islamaumaroc

تاريخ مدنية الهند وباكستان

  عبد الهادي التازي

13 العدد

لعل شخصية الأستاذ محمد العربي الهلالي لا تخفى على كثير من إخواننا ممن يتتبعون صدى (أولئك) الذين لم يحتملوا الاحتلال الفرنسي فراحوا نحو المشرق، فلقد غادر وطنه المغرب وهو وما يزال في طور الشباب، ودرس في مختلف المعاهد بتلك الديار، ثم ألقى عصا التسيار بالبلاد الهندية حيث أخذ على عاتقه تعليم اللغة العربية في مدارسها وكلياتها... والأستاذ الهلالي إلى جانب هذا يقوم بحركة واسعة لصالح العروبة والإسلام، فلقد كان في جملة من نظم – مؤخرا – جماعة تحت اسم (لجنة الجزائر) من كبار المفكرين والأدباء هناك، هذه اللجنة التي كان لها الفضل في تخصيص يوم 23 مايو كيوم للجزائر ينشر فيه ويكتب كل ما يمكن أن يقدم الجزائر الجريحة إلى الأمة الباكستانية.
هذا هو الأستاذ محمد العربي الهلالي الذي عني – وهو يقوم بالتدريس في جامعة لاهور – بتاريخ البلاد الهندية وجغرافيتها وعوائدها ولغاتها، فأمكنه بذلك أن يسجل في كتاب حافل معلومات قيمة حول هذه البلاد، ولقد رأى أن يصدر هذا البحث المهم في شكل أجزاء متتابعة من الحجم المتوسط لفائدة القراء العرب..
واليوم يصدر الجزء الأول من تاريخ مدنية الهند وباكستان في خمس وثمانين صفحة، ولقد أبى حضرة الأستاذ محمد الفاسي رئيس الجامعة المغربية إلا أن يقدم الأستاذ الهلالي الذي تعرف به عند انعقاد الجمعية العامة لمنظمة اليونيسكو، بدهلي الجديدة، أواخر سنة 1956.. لقد أثنى حضرة الرئيس على الأستاذ الهلالي الذي ( أشبع بالإيمان والإخلاص والمحبة للوطن والتشبث بالمبادئ الإسلامية السامية) على حد تعبيره..
والكتاب يشتمل على تمهيد بليغ ومفيد للأستاذ الهلالي عن بلاد الهند التي (لم تزل محط إعجاب العلماء والفلاسفة والصناع والشعراء والسياح والفاتحين، لأنها عالم بنفسها تختلف عن غيرها في الهواء والتربية والعقائد والآداب والصنائع وسائر النظم الحيوية، وفي العالم العجيب: الهند، نجد خلاصة لجميع أدوار التاريخ الإنساني ومدارج  الرقي التي قطعها من مبدأ وحشته إلى غاية ما وصل إليه من الحضارة، فإذا أردنا أن ننظر إلى ذلك الزمان الغابر الذي اختفى من أبصارنا وكان أساسا لعقائدنا وعواطفنا وتصوراتنا الحاضرة، فيمكننا ذلك بتتبع أحوال الأمم التي هي الآن سائرة في درجات الرقي، وخصوصا أمة الهند التي تقطنها أمم تمثل جميع فترات التقدم الإنساني درجة درجة.
ولم يفت الأستاذ الهلالي في مقدمته أن يلاحظ أن ما قام به مستشرقو أوربا نحو الهند، إنما اعتمدوا فيه على تراجم بعض الكتب السنسكريتية الدينية، واللغة السنسكريتية لغة ميتة عند الهنادك من قديم الزمان وحالتها في الهند كحالة اللاتينية في أوربا بل إنها أقل من ذلك، وتقدير المدنية الهندية من كتبها الدينية القديمة كتقدير المدنيات الأوربية القديمة من مطالعة الإنجيل وقصائد هرمز.
وكان مما أسف له الأستاذ الهلالي في كتابه عدم العناية ببنايات الهند القديمة والآثار النادرة، مع العلم بأن الحكومة الانجليزية مضى عليها في الهند أزيد من خمسين ومائة سنة، ولكنها لم تبذل إلا شيئا يسيرا لصالح التنقيب على تلك الآثار، وهذا إلى جانب الفكرة التي تسيطر على الهنادك والتي تتلخص في عدم المحافظة على شيء مما مضى! فليس التاريخ شيئا مهما فضلا عن أن يكون فنا علميا! أو ليسوا هم القائلين: (إن الذي مضى من الأحياء ودفن لا ينبغي البحث عنه، ولا عما كان عليه من خير أو شر..)؟
    والكتاب بعد هذا يشتمل على قسمين: الأول يتناول جغرافية الهند والثاني جغرافية الباكستان، فالقسم الأول يتحدث الباب الأول فيه عن وصف جغرافي للبلاد الهندية وشرح واف لأسباب التضاد الملموس بين المناظر والهواء الخ ... أما الباب الثاني فيتعرض فيه لأقطار الهند بما فيها بلاد البنغال وبلاد البنجاب وقطر دهلي (بتقديم الهاء على اللام) عرش الملوك الهنود الأقدمين والمركز الدائم للحكومات الهندية المتعاقبة، وهذا بينما يخصص الباب الثالث للنباتات والحيوانات والمعادن.
أما القسم الثاني من الكتاب فيتناول الفصل الأول فيه حدود باكستان وجغرافيتها بقسميها الشرقي والغربي، وأنهارها وأمطارها وهوائها وطرق الري بها وأشهر مدنها...
حقا لقد كان أول مؤلف من نوعه – فيما نعلم – قدم للعروبة هذا البحث الذي يعتبر مجهودا يشكر عليه الأستاذ الهلالي، ولقد أحسنت وزارة التربية الوطنية المغربية صنعا حينما شجعت في هذا الوطن المغربي هواية البحث في بلاد نائية بعيدة، وحبذا لو يتمادى في (منح) سائر الذين تتجه قرائحهم إلى التنقيب والاستطلاع..
وإذا كان لي ما ألاحظه على حضرة المؤلف، فهو أنه لم يحل كتابه المفيد بالصور والرسوم اللازمة، فلقد كان مما يبعث الشوق – سيما ونحن على علم من أثر الصور اليوم – أن يشتمل الكتاب على خرائط للقارة الهندية وبلاد الباكستان، إلى المزيد من المناظر الطبيعية والمباني التاريخية.. وعسى أن يطالعنا الجزء الثاني وقد توفر على عدد من الرسوم التي تقرب الحقيقة إلى ذهن القارئ.
ولا أرضى أن أختم حديثي عن هذا الكتاب دون أن استغفر الله لرجال المطبعة الذين (استروحوا) أكثر من اللازم، فاقلقوا بذلك القارئ للتأليف، ولعله آن الأوان لكي لا نسترسل في التغني بـ ((الخطوة الأولى))! فلقد قطعت مطبعتنا خطوات وخطوات، وما على المشرفين عليها – وهم من خيرة المستذوقين عند ما يريدون! – إلا أن يسهروا على ما يخرج من مطابعهم ويتعهدوه بما يظهره لدى القارئ في أحسن عرض وأجمل ترتيب.. إنهم بذلك يستدرون شكر الجمهور الذي لا يرحم – والحق معه – والقارئ الذي ((يحترف)) في أبرز ما يحترف، النقد والتعليق والتعقيب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here