islamaumaroc

المؤتمر التاسع والعشرين للتربية والتعليم.-1-

  دعوة الحق

94 العدد

كان للتطور العظيم الذي طرأ على العلاقات الدولية منذ أواخر القرن الماضي أطيب الأثر في نفوس أبناء هذا العالم وأجمل العواقب على الإنسانية في هذا القرن العشرين ويتجلى هذا الأثر الطيب كما تتجلى هذه العواقب الجميلة في تقوية الاتصالات بين بني الانسان وفي تعزيز الروابط بين سكان المعمور الذين أصبحوا يتصلون يتعارفون رغم بعد الديار وتباين الاقطار واختلاف القارات، وقد نتج عن تعدد هذه الاتصالات وتحقيق هذا التعارف والترابط تعاون متين بين جميع أبناء البشر وتبادل المساعدات في مختلف ميادين الحياة سواء كان الأمر يتعلق بالاقتصاد والإجتماع أو كان الشأن يتصل بالسياسة أو الثقافة.
وقد تعدى هذا التعارف طور الاتصالات الثنائية إلى طور الاجتماعات العالمية حتى أن الاتفاق الذي تعقده دولتان لم يعد الا جزءا ثنائيا من معاهدة دولية أو تنفيذا لتوصية وافق عليها مؤتمر من المؤتمرات الدولية او طبقا لملتمس صادقت عليه، في المرحلة الأولى إحدى المنظمات العالمية.
ويتمثل هذا الاحتكاك بين الأمم والالتحام بين الدول في المناظرات الدولية التي تعقد في هذه البلاد أو تلك وفي المنظمات الدولية العديدة التي تدخل في إطار هيئة الأمم المتحدة أو في المجالس والمنظمات المتفرعة عنها كما يتمثل هذا التواطؤ بين الشعوب في الاجتماعات الاقليمية التي تنظمها مجموعة من الدول في إحدى القارات أو داخل إقليم من الأقاليم الجغرافية أو السياسية المعلومة.
وهكذا أصبح عالم القرن الرابع عشر الهجري يزخر بعدد من المؤتمرات الدولية التي لا تحصى ويتدفق بالاجتماعات العالمية التي لا تستقصى حتى صار من العزيز على بعض الدول المساهمة في كل هذه المهرجانات الأممية نظرا لوفرتها.
وإذا افتخرت السياسة الدولية بمهرجاناتها المتعددة التي يتجلى نمودجها الأعلى في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة التي تنعقد دوراتها في مطلع فصل كل خريف وتاهت الثقافة والفنون والمعارف بمؤتمراتها الزاخرة التي تأخذ قوتها الأولى من المنظمة العالمية للتربية والعلم الثقافة (اليونيسكو) التي تعقد جلساتها العادية في شهري نونبر ودجنبر من كل سنة واعتزت الشؤون الاقتصادية والمالية باجتماعاتها التي لا حصر لها ولا عد والتي ينفخ فيها الروح صندوق النقد الدولي فإن للتربية والتعليم في الندوات الخاصة بدراسة قضاياهما منبع فخار لا ينضب ومعين اعتزاز لا يغيض الشيء الذي يدل على أن التربية والتعليم أصبحا محل اهتمام مختلف الأمم والشعوب، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد اضحت مشاكل التربية جزءا من النمو الاجتماعي والتطور الاقتصادي في مختلف الأقطار المتقدمة منها والنامية ؟ وكيف لا يكون الأمر كذلك ومصير العالم وقف على ازدهار الفكر البشري وتطور العقل الإنساني الذي لا يمكن أن يتحقق الا بواسطة تعليم يتمشى وروح العصر والا عن طريق تربية تعد الإنسان لمواجهة الحياة في المستقبل بكل تطوراتها وتقلباتها ومغامراتها واكتشافاتها العلمية ؟ وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد غدت التربية والتعليم في هذا القرن عبارة عن استثمار رأسمال بشري يوازي مختلف أنواع الاستثمارات الأخرى أن لم يفقها ويتجاوز إطارها؟
أجل، أن للتربية والتعليم مهرجاناتهما الدورية وندواتهما السنوية ومناظراتهما الموسمية، ولعل أروع هذه المؤتمرات والاجتماعات المهرجان العالمي للتربية الذي ينظم في مطلع كل صيف بمركز المكتب الدولي للتربية في مدينة جنيف والذي يحضره رجال التعليم والتربية من مختلف أنحاء العالم وتدرس أثناءه قضايا تربوية صميمية في جو من الصراحة والتفهم وبنوع من الخبرة والحنكة قلما يتحققان في مؤتمرات عالمية أخرى والذي يعتمد في مناقشاته على التجارب العديدة التي عرفتها بعض الشعوب.
وكما جرت العادة منذ ما يزيد على ربع قرن، انعقد في مطلع الصيف الماضي المؤتمر  الدولي التاسع والعشرين للتعليم العمومي بمشاركة مندربين يمثلون تسعين دولة وكان جدول أعمال هذه الدولة يحتوي على ثلاث نقط أساسية هي:
1) تنظيم البحث التربوي.
2) رجال التعليم في الخارج
3) الحركة التربوية في العالم خلال السنة الدراسية 1965-1966.
وقد مثل بلادنا في هذه الدورة، نظرا لأهمية المواضيع المدرجة في جدول أعمالها، وفد تركب من السادة:
الناصر الفاسي –عبد القادر العراقي –جمال الدين الكراوي – وكاتب هذه السطور.
والحقيقة أن هذا المؤتمر التربوي كان فرصة سمحت لبلادنا بالوقوف على ما يجري في العالم من تجارب تربوية جليلة وما توصلت إليه دول كثيرة من حلول وطرق لمواجهة عدد من الصعوبات التي تقترب، في كثير من الوجوه، مما يعترضنا من مشاكل عويصة في ميدان نشر التعليم وتطور أساليبه وتحسين مناهجه والاستفادة من الطرق التربوية الحديثة وتحوير بعض البرامج.
وإذا كان المغرب قد استفاد من التجارب التي عرفتها بعض الدول والطرق التي اختارتها بعض الشعوب من مختلف أرجاء العالم فإن المغرب قد اغتنم هذه الفرصة كذلك ليقدم للمشاركين في هذا المهرجان الدولي عرضا ضافيا عن المنجزات التربوية التي حققها خلال السنة الدراسية 1965 – 1966 فقد قام الوفد المغربي بتوزيع تقرير مطبوع يحتوي على نشاط بلادنا التعليمي تعززه احصاءات دقيقة عن عدد الأطفال الذين تم قبولهم بالمدارس العمومية وعدد المعلمات والمعلمين والاساتذة الجدد وعدد البنايات المدرسية الحديثة ومبلغ الاعتمادات التي تحصصها الدولة للتعليم وشؤون التربية والآفاق التي يمكن أن يتطور في إطارها التعليم الوطني في بلادنا.
وقد أعجبت الوفود المشاركة في المهرجان التربوي بهذا التقرير المغربي وأولته المزيد من العناية والاهتمام يدل على ذلك الاسئلة التي وجهها بعض رجال التعليم والتربية، كتابة، وشفاهيا إلى الوفد المغربي كممثلي الجزائر الشقيقة وفرنسا والكامبودج ومدغشقر وكوبا، وقد تكفل الوفد المغربي بالجواب عن هذه الأسئلة التي حصرها في ثلاث نقط هي:
1) تنظيم وزارة التربية الوطنية بصفة عامة ووظيفة أجهزة التنسيق الإدارية.
2) توجيه الطلبة والعلاقات بين التخطيط التربوي والتكوين المهني.
3) تكوين الإطارات الفلاحية.
ويمكن تلخيص الأجوبة التي كانت ردا على جواب المندوب الفرنسي حول تنظيم الوزارة من الوجهة الإدارية ووجود لجنة للتنسيق بين مصالح التعليم العالي وإدارة النشاط الجامعي بانه لا توجد لجنة يعهد إليها بالتنسيق بين الإدارتين المذكورتين وأن دور التنسيق يرجع إلى الكتابة العامة بوزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة والشبيبة الرياضية هذه الكتابة العامة التي تخضع لها جميع أجهزة التنسيق التي تعمل داخل الوزارة.
وبعد أن شرح الوفد المغربي العلاقات بين مختلف الإدارات التي تسهر على سير التعليم في بلادنا انتقل إلى الحديث عن النقطة الثانية المتعلقة بالتوجيه المدرسي والتي أثارها مندوب الجزائر الشقيقة والعلاقات بين التخطيط التربوي التكوين المهني التي استفسر الوفد المغربي في موضوعها مندوبا مدغشقر الكامبودج فتكلم عن مختلف مراحل التوجيه التي يجدها المتعلم المغربي من التعليم الثانوي إلى دخوله إلى الطور الثاني من هذا التعليم والتي تنتهي بمرحلة ثالثة عندما يلج الطالب أبواب التعليم العالي.
وتعتبر هذه المرحلة أهم المراحل في توجيه الطلبة لأنها تتعلق بحاجيات المغرب إلى الإطارات العليا وافتقاره إلى الاختصاصيين في مختلف ضروب المعرفة النظرية والعملية، ولعل هذا ما جعل التوجيه في هذه المرحلة يكتسي أهمية كبيرة حيث تشرف عليه لجنة تتركب من ممثلين عن وزارة التربية الوطنية وسائر الوزارات الأخرى، وتلعب نيابة كتابة الدولة في تكوين الإطارات دورا خطيرا في هذا التوجيه إذ يعتمد عليها في إحصاء حاجيات البلاد إلى مختلف الإطارات والفنيين.
والحقيقة أن أهمية العلاقات بين التخطيط التربوي والتكوين المهني تتجلى بوضوح في هذه المرحلة إذ كيف يعقل وضع تخطيط للتعليم دون الوقوف على حاجيات مختلف القطاعات الرسمية والحرة التي يتوقف على سيرها وقيمة إنتاجها نهوض بلادنا وخروجها من التخلف الاقتصادي والانحطاط الاجتماعي، وعروجها إلى مدارج الرقي الإنساني والإزدهار العمراني والواقع أن التفكير في إنشاء نيابة كتابة الدولة في التكوين المهني لم يتحقق الا للوصول لهذه الغاية السامية التي تتلخص في تحديد حاجيات  البلاد وإحصاء الوظائف الفنية والتقنية التي يتوقف عليها نموها وازدهارها حتى يتمكن المسؤولين عن التعليم من تكييف التعليم حسب هذه الحاجيات ومسايرته لما تفتقر إليه البلاد لأن التطور العلمي الذي يعرفه العالم في هذه الأيام يفرض على التعليم والتربية الاستجابة لهدف عملي والخضوع لغاية تطبيقه ومسايرة الازدهار الاجتماعي والتطور الاقتصادي في أية أمة من الأمم، وهكذا يتعين على كل أمة تسعى لتحقيق اكتفائها الذاتي من حيث الإطارات وتوازنها الاقتصادي والاجتماعي وذاتيتها الثقافية والمهنية أن تعمل على تكوين الإطارات التي تفتقر إليها قطاعاتها الاقتصادية والفلاحية والسياحية والتربوية وغيرها حتى تضمن لها توجيها وطنيا سليما ينأى بها عن التأثر السياسي والتوجيهات الأجنبية التي يمكن أن توحي بها أفكار المساعدين الأجانب فالأمة المستقلة، حقا، هي التي توجه اقتصادها كما تشاء وتعطي لتعليمها الاتجاه الذي ترضاه وتنفخ في مشاريعها الاقتصادية والاجتماعية الروح التي تريد أن تسري في أعماقها وتتغلغل في أحشائها. ولن تستطيع أية أمة مهما طال باعها واستد ساعد أبنائها وتوفرت على إمكانيات مادية وبشرية زاخرة أن تحترز من الغزو الفكري الأجنبي وتتحرر من التوجيه اللاوطني الا إذا كان القابضون على زمام حياتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية لا ينتمون لشعوب غريبة عنها في الوجه واليد واللسان.
وقد شعر المغرب بهذه الحقيقة الصارخة منذ الاستقلال فأخذ يعمل على استرجاع هذه القطاعات. الواحد تلو الآخر، من الأيادي الأجنبية، فقد شرع. بادئ ذي بدء، في تحرير ترابه الوطني من الاحتلال الأجنبي ثم واصل عمله بجلاء القوات الأجنبية عنه واسترداد القوات العسكرية ثم أخذ يستولي شيئا فشيئا على القطاعات الحيوية من تعليم وقضاء وطب واقتصاد وسياحة وفلاحة، وبما أن غالبية إنتاجنا الوطني من الفلاحة فقد اتجه المغرب اليوم إلى تحرير هذا القطاع والقيام بإصلاح زراعي يرد للمواطنين أراضيهم ويعطي لبعض الفلاحين الفقراء قطعا أرضية يستثمرونها لصالحهم، أولا، ولصالح الوطن وبقية المواطنين ثانيا ولكن اصلاحا عاما من هذا النوع لا يمكنه أن يعطي النتائج المرجوة الا إذا كانت الأيدي الوطنية التي تخلف الأيادي الأجنبية عليمة بالطرق الفلاحية الحديثة خبيرة بالشؤون المتعلقة بهذا القطاع الحيوي الهام. ولعل هذا ما يفسر الاهتمام الذي توليه الحكومة المغربية إلى التعليم الفلاحي الذي يوجه إليه بعض التلاميذ عند نهاية الطور الأول من التعليم الثانوي والذي يحتوي على أربع ثانويات كبيرة تضم ما يقرب من ألفي تلميذ وتتخرج منها إطارات متوسطة يمكن أن يعهد إليها بمساعدة الفلاحين الذين يشملهم الإصلاح الزراعي واذا كان الطور الثاني من التعليم الثانوي يعرف هذه الثانويات الأربع التي يمنح المتخرج منها شهادة التقني الفلاحي فإن المغرب يتوفر كذلك على مدرسة وطنية فلاحية كبرى يندرج في سلك التعليم بها الطلبة الحاصلون على شهادة البكالوريا في الرياضيات أو في العلوم التجريبية حيث يحصلون في نهاية الدراسة بها، على شهادة مهندس فلاحي تمكنهم من العمل على توجيه النشاط الفلاحي في بلادنا ودفع عجلة هذا الإصلاح الزراعي إلى الإمام وجعله يحصل في نهاية الأمر على النتائج المثمرة المنشودة ويحقق الأمال الكبيرة المعقودة عليه وهي تحرير الفلاحين ورفع مستواهم والزيادة في الإنتاج الوطني.
لقد حقق المغرب مشاريع عظيمة في ميدان تطوره الاقتصادي ونموه الاجتماعي، وقد كان في إمكان هذه المشاريع أن تظهر نتائجها على مجموع المواطنين ولكن تخلفنا المؤلم في هذا الميدان وفي غيره والتوسع الديمغرافي المهول يقفان حجر عثرة في طريق كل نمو ويغطيان الوجه الحقيقي لكل مشروع وكل نتيجة الشيء الذي يجعلنا لا نشعر الا قليلا بالتطورات الحسنة التي تطرأ، بكيفية حثيثة على حياتنا اليومية أن محاربة التخلف الاجتماعي لا تتم بالمشاريع الاقتصادية وحدها مهما عظمت هذه المشاريع ولكنها تتطلب تجنيد المواطنين داخل حركة اجتماعية تعمل على بث الوعي الوطني في النفوس وتغرس في نفوس المواطنين بذور إصلاح اجتماعي يشمل مختلف الميادين الخلقية والتربوية والجنسية وفي مقدمتها الشعور بتكاثر النسل وفساد التربية ومحاربة اللامبالاة وغزو العقول الآمنة والقضاء على التفكير الرجعي الذي يتشبث بالعادات الاجتماعية التي عفى عليها الزمان وقضا عليها تطور بني الإنسان.
لقد كان المؤتمر العالمي التاسع والعشرين للتعليم العمومي فرصة وقف العالم كله أثناءها على مجهودات بلادنا في ميدان التربية والتعليم والتكوين المهني كما كان هذا المهرجان الدولي الذي استغرق عشرة أيام مناسبة كريمة مكنت المغرب من معرفة التجارب الحديثة التي تقوم بها كثير من الأقطار في الميدان التربوي. وقد كان هذا المؤتمر بعد هذا وذات ملتقى لمناقشات عديدة مفيدة حول قضايا تربوية مهمة كالبحث التربوية ورجال التعليم في الخارج،  فما هو هذا البحث التربوي؟ وما هي النتائج التي توصل إليها المؤتمر في هذا المضمار؟ وكيف تعرض المؤتمر لقضية رجال التعليم وحاجة أقطار كثيرة إليهم ؟ وهل اعتبر المؤتمر مصالح هؤلاء الجنود المجهولين أو مصالح الدول التي تبعث بهم أو مصالح الدول التي تستقبلهم وتنتفع بخدماتهم الجليلة؟
تلك أهم الأسئلة التي يمكن أن تخطر ببال كل من حاول الإطلاع على ما حققه هذا المؤتمر، وقد أرجأت الكلام عنها إلى حلقات مقبلة نظرا لصبغتها الفنية من جهة ونظرا لكوني خصصت هذه الحصة للكلام عن المؤتمر بصفة عامة وعن بعض المشاعر والارتسامات المتعلقة به بصفة خاصة.

روى (الجاحظ) في (كتاب البخلاء)، أن بعضهم قعد في بيته وأمر مملوكه قائلا:
- أحضر الطعام، وأغلق الباب !
 فقال له المملوك (وكان عارفا بأخلاق سيده وشدة بخله):
- لا يا سيدي أن ترتيب العمل على هذا الوجه يؤدي إلى ما تكره من دخول زائر أو طارق مفاجئ وبين يديك الطعام، فالوجه الصحيح أنني أغلق الباب أولا لنأمن تلك المفاجئات ثم نأتي بالطعام بعد ذلك فتأكله هنيئا مريئا.
فلما سمع الرجل تلك الكلمات من خادمه عرف فيها رأس الحكمة وعين السداد، فابتسم له وقال:
- لله درك أيها الغلام ...اذهب فأنت حر لوجه الله واعتقه جزاء فلسفته في البخل!

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here