islamaumaroc

هذه اللغة المفترى عليها

  دعوة الحق

94 العدد

وافقت اللجنة الإدارية للمؤتمر العام لمنظمة اليونسكو على استخدام اللغة العربية كلفة عامة في اليونسكو وهو خبر ليس من الحق أن يمر من غير تعليق، وهذا التعليق يمكن تركيزه على ثلاث نقط.
أولاها: أن اللغة العربية لغة حضارة عريقة، وكانت في يوم من الأيام هي لغة الطب والهندسة والعلوم الطبيعية، ومعالم الحضارة التي ما تزال ناطقة وشاهدة وقائمة تعتبر معالم انبثقت عن وظيفة اللغة العربية، فالهندسة المعمارية، والنظريات الطبية والفلكية والجيولوجية التي ما يزال البعض منها جاريا به العمل حتى الآن قد أجريت عملياتها وفكت ألغازها وانكشفت أسرارها بواسطة اللغة العربية، هذه اللغة التي وسعت حكمة اليونان وحضارة الفرس ونافست حضارة الرومان، فهي بذلك ليست لغة مجهولة النسب ولا لقيطة يبحث لها عن الحسب والنسب، وإنما أصيلة وعريقة ولها سند متصل معروف البداية والنهاية.
ثانيهما: إن الشعوب العربية والشعوب التي ما تزال اللغة العربية تكون جزءا من معتقداتها والدول العربية التي تمثلها في المنظمات الدولية تشغل مساحة من أرض المعمور تمتد عبر الشرق الأوسط والأدنى وآسيا وإفريقيا وذلك بالإضافة إلى الجاليات العربية الموزعة على أقطار مختلفة في أوروبا  وأمريكا وبعملية حسابية بسيطة يمكن استخراج مئات الملايين ممن يتكلمون العربية أو أنها تكون جزءا من معتقدهم الديني.
أما النقطة الثالثة فهي تدعونا إلى وضع هذا السؤال: ماذا يوخذ عن اللغة العربية حتى تتهم بالقصور في أداء ما تضطلع به لغات أخرى، سواء في المنظمات الدولية أو خارجها
إن اللغة العربية لغة عريقة في الحضارة وهي تتميز عن بقية اللغات بأنها كانت تتوفر من أول يوم على عمليات من النحت والاشتقاق والتصريف يمكنها من مسايرة التطور الحضري حذوك النعل كما يقول المثل العربي.
إلا أن الجهل بما يتوفر عليه من هذه الامكانيات إذ كان يسوغ ويجوز في حق غير أهلها فإنه لا يسوغ ولا يجوز في حق أهلها والناطقين بها وحتى المنتمين إليها.
فآفة اللغة العربية المزمن هو مركب من نقص أدخله الاستعمار مع ما أدخله من مركبات النقص الأخرى إلى البلاد العربية واستمر في توسيع جنباته حتى جعله يمتد إلى اللغة العربية حيثما كانت فاعترى هذه اللغة من مركب النقص هذا بعض الفتور الذي كاد أن ينقلب إلى مشكل في مسايرة الركب الحضاري وذلك بالرغم عن توفر الوسائل والامكانيات واضغات الأحلام هذه يجب أبرازها عن طريق فرض سلطة اللغة العربية، وهذا الفرض يتأتى بوسيلة واحدة، هي التحرر من كل استعمار فكري الذي يكون شطرا متمما للاستعمار المادي
فالسيادة كل لا يتجزأ، وكما أنها تبرز في جلاء الجيوش وتصفية القواعد الأجنبية، فإنها تبرز أكثر بل وينبغي أن تبرز أكثر في إجلاء آلات التفكير الأجنبي من الأدمغة، وذلك لأن ألات التفكير لا يمكن ألا أن تكون مصنوعة في معامل وطنية، ثم يأتي دور تلقيح ما تنتجه هذه الالات بأنواع الثقافات الأخرى.
وإذا كان الصهاينة قد استطاعوا بالإضافة إلى اغتصاب وطن أناس آخرين وحولوه إلى وطن لهم – إعطاء اللغة العبرية مكانتها في شؤونهم العامة وجعلوا منها لغة رسمية بالقول وبالعمل كذلك، فكيف لا يمكن للغة العربية أن تحتل نفس المكانة في تفكير العرب وشؤونهم العامة.
ونحن لا نتجنى على اللغة العبرية حينما نقول، إنها لغة تعتبر في عداد اللغات الستة، ومع ذلك، فالصهاينة تطاولوا – فيما تطاولوا فيه- لفرضها حيث جعلوا منها لغة شغل ومعاملات وتدريس
إن الخلط المقصود والمتعمد في بعض الأحيان فيما بين ثقافة قومية وثقافة عامة، هو أصل هذا المشكل المصطنع، فاللغة القومية أساس التثقيف، التثقيف، خصوصا إذا كانت هذه اللغة مثل العربية، أسهمت بحظ وافر في خلق الحضارات وتعزيز جانبها والمحافظة عليها حينا طويلا من الدهر.
والتجارب الجارية في المعاهد والمؤسسات في الكثير من البلاد العربية تشهد على أن اللغة العربية قادرة على استيفاء جاحيات العصر كله، وذلك عن طريق ما تتوفر عليه من عناصر النحث والتصريف بل أن العرب القدماء قد أدخلوا إلى اللغة العربية مفردات كثيرة بواسطة النحث والتصريف، وتوجد في الخزانات العربية كتب تتحدث باسهاب عن الكلمات الدخيلة التي دعت الحاجة إلى إدخالها إلى اللغة العربية في مختلف العلوم والفنون، ونشير إلى كتاب واحد منها فقط هو "شفاء العليل فيما في العربية من الدخيل"
فلا داعي اذن للف ولا إلى الدوران، وإذا كانت اللغة العربية سنصبح لغة دولية في إشغال منظمة اليونسكو فإنه من الحق أن تصبح لغة قومية شاملة تتدرح كغيرها من اللغات في مراحل التطور الحضري الذي تستطيع اللغة العربية أن تنحث لكل مصطلح من مصطلحاته ما يظهر من جديد.
بقي أن يومن بعض الناطقين بالعربية أو المنتسبين إليها بهذه الحقيقة.
إذ تلك هي الأزمة الحقيقية التي تعانيها اللغة العربية ولا شيء غيرها.
وانا لست في حاجة بعد هذا كله إلى أن أكرر قول الشاعر حافظ ابراهيم: وسعت كتاب الله لفظا وغاية، لأن اللغة العربية بالإضافة إلى ما أورده حافظ في قصيدته " البكائية" على اللغة العربية – أصبحت إلى جانب ذلك تسع المصطلحات الالكترونية وشؤون الذرة.
وعلى الذين يشكون في ذلك أن يتحملوا مشقة مطالعة عدد واحد أو عددين من مجلة "العلوم" التي تصدر عن دار العلم للملايين ببيروت
فإنهم سيجدون في مقالاتها ما يسكت السنة الخراصين الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويقفون عند ويل للمصلين، ويسلكون سبيل من جهل شيئا عاداه.
فقرار منظمة اليونسكو باستخدام اللغة العربية إنما هو تصليح لوضع فاسد لا أكثر ولا أقل، وإذا كان هنالك أبناء عاقون للغة العربية فهنالك أبناؤها البررة وهم كثيرون ولله الحمد.
على أن العقوق يمكن أن يتحول إلى برور، وذلك حينما تعرف أسرار الرضى عند العاقين الذين ياتي عقوقهم في أكثر الأحيان عن غير قصد مقصود.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here