islamaumaroc

الجزائر مسبر التقدمية الفرنسية

  المهدي البرجالي

13 العدد

لقد وقر في أذهان الكثيرين أن الأساسات الأولى التي تنبثق عنها معطيات الفكر الديمقراطي والتقدمي الحديث، تؤول في بعض أصولها الأولى إلى مآت فكرية فرنسية خالصة .
وقد أضحت هذه الحقيقة بما توافر لها من عوامل التمركز والرسوخ، أصلا أساسيا تقوم عليه كثير من المسلمات التاريخية والأدبية، وليس هذا في الواقع مما يمكن أن يستثير كثيرا من الاستغراب، فقد ارتبطت ذكريات الثورة الفرنسية في أذهان الناس ـ ولا يعنينا أكان ذلك خطأ أو صوابا ـ بتطور المفاهيم الديمقراطية وتجوهر الأفكار التقدمية التي تضبط كثيرا من الأوضاع في المجتمعات الغربية الحديثة، واستطاع الكتاب الفرنسيون ورواد الفكر الفرنسي أن يعززوا جانب هذه الارتباطات بما أوتوه دلائل التحرر العقلي الذي كان تأثيره بعيد الغور في نشوء كثير من الأوضاع الاجتماعية والأدبية الراهنة.
   
ورغم الحملة النابليونية على وادي النيل والامتدادات التوسعية التي حققتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة على حساب آسيا وإفريقيا، فإن الكثير من مشاهد القسوة والعنف التي رافقت هذه التحركات الامتدادية البعيدة المدى لم تستطع أن تمحو من الأذهان تلك الارتباطات العقلية التي تصل ماضي فرنسا بثورة 1789.
وقد كان للانتفاضات التحررية الفكرية وتمركز التكتلات ذات الصبغة التقدمية على ضفاف السين تأثير بليغ في ضمان استمرار هذه الثقة الغالية التي يوليها الرأي العام المثقف في أرجاء العالم للاتجاهات الفرنسية التقدمية بما لها من أشكال نزوعية تحريرية وألوان مذهبية متنوعة.
على أن كل هذا لم يكن له ليستمر طويلا فقد كان من الطبيعي أن تواجه الفكرة التحررية في بلاد ((روسو)) حقيقة الواقع التوسعي الفرنسي وتصطدم بالمعضلات الدقيقة التي يتمخض عنها وجوده، وهذا ما تم في واقع الحال ولفترات متفاوتة في المدى والأهمية.
وغداة أن نجح إتحاد اليسار سنة 1936 في تأليف حكومة الجبهة الشعبية في باريس، كان ذلك من أقسى التجارب التي أمكن الملاحظون أن يبلوا بها الحقيقة المبدئية والاتجاهية التي تقوم عليها الحركات التقدمية الفرنسية في جانب من أهم جوانبها، وكانت حوادث القمع بالمغرب ومشاهد الكبت في تونس مما وعاه جيدا تاريخ الحركات الاستقلالية في القطرين، وتم كل ذلك في النصف الأول من القرن العشرين.
ثم تلاحقت مواكب الزمن واستطل العالم على الشطر الثاني من القرن، فلم يكن للظروف السياسية والفكرية التي تتميز بها هذه الحقبة الجديدة من الدهر إلا أن تهيئ للتقدمية الفرنسية مفاجأة أقسى وابتلاء أخطر: كان ذلك اليوم اندلعت جذوة الانتفاضة الوطنية في الجزائر ((فاتح نونبر 1954)).
والثورة على الأنظمة التسلطية ليست ـ في موطن الأمير عبد القادر ـ حدثا جديدا يتميز به تاريخ المغرب الأوسط الحديث، إن سنة 1830 لم تكن إلا نقطة انطلاق لسلسلة الملاحم المثيرة بين أبطال القومية الجزائرية: عبد القادر، أبي عمامة، المقراني، ابن حمزة، وبين الجهاز العسكري والمدني للنظام التسلطي في الجزائر، ولكن هذا الدور الجديد من الصراع يتميز بظاهرتين بارزتين:
1) حسن تنظيم الثورة وتكامل استعدادها ودقة تكتيكها ووضوح أهدافها ومراميها.
2) اصطدام الاشتراكية الفرنسية بأخطر مظاهر المشكل السياسي المتولد عن حركات الامتداد الغربي إلى ما وراء البحار، تلك الحركات التي بلغت الأوج في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.
ولعل هذه المظاهر الأخيرة أكثر اجتذابا للانتباه وإلفاتا للنظر لا من حيث الجدة النوعية، بل بالنظر إلى الملابسات الدقيقة التي تكتنفها فتمنحها بذلك شكلا آخر أكثر مغايرة ومباينة لكل ما سلف وأشد خطورة، فالمشكل الجزائري في صورته الراهنة يعتبر من أكثر القضايا التوسعية حدة وأوثقها ارتباطا بمصير الصراع المستحر بين الحقائق الامتدادية السابقة، وواقع التيار التحرري الحاضر، وليس هذا ناتجا عن تعقد هذه المشكلة بالذات أي باعتبار الجوانب التي تتشكل منها كقضية شعب يقدس الحرية ويهفو إليها، بل بالنظر إلى ارتباطها في العقلية التوسعية الفرنسية بمستقل ((الحضور)) الغربي في شمال وأواسط القارة السمراء.
على أن الظروف الدولية التي تحوط قضية التحرر الإنساني بوجه عام والملابسات النفسية والاجتماعية والتاريخية التي تكتنف حركة انبعاث شعوب آسيا وإفريقيا بوجه خاص من شأنها ـ فيما يبدو للمراقب المتجرد ـ أن تخفف من شدة الواقع الذي يثقل كاهل غلاة السيطرة في الضفة الأخرى من المتوسط كلما استحسوا قرب انضمام المقاطعات الثلاث إلى ركب التاريخ، ولكن الاتجاهات الرجعية المضادة كانت في واقع الأمر أكثر فاعلية وأشد تأثيرا على قسم كبير من الرأي العام الفرنسي، فكان من هذا أن أصبحت المعركة ـ كما كان المفروض لها ـ غير ذلك الذي ينحصر فيما ندعوه بالصراع بين الجزائريين والوضع التحكمي.
كان رواد الحرية وأشياعها يقدرون أن تضحى معركة الجزائر مناولة فكرية مستعرة بين الرجعية الفرنسية متجسدة في هيآت أرباب المصالح الكبرى في ما وراء البحار، بين التقدمية متشخصة في المنظمات السياسية ذات الاتجاهات المضادة لليمينية المغالية، وهذا ما حدا بالكثيرين إلى الشعور بالزهو والاغتباط غداة أن أسلم نواب الشعب الفرنسي مقاليد الحكم إلى الاشتراكيين بما فيهم الأمين العام. 30 يناير 56.
وكانت الصدمة، وكانت مهولة ومثيرة، وكان ذلك يوم عنا المسؤولون الاشتراكيون في باريس لإدارة صانعي مشاغبات 7 فبراير 1956 في عاصمة الجزائر، أولئك الذين لا تزال اتجاهاتهم لحد الساعة تملي على السياسية الفرنسية تمثيل هذه المشاهد المروعة في مقاطعات الجزائر الثلاث أو الخمسة كما أرادوا لها أن تصبح اليوم.
والواقع أن التفكير الاشتراكي قد أمكنه أن يضاعف من فاعلية العمليات الهادفة إلى تصفية الوجود الجزائري ويزيدها حدة وتعقدا، بل أنه استطاع أن يرتفع بهذه العمليات إلى مستويات كانت أساسا لحملات السويس والغارات الجوية على التخوم المغربية والتونسية وحركات التقارب مع ((الكريست)) الإسرائيلي وغير ذلك من التظاهرات الدولية الصاخبة التي كان الفرنسيون يلوحون بها بين الآونة والأخرى بكل ((نجاح)) فهل هو ارتكاس للتقدمية الفرنسية في عهد التحرر الفكري والانطلاق العقلي الأكبر.؟ أهو إفلاس للاشتراكية الفرنسية في عصر من أبرز مميزاته تجوهر الإدارات الجماهيرية وتبلورها في صور قوية لم يعد معها أمام الأنظمة الإمبراطورية إلا أن تميل نحو الأفول؟ أم هو انتكاس للوعي الشعبي في بلاد لم تقم لها ثورة كبرى إلا لتقرير المعطيات الثلاثة التي ترتكز عليها حقوق الشعوب؟ إننا لا يمكن أن نوغل في إثارة الظنون بعيدا ولكن حقائق الحرب الجزائرية تكاد ترج نوع هذا الاعتبار الذي نوليه للفكرة التحررية الفرنسية أعرق النزعات التقدمية الأوربية وأكثرها انطلاقا وتجردا فكيف يمكن تعليل هذه الظاهرة؟ وبماذا يصوغ شرحها؟
لا مجال للشك بأن هذا النوع من التكتيك السياسي الذي مارسه الحاكمون الفرنسيون ذوو اللون المذهبي الاشتراكي ـ في مدى الفترة التي سيطروا فيها على تقاليد الحكم في باريس ـ (1) لا يجوز أن يؤول إلا على اعتبار أنه إرتكاس رهيب للأفكار التقدمية الفرنسية، ولكن لا أخال أنه إرتكاس من ذلك الصنف الذي يرادف الانهيار وخاصة إذا تناولنا الاشتراكية الفرنسية ـ في اتجاهها الحالي ـ على اعتبار أنها فقط وحدة متميزة من وحدات كثيرة ومتنوعة تتألف منها القوة الديمقراطية الشعبية الفرنسية وتنسجم مع طبيعة التفكير الفرنسي المتحرر.
فيوجد في واقع الأمر ـ إلى جانب هذه الصفحات ((الاشتراكية )) غير المشرقة بالنسبة إلى مأساة صفحات ((فرنسية)) أخرى أكثر تلألؤا وأشد إلتماعا، إنها هي تلك التي تسجل مواقف كثير من أعلام الفكر الفرنسي ورواده البارزين الذين أمكنهم ـ بما يتوفرون عليه من طاعات شعورية ممتازة وقدرة إحساس رفيع ـ أن يتبنوا ـ بالنظر للصراع الجزائري ـ مواقف مميزة وواضحة محدودة ومشبعة بروح النزاهة والتجرد، الأمر الذي لا يمكن من الجزم بأنه من الميسور الحكم على طبيعة الاتجاه التاريخي الذي تتقفاه حركة البعث التحريرية في فرنسا باعتبار الأسس الفكرية الأولى التي تقوم عليها وهذا سر ما نراه من مظاهر الإعتساف الذي ينصب على هؤلاء البارزين في ميادين الفكر والثقافة والسياسة سواء في باريس أو غيرها، فلم تمنح بعد من أذهاننا قصة الأستاذ منذور الذي كان موضوع تدابير عدلية صارمة، نتيجة لموقفه السوي من الحرب الجزائرية. وعلى ذكر مندور فإنه لا يندعنا أن نستعرض أسماء لامعة أخرى كانت ملحمة الجزائر سبيلا جديدا لبروزها وتعطير ذكرها، ومن بينها: سارتر، مورياك، دو فيرجي، كابتان، ب هـ سيمون وغيرهم ممن صنعوا وجه الفكر الفرنسي وأضفوا عليه كثيرا من الوراء والإشراق.
إن الأهمية البالغة التي تمكن وراء مواقف هؤلاء الأعلام لا تستند إلى ثقل وزنهم على الٍرأي العام الفرنسي وإمكانية تأثيرهم على المسؤولين في باريس حتى يعدلوا من نوع السلوك الذي ينتهجونه في تصفية القضية الجزائرية، وإنما الذي يرتبط بهذه المواقف ويكسبها أهميتها الحالية هو المدلول الذي توحي به وتعبر عنه بكل نصوع ووضوح، فهي على الأقل تؤمن بأن الفكر الفرنسي وخاصة الجانب المتحرر منه لم تصل مطلقا إلى الحد الذي يمكن معه اعتباره انهزاما أو أفولا كما قد يبدو ذلك عند الملاحظة العابرة.
ويتصل بهذا ما يمكن أن يلمحه المراقب من تلقائية المعارضة الفكرية الفرنسية وأصالتها إلى الحد الذي غدت معه أحيانا تتخذ شكلا جماعيا وتكتليا، وقصة عريضة المحامين الفرنسيين الخمسين هي من بعض شواهد ذلك إذ أنها برهنت مجددا على أن رد الفعل التقدمي لم يعد مقصورا على بعض الأدمغة الناضجة الواعية بل أنه عدا ذلك إلى أن أضحى على درجة أصبح يأخذ معها بالتدريج شكل جبهة متساندة متراصة قد يكون لها شأنها في تحديد موقف الشعب الفرنسي من قضية السيطرة ومذنباتها بوجه عام ومأساة الجزائر بوجه خاص.
على أن مشاهد القوة البالغة التي تمثل أدوارها رجال ((ماسو)) على ضفة المتوسط الجنوبية لم يكن لها إلا أن تساعد على تحديد مواقف أخرى أكثر بروزا وأشد وضوحا، وهذا ما تعبر عنه هذه الفقرات من هذا النداء المؤثر الذي سلف أن وجهه الاتحاد البروتستانتي إلى الضمائر الفرنسية الواعية محددا هكذا موقفه من مآسي التعذيب المتجسد في العمليات بالجزائر:
((إن الشواهد التي لدينا عديدة وفائقة القيمة وإن التنكيل الذي يمارسونه لعلى درجة بالغة من الخطورة وأننا لواثقون أن الدفاع عن شرف الجيش ومعنوياته..
يعني ردع الذين يجترحون هذه الكبائر لأولئك الذين يشجبونها)).
وأبلغ من ذلك دلالة بيان مجمع كرادلة والأساقفة الفرنسيين حيث جاء أنه ((في الأزمة الآتية يتعين على الجميع أن يدركوا أنه ليس يتلاءم والمعقول أن يتم اللجوء لخدمة قضية ما أيا كانت صبغتها العادلة إلى وسائل مماثلة تعتبر غاية في الشناعة...))
إن الحقيقة الأكثر بروزا في مجال الفكر الفرنسي وانفعالاته حيال قضية السيطرة المتجسدة في الصراع الجزائري هي أنه لم يثبت بشاهد الحوادث ما من شأنه أن يجعل قوة الوعي التحرري مرتبطة ارتباطا حتميا بهيئات أو تكتلات معينة. إن حقائق العراك في الجزائر لم يكن لها إلا أن تبرز أصالة الاتجاه التقدمي أو زيفه بالنسبة إلى هذه الجهات أو تلك بصورة تتنافر إلى حد بعيد ومعطيات الوضع السياسي الفكري ـ كما كان يبدو من قبل ـ سطحيا للمراقب الأجنبي.
وتتأكد هذه الظاهرة في جلاء إذا تأملنا جيدا البيانات التي أسلفنا بإحدى الأساليب الاشتراكية في حل المعضل الجزائري تلك التي عبر عنها ماكس لوجون حينما قال: إن هذه الحرب لا يمكن أن تتطاول أكثر من بضعة أسابيع إذا نحن واجهناها مواجهة ((جدية ...))!! ـ وتتأكد أيضا إذا قايسنا بين الاتجاهات ((الجزائرية)) لوحدتين كبيرتين من وحدات القوى السياسية الفرنسية وذلك عندما نوازن بين الفقرات المتصلة بالجزائر في الملتمسات التي صادق عليها الرادكاليون في ((واكرام)) وبين الجو ((التحرري))الذي ساد جلسات المؤتمر التاسع والأربعين للحزب الاشتراكي الذي تم التآمه بتولوز في مدى الفترة المتراوحة بين 27 و30 يونيه 1957 ـ وتتأكد أخيرا بمقارنة الأصداء الموائمة التي وجدتها ((المنديسية)) وأشياعها بالنسبة إلى الجزائر في المؤتمر الأول بالظروف العسيرة التي حاطت في المؤتمر الثاني بمواقف المتحررين ك ((فيرديي)) حيث أمكن لمشروع ((كومان)) القمعي أن يحظى ب 2547 صوتا تمثل في مجموعها 65.1? من مجموع المقترعين، وحيث منح وفد ((بادوكالسي))
 Pas de calais  مثلا 397 صوتا (اجتماع تقريبي) لفائدة ملتمس الأغلبية المظاهر لسياسة (التهدئة) عن طريق الإبادة الجماعية المنظمة! .
على أن نهج الولاية العامة للجزائر في تسيير عمليات ((إقرار النظام)) ذلك النهج المنبثق عن تفكير ((اشتراكي)) لم يكن من شأنه إلا أن يحدث ـ على الصعيد الشعبي الصرف ـ كثيرا من الرجات السياسية والاتجاهية داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي نفسه من جهة، وعلاقاته بالاشتراكية الدولية من جهة أخرى. (2)وإن أخطر مظاهر ذلك هو ما أمكن ملاحظته من نفكك عري العقائدية الاشتراكية ـ كما تبدو في صورتها الآتية ـ وتحليلها تحليلا بطيئا وتدريجيا خاصة في الأوساط العمالية حيث بدأ يرتسم في الأفق منذ عدة أشهر جو تعاون عمالي اشتراكي ـ ماريكسي ليس من شأنه إلا أن يفضى في الأخير إلى ((تشييع)) كثير من الكتل الاشتراكية على حساب نفس الحزب الذي يقوده ((مولي)) ومن آيات ذلك مقررات فاتح مايو في ((كالون ريكار)) calonne ricouart و ((الساحل الشمالي)) ـ و ((جيرا))    juraو((فوسيج)) voges
وغير هذه الجهات حيث أمكن بالنسبة للقضية الجزائرية اتخاذ مواقف شيو ـ اشتراكية متناسقة أبرز ما فيها أنها تتناءى والمناهج الاشتراكية الرسمية التي تتقفاها إدارة الحزب الحالية.
وقد فطن ((الحمر)) الفرنسيون لملائمة هذه الأجواء السيكلوجية  والسياسية لخططهم المحكمة الهادفة إلى مصادرة الكتل الاشتراكية لفائدة الدعوة الماركسية عن طريق الاستدراج الماهر والاجتذاب غير المباشر: (3)وقد انصب اهتمامهم بالفعل على استغلال ((حالة)) الجزائر في إصابة مكامن العقائد الاشتراكية في قلوب الجماهير العمالية ورياضة هذه الجماهير على اختبار بديل عقائدي آخر كالماريكسية ـ الليلينية مثلا !!
وعلى الرغم من أن مروقا اشتراكيا جماعيا وجمهوريا لم يتم لحد الآن لحساب الدعاة الحمر ـ وذلك نتيجة ليقظة الإدارة العامة للحزب الاشتراكي الفرنسي ـ فإن استمرار الأوضاع بالجزائر قد يساعد على اصطناع البيئة الفكرية الملائمة لوقوع هذا التحول خاصة وأن هذه الأوضاع تمس بصورة أساسية بالمستوى الحيوي للطبقات العمالية حيث يستفيد المجهود الحربي الضخم أهم أقساط موارد الاقتصاد الوطني على حساب الطاقة الشرائية للجماهير الكادحة والكتل الشعبية المحدودة الدخل.
على أن هذه الصدور الملحوظة داخل جهاز الاشتراكية الفرنسية الحالي ـ نتيجة الصراع في الجزائر ـ لم تعد محدودة في النطاق الشعبي والعمالي الصرف، إنها قد عدت ذلك لتبدو من مضمار آخر أكثر دلالة فقد بدأت تبرز مظاهرها بشكل مثير داخل النخبة المسيرة ذاتها مما قد يمكن أن يمس في المستقبل وحدة الهيئة السياسية الاشتراكية وتماسكها العقدي والاتجاهي. وأن قصة «أندري فيليب» وكتابه عن ((الاشتراكية التي تنكروا لها)) (4)ـ مما قد نعود لدراسته في مبحث مقبل – هي من إحدى الإرهاصات المنذرة بانتكاث الحبل بين عناصر الزعامة الاشتراكية الحالية، خاصة وأن المشكل الجزائري يوجد في أساسات العلة الموجبة لهذا الانتكاث.
وملاك القول فإن الحالة السيكولوجية المعقدة ـ تلك التي خلقها لكثير من النزعات التقدمية الفرنسية الوضع المنبثق عن حرب الجزائر ـ قد بدأت تتكشف عن بوادر عراك إديولوجي واتجاهي داخل التكتلات السياسية التي تتجسد فيها مبدئيا الحقيقة الواقعية لوجود هذه النزعات. وإن ارتجاجات سياسية ذات أصول عقائدية قد تنبثق عن هذا العراك الفكري لتعين من جانب على تجلية الحقيقة المبدئية للتقدمية الفرنسية، وتسهم من جانب آخر في تعزيز فعالية القوى التحريرية الإنسانية الزاحفة نحو ((الهدف)) المشترك.
إن الأهمية السياسية التي تمثلها ـ في خضم المعترك الفكري الفرنسي ـ هذه التكتلات المختلفة هي في الواقع ذات اعتبار كبير، الأمر الذي من شأنه أن يمكنها من تحقيق وجودها بالقوة بالفعل واعتماد هذا الوجود في العمل على ابتداع حلول عقلانية ديالكتيكية لمجموع جوانب المشكل الفرنسي الدولي بما فيه الجزائر
إنه لا ينقص هذه الكتل ـ من حيث هي قوة سياسية وفكرية موجهة إلا أن تتقمص روحا نضالية حقيقة تتناسب وخطورة الدور الذي ينتظرها، ثم تعمل على استغلال رصيد الجماهير الفرنسية من المشاعر الخيرة وذلك في سبيل تكوين إدارة شعبية كاسحة تقتدر على تعديل الوجهة الحالية للسياسية الفرنسية حيال الجزائر
ولكن لا يمكن أن يتم بصورة أساسية إلا إذا وجدت هذه الوحدات المتوزعة التي تلتقي عند نقطة الاتجاه التقدمي طريقها إلى تحقيق نوع من التماسك والتكافل فيما بينها. إن ذلك من أمره أن يكفل لها أكبر قسط من فرص النجاح في العراك الذي يفترض لها أن تخوضه لأجل الجزائر إبقاء على نبالة الفكرة التحررية الفرنسية وحفاظا على مثاليتها، فليس مما يعين على ترجيح إمكانية الفوز في هذا العراك ـ بالنسبة إلى التقدميين الفرنسيين ـ أن يوجد بينهم كل هذا التباين في طرائف التفكير ومناهج العمل وأساليب التخطيط بل وطبيعة الأهداف والمرامي. وليس مما يمكن أن يحقق دور الفكر الفرنسي في تحرير الجزائر أن يوجد من بين أعلامه من يؤازر ـ في القضية الجزائرية ـ حلا ذا أساس استقلالي كامل حينما يوجد في ذات الوقت من يرتضي لتصفية المشكل حلولا جانبية ذات أشكال متنافرة تتدرج في أصولها من عناصر إطارية ((قانون الإطار)) إلى مصادر ازدواجية ولتتدنى أخيرا فتستمد أساساتها من مبادئ تقسيمية أو امتزاجية..
إن قضية الحرية لا يمكن أن تكون أبعاضا وإن الأسس التي يجب أن ينهض عليها العمل التحريري لا يسوغ بالتالي أن تكون متضاربة أو متضادة، إن الجوهري في الواقع هو النفوذ ـ عن طريق الإقناع ـ إلى أعماق الفكر الشعبي الفرنسي وذلك مما لا يمكن أن يتم إلا بسبيل العمل السياسي والفكري الذي توجهه إرادات متساندة وتضبطه مناهج ذات أسس منظمة وفعالة. وهذا ما يبدو أنه قد تجوهر في ضمير كثير من العناصر الواعية من بين التقدميين الفرنسيين إذ بدأت منذ عدة أشهر ترتسم في الأفق ملامح تشكيل سياسي تحرري جديد أساسه العمل المتكاثف على مواجهة محاذير هذه الأشكال الخفية من الأوليغاركية المقنعة تلك التي أخذت تتأثر بالمقدرات السياسية للشعب الفرنسي وتتبنى توجيهه توجيها يتناءى في الغالب ـ والجزائر كمثال ـ مع واقعه المصلحي وسلامته المصيرية.
وكانت مناقشة السلطات الاستثنائية منفذا لبروز بعض الصور عن هذا التساند التقدمي، على أنه أخذ بعد ذلك يبدو في أشكال أكثر أهمية وكان من بينها ((تجمع)) يوم 18 أكتوبر الماضي في ((ديجون)) حيث أمكن لكثير من العناصر الاشتراكية والرادكالية والمسيحية وحتى الحمراء أن تعبر عن وجهة نظر تحررية وموحدة حول موضوع ((التهدئة)) بالجزائر وقد نجمت ـ بعد كل ذلك ـ على الصعيد الشعبي بوادر اتجاهات تكتلية مماثلة قد يمكن أن يكون لها ـ استقبالا ـ وزن كبير في تعديل مجرى الاتجاه السياسي الفرنسي وعلاقته بالقضية الجزائرية، إلا أنه من الضروري أن تتطور فيبدأ ـ بعد أن تستتم شخصيتها ـ في اعتماد الوسائل السياسية الرسمية سواء على الصعيد الحزبي أو البرلماني.
إن مدلول مجموع هذه ((الظواهر السياسية والفكرية)) هو ما تعبر عنه من أن الفكر الفرنسي التقدمي لم يصل في موقفه من قضية السلطة المجردة ـ تلك التي تتشخص في الوضع بالجزائر ـ إلى ما يمكن أن يعتبر بالنسبة إليه اندحارا أو أفولا، وأنه إذا كان ثمة من بوادر كسوف أو إرهاصات انحلال فإنها بالقياس لهؤلاء الذين تهالكوا على التنكر لمعقولية التفكير السياسي وسويته والتجهم للمنزلة التي أحلها الفكر الفرنسي ما سجله عبر القرون من مآت تحررية وانطلاقية ن إنهم أولئك الذين درجوا منذ حادثة         
    7 فبراير 1956 على التقيد بأساليب عمل تتناقض في صميمة كيانها والمعطيات العامة التي تشكل المفهوم المبدئي والاتجاهي للتقدمية الفكرية أو السياسية. إنهم أخيرا أولئك الذين ارتضوا أن يقسروا قيمتهم الإيديولوجية على أن تكون وسيلة رخيصة لخدمة اهتمامات تكتلات معينة ومحدودة من المجتمع الفرنسي ولو كان ذلك مما يسحب ظلالا داكنة على مجموع الجوانب التي يعتز بها الفكر الفرنسي ويستمد منها طاقته الإشعاعية ـ الهادية.
إنه من نافلة القول إبراز الحتمية العقلانية والتجريبية تلك التي تحدد نوعية المصير الذي سيؤول إليه الصراع المستعر في الجزائر، إنها حتمية يفرضها واقع الشعب العربي في الجزائر من جهة وحقائق الحياة الفكرية من جهة أخرى. إنما الذي يعني بصورة جزئية هو إبراز ما سوف يكون لهذا المصير المرتقب من تأثير جذري على هذه المفاهيم التحررية الغربية، تلك التي حدت بكثير من ((الثقدميين)) في وزارات مولى ومونوري وكيار إلى مصاولة الإدارة الشعبية الجزائرية على حساب قضية الحرية الإنسانية.
إنه ليس من المعقول أن ينقضي وقت طويل دون أن تستطيع الجماهير الجزائرية والفرنسية ـ كل بوسائله الملائمة ـ فرض الحلول الحتمية لتصفية الوضع المتبتق عن حملة 1830. ويومها فقط يذكر أنصار ((التهدئة)) أن أشعاع بلادهم لا يمكن أن يمتد عبر البحار تحت مفعول الأساليب التحكمية الصرفة بل بتأثير هذه الجوانب المشرقة من الفكر الفرنسي التي يشخصها ((سارتر)) و((مندوز)) وغيرهما من أعلام التقدمية الفرنسية الحقة.
إن نهاية الحرب الجزائرية ستجلو هذه الحقيقة لأذهان بصورة إبراز، ويكون ذلك ولا ريب من أخطر النتائج التي ستنكشف عنها هذه الملحمة المؤلمة سواء بالنسبة للعلاقات الفرنسية الجزائرية المقبلة أو باعتبار مستقبل الأوضاع التوسعية في إفريقيا وغيرها. وتلك إحدى عبر التاريخ الكبرى.

(1)  استطال وجود حكومة مولي الاشتراكية ((في أساسها)) إلى ما يقل قليلا عن ستة عشر شهورا إذ أنها اقتعدت كرسي الحكم في 30 يناير 1956 وبارحته في 21 مايو 1957.
(2) كان مؤتمر الأحزاب الاشتراكية الدولي سبيلا ليتبين طبيعة التطورات التي طرأت على هذه العلاقات والتي كان أساسها الجزائر.
(3) من شواهد ذلك هذا النداء الذي كانت اللجنة المركزية والكتل البرلمانية الشيوعية قد وجهته في 6 يونيوه من السنة المترجمة إلى العمال الاشتراكيين الفرنسيين.
(4) Socialisme trahi   من منشورات plon   للكتاب الاشتراكي أندري فيليب الذي تم إقصاؤه لتحرره الفكري عن لجنة الحزب الاشتراكي الإدارية بعد أن كان موضع تهديد بعقوبات زجرية.
 
 
 
 
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here