islamaumaroc

أبو النصر المولى إسماعيل

  دعوة الحق

96 العدد

بايع المغاربة بعد وفاة المولى رشيد ـ صنوه أبا النصر المولى إسماعيل الذي كان خليفته في فاس، إذ نشأ نشأة العزة والكرامة والتربية الصحيحة الحسنة ـ التي كان ملوك المغرب ورؤساؤه يربون عليها أبناءهم ـ في القصور والمعاهد الخاصة. ذلك ما نشأ عليه أبو النصر، فكون منه عبقريا نادرا صلب العقيدة، متوفر النشاط ـ حريصا على مباشرة شؤون الدولة بنفسه بعد استشارة علماء الأمة وذوي الخبرة من كتابها وساستها وأمنائها، وهذا ما يحفزنا في وضوح لتبرئته مما كان يرمي به من سفك الدماء والتدرع بقوة الشدة والبطش، والذي يدرس في عمق البيئة التي كان يعيش فيها، والوسط الصعب الذي كان يسوسه ـ يستطيع أن يتلمس العذر للبطل الإسماعيلي في الخطة التي رسمها لنفسه، والأهداف التي كان يسير عليها في دولته.

إنشاؤه جيش العبيد:
أدرك المولى إسماعيل ما كان من تألب الجنود البربرية على من تقدمه من الملوك ـ فأراد أن يقضي على هذه الظاهرة السيئة ـ فاندفع لتكوين جيش بالمغرب لا علاقة له بالقبائل المغربية بحيث يستطيع الاطمئنان إليه فيما يقرر تحقيقه من مشاريع مختلفة، وساعده على تحقيق الفكرة ـ اطلاعه على سجلات جند العبيد الذين أتى بهم المنصور السعدي من السودان.
وسرعان ما أمر بجمع ما بقي منهم ـ مضيفا إليهم عددا جديدا استقدمه بنفسه من السودان، وأصبح الجيش المغربي وقتئذ يتوفر على 000 150 جندي.
وكان الشيء الأول الذي لفت اهتمامه الكبير هو تربية هؤلاء العبيد ـ فأمر قدس الله روحه أن يلقن الذكور منهم مختلف الصناعات حتى إذا بلغوا سن الخدمة العسكرية ـ أدوا يمين الإخلاص في صحيح البخاري على أنهم لا يعملون إلا لمصلحة البلاد العليا التي يسعى إليها الملك البطل. فعرفوا منذ ذلك الحين بجيش البواخر.
فعندما أحضر كتاب الصحيح (صحيح البخاري) قال لهم: أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه المجموع في هذا الكتاب ـ فما أمر به نفعله وما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل فعاهدوه على ذلك.
وكذلك كان ـ فتنظيمه لجيش البخاري كان سببا قويا في نجاح كل العمليات العسكرية التي نظمها في الداخل والخارج ـ فوثوقه من هذه القوة واطمئنانه إلى إخلاص رجالها جعله يوجه عنايته لإخماد عدة فتن أثارتها بعض القبائل العربية والبربرية في جنوب الأطلس وناحية المغرب الشرقي.
ولرغبته الملحة في إقرار الأمن بالرقعة المغربية ـ أمر ببناء عدة حصون وقلاع في ملتقى الطرق الاستراتيجية وبجوار القبائل المطبوعة على التمرد والعصيان فأسس نحو 76 حصنا حربيا، كما أقام في كل منها حامية من الجنود للإشراف على حركات القبائل المتمردة.

جيش الوداية:
لم يكن اعتماد المولى إسماعيل على جيش العبيد وحده ـ بل اتخذ جيشا مكونا من قبائل المغرب التي كانت مخلصة له ـ وكان يتكون ن ثلاث فرق:
1) فرقة أهل سوس
2) فرقة المغافرة
3) فرقة الوداية

ولأهمية الفرقة الأخيرة وكثرة ثقته بها ـ سمى الجيش بجيش الوداية. وكانت أم العاهل الإسماعيلي رحمة الله عليه من بنات المغارفة من الوداية ـ لهذه الظاهرة الطيبة كان هذا الجيش محترما جدا عند دولتنا العلوية المنيفة لأن فيه أخواله الأباة.
وكان من جيوشه ـ جيش الريف العتيد الذي كان يحبه حبا جما حتى أنه جرد جميع القبائل من السلاح ماعدا أهل الريف فقد تركهم وسلاحهم، وجعلهم جنوده المخلصين، واستطاع في هذه الأثناء أن يطرد الأوربيين من شواطئ المغرب.

إعادة الصحراء وبلاد السودان إلى حكمه:
من مظاهر قوته أنه أعاد الصحراء الكبرى وبلاد السودان إلى حكمه فكانت حكومته ممتدة جنوبا إلى ما وراء نهر النيجر، وامتدت شرقا إلى بسكرة في الجزائر.

إجلاء الأوربيين عن الشواطئ:
من قوة ـ البطل الإسماعيلي قدس الله روحه ـ أنه استطاع أن يطرد الأوربيين من شواطئ المغرب التي كانوا يحتلونها لما ضعف المغرب آخر عصر بني مرين والعصر الثاني من عصري السعديين ـ ففي سنة 1092هـ فتح المعمورة (المهدية) عنوة ـ وفي سنة 1095هـ أرغم الإنجليز على الخروج من طنجة بعد أن خربوها وهدموا أسوارها وأبراجها، ثم فتح العرائش سنة 1101هـ، وفي سنة 1102هـ فتح مدينة أصيلا ثم تقدم بعد هذه الانتصارات الظافرة إلى حصار مدينة سبتة في عشرين ألف مقاتل وحاصرها حصارا عظيما.
نعم يعود الفضل في جل هذه الفتوحات إلى الجيش الريفي الذي كان تحت قيادة القائد الشهير علي ابن عبد الله البطيء الذي مات في حصار سبتة.

وعي المغاربة الأباة:
قد كان المغاربة يلبسون النعال السود حدادا على ما فقدوه من المدن المغربية ـ إلى أن انتصرت راية أبي النصر ورفرفت أعلامها في أجواء العزة والكرامة على الأمة النصرانية وإجلائها على أغلب مدن المغرب هناك استبشروا خيرا وخلعوا النعال السود مستبدلينها بالنعال الصفر. وتدل هذه الظاهرة الطيبة على الشعور النبيل الذي كان يسود المغاربة والإحساس الواعي الذي كان يغمرهم سراء وضراء.

عاصمة أبي النصر العلوي:
علمنا ان المولى رشيد رحمه الله مؤسس الدولة على الحقيقة كان اتخذ قاعدة ملكه وعاصمته ـ مراكش البهجة الحلوة ـ وعندما تولى أخوه وخليفته الملك ـ جعل عاصمته مكناس ـ وقد أشبع الكلام عليها المؤرخ الكبير أبو القاسم الزياني، قال: أما مبانيه بقلعة مكناسة، وقصوره ومساجده ومدارسه، وبساتينه فشيء فوق المعهود بحيث تعجز عنه الدول القديمة والحديثة ـ من الفرس والروم واليونان والعرب والترك، فلا يلحق ضخامة مصانعه ما شيده الأكاسرة بالمدائن، والفراعنة بمصر، ولا ملوك الروم برومة والقسطنطيية، ولا اليونان بأنطاكية والإسكندرية ـ ولا ملوك الإسلام ودول العظام كبني أمية بدمشق، وبني العباس ببغداد، والعبيدين بإفريقية ومصر، والمرابطين والموحدين وبني مرين والسعديين بالمغرب، وما بديع المنصور بقصره من قصوره، ولا بستان المسرة بأحد من بساتينه ـ فقد كان عنده بجنان الحمرية ـ مائة ألف قعدة من شجر الزيتون.
ثم يقول: ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول فما رأيت أثرا أعظم من آثاره ولا بناء أضخم من بنائه، ولا أكثر عددا من قصوره.

البركة العظيمة والهري:
وقد جعل بقصبته العظيمة بالعاصمة المكناسية ـ بركة عظيمة تسير فيها الفلك والزوارق المختلفة ـ للنزهة والانبساط، وجعل بها هريا لاختزان الطعام من قمح وغيره مقبوا، يسع زرع أهل المغرب، وجعل جواره سواقي للماء في غاية العمق مقبوا عليها، وجعل في أعلاها برجا مستدير الشكل لوضع المدافع الموجهة إلى كل جهة وأسس بها أسطبلا عظيما لربط خيله وبغاله مسيرة فرسخ في مثله مسقف الجوانب على أساطين وأقواس عظيمة في كل قوس ربط فرس وبين القرس والفرس عشرون شبرا ـ يقال أنه كان مربوطا بها اثنى عشر ألف فرس، ومع كل فرس سائس وخادم. وفي هذا الإسطبل ساقية ماء دائرة مقبوة الظهر أمام كل فرس منها ثقب لشربه، وفي وسط الإسطبل قباب معدة لوضع سروج الخيل على أشكال مختلفة.

أبو النصر وملك فرنسا ـ لويس الرابع عشر:
كان هذا العاهل العظيم معاصرا للويس الرابع عشر الذي يعد من أعظم ملوك فرنسا، وكان له به شبه في قوته وعظمة ملكه الشيء الذي كون بين الملكين القويين صداقة كبيرة، وكان كل واحد منهما يريد أن تكون بين بلاده وبلاد الآخر صداقة تربط الأمتين العظيمتين برباط التعاون على قدم المساواة ففي سنة 1092هـ الموافق 1681م أرسل المولى إسماعيل إلى فرنسا وفدا للمخابرة مع لويس الرابع عشر في مسائل تهم الدولتين. هنا يقول البعض من المؤرخين: (إن السلطان أوصى رئيس الوفد أن يفاتح ملك فرنسا في أمر اقترانه بإحدى أميرات العائلة الملوكية الفرنسوية وهي الأميرة «دي كونتي» تأييدا لروابط المحبة إلا أن هذا الوفد لم يصادف نجاحا.
وقد تعرض للقضية المؤرخ المرحوم ابن زيدان العلوي في تاريخه ـ الإتحاف ـ فلا أطيل بجلبها.

طلب الأسرى وكتب المساجد:
من أعمال البطل المولى إسماعيل نور الله ضريحه ـ أنه بعث بعد التثنية ـ سفيره الفساني إلى أوربا ليطلب الأسرى وكتب المساجد ـ أما الأسرى فساعدوا على إرجاعها، وأما الكتب فكان القيم عليها راهبا يدعى (ميخائيل القصري) من الشام فامتنع من تسليمها باتفاق مع الملك «كارلوين الرابع» ومن بين تلك الكتب «مصحف كريم بخط المنصور السعدي» رجل دولة الإشراف السعديين. كتبه بمحلول العنبر ـ وماء الورد ـ كما صرح بذلك في آخر المصحف. وكان «ليبي بروفنسال» طبع الورقة الأخيرة والأولى وبالأخيرة ما ذكر.

وفاة هذا البطل الافريقي العظيم:
عاش المولى اسماعيل حقبة طويلة لم يعش مثلها من ملوك الأرض عدا ـ الناصر الفاطمي ـ فلقد مات سنة 1139هـ وتولى الملك سنة 1082هـ فظل ملكا 57 سنة كانت من أحسن أيام المغاربة وله رحمة الله عليه من الآثار الخالدة ما يعجز القلم عن استيفائه في هذه العجالة المتقاربة الفقر.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here