islamaumaroc

المغرب بين الامتيازات الأجنبية والتسامح الديني

  دعوة الحق

94 العدد

أن المبدأ الأساسي في المغرب هو أنه يخضع لمبدأ إقليمية القوانين، وقد كان هذا منذ الماضي، وذلك لأن الشريعة الإسلامية وهي المهيمنة على المغرب ترى أن أحكامها تنطبق على كل من وما يوجد فوق ترابها باستثناء ما يتعلق بالأحوال الشخصية، فهذه تحكم تحكم وفق القانون الديني للشخص، وعلى هذا فالشريعة الإسلامية كانت تطبق على جميع من وما يوجد في المغرب، وترتب عن اقليمية القانون هذه اقليمية القضاء، فلم يكن لنا الا قانون واحد، بجانب قضاء واحد، ولكن بعد أن عرفنا عصر الوهن والضعف، وبعد أن طمع الأجانب فينا لم تبق ولاية شريعتنا عامة ولا ولاية قضائينا شاملة وهكذا عرفنا قوانين أجنبية وقضاء أجنبيا وكان وليد الامتيازات التي عرفها المغرب وقد بدأت هذه الامتيازات في نهاية القرن الثامن عشر حيث عقد المغرب معاهدة مع اسبانيا سنة 1797 اعترف فيها بقاعدة أن المدعي يتبع المدعى عليه حيثما حل وارتحل، وأنه يتبعه الى محكمته، وهذه القاعدة معارضة للشريعة الإسلامية التي تقضي بأن المسلم يجب أن يتحاكم في البلاد الإسلامية ولا يمكنه أن يتحاكم في غيرها وذلك لأن الإسلام لم يجعل لغير المسلم على المسلم سلطان، ولم يكن يعترف بقوانين غيره، ولم يجعل لقوانينه نفاذا في غير بلاده، وهذا ناتج عن تقسيم العالم عند المسلمين إلى عالم إسلام، وعالم كفر وأن هدف الإسلام عالمي وهو أن يشمل الانسانية كلها فتبلغ رسالته الى الكافة ويومن بها الجميع. ومثل هذا فعل المغرب مع انكلترا سنة 1836 واسبانيا سنة 1859، ومكنت هذه الدول من أن يحاكم مواطنوها الذين يوجدون فوق ترابها وفق قوانينها وكان هذا ماسا بسلطتنا التشريعية ووحدة التشريعات النافذة في بلادنا كما أنه أدى إلى المس بقضائنا فأصبح تعدد الجهات القضائية ظاهرة من ظواهر تعدد التشريعات الأجنبية التي تسود بلدنا وهكذا وجدت المحاكم القنصلية منها الفرنسية والاسبانية والأمريكية والانجليزية ومكنت هذه المحاكم من كثير من الامتيازات خصوصا وأن بعض المغاربة أصبحوا يحصلون على الحمايات الأجنبية فيخضعون لقوانينها ويحاكمون أمام محاكمها التي توجد فوق ترابنا والتي كانت شذوذا وتطاولا على حق المغاربة المقدس في أن يحاكم أبناؤهم في بلادهم أمام المحاكم الوطنية كما أنه كان مرآة تعكس أولئك الذين أنهار عندهم الوازع الوطني فدق ناقوس الخطر وعقد مؤتمر مدريد سنة 1880 ومؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 فأكد المؤتمران معا سيادة الدولة المغربية وحقها المقدس في ممارسة استقلالها ولكن القدر كان يحمل في طياته حادثا مفاجئا لم يعرفه المغرب قط في تاريخه هو ابتلاع السيادة المغربية في 30 مارس 1912 وهكذا ازدادت قوة الأجانب في بلادنا فحل محل القضاء القنصلي في الجنوب القضاء الفرنسي باستثناء انكلترا فأنها احتفظت لنفسها بامتيازاتها حتى سنة 1936 والولايات المتحدة حتى الاستقلال، أما في الشمال  فإنه رغم أن اسبانيا أنشأت محاكم سمتها بمحاكم إسبانية فإن الدول ذات الامتيازات ظلت محافظة على امتيازاتها إلى الاستقلال والجدير بالذكر أن المحاكم الفرنسية في الجنوب قامت على أساس من جنسية الخصوم واخضعت جميع الأجانب لنفوذها حتى ولو كان هناك عنصر مغربي، وتناول اختصاصها مسائل أخرى، وفي ضمنها العقارات متى كانت محفظة مهما كانت جنسية الخصوم لأن العقار المحفظ كان عندها يكسب الجنسية الفرنسية وكانت قوانينها أجنبية ولغة المداولات والأحكام هي الفرنسية وقضاتها كانوا فرنسيين وكانوا يصدرون أحكامهم باسم رئيس الجمهورية الفرنسية وجلالة الملك وهكذا لم يبق التطبيق كاملا لمبدأ إقليمية القانون ونتج عنه عدم إقليمية القضاء ولم يكن هذا الوضع المزري من الناحية القضائية والتشريعية الا وليد التمزيق السياسي ووضع الحدود المصطنعة، وما اصبنا به أصيب به غيرنا ممن ابتلوا بالضعف وهيمنة الأجانب عليهم وذلك كمصر وسوريا والعراق وتركيا وهذه البلاد هي نفسها عرف بعضها التجزئة السياسية ولعل التاريخ يعيد نفسه في هذا فإذا كانت أنانية الرومان  وارستقراطيتهم قد دفعتهم الى أن يقصروا تطبيق قوانيهم عليهم ولا يطبقونها على الأجانب ولهذا عرف الرومان القانون المدني وقانون الشعوب كان هذا الأخير خاصا بغير الرومانيين فإن أنانية الدول الأروبية هي التي أبت في بلادنا أن تخضع لقوانينا وقضائنا فأنشأت قوانين وقضاء جعلتهما امتدادا لقوانينها وقضائها وكان الأولى بها أن تترك لقضائنا الولاية العامة ولتشريعاتنا التطبيق الشمولي والخدمة التي كانت ينبغي أن تقدم هي محاولة الاصلاح وادخال الأساليب الحديثة على قضائنا لا اضعافه وجعله استثنائيا، ولكن بعد الاستقلال وعودة السيادة والقضاء على التجزئة الوطنية وإزالة الحدود المصطنعة التي وضعت لتعبد ولكنها انمحت، ولهذا قضي على المحاكم القنصلية وادمج القضاء الاسباني في القضاء العادي في الشمال وأصبح القضاء الفرنسي في الجنوب يسمى بالقضاء العصري وهكذا حصلنا على وحدة التشريع من ناحية السيادة الخارجية حيث أصبحت الدولة المغربية هي وحدها المالكة لشؤون التشريع لا تشارك في ذلك من لدن غيرها كما أن القضاء أصبح موحدا من حيث السيادة الخارجية حيث أصبح القضاة لا يستمدون سلطتهم الا من الحكومة المغربية، ولا يصدرون أحكامهم إلا باسم جلالة الملك، ولكن مع ذلك ظلت رواسب الماضي قائمة، وظلت الثغرات موجودة، فوحدة التشريع تقضي بأن يسود المعاملات التي تكون من نوع  واحد تشريع واحد، ولا ينبغي أن تسودها عدة تشريعات ووحدة القضاء تقضي بأن لا تعدد الجهات القضائية وتقوم على أساس جنسية الخصوم وقد ظل الأمر كذلك إلى أن صدر ظهير 26 يناير 1965 الذي قضى بمغربة القضاء وتوحيده، وتعريبه، وهكذا قضي على تعدد الجهات القضائية وما كان يتبعه من فوضى واضطراب ومحاولة كل جهة قضائية ابتلاع اختصاص الجهة القضائية الأخرى خصوصا عند غموض أو انعدامها واثره على حقوق المواطنين حيث كان يؤدي ذلك إلى صدور أحكام متناقضة وبطء البت في القضايا بصفة نهائية.

الامتيازات الدينية
أن الشريعة الإسلامية تقوم على أساس مبدأ إقليمية القوانين، فالشريعة الإسلامية بوصفها قانونا تنطبق على كل من وما يوجد فوق إقليم الدولة الإسلامية لا يفرق في ذلك بين مسلم ومسيحي وعبري، ذلك أن المسلمين تركوا غيرهم من أصحاب العقائد الأخرى هم وما يدينون ولم يلزموهم بالإسلام، لأنه لا إكراه في الدين، وقد أعطوهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وعقائدهم، وكان ذلك وليد أمان وبواسطة عقد الأمان كان يقيم الذمي في أرض المسلمين ويحتك بالمسلمين واحتكاكه بهم قد يؤدي به إلى الإيمان بالإسلام ويتحمل الذمي واجبات منها دفع الجزية وخضوعه لأحكام الشريعة الإسلامية مدة اقامته في بلاد الإسلام، وهذا الخضوع دليله قول الرسول "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وكانت لهم حقوق وهي أن يحافظ لهم على عقائدهم ويسمح لهم بإقامة شعائرهم كما أن لهم الحق في اعتناق الإسلام وكذا في إنهاء عقد الأمان ومغادرة دار الإسلام، فيطبق عليهم آنذاك ما يطبق على الحربيين، وكانت الاقامة في دار الإسلام لا تكسب صاحبها الجنسية اذ هذه مرتبطة بالدين وبجانب الذمي يوجد المستأمن ذلك أن الحربي كان لا يسمح له بالاقامة في دار الإسلام الا اذا حصل على الأمان ومدة هذا الأمان سنة فاذا تجاوزها أصبح المستأمن ذميا وهذا الامان كان يحمي صاحبه وماله ودينه فهو عرضة للقتل أو يسلم.
والمهم عندنا من الصنفين هو من يقيم بصفة دائمة ومستمرة لا من يقيم في بلاد الإسلام بصفة مؤقتة، ولكن القضية التي تطرح وهي على جانب من الأهمية هي هل أهل الذمة يخضعون للقضاء الإسلامي، والشريعة الإسلامية ام يخضعون لجهة قضائية خاصة بهم تطبق قوانين خاصة بها من حيث الشكل والجوهر وقد تتعدد الجهات القضائية الخاصة بالذميين فيما اذا تعددت دياناتهم وتنوعت طوائفهم وكانت قوانينهم تتأثر بالدين، والجواب علىعدا المشكل يقتضي منا أن نتعرض للاية الكريمة وهي قوله تعالى:
"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وان تعرض عنهم فلن  يضروك شيئا، وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين" ومعنى الاية الشريفة أن الذميين والمستأمنين ان جاءوا الرسول متخاصمين فهو مخير بين أن يحكم بينهم أو يتركهم وان تركهم فإنه لن يتضرر من ذلك، ولكن ان قبل الرسول أن يحكم بينهم فعليه أن يحكم بالقسط والعدل. ولكن بعد ذلك وردت الاية الكريمة "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم" ومعناه ان الله يأمر نبيه بأن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله في القرآن الكريم لأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ذلك أن القرآن رقيب وشهيد على الكتب المتقدمة، وعليه أن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله دون ما أنزله أليهم إذ أن شريعة الرسول ناسخة لشرائعهم، كما أن القانون الجديد يغير القانون القديم، فكذلك شريعة الرسول غيرت الشرائع التي تقدمتها، وعليه فتكون هذه الآية ناسخة للاية التي تقدمتها، وعليه فاحكام الإسلام تسري على غير المسلمين لا يفرق في ذلك بين الروابط الشخصية والروابط المالية أي فيما يتعلق بالأحوال الشخصية والأحوال العينية، ولكن الرأي الذي ذهب إليه كثير من الفقهاء هو أن أحكام الإسلام تنطبق على غير المسلمين وتنطبق بصفة وجوبية لا مجال فيها للتخيير باستثناء ما يتعلق بالأحوال الشخصية أو روابط الأسرة، فهذه تركت لتحكم حسب دين الشخص وعقيدته التي يعتقدها، وهذا هو الذي أدى إلى أن يكون القانون المدني عندنا أقل شمولا من القانون المدني عند الغربيين اذ عند هؤلاء يشمل الروابط العينية والروابط الشخصية وعندنا لا يشمل الا الروابط العينية، وهذا ما أدى إلى نشوء كثير من الامتيازات الدينية فتعددت القوانين التي تحكم منظمة الأسرة بقدر تعدد الديانات: الإسلام، المسيحية، اليهودية، بل تجاوز الأمر تعدد الديانات إلى تعدد الطوائف الدينية تتعدد القوانين وتختلف وأدى ذلك الى تعدد الجهات القضائية، فاحدثت جهات قضائية في كثير من بلاد الإسلام خاصة بالطوائف الدينية، وحصلت تنازعات كثيرة فيما بين القوانين والمحاكم وتنازعها لا يشبه التنازع المعروف في ميدان القانون الدولي الخاص اذ أنه تنازع بين قوانين دول أجنبية ومحاكم دول أجنبية، وقواعده قواعد اسناد مهمتها بيان القانون المختص والمحاكم المختصة من بين القوانين الوطنية والأجنبية وكذا المحاكم، أما التنازعات التي نتحدث عنها الان فهي تنازعات بين قوانين في أغلبها وطني ومحاكم وطنية كذلك في الغالب والجدير بالذكر أن هذا الوضع كان قائما على أساس التسامح الديني معتمدا في ذلك على أن روابط الأسرة الصق ما تكون بعقيدة الشخص ولذا ينبغي أن تحكم بدينه ومؤازرا بما يروي عن النبي ص من أنه امن المسيحيين على أنفسهم وأموالهم وعقائدهم واوصى بذلك المسلمين وان الخلفاء الراشدين جددوا ذلك العهد فأصدر الخليفة عمر العهدة العمرية التي أمن بها رعايا الدولة العربية غير المسلمين، وهي ليست الا تردادا لما ورد عن الرسول ثم لما دخل الاتراك العثمانيون القسطنطينية أعلن السلطان محمد الفاتح أنه يؤمن الرعايا المسيحيين على عقائدهم وأموالهم، ولكن مبدأ تعدد قوانين الأحوال الشخصية أدى إلى كثير من الفوضى والاضطراب اذ أنها لم تتعدد بتعدد الديانات ولكنها تعددت لتعدد طوائف الديانات وتعددت الجهات القضائية في مصر حيث عرفت أربع عشرة طائفة دينية قبل صدور قانون 1955 وجميع الدول الإسلامية عرفت هذا الوضع بصورة قوية أو ضعيفة حسب كثرة أو قلة المذاهب فيها ومما كان يزيد الآمر فوضى واضطرابا أن بعضها كانت تحكم وتسيطر عليه هيئات أجنبية وكانت لغته أجنبية أيضا، ولهذا فإن أصوات المصلحين ارتفعت في الشرق تطالب بضرورة توحيد الجهات القضائية، وقد عبرت المذكرة الإيضاحية المصرية رقم 462 سنة 1955 عن كثير من مظاهر الفوضى في نظام التعدد حيث قالت "وأنه من الشذوذ بمكان أن يظل الوطنيون المنتمين الى الطوائف الملية غير الاسلامية محتفظين باستثناءات قضائية كانت في كثير من الحالات عنونا على الفوضى وليس يتفق مع السيادة القومية في شيء أن تصدر أحكام في الصق المسائل بذات الإنسان من جهات قضائية غير مسؤولة ولا مختارة من جانب الحكومة أو أن تكون تلك الجهات خاضعة لهيئات أجنبية تباشر أعمالها خارج حدود البلاد"وقال المسيو " ابيولا كاز" عن نظام تعدد قوانين الأحوال الشخصية: "أن ترك العدالة على هذا الحال الى الطوائف الصغرى تديره وتستقل به هو نقطة سوداء في النظام القضائي"، ومن الذين تحدثوا عن الفوضى ورأوا ضرورة الإصلاح الأستاذ أحمد عبد الهادي وذلك في مقال نشره في مجلة القانون والاقتصاد تحت عنوان "المحاكم الشرعية وسلطانها على غير المسلمين" العدد الأول والثاني سنة 1935 فهو يقول: "ونظرة واحدة إلى ما بدا من تسامح الحكومات الإسلامية المختلفة مع رعاياها من غير المسلمين يتضح منها بسهولة أن كل طائفة من الطوائف كانت تنتهز كل فرصة لتوسع من اختصاصها حتى ولو لم تكن من الطوائف التي ثبتت لها ولاية القضاء في البلاد"، وقد بلغ من اثر هذه الفوضى أن المحاكم العامة للبلاد لم تتبين وجه الحق في هذه الطوائف وحارت فيمن له منها ولاية القضاء ومن ليست له، وتضاربت الأحكام وآراء الشراح في الموضوع تضاربا زاد في تعقيده، ومن الذين دعوا إلى إصلاح مثل هذه الأوضاع في مصر الدكتور السنهوري في كثير مما نشره، ولم ينس بعض رجال القانون في الشرق العرتي أن يسجلوا الأحداث التي عرفها جيرانهم وضرورة التأثر بها، ولهذا فإن الأستاذ فارس الخوري يعلن في كتابه "أصول المحاكمات الحقوقية " سنة 1936 ص 50: أن الآتراك الغوا المحاكم الشرعية والمذهبية، ونحن محتفظون بها وتخلصوا بذلك من جزئية القضاء وتوزيعه بين محاكم كثيرة ذات اختصاص متنوع يتيه فيه أصحاب المصالح، ونحن نتمنى أن تنتبه الحكومة السورية إلى خطورة توحيد القضاء وحصره بمرجع واحد ورفع هذه المحاكم الاستثنائية الكثيرة عن عوائق الناس.
هذا التشبت القضائي في بلادنا مخالف لقاعدة وحدة القضاء، وقد كانت الفوارق الدينية والعلائق الأجنبية في الادوار الماضية سببا له، ولهذا فإن الاجماع يكاد ينعقد على ضرورة ادماج كافة الجهات القضائية في جهة قضائية واحدة يشمل نفوذها جميع المتقاضين لا يفرق فيما بينهم على أساس من دين أو طائفة كما أنه لا ينبغي الاكتفاء بهذا بل لابد من توحيد التشريع اذ أن توحيد القضاء لا يكفي بل  يلزم ايضا توحيد التشريع النافذ، وهذا معناه توحيد قوانين الأحوال الشخصية وتكوين مدونة واحدة يشمل نفودها سائر المواطنين وتصبح جزءا لا يتجزأ من القانون المدني كما هو الشأن عند كثير من الأمم الغريبة اذ أن روابط الأسرة تتوج القانون المدني وقد ازداد دعاة التوحيد  قوة عندما تم توحيد الجهات القضائية في بعض البلاد العربية وأصبحوا يومنون على أنه من اللازم أن تقع الخطوة الأخيرة وهي توحيد قوانين الأسرة وأنه ينبغي أن تخضع المعاملات التي تكون من نوع واحد لقانون واحد وأنه لا ينبغي أن تختلف القوانين باختلاف ديانات الأشخاص وطوائفهم.
والحقيقة على أن الضرورة القومية الملحة تدعو إلى توحيد الجهة القضائية في مادة الأحوال الشخصية وتوحيد التشريعات المطبقة اذ لا يعقل بقاء التعدد الذي يخل بمبدأ العدل ومبدأ المساواة الذي يقضي بخضوع جميع المواطنين لقانون واحد فيما يخص المعاملات التي تكون من نوع واحد وان القضاء على الفوضى لهو أكبر مبرر لذلك وليس في ذلك إخلال بمبدأ التسامح الديني واحترام العقائد فالعهدة النبوية التي تؤمن المسيحيين على أشخاصهم وأموالهم وعقائدهم بالإضافة إلى أنه مشكوك فيها فإنها أمنت المسيحيين على أنفسهم وأموالهم وعقائدهم، لكن لا يفهم من ذلك أنها خولتهم حق إنشاء جهات قضائية خاصة بهم وخضوع هذه الجهات لقوانين شكلية وجوهرية خاصة بها، ومثل هذا يقال عن العهدة العمرية ثم ان القرآن الكريم صريح "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم" بالإضافة إلى هذا فإن الإمام الشافعي ينسب إليه قولان أصحهما وجوب الحكم بين الذميين بما أنزل الله الى رسوله محمد "ص" دون تفريق بين الروابط الشخصية والعينية، ولهذا فمن اللازم أن يقع التوحيد، وهو لا يقل أهمية عن توحيد الثقافة وأثرها في إبراز معالم شخصية الدولة.
ويلاحظ إنما تحدثت عنه بالنسبة للامتيازات الدينية وأثره السيء في الشرق لا يتفق مع الوضع في بلادنا، ولكن هذا لا يمنع من المطالبة بالتوحيد فنحن لم نعرف المسيحيين في بلادنا، لذا وقانا الله شر الطائفية كما أننا في الإسلام لم نعرف تعدد المذاهب وما جرته من خصومات وويلات كما عرفه الشرق، وإنما عرفنا مذهب الإمام مالك وعليه اقمنا حياتنا وعرفنا قلة قليلة من اليهود سومحت في أن تلجأ الى المحكمين من أهل دينها ليفصلوا فيما بينها فيما يتعلق بروابط الأسرة، وعليه فكان اليهودي يتحاكم إلى الحاخام فإن لم يرضه ذلك رجع الى القضاة المسلمين ليفصلوا في نزاعه، ولهذا فهم لم يسامحوا قط بإنشاء جهة قضائية اذ أن أمرهم لا يعدو أن يكون مسموحا لهم بالتحكيم والتحكيم نظام معروف بإمكان جميع الناس أن يلجأوا إليه اذ أنه إذا كان قضاء الدولة يحتكر وحده فض نزاعات الناس وخصوماتهم لا يشارك في ذلك من لدن قضاء أجنبي لأن هذا يعد مساسا بالسيادة القضائية للدولة وحده ليس معنى ذلك أن القضاء في الدولة يحتكر وحده فض النزاعات والخصومات بل يشارك في ذلك من لدن نظام التحكيم، وهكذا عرف اليهود قضاء خاصا بهم في ميدان الأحوال الشخصية بالإضافة إلى الجهات القضائية التي أنشأتها وأقامتها على أساس من جنسية الخصوم أو جنس المجال، ولهذا فإنه بعد أن تم التوحيد وقضى على تعدد الجهات القضائية ولم تبق الا جهة القضاء العادي وأدمجت المحاكم الشرعية والعبرية ابتداء في محاكم السدد واستئنافا في المحاكم الإقليمية، فإنه لم يبق الا أن نخطو الخطوة الأخيرة وهي توحيد القانون المطبق في هذا الميدان وإيجاد مدونة واحدة للأحوال الشخصية تنطبق على كافة المغاربة لا يفرق في ذلك بين مسلم ومسيحي وعبري، لأنه لا معنى لأن تظل التفرقة قائمة خصوصا وأن المغرب أصبح يعرف مواطنين مسيحيين وهؤلاء تنطبق عليهم مدونة الأحوال الشخصية للمسلمين في المغرب باستثناء مؤسسات معينة مؤسسة الرضاع والطلاق وتعدد الزوجات، اذ هذه مستثناة ، لكن ليس من المستبعد أن يطالبوا مستقبلا بأن تكون لهم مدونة خاصة بهم للأحوال الشخصية بل مدونات نظرا لأن طوائفهم هم أنفسهم متعددة وهم اذ يطالبون فإنهم يطالبون على أساس إنما خول لليهود ينبغي أن يخول لهم، وقد يستبعد هذا لأن تيار الوحدة جارف ولأن الاستثناء لا ينبغي القياس عليه، ولكن من يدري والأيام حبالى تلدن كل عجيب، وأن التوحيج في هذا الميدان ليس فيه مس بحرية المعتقد اذ حرية المعتقد لا ينبغي أن تتطاول إلى أقدس مؤسسة وهي مؤسسة الأسرة وجميع الضرورات تدعو إلى توحيدها خصوصا وأن متطلبات العدل والمساواة تدعو إلى ذلك.
ما هو القانون الواجب التطبيق في حال التوحيد؟ أني عندما ادعو إلى توحيد قوانين الأحوال الشخصية وأن تصبح جزءا لا يتجزأ من القانون المدني كما هو الوضع عند كثير من الشعوب الغريبية فإني لا أقصد بذلك تبني قانونا فرنسيا وسويسريا في مادة الأحوال الشخصية بل أن دعوتي اسلامية هدفها أن تشمل الأحوال الشخصية للمسلمين في المغرب ما عداهم من المواطنين، وعليه فإني ادعو إلى امتداد الإسلام وإلى شموليته لسائر المغاربة، ولذا فإني لا اتفق مع من يريد منا أن نتبنى مدونة أجنبية عنا واطلب أن يكون التوحيد عاما وشاملا فلا تستثنى مؤسسة من المؤسسات كما وقع بالنسية للمسيحيين عندنا طبقت عليهم مدونة الأحوال الشخصية باستثناء ما يتعلق بالطلاق وتعدد الزوجات والرضاع والميراث اذ أن وجود مثل هذه الاستثناءات الكثيرة يخل بمبدأ التوحيد ثم أن الاستثناء قد يصبح طاغيا للغاية وعندما ادعو إلى أن يكون التشريع الإسلامي هو المطبق وحده فليس في ذلك أي تعصب ذلك أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة والأغلبية الساحقة تدين به زيادة على أنه من المعروف أن الشريعة الإسلامية عرفت نهضة مهمة في السنين المتأخرة وفتح باب الاجتهاد من جديد بعد أن اغلق قرونا طوالا حيث ساد سبات عميق وعاش الفقهاء على تراث من تقدمهم دون أن يعبأوا يتغير الظروف والتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفت انذاك مما سهل تطاول الطائفية ومكنها من أن تفرض نفسها ولكن من أثر النهضة الفكرية الإسلامية والتطور العالمي واللقاء بالتيارات الأجنبية حديثا اذ عرف المسلمون مدونات للأحوال الشخصية، وان عرفت امتنا بعد الاستقلال مدونة خاصة بالأحوال الشخصية كما أنها الآن تعرف تحويرا جوهريا وقد أصبحت هذه المدونة لها أهميتها لوضوحها وضبطها وسهولة الرجوع إليها وعدم تركها الباب مفتوحا أمام تحكم القاضي بخلاف اليهود في المغرب فإنه لا توجد لهم تدوينات خاصة بالأحوال الشخصية وهم طوائف وأمرهم مبني على اجتهادات وهي لم تعرف تطويرا في الحقبة الأخيرة ومثل هذا يقال عن الطوائف غير الإسلامية في الشرق.
والخلاصة أن الضرورة القومية الملحة تدعو إلى توحيد قوانين الأحوال الشخصية في المغرب وجعل الإسلام مصدرها وادماجها في القانون المدني، وإن هذا المطمح الوطني لا يقل أهمية عن وحدة التراب ووحدة الثقافة وتأميم المرافق الحيوية في البلاد وأنها فكرة لابد من أن تتحقق رغم العقبات والعراقيل، إذ أن التطور التاريخي يسير بالمغرب نحو مستقبل أفضل.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here