islamaumaroc

وثائق تاريخية أندلسية ..

  دعوة الحق

94 العدد

كنا قد نشرنا على صفحات مجلتنا الغراء (دعوة الحق) بالعدد التاسع والعاشر (ربيع الأول والثاني 1386هـ-غشت1966م) وثيقة عقد زواج نصري، جرت رسومه في قصر الحمراء بغرناطة، بين كل من السلطان أبي الحجاج يوسف الأول بن إسماعيل بن الأحمر، وبصفته وليا ووكيلا عن أخته، وبين القائد الرئيس أبي الحسن علي بن أبي جعفر بن نصر، وكانت تلك الوثيقة أول ما خط قلم ذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، في كتابه "كناسة الدكان –بعد انتقال السكان) والذي أشرنا في العدد المذكور من المجلة الى محتويات هذه المخطوطة، وهي –بعد عقد الزواج هذا- مجموعة من الرسائل السياسية التي صدرت عن البلاط الغرناطي في عهد يوسف الأول هذا، إلى البلاط المريني في فاس، على عصر السلطان أبي عنان فارس بن السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن عبد الحق المريني، وهذه الرسائل –كما ذكرنا- تمثل في مجموعها العلاقات السياسية التي كانت تسود المملكتين بأن القرن الرابع عشر الميلادي، وهي ذات مظاهر تتسم بالصفاء والمودة، وتوالي النجدات والمساعدات الحربية والمادية من المغرب نحو الأندلس، جريا على سنة ملوك العدوة منذ عرف الإسلام شبه الجزيرة الايبيرية (إسبانيا).
ولا عجب فقد كانت القيادة الأولى للفتح العربي معقودة اللواء للقائد البربري طارق بن زياد، كما كانت الأندلس يوما امتدادا للتراب المغربي وذلك زمن كل من المرابطين ثم الموحدين ...
هذا، ونقدم اليوم الرسالة الأولى من هذه المجموعة، تلك التي يغتبط فيها سلطان غرناطة يوسف الأول، ويشكر معاصره سلطان المغرب أبا عنان فارس على هدية – صحبة رسالة خاصة-كان قد بعت بها هذا الأخير في مناسبة فتحه لمملكة تلمسان، واستيلائه عليها من بني عبد الواد (629÷-1232م) وينوه أبو الحجاج في الرسالة هذه بالمعونات المغربية التي تتدفق نحو مسلمي الأندلس، وقد وردت الرسالة – موضوع التحقيق مؤرخة كما سيرى القارئ.
أما الأسلوب فيها فطابعه الأطناب كعادة ابن الخطيب في التحرير، كما يميل فيها إلى السجع ذي الفقرات الفصار حينا والطوال أحيانا، ولن نتعجل الباحث الكريم، فما هي الرسالة – التي تحقق وتنشر لأول مرة – نقدمها إليه ليلمس بنفسه الجوانب التي يهمه الوقوف عليها أدبية كانت أم تاريخية.
الوثيقة:
(8: أ) – ومن ذلك كتاب(1) عن السلطان أمير المسلمين بالأندلس أبي الحجاج بن نصر، الى السلطان بالمغرب وما إليه، أمير المسلمين المالك الكبير الشهير أبي عنان فارس(2)، بن أمير المسلمين أبي الحسن علي، بن عثمان، بن عبد الحق، مراجعا عن هدية بين يدي حركته الى تلمسان، في شهر المحرم من عام اثنين وخمسين وسبعمائة(3)  تشتمل على خيل عتاق ومهندات ومهاميز (محكمة)(4)، كل ذلك من خالص الذهب، وذهب عين، قدس الله أرواحهما، وشكر من المسلمين سعيهما.

"المقام الذي شأنه هبات تبث، وعزمات تحث، وهمم يبث إليها الإسلام همومه، فيذهب البث، مقام محل أخينا الذي قضايا مجده منتشرة في الجهات، ضرورية بحسب الوصف والذات، عرقية في الأزمات، مشروطة في المواقف العزمات، يزهى بوجودها الزمن الحاضر وباستقبالها الزمن الات، ويطرز بها فخر الدين وأوراق آياته البينات، السلطان (8:ب) الجليل، الرفيع، الاسنى، الانجد، الاسعد، الاوحد، الاسمى، الاعز، الامنع، الاصعد، الاشهر، المجاهد، الامضى، المؤيد، المعان، النصور، الاعلى، الاظهر، الاعدل ، الافضل ، الاحفل، الاصيل، الاطول، الباسل، الهمام، المعظم، الموقر، المبجل، المؤمل، المبرور، أمير المسلمين، أبو عنان، بن محل أبينا نعظمه ونجله، ونوجب له الحق الذي هو أهله، السلطان الجليل، الرفيع، الماجد، الطاهر، العادل، الباسل، الاوحد، الاشهر، الاحطر، الكامل، المجاهد، الامضى، الاسعد، الأكمل، الارضى، الهمام، الاروع، الباسل، الحافل، المعظم، المقدس، صاحب الجهاد المبرور، والسعي المشكور، أمير المسلمين أبي الحسن، بن السلطان الجليل، الرفيع، الشهير، الخطير، الكبير، الاوحد، الآحفل، الاسمى، الأسعد، الارضى، الطاهر، الجواد، الأعلى، المجاهد، الفاضل، الكامل، المؤيد، المعان، صاحب المكارم الشهيرة، والمآثر التي هي أوضح من شمس الظهيرة، أمير المسلمين أبي سعيد، بن السلطان الجليل، الشهير، الأسمى، الخطير، الأصيل، الكبير، الحافل، الفاضل، الكامل الأسعد، الامجد، الآعلى، الأطهر، الأظهر، الأسمى ، المجاهد، المؤيد، المعان الأمضى، صاحب الجهاد(5) الأمضى، والسعي الأرضي، أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق، أبقاه الله وحيد العلما على تعدد فضله واشتراكه، فذلكة حسابة أولي الاحساب من خلائف (9: أ) الاسلام وأملاكه، ولازال بدر هدى صهوة الطرف من أفلاكه، وبحر ندى ينسب جيد الوجود الى عنصره العميم الجود درر أسلاكه، فمتى حاول قصدا جنح منه النجح  الى ملاكه، ومهما كاد ضدا كانت النجوم الشوابك من شباكه، حتى يرمي سعده عن قوس الأفق ويظفر بسماكه. معظم مقامه  الذي هو التعظيم مخصوص، وموجب حمده الذي محكمه في كتاب البر منصوص، وموقر ملكه الذي ثناؤه على أساس الاصالة مرصوص، الأمير عبد الله يوسف (6)، بن أمير المسلمين أبي الوليد اسماعيل، بن فرج، بن نصر. سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي جعل الشكر مفترضا، وألف بين القلوب بعواطف فضله الموهوب فلم يبق فيها مرضا، وخلص جواهر الاعتقاد من شبه الانتقاد فلم يترك عرضا، وسدد الأعمال الودية، والأقوال الاعتقادية إلى مرامي التوفيق فأصابت سهامها غرضا، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي سل من الحق حساما منتضى، وندب إلى التماس الخلال التي تحسد والاخلاق التي ترتضي، وبين من المآخذ والمسالك ما كان مسلما أو معترضا، والرضا عن آله وأصحابه الذين اقتضوا من آدابه الكريمة أسنى مقتضى، وباعوا نفوسهم (9: ب) النفسية من الله في نصر دينه ففازوا بدار الخلد عوضا، والدعاء لمقامكم الأعلى بالنصر الذي لا يبقى في فؤاد الدين مضضا، والعزم الذي يحرض النفوس على جهاد عدو الدين حتى يعود حرضا – فأنا كتبناه لكم – كتب الله لكم من الهز أفسخه جنابا، ومن السعد أسبغه أثوابا، وملأ صحائف صفاحكم الماضية فخرا وثوابا، وجعل الصنع الالهي لنداء دعوتكم جوابا، وأسعد الاسلام بايالتكم التي استأنفت شبابا، ووصلت بأسباب التمهيد أسبابا – من حمراء غرناطة ، حرسها الله، والتشيع في سلطانكم العلي سبيل لا يلتبس، والاعتقاد في رفيع جلالكم (7) نور يقتبس منه المقتبس.
وإلى هذا – ايد الله أمركم ورفع قدركم – فقد تقرر جبلة مطبوعة – وسنة مطبوعة (8) – أن المهاداة تغرس المحبة وتنبتها، وتؤكو المودة وتثبتها، وتصرح الاضغان وتزعها، وتسل السخائم وتنزعها، فكيف إذا وردت على ضمائر أصفى في ذلك الله من نطف الغمام، وأصون من درر الزدهار في أصداف الكمام، وقلوب متعاقدة على مرضاة الله والإسلام؟ فيا لها من مودات تزكو حينئذ ثمارها واعتقادات تسطع أنوارها واننا ورد علينا كتابكم الكريم على حال اشتياق لوارده، وظمأ الى موارده، حائزا في ميدان البلاغة مزية التقديم، وأصلا سبب البر الحديث بالقديم، (10:أ) الى ألفاظ مصقولة الأديم ، ومعان حلت من البيان محل الكأس من كف النديم، مصحبا بالهدية، الجهادية، والمقاصد الودادية، والمواعد السنية، والعزائم المتكفلة بنيل الأمنية. فوقفنا من ذلك كله على أنواع بر في أصنافها مختارة، وضروب فضل تختال من الاحتفاء في أكمل شارة، وتشير إلى ما وارءها من العزم الجهادي أكرم إشارة، من كل طرف ذكي الجنان، طموح في العنان، مسرج الهلال متحف بالعنان، منقاد لوحي الطرف وإشارة البنان، مهتد في ظلام النقع بديال السنان. كـأنما زاحم النجم بتليله، فالجم بثرياه وقلد بأكليله، وكأن الصباح غمر وجهه بمسيله، والنسيم اللدن مسح عطفه بمنديله، ونهر المجرة أبقى الليل  في تحجيله، فلو رآه القس لمثله في ظهر أنجيله. متبختر في مشيه، مختال في عصبه ووشيه، يلاعب ظله نشاطا وترفيها، ويطرف عن مقلة ملئت تيها، وأودع سحر هاروت فيها، وكل صارم صقيل الحد، كامن الفضل في الخلد، تميمة من تمائم المجد. ما شئت من ماء في الجلد مكسوب، وضرام في الغمد مشوب، ورومي الى الهند منسوب، كلف بالعلا، وازدان بأبهى الحلى، وهام ببيض الطلا، حتى بأن نحوله بالهوى، ورق جثمانه، وتضاءل بين الاجفان أنسانه، من اللاتي عودتها الايالة الفارسيـــــة (6)(10: ب) خوض الغمار، وجردتها من مخيطها للحج بين يدي مقامها والاعتمار، وعلمتها بنثار الجماجم رمي الجمار، وكل محكمة المقدار محلاة ببحث النضار، منظومة الخرز نظم الفقار. أبدعتها أرباب الحروب في أشكال محاريب، وأبرزتها في المرأى الانيق والشكل الغريب، تهمز بها حروف الجياد عند سكونها، وتثار عقبان الصفوف من ركونها. فيالها من هدية أزرى فيها العيان بالسمع وتثنية قامت عندنا مقام الجمع وذكرتنا بازدواجها الحكمة في ازدواج الجوارح الكعين والسمع، وعرفتنا بتثنية أشكالها، وانفراد الكتاب المغرب عن جلالها بركة الوتر والشفع، فأغرين لسان الشكر بخلال مهديها، وأقبلنا وجوه الود وفادة مؤديها.
وقلنا: لا ينكر العذب من منبعه، ولا النور من مطلعه، ولا الفضل اذا صدر من موضعه، وهذه البلاد – أيدكم الله- أسماع أعدائها مصيخة إلى مثل هذه الأنباء، وقلوبها من اتصال اليد ( بذلك العلا) (7)، محملة بأثقل الاعباء، فإذا عرفت اعتناءكم بأمرها، وعملكم على مصرها، واهتمامكم بشأنها، ومواعيدكم المتكفلة باتصال أمانيها، قصر شـأو  عدوانها، وتضاءل نار طغيانها، ووأزنت الأحوال بميزانها. ونحن ان ذهبنا إلى تقرير ما عندنا من التشيع الذي آياته محكمة، ومقدماته مسلمة، فلا يعترض منها رسم 11: أ) ولا يتنازع فيها –والحمد لله-خصم، لم يتسع نطاق النطق لأداء معلومها، ولا في المكتوب ببعض مكتومها. فحسبنا ان نكل ذلك الى من يعلم ما خفي من السرائر، ويبلو مخبآت الضمائر.
وعرفتمونا بعزمكم على الحركة الشرقية التي قد حتم زندها فأورى، وأبريتم ظرفها، وأنكم تمهدون الى الجهاد في سبيل الله سبيلا، وترفعون الشواغب جملة وتفصيلا. وتكون نيتكم الصادقة تقصد هذا المرمى، وتخطب هذا الغرض الاسمى، خصكم الله بالاثرة الاثيرة، ونصركم في المواطن الكثيرة(8)، فأنكم تعاملون من لا يضيع عمل عامل(9) ، ولا يخيب أمل آمل، والله تعالى يقدم الخيرة بين يديكم، ويتم نعمته عليكم(10)، ويجزل عوارف المواهب لديكم بفضله.
وقد حضر بين يدينا خديمكم فلان، فألقينا اليه من شكر مقامكم ما لزم ووجب، وجلونا منه بعض ما تستر بالعجز عن أدراكه واحتجب، فلمجدكم الفضل في الاصغاء لما يلقيه، والقبول على ما من ذلك يؤديه، والله سبحانه يصل سعدكم ، ويحرس مجدكم "والسلام الكريم يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته".


(1) -من الريحانة، تبعا لما ذكر في الكناسة أمام هذه الرسالة.
(2) - بويع بتلمسان في حياة أبي في 30 ربيع الأول 749 هـ- (1348) ، ثم حدث أن تنازل الأب لابنه عن العرش، حيث جدد السلطان أبو الحجاج يوسف الأول العلاقات السياسية معه، جريا على عادة غرناطة تجاه المغرب. ولد السلطان أبو عنان فارس في 12 ربيع الأول 729 هـ ومات خنقا على يد وزيره الحسن بن عمر الفودي في 28 ذي الحجة عام 759 هـ،  وله ثلاثون عاما، ودفن بشالة الرباط، ولا زال شاهد قبره حتى الآن، استمرت فترة حكمه تسعة أعوام وتسعة أشهر، وفي عهده ملك –ضمن المغرب- مدينة تلمسان بعد قتله لملكها يومئذ عثمان بن عبد الرجمن العبد الوادي، كما ملك مدينة تونس، راجع "روضة النسرين في ملوك بني مرين" تحقيق ونشر: ط. باريس -
(3) الموافق 28 فبراير – 28 مارس 1351م.
(4) هذه الكلمة زيادة بنسخ الريحانة
(5) زيادة في الريحانة
(6) نسبة الى "فارس " أبي عنان السلطان، وربما ورى بدولة فارس المعروفة قديما في الشرق.
(7) زيادة وجدناها بنسيخ الريحانة.
(8) اقتباسا من قوله تعالى:
"لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليمن الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين" سورة التوبة: 24.
(9) اقتباسا من قوله تعالى:
"فاستجال لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى، بعضكم من بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا، لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولا دخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله، والله عنده حسن الثواب" سورة آل عمران: 194.
(10) من هنا جاءت نهاية الرسالة في نسسخ "الريحانة" هكذا:
"ويجزل عوارف المواهب لديكم بمنه وفضله. واعلموا – وصل الله لكم سعادة متصلة الأسباب، ووقاية سابغة الأثواب، والاذيال ضافية الاثواب، - أنه حضر بين يدينا خديمكم الشيخ الأدل الاعز الموقر أبو فلان، كتب الله سلامته، وولى كرامته، فألقينا إليه من شكر مقامكم الكريم ما لزم ووجب، وجلونا منه بعض ما تستر بالعجز عن إدراكه واحتجب، فلمجدكم – أبقاكم الله- الفضل في الاصغاء لما يلقيه، والقبول على مامن ذلك يؤديه، والله سبحانه وتعالى يصل لكم عوارف الابد، ويحملكم من مرضاته على ما يضاعف لديه مواهب نعمائه، ويحقق الظنون فيكم من الدفاع عن دينه وجهاد أعدائه ، والقيام بسنن الجلة من خلفائه، وهو –جلا وعلا- يحفظكم في كل الأحوال، ويسدد عصمة ألوارفة الظلال، والسلام الكريم يخص مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته، وكتبه في كذا من التاريخ. عرفنا الله خيره.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here