islamaumaroc

المغرب وفارس عبر التاريخ -2- [تعليق ع.ل.السعداني]

  دعوة الحق

97 العدد

ورد في العدد الثاني لمجلة دعوة الحق (صفر 1386 ـ جوان 1966 مقال فيم للمحقق الزميل الأستاذ محمد بن تاويت بعنوان «المغرب وفارس عبر التاريخ» ص 64 ـ 69. وقد سبق أن نشرت مقالا في الموضوع في مجلة البحث العلمي. العدد السابع السنة الثالثة رمضان 85 ـ 86 أبريل 1966. غير أني أعجبت بلقطات في مقال الأستاذ ابن تاويت أثارت في الاهتمام فأحببت أن أعود إليه مشيرا إشارة خفيفة إلى تصحيح بعض الحقائق التي جاءت فيه تتميما للفائدة شاكرا للأستاذ عنايته التي صرفها في هذا الموضوع المهم.

1 ـ فارس بسكون الثالث، في الاصل بباء شدد Part « P » عربت فقلبت باؤها فاء. ثم كسرت راؤها لصعوبة النطق العربي بالكلمة التي يجتمع فيها حرفين ساكنين.
وهي ناحية مشرقها كرمان وجنوبها البحر الأعظم وغربها نهر طاب الذي يمر بين فارس وخوزستان وجزءا من حدود اصفهان، وشمالها صحراء فارس من جبل كرجس. عدد مدنها خمس وأربعون مدينة. أهمها مدينة شيراز.
هكذا وصفها أقدم مصدر جغرافي في اللغة الفارسية(1).
لقد جاء هذا الإسم في النقوش الأخمينية (250 ق.م) « Pârsa » علما على قوم إيرانيين كانوا يقيمون جنوب إيران تسمية لهم باسم موطنهم. أما سبب إطلاق هذا الاسم على هذه الناحية، ومن سمها به، ومتى عرفت به، فقد قيل في ذلك:
1 ـ إن أول من بنى اصطخر (وهي من مدن فارس) اصطخر بن ههمورت ملك فارس، وسميت فارس بن ههمورت وإليه ينسب الفرس لأنهم من ولده(2).
2 ـ واكتفى البعض بالقول أن فارس اسم أبي هذا الجبل أعجمي معرب(3).
3 ـ وقال أبو علي في القصريات: فارس اسم البلد وليس اسم الرجل ولا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان، وليس أصله بعربي بل هو فارس معرب أصله بارس(4).
4 ـ وقيل هو بمعنى الأسد يوافقه الفارس بارس بمعنى الفهد(5).
5 ـ وقد لفت ياقوت النظر في هذا المقام إلى مدلول هذه الكلمة في العربية: من الفرس و«الفروسية والفراسة: ركوب الفرس ومن قولهم فارس بين الفراسة إذا كان جيد النظر، انه لفارس بهذا الأمر،لعالم به، الفارس: الحاذق بما بارس»(6) كأنما يحاول إيضاحها بهذه المدلولات.
وبارسي هو المنسوب إلى بارس واصطلاحا الزردشتي المقيم بالهند. كما يطلق على الفارسية الجديدة عند الإطلاق العام، وعلى إحدى اللغات الفارسية 1 ـ الفارسية القديمة. 2 ـ الفارسية الوسطى. 3 ـ الفارسية الجديدة. عند التقييد(7) اتخذت «فارس» صورتها النهائية في أوائل القرن العاشر قبل الميلاد، فأطلقت من طرف اليونان على إيران كلها « Persia » كما عرفت عند العرب بهذا الاسم.
فلم يطلق هذا الاسم على إيران قبيل الإسلام بزمن يسير ولا كان العرب هم من أطلقوا هذا الإطلاق حيث يفهم ذلك من الإشارة إلى أ ن الفرس هم الذين أطلقوا على العرب. طائي، إذ أن العرب كانوا يعرفون بهذا الاسم «طائي» عند السريان(8).

2 ـ إيران: عريقة في القدم بشكلها هذا، فقد كان يطلق على الإيرانيين في العصر الأخميني « Airya » ومن ذلك سميت البلاد بإيران نسبة إلى هؤلاء القوم الآرانيين وهي في اللغة الفهلوية « êrân » وقد كانت تعرف أيضا زمن الساسانيين « êrân chatr » ـ إيران شتر ـ إيران شهر ـ بلاد إيران.
وقد سميت مرة أخرى في عهد الأسرة البهلوية الحاكمة اليوم بـ إيران بعد أن عرفت بـ فارس. فـ إيران كما رأينا ليست جمعا لـ «اير» كما أنه لم يرد من الجمع في الفارسية النسبة، ولكنها اسم لحقته علامة النسبة في آخره «ان» كما نلاحظ ذلك في أسماء الأعياد الإيرانية مهرجان منسوب بـ مهر آبان  منسوب بـ آب = الماء... الخ. وكثيرا ما يختلط على الغريب أمر الألف والنون في الفارسية فهي تارة علامة جمع مرد: رجل، مردان: رجال. وأخرى علامة الصفة الفاعلية الحالية: هراسان: خائف، وتارة أخرى تدل على النسبة كما هي في إيران. وهي أيضا في اللغة العربية علامة تثنية وهذا ما يزيد في اضطراب الرأي حولها، وهو ما وقع لابن بطوطة حين زار إيران، فقد  ظن اسم مدينة «فيروزان» مثنى فيروز(9).
فلفظ «إيران» منسوب إلى الآريين لا إلى ايرج واسم ايرج مشتق منه، أصبح رمزا لإيران في الأسطورة التي تروي أن افريدون وزع ملكه على أولاده الثلاثة: تور، سرم سلم، وايرج) وكان ايرج وهو أصغرهم أكثر حظوة لدى والده فكان نصيبه العراق وفارس وكرمان والأهواز وجرجان وطبرستان إلى حدود الشام ورغم أن كثيرا من الكتب المعتبرة تناقلتها مثل «غرر أخبار الفرس» للثعالبي(10) وشاهنامة الفردوسي وغيرهما، فإن القصة لا تعدو أن تكون أسطورة قديمة(11) وصلت إلى الفرس من الهند إذ نجد أسطورة شبيهة لها في تقسيم العالم على أبناء كولاخسابوس السكي الثلاث.
على أن ضعف هذه الأسطورة يظهر أيضا من أن ياقوت نسبها في رواية أخرى إلى طهمورت «الذي أقطع الدنيا لأكابر دولته فأقطع أولاد إيران بن سود ابن سام بن نوح عليه السلام وكانوا عشرة وهم خراسان وسبجستان وكرمان ومكران واصبهان وجيلان وسنتدان وجرجان وآذربيجان ودرمنان.. وهذا كله إيران شهر».

3 ـ المغرب: ليست كلمة المغرب في اللغة الفارسية من قبيل المشترك(12) بين المغرب والمشرق بل إن الكلمة التي لها هذه الدالة هي الكلمة المقابلة لها في الفارسية «خاور» كما ورد في بيت الشاهنامة: «نخستين به سلم اندرون بنكريد    هم روم وخاور مراورا كزبد»

على أن الأصل في ذلك أن تطلق «خاور» على المشرق و«باختر» على المغرب. وهو الكثير الشائع، وقد يطلق الاثنان على المعنى الآخر بل ان «باختر» أطلقت في لغة الابستاق على الشمال « apâxtara » كما وردت في اللغة الفهلوية بهذا المعنى أي « apâxtar ».
أما المراد بالإشارة إلى المغرب في اللغة الفارسية فقد كانت تعنى في كثير من الأحيان المغرب الذي نعرفه ونسكنه (أفريقيا الشمالية) تدل على ذلك الإشارة المتكررة التي جاءت في الشاهنامة تارة إلى «مصر» وتارة إلى «الأندلس» وتارة أخرى إلى «المغرب» مما يفهم منه أن مفهوم «المغرب» كان واضحا في ذلك العهد. كما أن الإشارات إلى القيروان كثرت في الشعر الفارسي بعد ذلك، واتسع نطاق هذه المعرفة بوسعة الاتصال بين بلدان العالم الإسلامي حيث رحل إلى إيران مغاربة أشهرهم ابن بطوطة الذي أطال المقام هناك، كما عرفت الأوساط الفكرية والعلمية شخصيات مغربية أهمها شيخ العرفاء الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الذي لايزال تأثيره مشهوريا إلى اليوم. ولم تقتصر الإشارة إلى المغرب في اللغة على هذا المعنى بل أشير إليه إشارات مختلفة في تاريخ إيران وأدبها قبل الإسلام وبعده. كما أن كلمة «المغرب» اكتست معاني كثيرة في اللغة الفارسية، واستعملها الفرس اصطلاحا عرفانيا استخرجوا منه إشارات كثيرة.
ويجدر بنا أن نذكر هنا ما جاء عن المغرب والأندلس في كتاب من أهم المصادر الفارسية الأدبية والجغرافية.
«حدود العالم من المشرق إلى المغرب» فهو أقدم مصدر فارسي ذكر المغرب ومدنه بوضوح وتفصيل يقول:
«الكلام على ناحية المغرب ومدنه»
«هي ناحية شرقها مصر وجنوبها صحراء تنتهي بالسودان وغربها بحر الاقيانوس المغربي وشمالها بحر الروم».
«تكثر في هذه الناحية الصحارى وتقل الجبال جدا. أهاليها سود وسمر، وفيها مناطق عديدة، ومدن وقرى».
«وفي صحرائها كثير من البربر لا يحصون. وهذا المكان حار، ويوجد فيه الذهب بكثرة، وفي رمال هذه الناحية معدن الذهب. وأكثر تجارة أهلها الذهب».
«1 ـ طرابلس ـ هي أول مدينة من افريقية. وهي مدينة كبيرة، وعامرة، كثيرة السكان تقع على شاطئ بحر الروم. وهي مركز التجار والأندلس، وكلما يصدر من بحر الروم يصل إليها».
«2 ـ مهدية ـ هي مدينة كبيرة تقع على شاطئ بحر الروم وتفصل بحدود القيروان، بها النعمة الوافرة، وفيها التجار من مختلف الأماكن.
3 ـ برقة ـ هي مدينة كبيرة تتصل أطرافها بحدود مصر. وهي غنية ويكثر فيها التجار، ويقيم فيها الجيش الكثير.
4 ـ القيروان ـ مدينة عظيمة، وليست في المغرب أية مدينة أكبر منها ولا أكثر عمارة وغنى. وهذه المدينة هي مركز المغرب.
5 ـ زويلة(13) ـ هي مدينة عظيمة تقع صحراء السودان. وفي أطرافها وناحيتها بربر كثيرون. وهؤلاء البربر في صحارى المغرب كالعرب في البادية، يملكون الحيوانات والذهب الكثير. ولكن العرب أكثر غنى بالحيوانات، و البربر أكثر ثروة بالذهب.
6 ـ تونس ـ هي مدينة من المغرب تقع على ساحل البحر وهي أول مدينة تقابل الأندلس.
7 ـ فرسانه(14) ـ هي مدينة يانعة كثيرة النعم وأهلها الفاء وأغنياء. وهذه المدينة قريبة من القيروان.
8 ـ سطيف ـ هي مدينة كبيرة كثيرة السكان يكثر فهيا الذهب وتقل النعمة.
9 ـ طبرقة ـ هي مدينة على ساحل بحر الروم، وبالقرب من هذه المدينة على ساحل البحر معدن المرجان الكثير جدا. ولا يوجد مكان آخر (مثله) في العالم كله. وفيها العقارب الكبيرة القاتلة».
10 ـ تنش ـ هي مدينة كبيرة على ساحل البحر عامرة وتكثر فيها النعمة والناس والثروة.
11 ـ جزيرة بني رعنى(15) ـ هي مدينة يحيط بها ماء البحر من جوانبها الثلاث وبالقرب منها بربر كثيرون.
12 ـ ناكور ـ مدينة تشبه تنس.
13 ـ تاهرت ـ مدينة عظيمة غنية جدا ولها ناحية منفصلة عن حكومة أفريقية.
14 ـ سجلماسة ـ هي مدينة تقع قرب صحراء السودان وسط الرمال، وفي هذه الرمال معدن الذهب، وهذه المدينة منفصلة عن سائر النواحي، قليلة النعم، كثيرة الذهب.
15 ـ بصيرة ـ هي مدينة على ساحل البحر تقابل جبل طارق، وهي كثيرة النعم.
16 ـ ازيلة ـ هي مدينة كبيرة ولها سور محكم جدا وهي آخر مدينة يوصل منها إلى الأندلس.
17 ـ فاس ـ مدينة عظيمة مركز طنجة ومستقر الملوك وهي غنية جدا.
18 ـ سوس الأقصى ـ هي مدينة على شاطئ بحر الاقيانوس المغربي وهي آخ مدينة من عمارة العالم في المغرب، وهذه المدينة عظيمة، يملك أهلها الذهب بلا حد. وهم غليظوا الطبع. ويقل أن يطرقها الغريب. وتوجد في أكثر نواحي البربر النمور التي يصيدها البربر ويأخذون جلودها إلى المدن الإسلامية.

الكلام على ناحية الأندلس ومدنها:
هي ناحية شرقها حدود الروم وجنوبها خليج بحر الروم ومغربها بحر الاقيانوس المغربي وشمالها ناحية الروم أيضا. وهذه الناحية عامرة ويانعة وفيها الجبال والماء السلسبيل والثروة الكثيرة. وفيها معادن جميع الجواهر من فضة وذهب ونحاس ورصاص وما شابهها. وبناؤها كله بالحجر. وأهلها بيض البشرة زرق العيون.
1 ـ قرطبة ـ مركز الأندلس عامرة كثيرة السكان والنعمة والثروة وأقرب الطرق منها إلى البحر ثلاثة أيام. وهي قريبة من الجبل. ومستقر السلطان. كانت حكومتها بيد الأمويين ومساكنهم مبنية بالحجارة.
2 ـ طليطلة ـ هي مدينة تقع على الجبل. قريبة من الجبل والنهر يحيط بها نهر تاجة.
3 ـ تطيلة ـ هي مدينة تقع بالقرب من الجبل وفيها سمور كثير بلا حد. يأخذونه لمختلف الأماكن.
4 ـ لاردة ـ سرقص، سنتمرية، ريه، استنجه جيان. مورود، قرمونه، نبله غافق ـ مدن الأندلس أماكن كثيرة النعمة والعمارة وكثيرة التجار الروم والمغاربة والمصريين، وفيها الثروة الكثيرة، طقسها معتدل.
5 ـ باجه ـ مدينة قديمة في الأندلس غنية.
6 ـ قورية ـ هي مدينة صغيرة قليلة السكان كثير الثراء.
7 ـ ماردة ـ أكبر مدينة في الأندلس لها حصار وسورة وخندق محكم.
8 ـ ترجالة ـ وادي الحجارة ـ هما مدينتان في الأندلس باردتين، وهما أقدم مكان في هذه الناحية.
9 ـ طرطوشة ـ هي مدينة عامرة على ساحل بحر الروم وعلى حدود غلجسكش وافرنجة. فهي متصلة من الروم بناحيتين.
10 ـ بلنسية ـ مرسية ـ بجانه ـ هي مدن تقع على شاطئ خليج بحر الروم، وهي كثيرة النعمة.
11 ـ مالقة ـ هي مدينة على شاطئ بحر الروم، يوجد فيها جلد الضب الذي تجلد به مقابض السيوف بكثرة.
12 ـ الجزيرة ـ هي مدينة صغيرة على شاطئ خليج وفي هذه المدينة فتحت الأندلس في بداية الإسلام.
13 ـ سدونه، اشبيلية، اخشنبة ـ هي مدن صغيرة تقع على شاطئ بحر الأقيانوس المغربي وهي أماكن قليلة النعمة قليلة السكان.
14 ـ شنترين هي آخر مدينة من حدود الأندلس تقع على شاطئ بحر الاقيانوس ويوجد فيها العنبر الأشهب كثير الجودة وافر جدا.
ولا يوجد في حدود المغرب أي مكان آخر(16).
4 ـ البربر ـ ورد في الشاهنامة ذكر «البربر» و«بربرستان»: المنطقة البربرية. إشارة إلى إحدى قبائل السودان(17) تارة وإلى بربر شمال افريقيا تارة أخرى. والذي تجدر الإشارة إليه هنا هو أن اسم البربر يتردد في إيران. إذ نجد في إحدى نواحيها قبيلة معروفة بهذا الإسلام، كما يعرف نوع جيد من الخبز بـ «نان بربري: الخبز البربري. ويعلق أحد المعاجم على هذه الكلمة بأنها أعجمية من دون أن يوضح مصدرها(18). وقد جاء في وصف ياقوت لأنواع الحيوانات الموجودة في هذه المنطقة الير(19) والير في اللغة الفارسية هو النمر وعربت الكلمة بمعنى السبع وجمعت على «بيور» وهذه أيضا اسم قرية من اعمال تونس. ولعل لهذا التشابه اللفظي بين الكلمتين ومعناهما وجه من التقارب!
إما أن يكون البربر بمعنى «برابر» الفارسية فهذا تكلف لا مبرر له ولا دليل يدفع للقول به لو كان قول الشعراء.
5 ـ القيروان ـ لقد عرفت هذه الكلمة في اللغة العربية معربة بهذا اللفظ. قبل أن تؤخذ لتسمية المدينة التونسية «القيروان» قال ابن قتيبة: والقيروان أصله بالفارسية «كاروان» « Caravanne » فعرب قال امرء القيس:
وغارة ذات قيروان   كان أسرابها الرعال

وهي القافلة. ووردت أيضا في حديث مجاهد: «يغدو الشيطان بقيروانه إلى السوق» بل إنهم قد تصرفوا في معناها فقيل القيروان لمعظم الجيش ولـ جماعة من الخيل.
لذلك لا يمكن نفي احتمال تسمية العرب مدينة القيروان بهذا الاسم عندما نزلوا بها إذ لولا ذلك لوجب أن يكون اسمها « Caravannage » على أصلها الفارسي لا «قيروان» المعربة.
6 ـ فاس ـ ذكر الأستاذ أن جماعة من الفرس نزحوا إلى فاس في عهد المولى إدريس فأنزلهم بمكان يعرف بعين علون بل أثبت أن اسم المدينة هو «فارس» في أصله وأن أحد أبوابها كان يسمى «باب الفرس»(20) واعتمد في ذلك كله على ما جاء في كتاب «روض القرطاس» اما أن يكون الفرس قد وصلوا فاس فلا يستبعد غير أنه لا دليل يثبت وجوده وعبارة صاحب «روض القرطاس» لا تفيد ذلك: «ووفد عليه (المولى إدريس) في تلك الأيام جماعة من الناس من بلاد العراق فأنزلهم ناحية عين علون» وأما اسم فاس فقد ذكر ابن أبي زرع في تسميتها خمسة أقوال والقول الذي صححه هو أن المولى إدريس سماها باسم المدينة التي كانت قبلها في موضعها قبل الإسلام وهي «ساف» فقلبت منه «فاس»(21). وأما «باب الفرس» فقد جعلها الأستاذ في كتابه «الأدب المغربي» تخليدا لوجودهم القوي الذي كان بتلك العاصمة»(22) وجعلها في مقاله «ذلك أن جدارا من أسوارها سقط على بعضهم فخلدت ذكرى هذه المأساة تسمية أحد أبواب المدينة بهم»(23) فلم يقطع بأي السببين دعى لهذا الإسم!؟ على أن صاحبه روض القرطاس إنما ذكر السبب الثاني وحده، عند عرض الأقوال التي نقلها في سبب تسمية فاس لا في تسمية أحد أبوابها (أنظر ص 62) لهذا فإن ما أ شار إليه الأستاذ في كتابه غير موجود في المصدر الذي اعتمد عليه كما أنه استدل بدليل في غير محله.
ولنعد إلى عبارة ابن أبي زرع لننظر في الأمر: «.. ثم هبط بالسور إلى أول اغلان فصنع هنالك بابا سماه باب الفرس(24) فالعبارة صريحة ولكن كلمة «الفرس» يمكن أن تقرأ بأشكال مختلفة وإذا اختار الأستاذ لقراءتها «الفرس» « Fors » فاقترح أن تقرأ «الفرس « Fors »» ويتضاعف هذا الاحتمال عندما نسوق الجملة التالية لما جاء في روض القرطاس: «ثم أدار السور مع إغلاق حتى وصل به شفير الوادي الكبير الفاضل بين العدوتين فصنع هناك بابا سماه باب الفصيل» فالفصيل قد تدفعني لأن أرى في الكلمة «فرسا» لا فرسا.
على أننا إن أصررنا على أن نحكم الروابط التاريخية بين المغرب وإيران بواسطة أسماء المدن واخترنا «فاس» مثالا لذلك، فلنقل عن طريق «الحدس» أن ألف «فسا» وهذه اسم مدينة معروفة بمنطقة فارس في إيران، وهذا التأويل غير بعيد عما علل به صاحب روض القرطاس تسمية مدينة فاس ونضيف هنا مثالا آخر لمثل هذه الرابطة بواسطة المدن هو اسم «طنجة» فقد قيل عنه أنه فارسي(25).
أما البصرة التي توجد في المغرب قرب سوس ومثيلتها في العراق فقد نقل ياقوت في السبب تسميتها خمس معان قبل أن يقول أنها معربة «بسى راه» الطرق الكثيرة» وأبعد هذا الاحتمال في الأخيرة يقوله أن اسمها «الحربية» وتسمى أيضا البصيرة(26).
7 ـ كلمات عامية ـ ان الكلمات الفارسية قد انتقلت إلى المغرب عن طرق شتى لا تنحصر في أنها «لا تخلو من كونها أتتنا وقد عربت.. أو أتتنا وقد تركت» فقد حمل الفرس معهم إلى الأندلس عندما جاءوها جميع مرافق حياتهم ومن جملتها اللغة ثم مرت إلى المغرب عن طريق أهل الأندلس المهاجرين إليه. كما عرفت اللهجة المغربية هذه الكلمات عن طريق من رحل إلى الشرق وبالخصوص العراق وإيران من رجال المغرب سائحا في طريق حجه أو مغامرا يطلب ندر الأخبار ويرجو المعالي أو عارفا يبحث عن الحقيقة. نعرف من بين هؤلاء أبو عثمان المغربي الذي زار إيران في القرن الثالث الهجري وأبو هارون الاغماتي الذي زارها في القرن الخامس الهجري وابن بطوطة ومحمد المغربي الافريقي المعروف بالمتيم. بل وصلتنا هذه الكلمات الفارسية عن طريق اللغات الأوربية مثل كلمة (Missa) من الاسبانية التي هي في الفارسية «ميز: طاولة» وقد استخرجنا منها فعل أمر «ميزي» أي ضع على الطاولة مقدارا للعب القمار ومثل « Babouche, Bazar » من الفرنسية اللتين أصلهما الفارسي «بازار» سوف وبابوش «حذاء». أما الأمثلة على الكلمات الفارسية في اللهجة المغربية فكثيرة. وقد عد الأستاذ «الخنجر والطرة» منها. والصحيح أنهما عربيتين. أما «شوربا? نشان وطربوش وكمنجة وبهلوان» فلم تصل إلى اللغة العربية عن طريق التركية، بل دخلت العربية بلا واسطة. فإننا نجد مثلا أن «شوربا» معربة بشكل «شورباج» والصيغة التركية لهذه الكلمة هي « Twhourbâ ».



(1) تغيرت حدود هذه الناحية تبعا للتغيرات السياسية ولكن الناحية نفسها لم تتغير كما أن اسمها ظل كذلك. وهذا الوصف الذي سقناه هو ما كانت عليه في القرون الأولى للهجرة.
(2) معجم البلدان، ج 1 ص 221.
(3) المعرب من كلام العجم للجواليقي صفحة 243.
(4) معجم البلدان ج 4 ص 226.
(5) الألفاظ الفارسية المعربة ص 118.
(6) معجم البلدان ج 4 ص 224.
(7) راجع مقالنا لغة الغرس بين الماضي والحاضر. دعوة الحق.
(8) العرب قبل الإسلام جرجي زيدان ص 40.
(9) رحلة ابن بطوطة ص 199 بيروت 1960.
(10) غرر أخبار الفرس للثعالبي ص 41 – 45 – 52.
(11) أنظر مقدمة عبد الوهاب عزام للترجمة العربية للشاهمنامة ص 73 ومتن الترجمة العربية للفتح البندراري ص 13 ـ التعليق.
(12) أطلقت في اللغة العربية على المشرق أيضا من باب التغليب في قولهم «المغربين» يعني المشرق والمغرب كما أطلق «المشرق» على المغرب من باب التغليب أيضا في قولهم «المشرقين»
(13) في نسخة أخرى «زويله».
(14) في نسخة أخرى «قلشان».
(15) في نسخة أخرى «بني رغنة».
(16) حدود العالم من المشرق إلى المغرب صفحة 177، 183 طهران 1962.
(17) المعرب للجواليقي ص 76 ـ البربر مدينة في السودان الواقع على ساحل النيل.
(18) المعرب للجواليقي ص 76.
(19) معجم البلدان ج 1 صفحة 369 – 370.
(20) أنظر أيضا الأدب المغربي محمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي ص 114.
(21) الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس ص 26.
(22) الأدب المغربي محمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي ص 114.
(23) دعوة الحق العدد الثاني السنة التاسعة ص 68.
(24) روض القرطاس ص 21.
(25) المعرب للجواليقي ص 223.
(26) معجم البلدان ج 1 ص 430.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here