islamaumaroc

في رحاب العارفين: دفاع عن الطرق الصوفية

  دعوة الحق

95 العدد

في شعبان الأبرك من هذا العام الحاضر قامت فرقة المسرح القومي الجزائري بزيارة للمملكة المغربية عرضت خلالها مسرحيتها «الكراب والصالحين » وهي من تأليف الكاتب الجزائري ولد عبد الرحمن بن هبد القادر الذي اقتبسها من حكاية تروى بتلمسان عنونها رواتها بـ «فاطمة العمياء والصالحين».
وفي المسرحية المذكورة سخرية ظاهرة بالعارفين الثلاثة : الشيخ عبد القادر الجيلاني. وشيخ المشايخ أبي مدين الغوث دفين العباد بتلمسان.وصاحب القصيدة الطائية :
يـا مـن بغيث الورى مـن بعـدما قنطـوا         ارحــم عبيـدا أكـف الفقـر قـد بسطـوا
وسيدي عبد الرحمن الثعالبي العالم الصالح صاحب التفسير المشهور ودفين الجزائر العاصمة والذي تنسب إليه المدرسة الثعالبية الشهيرة التي تخرج منها فطاجل علماء الجزائر.
ومن العجيب أنه بالرغم من أن كثيرا من أهل الجزائر حملوا وما زالوا يحملون أسماء عبد القادر وعبد الرحمن وأبي مدين تبركا بهؤلاء الصالحين حيث تجد ذلك في حمل البطل الجزائري الأمير عبد القادر هذا الاسم وحمل كاتب المسرحية نفسه اسم ولد عبد الرحمن عبد القادر فقد اتخذ شخصيات أولئك الصالحين أداة للسخرية بهم.
ولما كان الجيل الحاضر يعتقد اعتقادا جازما أن الطرق الصوفية ليست سوى حلقات ذكر وشعوذة لا أقل ولا أكثر ولا يعرف شيئا عن دورها السياسي والحربي مع الاستعمار ودورها الديني في نشر الإسلام والثقافة العربية في ربوع المعمور، فقد رأينا من الواجب الديني أن نبين ذلك بإيجاز خدمة للحقيقة والتاريخ.
إن أهم الطرق الصوفية التي قامت بتلكم الأدوار العظيمة هي بحسب أقدميتها : القادرية والنقشبندية وهما طريقتان شرقيتان والتيجانية والسنوسية وهما طريقتان مغربيتان.

القادرية :
مؤسس هذه الطريقة الصوفية هو الشيخ عبد القادر الجيلاني المزداد بمدينة راشت الواقفة على ياحل بحر قزوين Mer Gaspienne بإقليم جيلان من بلاد إيران سنة 471 هـ والمتوفى ببغداد سنة 561هـ.
وتعد طائفة القادرية يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن فيما كتبه بعنوان «وسائل انتشار الإسلام في القارة الإفريقية» في مجلة «البينة» السنة الأولى – أوسع الفرق الدينية انتشارا. وقد دخلت افريقيا الغربية في القرن الخامس عشر على أيدي مهاجرين من توات واتخذوا لواتة (بفتح اللام) أول مركز لطريقتهم ثم لجأوا إلى تمبكتوا.
وفي مستهل القرن التاسع عشر نجد النهضة الروحية الكبيرة التي كانت تؤثر في العالم الإسلامي تأثيرا عميقا تدفع بالقادرية الذين كانوا يقيمون في الصحراء الكبرى وفي السودان الغربي إلى حياة ونشاط جديدين وتقوم المراكز الرئيسية لتنظيم دعوة الفرقة القادرية في كنكا ويمبو بجبال فوتاجالون ومردو (بضم الميم وفتح السين وسكون الراء وضم الدال) ببلاد الماندنجو (بسكوت النونين وسكون الدال) وموطنهم على نهر الجمبيا (بفتح الجيم وسكون الميم وكسر الباء) في غينيا.
وكانت هذه المدن تؤلف مراكز النفوذ الإسلامي وسط شعب وثني رحب بالقادرية باعتبارهم كتابا وفقهاء ومعلمين.
ولم يمض زمن طويل حتى وجدنا فقهاء مثقفين وجماعات من المريدين قد انتشروا في أرجاء السودان الغربي من السينغال إلى مصب نهر النيجر. وكان بعض هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام يوفدون لإتمام دراستهم بمدارس القيروان والزيتونة وطرابلس وبجامعتي القرويين والأزهر حتى إذا ما أتموا دراستهم الدينية عادوا إلى أوطانهم مزودين للعمل على نشر تربوا في سلك نظام الفرق الصوفية التي كانت تقوم على حب الجار والتسامح يؤسسون حتى منتصف القرن التاسع عشر المدارس في السودان ويقومون بالإنفاق عليها.
وكان نشاط هذه الجماعة –كما يقول «سير توماس أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» ترجمه عن الإنجليزية حسن ابراهيم حسن وعبد المجيد عابدين واسماعيل النحراوي، ذا طابع سلمي للغاية يعتمد كل الاعتماد على الإرشاد.. كما كان يعتمد على مبلغ تأثير المعلم في تلاميذه وكما كان يعتمد على انتشار التعليم في الوقت نفسه.
وبذلك برهن دعاة القادرية في السودان على أنهم أوفياء لأهم المبادئ التي كانت تسيطر على حياة مؤسس هذه الجماعة وهي حب الجار والتسامح وغيرهما من الصفات الكريمة. وكان المعلم المسلم كلما تكلم عن أهل الكتاب عبر عن أسفه عما كانوا عليه من باطل ودعا الله أن يهديهم سواء السبيل.
وقد نبغ من اتباع الطريقة القادرية قادة حربيون ذاق الاستعمار الأوربي على أيديهم الأمرين مثل الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ ماء العينين والهبة والإمام المهدي كما نبغ في حفدة مؤسس هذه الطريقة أيضا ساسة وزعماء وثائرون وسلاطين مثل الزعيم العراقي الشهير رشيد عالي الكيلاني والمجاهد عبد الرحمن القادري صاحب الأسطول البحري، وسلاطين مملكة جاوة بأندونيسيا ورسول صديق القادري الأمير عبد القادر الجزائري : يقول المستشرق الفرنسي شارل أندري جوليان في بحث له بعنوان : «التدخل المغربي في الجزائر غداة احتلال العاصمة الجزائرية سنة 1830 المنشور بمجلة البحث العلمي العدد الثالث السنة الأولى»... وأدى نجاح مهمة الكونت شارل دوفورناي لدى المولى عبد الرحمن بالفرنسيين إلى اعتبار قضية احتلال منطقة نفوذ الباي في المغرب سهلة، ففي 22 مارس 1832 استقبل الشريف السفير فوق العادى تحت جدران مكناس وذلك في حفلة كبرى رسمها الرسام الفرنسي الرومانسي دولاكروا الذي كان من ضمن حرس الشرف، وبعد إحدى عشر مقابلة بين السفير الفرنسي وممثلي المخزن وافق السلطان على استدعاء ابن الحمري من تلمسان وإيقاف كل عملية في الجزائر وهذا ما أدى إلى انسحاب العملاء الموفودين في مليانة ومدية وكذلك وافق على عدم تكليف القنصل الإنجليزي بالجزائر بالمصالح المغربية وذلك لأنه كان يشك فيه ضد الاحتلال وهكذا رجع الوفد الجزائري الذي كان موجودا بالعاصمة الشريفة بدون أن يحصل على لحماية المعول عليها وغادر ابن الحمري تلمسان بعد أن ترك أمر تنظيم المقاومة في بد جزائري تلقى لقب خليفة السلطان محيي الدين.
وفي أوائل أبريل اختارت قبائل ناحية معسكر كرئيس لها شيخا وهو رئيس زاوية ينتمي إلى بني هاشم وزاوية القادريين، ولكنه رفض لقب ملك، وكان مسنا فلم يستطيع أن يمثل روح الاستقلال عند القبائل ولكن احد أبنائه وهو عبد القادر كسب شعبية كبيرة وذلك لنه حج عدة مرات ولأنه لم يكن مهاودا إزاء المستعمرين مما أحاطه بهالة من الأساطير، وفي 24 نونبر 1832 اجتمعت ثلاثة قبائل وهي، بنو هاشم وبنو عامر وقبيلة غرابة في سهل اغريس واختارت عبد القادر الذي كان عمره 24 سنة ملكا مبعوثا إليها من السماء، ولكنه رفض لقب ملك واتخذ لقب خليفة عبد الرحمن ثم لقب أمير.

الشيخ ماء العينين :
وكتبت جريدة العلم في ملحقها الخاص بإقليم موريطانيا الصادر في 20 شعبان عامه تقول : «إذا كانت فرنسا قد انتهت بعد مقتل «كابولاني» إلى أن احتلال الإقليم الموريطاني يتطلب الاستعداد الكامل فإن مقتل «كابولاني» قد نبه الوطنيين في الإقليم إلى تنظيم جهادهم وخطوات دفاعهم للغزو الاستعماري لهذا ظهر قائد ومجاهد هو الشيخ ماء العينين سنة 1906 الذي جمع رؤساء القبائل وأمراءها وتوجه معهم إلى فاس حيث حيث استقبلهم السلطان مولاي عبد العزيز.. وبعد دعوة المجاهدين إلى شمال موريطانيا يحملون معهم السلاح والذخيرة بدأوا حملتهم على مدينة «اكجوجت» التي يوجد بها مناجم النحاس والذهب ويستغل الآن من طرف شركة سوكيما سقيقى ميفيريا حيث قتل القبطان «ريو» في 16مارس 1908 وفي الثامن من أبريل وقعت معركة مشهورة بين المجاهدين بقيادة المجاهد الشيخ ماء العينين وجيش الغزو في منطقة دمان وكانت الهزيمة شنعاء بالنسبة للعدو».
وجاء في دائرة معارف الشباب لفاطمة محجوب «... وفي سنة 1908 ثارت القبائل وهبت موريطانيا لدفع عدوان المستعمرين وقام زعيم موريطاني من أهل المنطقة الشمالية هو الشيخ ماء العينين فدعا إلى الجهاد وجمع جيشا وأمده سلطان المغرب بالمال والجند فاخترق موريطانيا جنوبا حتى قلعة تشكشكة وحاصرها...».

الشيخ الهبة :
وفي عهد المولى عبد الحفيظ كون الشيخ الهبة الموريطاني جيشا وتوجه معهم إلى مراكش.

الإمام محمد أحمد المهدي :
وفي سنة 1885 قتل الدراويش اتباع الإمام محمد احمد المهدي السوداني قائد الحملة العسكرية الإنجليزية الجنرال غوردون الخرطوم.

رشيد عالي الكيلاني :
يقول الدكتور صلاح العقاد في مجلة الهلال عدد أكتوبر 1966 فيما كتبه بعنوان «دراسة في تاريخ العراق الحديث حول حركة رشيد عالي الكيلاني 1940-1941 «حينما وقعت ثورة 14 يوليو 1958 في العراق دعي رشيد الكيلاني الزعيم الوطني المخضرم إلى العودة إلى بلاده بعد سنين طويلة من حياة المنفى وهناك استقبل كبطل من أبطال الحركة الوطنية. وقد آن الأوان بعد وفاة الزعيم الراحل في الهام الماضي أن نقيم حركته تقييما موضوعيا...» وأن أهمية الحركة إنما ترجع إلى أنها وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية وكانت تجربة فريدة من نوعها إذ أن حكومة الكيلاني كانت الحكومة العربية الوحيدة التي أرادت أن تستفيد من الفريقين المتحاربين لخدمة القضايا الوطنية العربية.. ورغم أن التجربة كانت قصيرة العمر فإن كثيرا من المؤرخين العراقيين ينظرون إليها على أنها حلقة في سلسلة المجاد الوطنية ولا تقل أهمية عن ثورة العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 1920».
وقالت جريدة لومند الباريسية في سبتمبر 1965 :
إن رشيد عالي الكيلاني هو العربي الأول الذي أراد أن يغير العقلية العربية».
وقال المستشرق فرينو في كتابه القيم «يقظة العالم الإسلامي»... أن رشيد عالي الكيلاني وهو احد حفدة الشيخ عبد القادر الجيلاني أراد أن يجدد الطريقة القادرية على نمط العصري».

المجاهد عبد الرحمن القادري :
وكتب المرحوم أمير البيان شكيب أرسلان في تعليقاته على كتاب «حاضر العالم الإسلامي».. أن المجاهد عبد الرحمن القادري كان له أسطول بحري أقلق راحة الاسبان والهولانديين والبرتغاليين في القرن السابع عشر بالمحيط الهادي وهذا القادري هو الذي بنى مدينة بونتنباك بجزيرة بورنيو.

سلطنة جاوة :
ويقول الأمير شكيب رحمه الله في كتابه السالف الذكر أنه كانت للقادريين بجاوة باندونييبا مملكة قاومت الغزو الهولاندي لجاوة وبقيت تقاوم إلى أن قضى عليها الهولانديون..».

صديق رسول القادري :
وفي مذكرات القادري في بيان الثورة الروسية العظمى وإيضاح غوامضها لصديق رسول القادري الثائر الكردي الذي حارب الروس لإنشاء دولة الكردستان الاتحاد السوفياتي والمطبوع ببغداد عام 1343هـ والموجودة نسخة منه بالخزانة العامة في الرباط تحت عدد 3990 بيانات مفصلة عن ثورته ضد الجيش الأحمر الروسي سنوات 1920-1921-1922 في سبيل الاستقلال.

القادرية تنشر الإسلام بالصومال والصين :
يقول الدكتور عبد الرحمن زكي في كتابه الإسلام والمسلمون في شرق افريقيا : «... واستطاعت القادرية أن تتوغل على داخل البلاد حوالي عام 1819 عندما أسس الشيخ ابراهيم حسن جبرو مركزا لها مكان بلدة «سريزرة» الحلبة ثم نشر الشيخ عيسى بن محمد البراوي هذه الطريقة في جوبا العليا وبنى مسجدا وزاوية في قرية «توججلة» عام 1909 ويقول المستشرقان الفرنسيان ديبون وكولبولالني أن عبد الرزاق القادري هو الذي أدخل الإسلام إلى جنوب الصين وقد أراد الأتراك الاستعانة بالقادرية في محاربتهم السعديين فلم بنجحوا.

النقشبندية :
هذه الطريقة الصوفية أسسها محمد البخاري نقشبند في القرن الرابع عشر الميلادي (1317-1389م) جاء في المنجد أن هذا الصوفي كان يفضل الذكر بالجنان على الذكر باللسان، قبره في بخارى محجة للزوار يؤمونه من أقاصي الصين» (يراجع ما كتبه صاحب هذه السطور عن بخارى المنسبة في مجلة الإيمان السنة الثالثة العدد السادس عام 1966).
وتمتاز هذه الطريقة تقول الموسوعة العربية الميسرة بطريقة خاصة في الذكر ولها فروع في الصين وتركستان وقازان وتركيا».
وقد نبغ من اتباع هذه الطريقة قادة عسكريون مثل عصملي والشيخ شامل القوقازي.
جاء في الموسوعة السالفة الذكر : شامل (1898 -1871) كان الإمام الديني والسياسي للمجاهدين المسلمين في القوقاز في جهادهم المقدس ضد روسيا (1834-1856) ولكنه وقع في أسر الروس عام 1859 الذين صالحوا تدريجيا العصاة. واعتقل شامل أولا في سان بطرسبور ثم كالوجا وسمح له عام 1870 بالحج إلى مكة حيث لقي منيته.»
(يراجع ما كتب في شأن هذا المجاهد المنسي في مجلة دعوة الحق السنة الثامنة العدد الخامس مارس 1965 بقلم كاتب هذه السطور).

التيجانية :
ومن الفرق الصوفية يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن في بحثه السالف الذكر –التي كان لها أثر كبير في نشر الإسلام في افريقيا الطريقة التيجانية (بتشديد وكسر التاء) التي أنشأها أبو العباس أحمد بن محمد المختار بن سالم التجاني (1737-1815م) وكان أحد أهالي قرية عين ماضي ببلاد الجزائر. وقد تنقل في البلاد الإسلامية مثل تلمسان ومكة والمدينة والقاهرة. وتلمذ لشيوخها ثم أسس طريقة صوفية جديدة، وقد رحل إلى الصحراء سنة 1782م ثم عاد إلى فاس سنة 1798م واتخذها مركزا لنشر دعوته وقضى الشطر الأكبر من حياته متنقلا لتنظيم شؤون طريقته.
وقد أراد الأمير عبد القادر الجزائري الاستعانة بالتيجانية في طرد الفرنسيين الذين استولوا على الجزائر سنة 1830م ولكن التيجانية أثروا أن يعيشوا عيشة وادعة ولم ينخرطوا في سلك جيشه
وذلك تمشيا مع الروح الصوفية التي تأبى التدخل في الشؤون السياسية وقد نجحت التيجانية في نشر دعوتهم في مصر وبلاد العرب وبعض أجزاء آسيا ولكن التوسع الحقيقي في عقائد هذه الطائفة كان في السودان وفي افريقيا التي كانت تسمى (الفرنسية) وبين البدو المقيمين في جنوب المغرب الأقصى وساعدت كثرة مدارس التيجانية على نشر تعاليمهم التي كانت متأثرة بتعاليم القادرية والمرابطين. وقد قاموا بسلسلة من الحملات بزعامة الحاج عمر وذلك بنشر تعاليمهم بين القبائل الوثنية حول النيجر العلى والسودان كما فعل المرابطون في القرن الخامس الهجري والحادي عشر الميلادي.
وتعزى أولى هذه الحملات التي قامت لنشر الدعوة التيجانية إلى الحاج عمر الذي ولد بمكان يقع على مقربة من بودور Podor على السينغال الأدنى. وكان أبوه من المرابطين. وقد تثقف الحاج عمر ثقافة دينية عميقة واشتهر بعمله وورعه حين خرج لأداء فريضة الحج في سنة 1827م  حيث انتظم في سلك التيجانية على يد أحد زعمائها الذي تعرف عليه بمكة ثم عاد إلى مصر وعبر السودان الوسط وظفر بكثير من الاتباع كما نظر إليه الناس كمهدي جديد.
وفي سنة 1841م بلغ الحاج عمر جبال «فوتاجالون» وبدأ سلسلة من الحملات حتى مات في سنة 1865م ولم تلبث المنازعات الداخلية إلى أن قضت على بلاده التي انتقلت إلى حكم الفرنسيين.

السنوسية :
ومن الفرق الصوفية –يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن في بحثه المذكور آنفا- التي كان لها أثر بعيد في تشر ا؟ٌسلام في القارة الافريقية : السنوسية التي أنشأها الفقيه الجزائري سيدي محمد ابن علي السنوسي في سنة 1837م وهي فرقة دينية تهدف إلى إصلاح شأن المسلمين ونشر العقيدة الإسلامية. وقد تأثرت العقيدة السنوسية بعقيدة الوهابية التي نشرها محمد بن عبد الوهاب في بلاد العرب أواخر القرن الثامن عشر الميلادي متأثرا بمبادئ ابن تيمية الدمشقي صاحب المذهب التجديدي المشهور.
وقد انتشرت طائفة السنوسية في افريقيا الشمالية كلها وتنتشر زواياها من مصر إلى المغرب وتمتد في الداخل في واحات الصحراء وفي السودان، وكانت واحة جغبوب (بفتح الجيم وسكون الغين) في الصحراء الليبية بين مصر وطرابلس مركز السنوسية ثم انتقل مركزها إلى واحة كفرة في سنة 1895م. وكانت زوايا السنوسية الفرعية التي قيل أنها بلغت 121 زاوية تتلقى من زوايتهم الرئيسية في جغبوب التعليمات والأوامر في كافة المسائل المتعلقة بالفرقة السنوسية التي كانت تضم في نظام رائع آلافا من الاتباع والمدارس في افريقية الشمالية من مصر إلى المغرب الأقصى وفي أرجاء السودان والحبشة والصومال بل إننا نجدهم كذلك في بلاد العرب والعراق وفي أرخبيا الملايو.
ويذكر سير توماس ارنولد أن دعاة السنوسية يعتمدون على نشر الإسلام بفتح المدارس وخاصة في واداي (Wadaï) غربي بحيرة تشاد وذلك بشراء العبيد الدين كانوا يعلمونهم في جغبوب فإذا ما تعلموا عقائد الإسلام اعتنقوهم وأعادوهم إلى أوطانهم دعاة للدين الحنيف. وفي سنة 1895م هاجر على كفرة سيدي المهدي... وهو ابن سيدي محمد السنوسي وخليفته لأنها كانت أكثر توسطا في جغبوب ولكنه توغل فيما بعد جنوبا إلى منطقة بوركو أو تليستي حيث توفي سنة 1902م.
يقول الشهيد السيد قطب في كتابه «المستقبل لهذا الدين» أن الإسلام هو الذي كافح في برقة وطرابلس ضد الغزو الإيطالي. ففي أربطة السنوسية وزواياها نمت بذرة المقاومة ومنها انبثق جهاد عمر المختار الباسل.
وقد لقي الاستعمار الإيطالي في ليبيا على يد حفدة مؤسس الطريقة السنوسية المرين مثل السيد محمد السنوسي والملك إدريس الأول. وتذكر الموسوعة العربية المسيرة أن هذا الملك عندما كان أميرا قاوم الاحتلال الإيطالي مع طائفة من أعوانه مد طويلة. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية ساعد الحلفاء بنفوذه ورجاله إلى أن تم جلاء الإيطاليين عن ليبيا فنودي به ملكا عليها.
ويذكر المرحوم شكيب أرسلان في تعليقاته على كتاب حاضر العالم الإسلامي أن كمال اتاتورك طلب من السيد محمد السنوسي أثناء حرب التحرير التركية أن يدعو الله لنصرة الأتراك على الإنجليز والفرنسيين واليونانيين الذين احتلوا تركيا عقب الحرب العالمية الأولى.
هذا باختصار الدور السياسي والحربي والديني الذي قامت به القادرية والنقشبندية والتجانية
والسنوسية سقناه إلى هذه المجلة الزاهرة لتبديد للغيوم التي تحوم حول كافة الطرق الصوفية بسبب تنفيذ بعض شيوخها مخططات استعمارية غاية في الخطورة.
وهذا التنفيذ لم يمنعها نحن وغيرنا من ذكر الأعمال الجليلة التي قامت بها الطرق الصوفية عبر التاريخ وهي أعمال تذكر فتشكر.
وقبل أن ننتهي من هذه الكلمة عن القادرية والنقشبندية والتجانية والسنوسية ينبغي لما أن نذكر بعض ما قالته عن الطرق الصوفية الدكتورة سهير القلماوي في مجلة الهلال عدد أكتوبر 1966 «.... هذه الطرق لعبت دورا خطيرا جدا في تاريخ البلاد العربية وخاصة في عهود الاستعمار. فلقد سجع عليها العثمانيون ثم أهملوها، ولما جاء الاشتعمار الغربي وعرف أنها من أكثر ثقل جبار لتجمع الشعب الروحي راح يسدد إليها سهامه فقويت وحافظت على الكيان الإسلامي دينا وكفة وعروبة في جهاد مجيد جبار وكانت ملاذ المجاهدين ووقف بعض شيوخها سافرين في ساحة الوغى يخضون الحروب ويؤججون الحماس وفتحوا المدارس لتعليم الدين والطريقة وعبأوا الشعور العام تعبئة تعجز عنها أرقى أجهزة الدعاية وأكثرها ثراء ورجالا لأنها كانت مدفوعة بحماس ديني فدائي يتطلع إلى ثواب الآخرة في إيمان جبار صامد.
ثم توالى الزمن وورئت الطرق الأبناء ثم الأحفاد وظل الاستعمار يسدد سهامه فإذا المعاقل تسقط وإذا الطرق في الجزائر مثلا لا تنصب شيخا رئيسا إلا بإذن من الفرنسيين ولا تقيم مولدا إلا بأمرهم.
وتقلد الشيوخ نياشين الاستعمار وأسهموا في أعياد فرنسا وولائمها ولستظلوا بالعلم المثلث الألوان.
وأحس الشعب مرارة الألم ألم الخيبة في شيوخ الطرق ولما راح يحرر الطريقة وشيخها لم يستطع ذلك إلا على وهج المعركة التي صقلت النفوس فإذا الطرق تعود إلى ثوابها وإذا المريدون لا الشيوخ يرقون الرسالة ويقومون بالثورة المجيدة.
وفي السودان يتطلع شيوخ الطرق أو بعضهم إلى السياسية وتندمج المهدية في سياسة السودان وتلعب دورا معروفا بخطورته وقوته في تغيير وجه التاريخ في السودان... إن كل ما أوجدته هذه الطرق من مثل وقيم للحياة ورسم لطرق السلوك فيها هو من صميم نسيج الحياة التي تنفس أجواءها شعراؤنا وكتابنا وأحسوا بها واقعا ضخما محركا لموضوعاتهم ولأساليبهم سواء شعروا بذلك وفطنوا له أم شعروا به ولم يفطنوا.
ولقد استهوت هذه الدراسات كثيرين من المستشرقين فألفوا فيها وخاصة مستشرقي فرنسا الذين ألفوا عن الطرق في الجزائر ولهم في ذلك مؤلفات قيمة معروفة بل لقد بدا مستشرقوا أمريكا يحسون خطورة الموضوع مثل الأستاذ «برجو» في جامعة برنستون وكلهم يريد أن يؤرخ وأن يفهم وقد يريد شيئا آخر وقد يعجز عن فهم بعض النواحي في الموضوع لعلاقته الوثيقة بالدين ولكنه على أية حال مدرك لخطورة الموضوع وضخامة آثاره.
ولحسن الحظ بدأت مثل هذه الدراسات تستهوي بعض طلاب الدراسات العليا في الجامعات المصرية. فلقد درس علي –تقول الدكتورة سهير القلماوي- في العام الماضي الطاهر محمد علي السوداني أدب السمانية في السودان وأفراد صالح خرفي الجزائري فصلا للطرق الصوفية في الجزائر في دراسته هذا العام عن شعر المقاومة في الجزائر. ويوم ينشران رسالتهما كتابا سيتشجع غيرهما ويتجه إلى دراسة أدب الصوفية في سائر الأقطار العربية والإسلامية فنحن أولى بدراسة أنفسنا ولعلنا أقدر، والذي لاشك فيه أننا أسلم طوية».
فعسى أن يكون ما سبق بيانه حائزا لهمم المؤرخين المغاربة في التأليف عن الطرق الصوفية في المغرب.
ولحسن الحظ فتح الأستاذ محمد حجي الباب على مصراعيه بتأليفه كتابا عن الزاوية الدلائية ودورها الديني والسياسي والاجتماعي في المغرب.
ولاشك أن مؤرخينا الكرام سيجدون حذوه في هذا الباب والله ولي التوفيق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here