islamaumaroc

الصواريخ الروسية ومناهج التعليم بأمريكا

  عبد الهادي التازي

13 العدد

 كان الكل يعلم أن ظهور الاكتشافات العلمية الروسية، سوف يغير مجرى الحياة في مختلف الدول، وخاصة الذين يعنيهم أمر الصواريخ، أو على الأصح، الذين يقصدون بها. ولكن الشيء الذي كان خفيا على جانب من الناس، وهو أن تغزو تلك الأقمار حجرات المدرسة الأمريكية، ولكن هذا ما كان فعلا، فإن الشعب الأمريكي (( وهو شعب حي نشيط متطور)) لم يلبث أن ألقى بنظرته إلى المعامل التي تصنع الرجال في العالم الآخر: إلى المدارس، فهل توجد في روسيا مدارس من النوع الذي يوجد في أمريكا؟ وماذا تكون تلك المناهج؟ تكون ((أشياء)) غير التي تقرر عادة في العالم الجديد؟ وهكذا اتجه رجال التربية والفكر إلى طريقة التعليم الأمريكية، ليحاولوا درسها من جديد على ضوء الأحداث الجارية.
لقد كانت الغاية من الطريقة التعليمية الأمريكية كما وصفها أحد رجال النقد في أمريكا هي (( إتاحة الفرصة للتلاميذ ليتكونوا ويستفيدوا إلى أقصى حد ممكن، وبالتالي ليتخرج منهم مواطنون قادرون  على اتخاذ قرارات عندما يتبوءون مناصب في الحكومة )) لكن هل الظروف تساعد على أن يظل رجال التربية في أمريكا قانعين بالوصول إلى هذا الهدف؟ وأي اتجاه يختارون؟ هل الاتجاه الفني الآلي أم الوجهة العلمية التي يطبعها التعمق والتقعر في البحث؟
يرى فريق من العلماء أن الحاجة ماسة إلى آليين تستفيد منهم البلاد فيما يتوقف عليه جهازها، لكن هل أن الفنيين والآليين هم فقط ما ترتجيه البلاد؟ إن الوطن يحتاج إلى مفكرين وقادة سياسيين جديرين بتسيير دولاب الدولة، والى إذا يعزى تأخر أمريكا في مجاراة الدول الشرقية من حيث الأقمار الصناعية والصواريخ البعيدة المدى؟ هل ضعف قوة الابتكار في الطبقة المفكرة أم إلى عدم وجود العلماء الفنيين الكافيين؟ ومن كان المسؤول عن هذا العجز؟
في الناس من يعتقد أن المسؤولية متوزعة بمقياس متواز على كلا الجانبين، فيهم من ينحى باللائمة على تلك ((الفئة الآلية)) التي ((جمدت)) دون الوصول إلى وصل إليه الأقران، لكن في الباحثين ((وهؤلاء كثير)) من يميل إلى إلقاء التبعة على المفكرين باعتبارهم لم يستخدموا مواهبهم التي كان عليهم أن يستغلوها، فأمر ((البطء الأمريكي)) إن صح هذا التعبير، يرجع إلى  هذه الطبقة أكثر مما يرجع إلى العلماء الفنيين، وعلى هذا كان لزاما على الذين بيدهم زمام الأمور أن يفكروا فيما يمكن أن ((يعدل)) البرامج و المناهج لكن كيف؟ إن النقاد هناك يحذرون المسؤولية الأمريكيين من مغبة التغييرات القاسية التي قد تؤدي إلى الكارثة، وينصح أولئك هؤلاء بأن عليهم (( إذا ما كانوا يريدون الإبقاء على الحريات السياسية والاقتصادية، أن يتبصروا عند اتخاذ أي إجراء بالتغيير دون أن يجعلوا نصب أعينهم مصلحة المواطن، بالتالي فإن الطريقة التعليمية يجب أن تهدف إلى أن تجعل من الأمريكيين ناسا يقدسون الحرية ويعلمون على ازدهارها..))
وهكذا نرى أن الذين بيدهم زمام الأمور لا يندفعون لأي تيار إلا بعد استيعاب واستقصاء للبحث، فإن ما بمصلح لأمة ما من الأمم، قد لا يكون صالحا لهذه الأمة مثلا، وهنا تظهر ((الموهبة)): موهبة الرجال الذين يزنون الأمور موازينها.
توجد في العالم الجديد جمعية وطنية للتعليم هي ((الجمعية الأمريكية للإدارة المدرسية))، ولهذه الجمعية فروع، من أنشطها الفرع الذي يعنى بتوجيه التعليم بأمريكا، وهو الذي يعرف ((بهيئة السياسية التعليمة))
هذه الهيئة وضعت تقريرا مفصلا في أول هذه السنة ( 1957 - 1958 ) عن حالة التعليم في أمريكا، ضمنته التوصيات اللازمة بالإصلاحات التي ترى من المفيد أن تدخل على التعليم.
ولعل أهم نقطة جديرة بلغت النظر، ذلك البند الذي تصرح فيه الهيئة المذكورة بأن (( طريقة التعليم الروسية مناسبة للعالم الشيوعي، ولا يمكن أن تطبق في أمريكا بدون نتائج وخيمة، ذلك لأن الطريقة الروسية تنتج نخبة تنقطع عن الناس وتخلد إلى التفكير، ونخبة ذات مقدرة علمية تسيطر على الرأي العام، وعلى القوة التي تتوفر عليها البلاد)) وقد جاء في هذا التقرير بالذات ((أن من بين ما ينبغي أن يدخل من التحسينات، التكثير من إعطاء الفرص الممكنة لكل التلاميذ الذين تظهر عليهم مخايل الاقتدار والكفاءة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، بذل الجهد من أجل اختيار أساتذة جديرين بتحمل أعباء التوجيه الصحيح، بل وتمرينهم والأخذ بيديهم حتى يصبحوا ((عن طريق التدريب)) مثلا نموذجيا... ويأتي تحسين الحالة الاجتماعية للأستاذة في صدر ما تعنى به التقارير، ونظرا لكون الأستاذ بمقدار ما كان ينعم باطمئنان البال على حالته، بقدر ما ((تصقل)) معلوماته، ويستفيد منه الآخرون، وهذا إلى المناداة بتحسين التعليم في العلوم والرياضيات واللغات... ويلح التقرير في الأخير على تنفيذ برامج في الحال، منها ما هو قصير المدى، ومنها برامج متوسطة المدى، وفيها ما هو بعيد المدى.
فالبرنامج القصير المدى يهدف إلى تعليم خريجي الجامعات الفنون التقنية، وذلك من أجل تزويد البلاد بالخبراء الذين يسدون الفراغ.
أما البرنامج المتوسط المدى فيهدف العناية بالرجال الذين يقومون بمهمة التدريس، سواء في المدارس الثانوية أو في التعليم العالي وذلك باختيارهم أولا، وتدريبهم على التعليم ثانيا.
وهذا بينما تهدف المناهج البعيدة المدى، إلى إدخال تحسينات على جميع فروع التعليم، وهذه التحسينات لا يعتمد فيها فقط على ما للحكومة من إمكانيات، ولكن أيضا على الموارد الخاصة التي تفرضها المصلحة على المواطنين أنفسهم.
تلك نظرة على المناهج المحتملة للتعليم بأمريكا، كان القصد من عرضها هنا على الطبقة المربية، لفت النظر إلى ما يجري في الأوساط المعنية بالتعليم بأمريكا التي تماشي الركب، ولكن من غير أن تندفع، وتستفيد، ولكن بالمقدار الذي لا يسيء إلى المبادئ التي اختارتها الدولة؟ فما رأي رجال التربية في بلادنا؟ وهل حقا لا ينبغي للعلوم الفكرية أن تطغى على الفنون التكنولوجية؟
                       
 
 
 
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here