة النقض كما لو كانت محكمة إدارية لا تقبل أحكامها التعقيب، والفرق واضح بين اختصاصها في المسائل الإدارية، بين اختصاصها في المسائل المدنية والجنائية والشرعية، إذ في الحالة الأخيرة لا تتدخل المحكمة ابتداء، وإنما ترفع إليها أحكام المحاكم الأدنى درجة لتقول فيها القول الفصل.
2) والملاحظة الثانية: أن المحكمة العليا حين تتصدى لنظر الطعون في القرارات الإدارية المرفوعة إليها، تفعل ذلك، كما لو كانت محكمة الوقائع والقانون معا، إذ يتعين عليها وهي تبحث في مشروعية القرار الإداري المطعون فيه، أن تتحرى عن الأسباب والبواعث التي حدت بالإدارة إلى إصدار القرار، وعن الظروف والملابسات التي تمخضت عنه لتتأكد مما إذا كان كل ذلك قد تم وفقا للقانون أو خلافا له ن ومعنى ذلك، أن رقابتها لمشروعية القرار الإداري، رقابة كاملة تنسحب على القانون والواقع معا، على عكس رقابتها لأحكام المحاكم، التي تتناول الناحية القانونية وحدها دون أن تتطرق إلى الوقائع كقاعدة عامة.
3) والملاحظة الثالثة: أن ظهير 27 سبتمبر 1957 نص في الفصل الأول على اختصاص المحكمة العليا بالنظر في طلبات إلغاء القرارات الصادرة من السلطات الإدارية بدعوى الشطط في استعمال السلطة، وهذا النص ينطوي على قاعدتين هامتين:
أ ـ اختصاص المحكمة برقابة جميع القرارات الإدارية، إذ ذكر الظهير (المقررات التي تصدرها السلطات الإدارية) في عبارة عامة مجملة تحمل معنى الإطلاق، فأي قرار تصدره السلطات الإدارية ـ بحسب هذا النص ـ يكون من حق المحكمة العليا الفصل في مشروعيته متى طعن فيه أمامها، سواء كان القرار فرديا أو تنظيميا، وأيا كانت صفة المتظلم منه، موظفا أو غير موظف، تربطه بالإدارة علاقة أو لا تربطه بها أية علاقة، ما دامت له مصلحة شخصية ومباشرة في طلب إلغائه، وما دام ليس في إمكانه سلوك طريقة قضائية أخرى للحصول على ما يطالب به، ولا يستثني من ذلك إلا القرارات المتعلقة بأعمال السيادة أو الأعمال الحكومية فتلك القرارات ـ وإن لم ينص المشرع على استثنائها صراحة ـ لا يمكن تصور قبول المشرع امتداد رقابة القضاء إليها بمجرد سكوته عنها، خاصة وأن القضاء الإداري المقارن مجمع على أن تلك القرارات تخرج بطبيعتها عن نطاق اختصاصه، لما لها من صبغة خاصة لا تقبل المنازعة أمام القضاء: أما فيما عدا ذلك فإن جميع القرارات التي تصدرها السلطات الإدارية، تخضع لرقابة المحكمة العليا، إلا ما سحب منها بنص خاص.
ب ـ رقابة مشروعية القرار من جميع وجوهه: فرقابة المحكمة العليا لسلامة القرار الإداري، تنصب على جميع العيوب التي يمكن أن تشوبه، كعيب عدم الاختصاص أو مخالفة القانون، أو الشكل، أو الانحراف، وهذا المفهوم من الفصل الثالث عشر من الظهير السابق الذي ينص على أن طلبات نقض الأحكام المعروضة على المحكمة العليا، يجب أن تكون مبنية على أحد الأسباب الآتية:
1) خرق القانون الداخلي، أو قانون أجنبي خاص بالأحوال الشخصية.
2) عدم الاختصاص
3) خرق القواعد الجوهرية للمرافعات
4) الشطط في استعمال السلطة
5) عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني، أو عدم وجود الموجبات.
فهذه الأسباب التي فصلها النص، تتناول الاختصاص، والشكل، ومخالفة القانون، وإساءة استعمال السلطة، وهي عيوب يمكن أن تحلق القرار الإداري، كما يمكن أن تحلق الحكم القضائي، وقد ذكرها النص مجملة، دون تخصيص، ولكنها مفهومة.
4) والملاحظة الرابعة: أن الظهير المؤسس للمحكمة العليا، قرر اختصاصها بالنظر في الطعون ضد القرارات الإدارية، ولكنه سكت عن ذكر القواعد الموضوعية التي تعين على المحكمة أن تطبقها على المنازعات الإدارية بين الإدارة والأفراد، فهل ستلجأ المحكمة إلى القانون الخاص لتغترف منه من الأحكام ما يناسب الحالة المعروضة عليها، أم أنها ستلجأ إلى الاجتهاد الحر غير المقيد، لتبتدع من المبادئ والقواعد ما يتراءى لها، كما يفعل القضاء الإداري عموما؟
وهذه الملاحظات يمكن أن تثير التساؤل حول طبيعة اختصاص المحكمة العليا بعد أن أخذ من هذا القضاء أهم خصائصه ومميزاته الموضوعية وأضافها للمحكمة، تفاديا لما عساه أن ينشأ من مشاكل تنازع الاختصاص التي تنشأ عادة من وجود نظامين قضائيين مختلفين (القضاء العادي والقضاء الإداري) داخل دولة واحدة؟
وأيا ما كان الأمر، فإن مسلك المشرع المغربي يثير الشكوك حول طبيعة النظام التي قصد الأخذ به: فهو قد استبعد نظام القضاء الإداري من حيث الإطار العام ـ أي من حيث التنظيم الشكلي ـ لأنه لم ينشئ مجلسا للدولة ولا محاكم إدارية، كما في فرنسا ومصر مثلا، وهو في الوقت عينه قد استبعد النظام الأنجلوسكسوني من حيث أنه لم يعترف للقضاء العادي كله بحق رقابة أعماله الإدارية، ولم يعط الأفراد حق التظلم من القرارات الإدارية أمام محاكم السداد، والمحاكم الإقليمية، ولكنه قصر هذا على المحكمة العليا، فلو أنه أعطى المحاكم العادية في مختلف درجاتها، حق رقابة أعمال الإدارة وجعل أحكامها قابلة للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، لكان قد اتفق مع النظام الأنجلوسكسوني، على الأقل من حيث توزيع الاختصاص، بل أنه لو كان قد أنشأ محاكم إدارية مستقلة عن القضاء العادي، ثم جعل أحكامها قابلة للنقض أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا، لكان قد ابتدع جديدا وأتى يثيرها ازدواج القضاء ن وخاصة تنازع الاختصاص بين المحكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا كما في فرنسا مثلا.
ولعل مما يزيد مسلك المشروع المغربي غرابة وشذوذا، أن ظهير 27 سبتمبر 1957 بعد أن نص في الفصل السابع عشر منه على اختصاص الغرفة الإدارية (أولا) بمطالب النقض المرفوعة ضد الأحكام القضائية الصادرة في القضايا التي يكون أحد الخصوم فيها شخصا عموميا (ثانيا) طلبات الإلغاء الموجهة ضد مقررات السلطة الإدارية بسبب الشطط في استعمال السلطة، أردف يقول (علة أنه يصح أن تبحث وتحكم كل غرفة في القضايا المعروضة على المحكمة أيا كان نوعها) وبذلك أصبح الاختصاص بالطعون في القرارات الإدارية شائعا بين جميع غرف المحكمة العليا.
وجملة القول، فإن المشرع المغربي لم يأخذ بنظام القضاء الإداري، ولا بنظام القضاء الأنجلوسكسوني، ولكنه أعطى مع ذلك المحكمة العليا معظم اختصاصات القضاء الإداري وسكت عن ذكر مصدر القواعد والأحكام الموضوعية التي ستطبقها المحكمة العليا على المنازعات الإدارية، ليتيح لها فرصة الابتكار والابتداع كما يفعل القضاء الإداري عادة.
ونحن نعتقد أن المشرع المغربي كان يحسن صنعا لو أخذ بنظام القضاء الإداري شكلا وموضوعا، وأنشأ محاكم إدارية على غرار المحاكم الإدارية الفرنسية و المصرية، لأن الإدارة المغربية أشد حاجة من غيرها إلى قضاء إداري ينير لها السبيل، ويضع لها القواعد والضوابط، التي يجب أن تسير عليها، ويرفع عن الناس أخطاءها وأوزارها.
وقد يلتمس للمشرع بعض العذر في انصرافه عن الأخذ بنظام القضاء الإداري إذا كان ذلك مرجعه عدم توافر العناصر الفنية الكافية، لإقامة دعائم هذا النظام في المغرب، ولكن ـ بالرغم من ذلك ـ فإن الطريقة التي عالج بها اختصاص القضاء برقابة مشروعية القرارات الإدارية معيبة وغير مجدية، فيكفي أن نتصور العدد الهائل من الطعون في القرارات الإدارية، الذي سوف ينهال على المحكمة العليا لنتأكد بـأنها ستنوء حتما تحت عبئه الثقيل، وقد دلت الإحصاءات في البلاد التي تأخذ بنظام القضاء الإداري، على أن عدد القضايا التي ينظرها هذا القضاء، قد يعادل أحيانا مجموع القضايا التى ينظرها القضاء العادي، فإذا علمنا أن القضاء العادي يملك عشرات المحاكم لمواجهة ما يرد عليه من منازعات الأفراد وخصوماتهم، ولا يصل من هذه المنازعات والخصومات إلى محكمة النقض إلا نسبة قليلة بسبب تعدد درجات التقاضي، بينما لا يوجد إلا محكمة واحدة ـ بل دائرة واحدة ـ للفصل في جميع المنازعات الإدارية، تأكد لدينا أن رقابة اسمية غير فعالة.
ويمكن، علاجا لهذا الوضع، تحقيقا لبعض الفائدة، أن تعزز رقابة المحكمة العليا لمشروعية القرار الإداري عن طريق إنشاء مجموعة من اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي الابتدائي، فمثلا يمكن أن تنشأ كل وزارة لجنة إدارية تسمى (لجنة الطعون الإدارية) تشكل من عدد كاف من الموظفين بنفس الوزارة، وتكون مختصة بالنظر في الطعون التي يرفعها الأفراد ضد القرارات الإدارية الصادرة من أي موظف تابع للوزارة، فإذا تبين لها أن القرار غير سليم، ألغته وصححت الوضع المترتب عليه باعتبارها جهة رئيسية تملك ذلك، أما إذا رأت القرار المطعون فيه سليم، فإنها تؤيده بقرار تبين فيه الحيثيات التي بنت عليها رأيها.
وفي هذه الحالة الأخيرة يكون للأفراد حق الطعن في قرار اللجنة أمام المحكمة العليا ـ الغرفة الإدارية ـ التي تملك إلغاء قرار اللجنة أو تأييده بصفة نهائية.
ويكفي مبدئيا لجنة واحدة بكل وزارة، تشكل من سبعة موظفين أو خمسة على الأقل، وتحاط أعمالها بإجراءات سريعة ومستعجلة، يكون التظلم أمامها إجباريا قبل الالتجاء إلى المحكمة العليا، ومتى استقر هذا النظام واحتاج الأمر إلى توزيع العمل في المستقبل، يمكن التوسع عندئذ في إنشاء هذه اللجان، فيكون في كل وزارة لجنة للطعون، وفي كل مصلحة لجنة أخرى كذلك تستأنف قراراتها أمام اللجنة الأولى، وهذه تنقض قراراتها أمام المحكمة العليا.
وبهذه الطريقة تستطيع الإدارة أن تصحح أخطاءها بنفسها قبل أن تتعرض قراراتها للإلغاء من جهة المحكمة بتناقض عدد القضايا التي ستعرض عليها،
إلى أن تأتي اليوم الذي تنقلب فيه تلك اللجان الإدارية، إن محاكم إدارية ذات اختصاص قضائي بمعنى الكلمة، ويقوم عندئذ نظام القضاء الإداري في المغرب ليفرض رقابته على أعمال الإدارة بطريقة فعالة ومجدية.
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here