islamaumaroc

الندوة الدولية للإسلاميات

  محجوب بن ميلاد

13 العدد

ساعة الدين، ساعة الفكر:
قد يبدو لبعضهم أن الساعة ليست ساعة الحديث عن شؤون الدين أو عن شؤون الفكر أو عما يعقد من المؤتمرات في أنحاء المعمورة. فالناس جميعهم، بمشارق الأرض وبمغاربها في شغل شاغل عن كل ذلك بما يقاسونه من الفواجع الدامية والمآسي الكافرة والكلوم القاتلة.
طغت على عقولهم أهداف السياسة على اختلاف مذاهبها وتنوع مشاربها فلا هم في نفوسهم يبصرون ولا هم عن مصائرهم يتساءلون.
هي القوى تصرع القوى. والكتل تجابه الكتل، والأحلاف تقاوم الأحلاف، والأطماع تكشر عن أنيابها وتنصب أفخاخها وتطوق المعمورة بأسرها بسلاسلها فلا تعرف للمبادئ حرمة ولا للحق سلطانا...
وليس من شك في أن التاريخ لم يشاهد قط في سالف أحقابه سباقا هائلا كهذا السباق الذي نشاهده اليوم في سبيل القوة، وفي سبيل الهيمنة سيما إذا اعتبرنا أن العدة العسكرية والأجهزة الحربية وأدوات الهدم ووسائل السحق بالبر والبحر والجو معا، بلغت من الإتقان والعزة بفضل تقدم العلم وتقدم الصناعة ما لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر..
ففي نطاق هذا السباق الهائل في سبيل القوة وفي سبيل الهيمنة نشاهد ما نشاهد من التناحر، والتشاجر والتنافس في ميادين الإثم والعدوان...
ولا حرج تضيق به الصدور ولا وخز تستيقظ به الضمائر. أين الضمائر؟ أمام بحران أضحت تتخبط فيه إنسانية معذبة تشكو الجوع وتشكو العري وتشكو الجهل وتشكو فوق كل هذا ظلمة الأهواء... فلا أمن ولا طمأنينة ولا رحمة ولا إشفاق، وإنما هو الذعر في القلوب والغصة في الصدور والحرقة في النفوس والبلبلة في العقول وسياط القسوة في لحوم العباد... تنطق بألف لسان ولسان فتعرب عن بوار المبادئ وعن بوار البضاعة الإنسانية في أسواق «الضمائر المتهافتة»...
وفي نطاق ذلك السباق الهائل في سبيل القوة وفي سبيل الهيمنة تثير «سياسة الأطماع» جلبة وضوضاء تملأ بها الفضاء حتى يلتبس الحق بالباطل، أو حتى لا يسمع أنين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين... ولئن هي أخرست أبواق جلبتها وضوضائها إلى حين فأصخت لأنين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين وأتاحت لها الفرصة أن تسمع فإنما هي ترمي من وراء ذلك إلى أن تستغل أبشع استغلال وأكفره ذلك الأنين وتلك الصيحات وذلك الاحتجاج وتلك الحشرجة، فتفوز بتنفيذ ما سطرته الأنانية من البرامج المظلمة...
ليس من شك في أنه يبدو لأول وهلة أن أوكد الواجبات في مثل هذا الجو وفي مثل هذه الظروف إنما ينحصر في الإسراع بمواساة الجريح وإطعام الجائع ونصرة الضعيف وتعزيز جانب الممتهن...
وليس من شك في أنه يبدو لأول وهلة أن الحديث عن شؤون الدين وعن شؤون الفكر في مثل هذا الجو وفي مثل هذه الظروف إنما يدل على ضرب خفي من السخرية أو ينم عن أخص خصائص العقلية البيزنطية في اهتماماتها بسفاسف الأمور فرارا من الواقع ومن قسوة أشواكه أو تنصلا من الاضطلاع بأعباء «المسؤولية الإنسانية»...
إلا أنه يكفيك أن تفكر قليلا فيما نلمسه من رسوم التطاحن بين مختلف المذاهب والتعاليم وفيما نشاهد من أمارات الفوضى في الأوضاع سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عقلية أو خلقية بجميع أنحاء الكرة الأرضية، لتدرك أن الأقوياء المتجبرين ليسوا بأسعد حالا من الضعفاء الممتهنين، أعني أنهم جميعا يشكون أدواء إن كانت تختلف في ظاهرها فهي واحدة في باطنها... لكونها كلها متفرعة عن أصل واحد، أو لكونها كلها رموزا لحقيقة واحدة لك أن تسميها «تهافت الضمير الإنساني» أو «كسوف الحق» في العصر الحاضر... على وجه كرة أرضية موحدة !
يكفيك أن تفكر قليلا في كل هذا لتدرك أن مصير البشرية جمعاء أصبح واحدا وحدة لم يشاهد التاريخ مثلها قط في أي حقبة من أحقابه الغابرة... ناهيك أن البشرية جمعاء أصبحت بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن تهتدي إلى «نظرة» جديدة أو مجددة للحياة كفيلة بأن تضمن لهيكلها كله السلامة والبقاء في نطاق حرمة شاملة لا تمييز فيها ولا تفرقة بين عنصر وعنصر ولا بين جنس وجنس... وإما أن تبيد جميعها فلا يبقى منها أي عنصر ولا أي جنس...
يكفيك أن تفكر قليلا في كل هذا لتدرك أن الساعة هي ساعة الدين وساعة التفكير، وساعة التفكير في شؤون الدين وفي شؤون الفكر، وفيما يمكن أن يكون للدين وللفكر من المفعول في سبيل إنقاذ البشرية مما تشكوه من الأدواء ورسوم الفوضى والتهافت، ومما يهددها من جسيم الأخطار الكامنة في القنابل الذرية والأسلحة العصرية...
وإني لأذهب إلى أبعد من هذا فأقول قولا جزما بأن المحنة التي هي محنة الفكر في الساعة الحاضرة، لهي على الإطلاق أعظم المحن التي عرفناها منذ أن كان الدين ومنذ أن كان الفكر على وجه الأرض... ذلك أن «الحق» لم يعرف في أي عصر من العصور الدائرة كسوفا أكمل ولا أخطر ولا أشد وبالا على البشرية من هذا الكسوف الذي يبتلى به اليوم، نظرا إلى أن الأخطار التي أضحت تهدد العالم بأسره من جراء احتدام الأهواء. وانتشار القوى الظلامية ومن جراء اكتشاف أسرار الطاقة الذرية، ليس يمكن درؤها إلا إذا ما وجد «الضمير الإنساني» في أعمق أعماقه حيث يتحدد إيمانه بالحق على ممر العصور «فضلا من القوة» أو «زادا جديدا» يردع به الطاقة الذرية فيفوز بفضل ذلك الفضل، أو بفضل ذلك الزاد، بالهيمنة الحقيقية على ما عسى أن تثيره النفس البشرية من الزهو والغرور والجشع الذي لا حد له..
أليس معنى أن مسؤولية الدين ومسؤولية الفكر لهي أعظم ما تكون وأثقل ما تكون وأشرف ما تكون في اليوم الحاضر؟
انتفى الاعتدال في العصر الحاضر بين «قوة» الضمير و«قوة» الصناعة من جراء كسوف الحق، فأضحت الإنسانية قاطبة تحس بمتلف الحنين إلى «العمل المنقذ» الذي يجدد لها عهد الأمن وعهد الطمأنينة وعهد السلام بتحقيق «اعتدال حي» بين «قوة الضمير» و«قوة الصناعة»...
وإن أنت تجاوزت قشور الألفاظ ومعميات الاصطلاحات العلمية والفلسفية وعرجت إلى القمة التي تشرف على المذاهب والتعاليم والملل والنحل في تضاربها وتدافعها وتضادها، أدركت أن مهمة الدين ومهمة الفكر في جوهر مطامحهما ولب مقاصدهما، ليست هي دائما وأبدا سوى السعي النير الحثيث الدائب في سبيل تحقيق اعتدال النفس البشرية وسط عالم شؤونه لا تنفك تتجدد، ولا تنفك تعرض ألغازها على العقول للنظر فيها والكشف عنها...

الشرق والغرب أمام ضرورة تصفية حسابهما الفكري:
وذلك ما أدركه أقطاب الفكر بالعالم الغربي غداة الحرب العالمية الثانية، فهبوا في نشاط عجيب يحاولون تصفية حسابهم الفكري لحسم الأزمة الروحية التي تشكوها الأقطار الغربية، وسعيا وراء تحقيق اعتدال النفس الغربية في العالم الجديد.
والكتب التي قد ألفوها حول هذا الموضوع الخطير أصبح يعسر تعدادها... ناهيك أنهم لم يتركوا مسألة لها اتصال بالإنسانية وبمصير الإنسان، بالفكر وبشؤون الفكر، بالدين وبمهام الدين، بالحضارة وبقيم الحضارة، لم يعطفوا عليها بالبحث والتحليل والمراجعة، ولم يكتفوا بالنظر في الحضارة الغربية وفي قيم الحضارة الغربية سواء أكانت يونانية المصدر أو مسيحيته أو رومانيته أو عصريته، بل عطفوا أصدق العطف على مختلف الحضارات الشرقية القاصية منها والدانية، يتجسسون وراء أسرارها ويحاولون الغوص عن قيمها الخالدة، علهم يجدون ما يشبع جوع الأرواح أو يرضي شره العقول...
ولعل أبرز مظاهر هذا النشاط الخصب تلك المؤتمرات الدولية التي ما انفكت تنعقد في كل عام منذ سنة 1946، سنة مطردة إلى يومنا هذا، بعاصمة جنيف بسويسرا حول مختلف عناصر القضية وتسمى:
  «
Les Rencontres Internationales de Genève » ولقد نشرت جميع الدراسات والبحوث في كتب نفيسة هي بحق من أهم المصادر بالإضافة لمن أراد أن يعرف شواغل المفكرين الغربيين في هذا الصدد(1)!
وليس من شك في أن مشكلة «أزمة القيم» إن كانت خطيرة بالإضافة إلى الأقطار الغربية فهي بالإضافة إلى الأقطار الإسلامية أخطر... ناهيك أن المجتمعات الإسلامية امتحنت في القرون الأخيرة بما تعرفه من علل الانحطاط وأسقام الإفلاس وألوان القهر وصفوف الاستبعاد، مما طمس معالم قيمها وشوه ملامحها وكاد يفقدها روحها..
وبالرغم مما بذلته ومازالت تبذله من جبار المجهودات في سبيل استرجاع عهد الإخلاص لذاتها ولما تنهض عليه ذاتها من طريف المبادئ والقيم في نطاق استقلال الذات وحرمة الذات وقوة الذات وخصب الذات في ميادين الحق والخير والجمال، فهي ما زالت تشكو «تهافت ضميرها» من جراء ما ورثته عن عصور التقليد والانحطاط من ركام الخرافات والأباطيل والترهات، ومن جراء ما عرفته أيام استعبادها من ضروب العدوى الغربية.
وبالرغم مما تنشره «العناصر الحية الواعية» بالأقطار الإسلامية من صفحات البطولة وصحة النظر وزكاة الإخلاص، فالشعوب الإسلامية في عمومها ما زالت تشكو «أزمة روحية خطيرة» نتيجة ما لم يزل هنالك من آثار إدراك قاصر وإحساس عليل وإرادة منحرفة ورثتها عن بائد العهود...
ومما يؤسف له أن الأقطار الإسلامية لم تنتبه بعد لخطورة الأمر، ولا هي وفقت إلى الاهتداء إلى طرق النجاة أو سبل البعث... أو قل إن الأقطار الإسلامية على اختلافها عربية اللسان وغير العربية متفاوتة الحظوظ في شعورها أو في عدم شعورها بخطورة المشكلة وفي توفيقها أو عدم توفيقها إلى الطرق الموصلة إلى ما فيه الفوز والنجاة والبعث...
وإن ذلك ليتضح جليا لمن حظي بحضور «الندوة الدولية للإسلاميات» بعاصمة لاهور، وكان له من اليقظة الفكرية والثقافة الفلسفية ما يمكنه من الاقتدار على النفاذ إلى جوهري عناصر القضية...
وإنه ليمكن لي الجزم بأن جمهورية الباكستان أشد الأقطار الإسلامية على الإطلاق شعورا بمأساة القيم الإسلامية في العصر الحاضر...
وإن ذلك ليرجع إلى أسباب عدة، أهمها أن الباكستان حظي في العهد الأخير بأن كان له مفكر إسلامي أصيل هو محمد إقبال العظيم. فكان لتعاليمه ولما أذاعه من الكتب والدواوين الشعرية والمحاضرات الفلسفية، أقوى الأثر في لفت الأنظار إلى خطورة المشكلة الدينية بالأقطار الإسلامية عامة... ولقد كان لكفاحه الفكري أطيب النتائج وأبعد الأصداء... من ذلك تأسيس الجمهورية الباكستانية نفسها، ومن ذلك كذلك نشاطها اليوم، وهي طبقة قلما نجد لها نظيرا في بقية الأقطار العربية لما تمتاز به أصالة التفكير وعمق النظر والحرص على جوهري الأمور والغوص عن كنه المبادئ والقيم الإسلامية في انبجاس أنوارها المتجددة... أمثال محمد علي، والدكتور خليفة عبد الحكيم عميد المعهد الثقافي الإسلامي بلاهور، والأستاذ أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة بغربي الباكستان... وإنه لمن المضحك جدا أن نشاهد الفقيه المصري أبا زهرة وهو البعيد كل البعد عن تصور حقيقة المشكلة يشارك في المؤتمر، فيتناقش ويجادل ويهاجم، وتنتفخ أوداجه حقيقة لا مجازا «دفاعا» عن القيم الإسلامية، ويتطاول فيلقى «الدروس» على أمثال الدكتور خليفة عبد الحكيم...
وإن أنت ذكرت هذه الأمور أدركت أنه ليس عن صدفة أن كان الباكستان هو الذي اهتم بعقد الندوة الدولية للإسلاميات، فدعت جامعة البنجاب مختلف الأقطار الإسلامية ومختلف الدول الغربية التي لها حركة مرموقة من حركات الاستشراق، فضيفت وفودها واحتفت بها، وأنفقت ما يقرب من ثمانين مليون فرنك على ما قيل لي، لسد حاجيات المؤتمر والمؤتمرين، وذهبت حتى إلى دفع نفقات السفر جيئة وذهابا لأعضاء الوفود كافة...

الندوة الدولية للإسلاميات:
أما المواضيع التي قرر النظر فيها أثناء جلسات الندوة وخصصت لبحثها والنظر فيها محاضرات المحاضرين فهي المواضيع التالية:
1) إمكان مساهمة الإسلام في إقرار السلام العالمي.
2) العناصر الأساسية في الثقافة الإسلامية.
3) البناء الاقتصادي للمجتمع في الإسلام.
4) دور الاجتهاد في الإسلام.
5) الإسلام والعلاقات بين الأديان.
6) مفهوم الدولة في الإسلام.
7) موقف الإسلام من العلم.
8) تأثير الغرب الاقتصادي في الأقطار الإسلامية.
9) أثر الإسلام في تاريخ الغرب والثقافة الغربية.
10)موقف المجتمع الإسلامي من الأفكار والقيم الاجتماعية الحديثة... 
وهي مواضيع كما ترى حرية بأن تتيح لذوي العقول فرصة من أسعد الفرص لتصفية الحساب الفكري الإسلامي ومعالجة أزمة القيم الروحية الإسلامية في العصر الحاضر...
وهي المواضيع التي حررت في شأنها ألف صفحة ألقيتها محاضرات بمذياع تونس، ونشرت القليل منها في «تحريك السواكن».
لذلك أمكن لي أن أقول في مقدمة المحاضرة التي ألقيتها بالندوة الدولية للإسلاميات:
«قد اتفق لي فيما مضى من الأعوام أن حظيت بشرف المشاركة في أعمال مؤتمرات عديدة تتعلق بأغراض تربوية أو فلسفية، فكنت في كل مرة أشعر بشتى العواطف والأحاسيس والخواطر تزدحم في النفس وتبعث فيها ما تبعث من الحماسة والنشوة، وكان لي في كل ذلك ما يجذب إلى النزول في حلبة الفكر، أقدح زنده وأستجدي جوده، وأستمد من مدد نوره لتحليل مشكلة حفت بها ضروب اللبس، أو توضيح معضلة تشعبت مسالكها، أو تبديد أوهام تراكمت علة الأذهان فسدت عليها الآفاق، أو كسر سدود ناهضت الهمم فأغلقت في وجهها أبواب الحق والخير والجمال...
ولكن نفسي لم تكتظ قط في سالف المؤتمرات بما تكتظ به في هذه الساعة بهذا المؤتمر من صنوف الأحاسيس، ولا استشعرت بما تستشعر به من عزة الموقف وخطورة الأمر وثقل المسؤولية...
وإني لأشعر بالخصوص بأن جنس اتصالي بهذا المؤتمر ليس جنس اتصالي ببقية المؤتمرات...
فهو يلتصق بحلم فكري وحلم إحساسي وحلم إرادتي بأوثق ما يكون الالتحام... حتى أنه ليمكن لي أن أؤكد إن تفضلتم فسمحتم لي بذلك أنه مؤتمري الخاص !
أقول هذا شاعرا بما في هذا القول من الدعوى ومن الغرور.
إلا أني ما كنت لأعرب وسط جمعهم المحترم عن هذه الدعوى ولا عن هذا الغرور، لو لم يكن في ذلك أصدق التنويه بالهمم التي أبت إلا أن تسهر على تنظيم هذا المؤتمر، فاضطلعت بمهام عقده واعتنت بتوفير أسباب نجاحه...
وهل يمكن أن يكون هنالك فخر لها أعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتحوم جلساته ومحاضراته ومناقشاته لا حول الآراء الجافة والخواطر المجردة والكليات الجامدة، بل حول ما يلتصق هذا الالتصاق بلحم المشاركين فيه إرادة وفكرا وإحساسا ؟
وهل يمكن أن يكون فخر لها أعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتدور جلساته ومحاضراته ومناقشته، حتى الأصداء لما يخامر ضمائر أعضائه المسلمين من ملح الشواغل الفكرية، حول مصير المجتمع الإسلامي ومصير قيم المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر ؟...
ولئن قلت إن هذا المؤتمر الخاص، فلأن المسائل والقضايا والمواضيع التي قرر عرضها على العقول في جلساته، قد عطفت عليها بالبحث والتنقيب مدة سنوات عديدة، فما تركتها ولا تركتني إلى أن أصبحت شغلي الشاغل وهمي الملازم تتبعني كظلي حيثما حللت، وتهيمن على مشاعري كلما فكرت، وتسد علي الأفق كلما ساءلت النفس عن المصير !..
ولا غرو، فهي مسائل وقضايا ومواضيع حيوية بالإضافة إلى القيم التي هي دعائمه، وليست هي مجرد الفرص تنتهز لبعث ميت الأصداء ومجاج الآراء وغث الأنظار حول الماضي وشؤونه.
وإني لحريص كل الحرص على أن أؤكد هنا رأيا أومن به أرسخ الإيمان وهو أن «الفكرة الحية» التي تفيض عنها القريحة السليمة الخصبة، لهي أداة للهدم مثلما هي أداة للبناء... تنطلق من الفؤاد المضطرم انطلاق السهم ولها رنينة فتشق لنفسها الطريق هادمة بانية راقصة فواحة ساطعة...
هي من معدن الإيمان...
بل هي الإيمان بالإيمان الذي يقلقل الجبال...
تنقض على شؤون الواقع انقضاض الإعصار، فتحطم ما يلي من أوضاعه وتعفن من شؤونه وفسد من أركانه ووهن من أصوله، فتمهد بذلك السبيل أمام معجزات البعث...
وليس من شك عندي أن ما يجري من النقاش والبحث والنظر في جلسات هذا المؤتمر، إنما يجب أن تكون ضالته «فكرة» من هذا الجنس إن أردنا للمؤتمر نجاحا !
فهي هي الكفيلة بأن تبعث المجتمع الإسلامي بالمشرق والمغرب البعث الحقيقي، فيصبح من جديد بعد ليل اتصل دهورا «دارا عقلية» مجتهدة نيرة المبادئ منغمة القيم منسقة المفاهيم متجانسة الشؤون رحبة الأجواء، حتى نتنفس فيها ملء الرئتين، بينها وبين واقعنا الجديد أشد الالتحام وأقوى الاتصال وأروع الوشائج، كي يمكن أن تعضد ذلك الواقع، كي تستمد من ذلك الواقع قوة وصلابــــة(2)...                 
وإنه ليلذ لي أن أعرب عن هذا الرأي في وطن محمد إقبال العظيم...رحم الله تلك النفس الزكية لما كانت تطفح به من حرارة الإيمان النير، ولما كان في بصيرتها من ومضات البعث، وعظم الله أجر الدكتور عبد الوهاب عزام الحاضر بيننا، لإدراكه أيام كان سفير مصر بالباكستان أن سفارة مصر بالباكستان، هي قبل كل شيء سفارة محمد إقبال في العالم العربي الإسلامي...»
ويجب علينا هنا إحقاقا للحق أن نعترف بأن ما جرى من النظر والبحث والنقاش في جلسات المؤتمر، لم تكن دائما ضالته فكرة من ذلك الجنس ولا رأيا من ذلك المعدن... بل يجب علينا أن نجزم بأن أكثر البحوث وأكثر المناقشات كانت ميت الأصداء يردد، ومجاج والآراء يلفظ، وغث الأنظار يذاع عن الماضي وشؤونه، وضربا مهولا من الديماغوجيا بلغ من الإسفاف والخلط والمغالطة والتهريج، ما حمل كثيرا من ذوي الهمم الصادقة على عدم المشاركة في الجدال، أو على سحب دراستهم، حتى لا تذاع في مثل ذلك الجو...
وأنا إذ أقول هذا لست أفكر فيما ألقاه المستشرقون من البحوث، فهم غير مطالبين بأن تضطرم نفوسهم بما يجب أن تضطرم به نفس العالم الإسلامي من الغيرة على القيم التي هي قيمه... فأقصى ما يطلب منهم في هذا الميدان إنما هو اتباع سنن البحث العلمي النزيه، والتقيد بأصول البحث العلمي النزيه، من دقة وإخلاص للحق وحرص على جوهري الأمور دون العرضي منها.. ولقد أظهروا من كل هذا ما لو قابلهم بعض «العلماء» الإسلاميين ممن شاركوا في الندوة بعشره لاعتبروا أنفسهم مجازين !...
أقول هذا وأنا خجل لأن بعض أولئك «العلماء» الإسلاميين لم يتحاشوا من أن يصبوا عليهم جام حقدهم وازدرائهم وسوء فهمهم، دون ما إقامة وزن لأدب أو للطف أو لكرامة... فكانوا أبشع مثال لعقول أحرى بأن تكون عقول علماء تنتسب للعلم وتعرف له حرمة...
وقد يكون أقبح مثال لذلك ما كان من الدكتور مبارك وزير التربية بسوريا سابقا... فإنه هاجم المستشرق الأمريكي الدكتور ( غوستاف فون غرونباوم) إثر إلقائه محاضرة رائعة عن مفهوم «الأمة الإسلامية» كانت آية من التحليل النير الدقيق استعرضت أخص خصائص الأمة الإسلامية من الناحية الفلسفية الأصولية... هاجمه مهاجمة الغلظة والعنف... وخطأه أشنع التخطئة وقوله ما لم يقل قط... وكان هو المخطئ في جميع ما قال، لعدم فهمه الفلسفة والاصطلاحات الفلسفية.. ولما أعربت له عن دهشتي أمام موقفه اعترف لي بأنه لا يفهم الإنجليزية، وأنه اعتمد في مناقشة آراء المستشرق الأميركي تلخيصا مشوها لمحاضرته..
وقل مثل ذلك عن الأستاذ مصطفى الزرقا أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بالجامعة السورية ووزير العدلية سابقا بسوريا..
وقل مثل ذلك وأكثر عن الأستاذ عمر بهاء الأميري سفير سوريا بالباكستان سابقا..
فقد عملوا جميعا من حيث لا يشعرون لإفساد المؤتمر... والغريب أنهم كانوا يظنون أنهم يحسنون صنعا في سبيل «الدفاع» عن الإسلام والقيم الإسلامية... ودحضا لما كان يوجه إلى سوريا إذ ذاك من التهم حول التحاقها بالمعسكر الروسي.. وما دروا أن الخطر الحقيقي الوحيد الذي يهدد الأقطار الشرقية إنما هي تلك «الظلمة العقلية» التي تتجسم فيهم..
ولا تظن أني أقصد من هذا الكلام التجريح، فأشخاص هؤلاء وأضرابهم لا تهمني لا كثيرا ولا قليلا... وما كنت لأذكرهم في هذا الحديث لو لم يكونوا شر الممثلين لشر بعض مشاهد مأساة لاهور..
وإني لأرتعد فرقا والله إذ أفكر في أن أمثال تلك العقول كان بين أيديها مصائر التربية ومصائر التدريس ومصائر العدلية بقطر شقيق.
وإني لأرتعد فرقا والله إذ أفكر في أن مصائر القيم الروحية الإسلامية في الأقطار العربية في العصر الحاضر، قد لا تجد لمعالجتها إلا مثل هذه العقول العامية المنحرفة.
وإني لأرتعد فرقا والله إذ أفكر في أن الهمم الصادقة التي تسعى في سبيل النهوض بالشرق وبقيمه الخالدة، وتكافح جزيل الكفاح لتخليص الشرق وتخليص قيمه مما غمرها به الدهر من القطران سترتطم مساعيها بما تثيره في طريقها من العقبات عقول فوضوية كهذه العقول التي ينطبق على أصحابها قول الغزالي: «مثلهم كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب ولا هي تترك الماء يخلص للزرع..»
فليس بمثل هذه «الظلمة» في العقول يمكن أن يبعث الشرق وتبعث قيمه.. وليس بمثل هذه الديماغولجيا يمكن أن يصفي حسابه الفكري والروحي.

بوارق الأمل:
وبعد فهل فشل المؤتمر من جراء هذه الظلمة الطاغية ؟ وهل ذهبت كل المساعي لتنظيمه أدراج الرياح؟
الحقيقة هي أن المؤتمر كان مفيدا جدا من عدة نواح. أهمها أنه أتاح فرصة نادرة لاجتماع العدد الكثير من نواب الحركات الفكرية والدينية بمختلف الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية.. وبالرغم مما هنالك من فوارق تكاد تكون جوهرية بين «أجناس» العقول المجتمعة، بل بفضل تلك الفوارق، يمكن للبيب أن يجس «نبض» المجتمع الإسلامي، وأن يعرف بالضبط صنوف الشواغل الفكرية والروحية، الرجعية والتقدمية، المظلمة والنيرة، التي تتجاذب العقول الإسلامية وتتنازعها !
وإنه ليمكن لك أن تصنف العقول التي شاركت في المؤتمر.. فهي لا تتجاوز ثلاثة أصناف:
 أ) صنف من العقول هي من عهد الإفلاس وإلى رسوم الإفلاس تنتمي. وهي أوضاع الإفلاس تتمرغ.
ب) صنف العقول المخضرمة التي لها رجل في العهد البائد ورجل في العهد الجديد وهي في ميدان الحيرة والبلبلة تتيه تيه النعامات في الصحارى... آيات بيانها الدجل والنفاق والجبن العقلي.
وليس من ريب في أن المؤتمر الذي ضم كل هذه الأصناف من العقول، ومن شأنه أن يحفز البعض على مواصلة العمل. ومن شأنه بالخصوص أن يربط وثيق الصلات بين عقول الصنف الثاني، فيزداد عددهم ويقوى ساعدهم ويستعين بعضهم ببعض ويستنير بعضهم ببعض، فتحطم بعض السدود العصية وتتفتح بعض الآفاق الجديدة.
وفيما يخصني شخصيا فقد كنت سعيدا حقا بالمشاركة في هذا المؤتمر، فقد مكنني من الاجتماع بنخبة نيرة من ذوي الثقافة الحقيقية والتكوين الصحيح من أبناء الباكستان خاصة.. ولقد كان سروري عظيما جدا إذ اكتشفت هذه الطبقة من العقول الصافية والضمائر الحية والإرادات الصادقة... وللحديث معها فيه لذة. وفيه حبور. وفيه ما ينعش الأمل. وفيه ما يبعث الرجاء.
أخص خصائص هذه الطبقة من ذرية محمد إقبال الكبير، فهمها أن مصير القيم الروحية الإسلامية ليس ينحصر في نشر ما ألف القدماء مهما كانوا عظاما من الكتب، ولا فيما سطروا من قوانين، ولا فيما استنبطوا من أصول، وإنما هو عمل ابتكار طريف يحقق «التنغيم» بين الحساسية والإسلامية الجديدة الحاضرة مع المبادئ الإسلامية الخالدة ومقتضيات العصر الذي هو عصرنا.. وهو عمل لا يقوم به العوام وأشباه العوام. وإنما يقوم به أصحاب الاجتهاد الحقيقي أو أصحاب التجديد الحقيقي.
وهل دعوت في كل ما أذعت من المحاضرات بمذياع تونس مدة ثلاث سنوات لغير هذا ؟ وهل يرمي «تحريك السواكن» لهدف غير هذا الهدف ؟
وهل يمكن أن يتم شيء من ذلك ما لم تبدد حنادس الليل المتراكمة على «دارنا العقلية» وما لم تبعث قوية، سالمة، يقظى «الذمة الإسلامية» أو «الضمير الإسلامي» ؟
وليس من ريب في أن انبعاث الذمة الإسلامية قوية سالمة يقظى لمن شأنه أن يضيف إلى «القوى الروحية» في العالم الذري قوة من جنس تلك التي انطلقت من صحراء الجزيرة ما يقرب من أربعة عشر قرنا مضى. موجا عارما سرى بسرعة البرق فأنار مشارق الأرض ومغاربها..
فما على الهمم الصادقة التي تعمل لتقريب ذلك اليوم السعيد، إلا مواصلة السير جاعلة هدفها الأول: القضاء على «السرطان» المهول الذي ينخر العاطفة الدينية بالأقطار الشرقية على الشكل المريع الذي شاهدناه.        

(1) راجع 
(2) راجع مجلة الفكر عدد 10 شهر جويلية سنة 1957 محاضرة عن (( الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم، أو شؤون دارنا العقلية))

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here