islamaumaroc

خلف الحقيقة

  عبد المجيد بن جلون

2 العدد

انظر إلى عينه يومض فيهما الشك المريب
انظر إلى هذا الشباب الغض أدركه اللغوب
****
قد راقه منذ الطفولة مطلع الدنـيا الجمـيل
وسبته بهجتها ونضرتها ومنظرها الجليل
طربت عواطفه لألحان الطيور الشادية
وشذى البنفسج والقرنفل والورود الذاكية
وتلون الأرض الثرية في الربيع وفي الخريف
وثمارها ذات المباهج وهي دانية القطوف
ولنغمة الأفلاك حين يخيم الليل البهيم
ولهمسة (المجهول) تسري في الهدوء مع النسيم
وللعبة الطفل البريء وفرحة الأم الحنون
والحب حين يكون سرا مبهما بين العيون
ومواكب الفتيات يرتدن الحقول الناضرة
مستبشرات ضاحكات كالورود الزاهرة
ولصفحة البدر البطيء تدب في صمت السماء
تتناثر الأحلام منه وهي ترفل في الضياء
وتلفت العصفور يشدو بين أغصان الشجر
والعش ضج صغاره فرحا لأوبة منتظر
للزورق الولهان يسري بالأحبة في الأصيل
مع شاطئ النهر الوديع يسير في ظل النخيل
لتنفس الفجر المورد وهو يبزغ في انشراح
فنهب كي نستقبل الدنيا الجديدة في الصباح
سبت المباهج لبه فشدا بألحان السرور
متنقلا بين المحاسن حيث كانت في حبور
****
لكن له عينان يومض فيهما الشك المريب
فانظر إلى هذا الشباب الغض أدركه اللغوب

****

قد راعه منذ الطفولة مطلع الدنيا الرهيب
صعقته قسوتها وشدتها ومنظرها الكئيب
ربعت عواطفه لأصداء الرعود القاصفة
ولانة الأشجار ترعش في مهب العاصفة
للغابة الهوجاء ضجت بالوحوش الضارية
والصخرة الجرداء تسكنها الصقور الطاوية
ولثورة البركان منقذفا بألسنة اللهب
والأرض تبلع من عليها حين تخسف في سقب
للظلم ينزل بالضعاف العاجزين الأبرياء
والمجد يبسم للطغاة الظالمين، الأدعياء
للغادة الحسناء بين الناس تخطر في السواد
ولدمعة الطفل اليتيم تكاد تعصف بالفؤاد
للذل ينزل بالشعوب ويقهر المستوطنين
والمجد ينهبه البغاة المجبرون المرغمون
لليل يطفح بالهموم وبالسهاد وبالدموع
أما النهار فبالنفاق وبالخديعة والخنوع
للحق لا يلقى من الأحياء إلا خاذلين
والباطل البراق يلقى المعجبين الهاتفين
ربعت عواطفه لما في الأرض من سخف وشر
فاهتاج بين ضلوعه قلب رحيم واقشعر
فإذا بنغمته الوديعة مثل أنغام الطيور
غضبت وثارت بعد روعتها وصارت كالهدير

****
ضل الحقيقة ... بعد أن عشق الحقيقة في الحياة
مثل الحبيب المستهام الصب ... يخدعه هواه
ما زال يتبعها ويصدح بالأغاني واللحون
حتى تمرد حبه ومشى يدمدم في جنون
خلف الحقيقة مثل ظمآن يلوح له سراب
قلقا يناديها ويهتف في الوهاد وفي الشعاب
يعدو ويخترق السهول ويرتقي الجبل المنيف
ويسير في الوديان يفزعها بمطلعه المخيف
نادى من القمم العتيدة وهي تضرب في السماء
نادى من الغور المجوف حيث لا يصل الضياء
من شاطئ البحر العظيم ومن حدود البادية
بين القبور .. وفي الرياض .. وفي الحقول الزاهية
في هدأة الليل البهيم ... وفي النهار ... وفي السحر
تحت النجوم ... وحينما تخبو ... وفي ضوء القمر
نادى وردد صوته من كل ركن في الحياة
نادى ... ولكن لم يجبه في الحياة سوى صداه

****
قف أيها المكدود ... لا تكدح ... فإنك في ضلال
تبغي الحقيقة ؟ علها تلقاك رائعة الجمال
أتريد أن تجد الحقيقة ؟ ... لا حقيقة في الوجود
تسعى وتكدح في الحياة، ولا وجود لما تريد
أبعيدة عنك الحقيقة هكذا حتى تثور
في البحث عنها هائما ؟ أفما مللت من المسير ؟
إن الحقيقة ليس توجد في الرياض، وفي الحقول،
لا في البحار، ولا في الشعاب، لا الجبال ولا السهول
إن الحقيقة في النفوس عبيرها الذاكي يضوع
دع عنك ما في الكون واسمع همسها بين الضلوع

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here