islamaumaroc

لماذا نقرأ الشعر؟ -3-

  دعوة الحق

94 العدد

أن من خطل الرأي الادعاء بإمكان الإحاطة بجميع البواعث التي تجعل الناس يتعشقون الشعر، ذلك أن الاستجابة الخاصة بكل قارئ، لها دخل كبير فيما يعنيه الشعر بالنسبة إليه، فللشعر من المرونة والطواعية ما يجعله انعكاسا لمجموعة كبيرة من الناس، في الوقت الذي يجيء فيه انعكاسا لانسان معين، هو قائل الشعر فالعمل الشعري الواحد يبكي قوما ويسر أخرين، مع اختلاف دواعي البكاء والسرور ولابساتهما النفسية لذلك فمهما بذلنا من جهد قصد محاولة البحث ن بواعثنا كعشاق للشعر، لا نستطيع أن ندعي الاحاطة بها اذ دائما تبقى هناك بواعث أخرى، لا تقوى تجربتنا المحدودة على استيعابها جملة وتفصيلا. ولكن هل يكون معنى ذلك أني أتحدث عن وجهة نظر خاصة لا علاقة لها بوجهات النظر الأخرى في هذا الموضوع؟ اذن كان يجدر بي الا اتجاوز (الأنا) لإلى (النحن) في سياق هذا الحديث.
والواقع أن البواعث الأدبية الأصيلة مائة في المائة لا توجد بالمرة، وذلك لما تقتضيه الأجهزة النفسية الأساسية للإنسان، وما تستدعيه المعاصرة، والتأثر بظروف مشتركة من تشابه اناس في العواطف والاحساسات، وعلى هذا فأنا إذ أتحدث عن بواعث قراءة الشعر، فإنما اندفع من حدود مشاعر واحساسات، يشاركني أياها مجموعة من الناس، بقطع النظر عما يكون من تفاوت بين استجابتي واستجاباتهم، لا ينفي ما بيننا من بواعث مشتركة، تصدر عنها أحكام مشتركة.
وأينا يجادل في أن من بواعث تعشق الشعر، هيا منا بأنفسنا وافتتاننا بهواجسها وشكوكها ووساوسها؟ وما ذا نبغي من وراء قراءتنا لقصيدة الشاعر سوى البحث عن ملامح نفوسنا في كلماته وأصدائه، إذا عثرنا عليها لم تسعنا الدنيا فرحا وحبورا، وإذا لم نتبينها عدنا من القصيدة بخيبة مريرة، قد يزول أثرها اذا نحن عاودنا قراءتها في ظروف نفسية أخرى؟ والشعر نفسه أنانية مهذبة، والشاعر نفسه كائن أناني يهيم بنفسه، ما يلبث يحبس نبضها، ويتغنى خواطرها وانطباعاتها عن هذا العالم، ونحن قراء الشعر لا نقل أنانية عن الشاعر. نتغنى أنفسنا على لسانه، ونبحث عن أسرارنا بين سطوره وخلال كلماته، ومن ثم يكون أقرب الشعراء إلينا ذلك الذي نقرأ كلامه أو نسمعه، فنخاله صادرا عنا، نتمثل فيه ذاتيتنا وملابساتنا النفسية، فإذا نحن ألفينا أنفسنا إزاء شاعر غريب عنا في تصوراته وجوه العاطفي، فقد نزور عنه إذا لم يكن عندنا نصيب كبير من الروية وسعة الصدر، والصبر على نزوات نفوس الآخرين.
وهذا التفاني من الإنسان خالقا للشعر وقارئا له، في البحث عن نفسه والتغني بمشاعرها، وه في الحقيقة سر هذا الكلف الشديد بالفن الشعري وكذا بقية الفنون الجميلة وهو يعتبر دليلا على القوة وعلى الضعف، بالنسبة إلى الإنسان في وقت واحد. فهو دليل ضعف، لأن الإنسان يقف من نفسه موقف الخادم، يتلقف كل ما يصدر عنها من هاجس أو خاطر أو إحساس، ويذهب يصنع منه آيات الفن والجمال، وهو دليل قوة، لأنه وسيلة الإنسان لتأكيد وجوده في هذا العالم، وفرضه شخصيته على كل ما يحيطه من مظاهر الحياة والطبيعة . فأنت إذ تتملى آيات الفنون الجميلة، تجد الإنسان عملاقا يمتد طولا وعرضا في آفاق الأيام والسنين، جاعلا جميع الكائنات الأخرى تدور في فلكه. وتجري في ركابه.
ونحن نتعشق نفوسنا منعكسة على أعمال الشعراء، مهما كانت نقائضها وعيوبها، بالقياس إلى مزاياها وحسناتها وكيف يمكننا أن نفعل غير ذلك، إذ لا نملك قوة الانفصال عنها شبرا واحدا لننظر إليها بشيء من الموضوعية؟ قد نعرف أن لنفوسنا نواحي ضعف، وقد لا تروقنا بعض حالاتها. ونود لو استطعنا التخلص منها، ولكن العجب كل العجب، أننا تاخذنا النشوة عند ما نعثر على ضعفنا نفسه في كلمات شاعر، بعامل المشاركة الوجدانية التي لا تترك الإنسان يشعر بأنه وحيد في بأسائه. وبعامل الصياغة الفنية التي تستمد من الضعف قوة. فتشق منه هذا الجمال الفني الذي يجعلنا ننظر إلى نقائصها نظرة فيها قليل أو كثير من الشاعرية أهي إحدى حيل الطبيعة، تعوض الإنسان عما فاته من وسائل القوة؟ أم هي أحدى حالات زوال الفوارق بين القوة والضعف في حياة الإنسان النفسية؟ لست أدري، ولا المنجم يدري، ولكن الذي نستطيع أن نحققه ونطمئن إليه، هو أنه لا يمتعنا شيء كما يمتعنا أن نجد نفوسنا بحسناتها وسيئاتها. فيما نقرأ من الوان الأدب والشعر.
ولكن لماذا هذا التعشق للنفس، في آيات الفنون؟ لعله راجع إلى غريزة إثبات الذات. الكامنة في نفس الإنسان، يتجلى ذلك منذ طفولتنا الأولى، ويتدرج معنا في مراحل العمر المختلفة، تزيده التجربة والخبرة بالحياة متانة وروسوخا واحتيالا وتفننا في التماس الوسائل الكفيلة باثبات الشخصية.
بيد أننا عند ما نقرأ الشعر، لا نجد نفوسنا وحدها وإنما نجد أيضا نفوسا أخرى تتفق معنا في أشياء، وتختلف عنا في أشياء أخرى، ومع ذلك نحرص أشد الحرص –متى كنا قارئين جادين- على معرفة هذا الذي نختلف فيه. كما عرفنا ما اتفقنا فيه. وذلك لنزداد ادراكا لنفوسنا، عند مقارنتها بغيرها، ولنتبين المنازع الكامنة في عقلنا الباطن، إذ يكشف النقاب عنها ما يواجهنا في نصوص الشعر من الطبائع والملامح النفسية غير المألوفة لدينا، ودائما يودي اصطدام الطبائع المتنافرة والتحامها إلى استثارة رواسبها البعيدة لتقذف بما فيها من أسرار كامنة، تنتظر الفرص المواتية لظهورها على مسرح الحياة النفسية في وضوح.
فأنت مثلا قد تكون عفيفا نقيا ورعا فتقرأ شعر عمر ابن أبي ربيعة الفاجر، فتلفي نفسك إزاء نفس إباحية فأجره، ولكنك قد تكشف أخيرا أن هذه الإباحية لها أصول في أعماقك، تتجاهلها تحت تأثير التربية والرأي العام الجو الاجتماعي وارث السنين من النصائح والوصايا والمواعظ وقس على ذلك افلا يكون الشعر – على هذا الأساس- يزيدنا معرفة بنفوسنا، وتتوفر لنا فرص ذلك، كلما اقلبنا على نقرأه في نصوصه المتنوعة، الممثلة لشتى الاتجاهات والميول؟ ولكن أية معرفة هذه؟ وما وسائلها وطرائقها ؟ في الحقيقة هناك اختلاف كبير بين قراء الشعر في هذه القضية، فهناك القارئ الهاوي، الذي لا يقف عند نصوص الشعر لدرسها بأدوات الباحث المدقق، وإنما هو ياخذها كيفما اتفق، ويترك نفسه تحت سلطانها السحري، يتلقى ما يصدر عنها من مشاعر واحساسات وحسبه هذا الانشاء اللذيذ الذي يحصل له حينئذ، وهو في هذه الحالة لا يصرف نفسه في نصوص الشعر معرفة تحمل أدوات المعرفة ووسائلها، فإن هي الا معرفة استبطان ذاتي، تجري في غموض وإبهام وهناك من يقرأ الشعر حاملا أدوات المعرفة الدقيقة، فكل شيء عنده بأصول ومقاييس، واكثر قراء الشعر من القبيل الأول، وذلك لأن وسائل البحث الجاد عسيرة وثقيلة التكاليف، ولأن جل قراء الشعر ما زالوا يعتقدون أن قراءته إنما هي مسألة متعة روحية خالصة لا تصحبها مصاعب الدرس الشاقة، ولأن الشعر نفسه يذهب رواؤه وجماله الفني، عند ما تقطع أوصاله استجابة لطرق البحث الدقيقة، ولكن سواء قرأنا الشعر على النهج الأول والثاني، فدائما نجد عنده شيئا من أنفسنا، فنعرفه معرفة دراسة وبحث، أو معرفة تلقي واستجابة.
وأهمية الشعر لا تقف عند هذا الحد من معرفة النفس، وإنما تمتد إلى طبيعة اتصالها بمظاهر البيئة الطبيعة والاجتماعية، فهذه المظاهر التي تحيط بنا وتتصل بحياتنا وتؤثر فينا تأثيرات مختلفة ، قد نقضي في صحبتها سنين عديدة من حياتنا ونحن في غفلة عن أسلوب تأثرنا بها، واستجابتنا لمعطياتها، وعن أبعادها ومفارقتها وما يكمن فيها من أسرار الجمال، إلى أن يجيء الشاعر المبدع، ليرفع الحجب عن هذا كله، ويجعلنا نشعر بالصداقة لما حولنا، نأتنس به، ونستوحي منه، ونستمد عناصر تكويننا الفني، وقد يستطيع أن يجعلنا ننظر إلى تلك المظاهر، وكأننا نراها للمرة الأولى، وهكذا يمكننا الشعر من تجديد اتصالنا بالحياة والأشياء.
نعم، أن للعلم فضلا كبيرا في الكشف عن صلة الإنسان بالعالم المحيط به، ولكن طريقة العلم لدقتها تستطيع أن تقنع العقل وتملأ الذهن، ولا تستطيع أن تؤثر في المشاعر وتملا القلب، ونحن نود أن نجد نفوسنا ونتمثلها تمثلا شاعيريا في موقفها من الأشياء، وتأثير الأشياء فيها، علاوة على توفرنا على دراستها بطرق العلم وقواعده الدقيقة، أن العلم لا يستطيع أن يهبنا من نتائجه في هذا المجال الا ما حققه ووضع له قواعد صارمة تثبت أمام التجربة والجدل والبحث، ولكن الشعر قادر على أن يهبنا نتائج أبعد من ذلك، ولكونه  يعبر عن عوالم وآفاق إنسانية بعيدة المدى، عميقة الأغوار، ما زال العلم لم يخضعها بعد لسلطانه، وقادر على أن يتنبأ ويشوق إلى المجهول، ويحملنا على أن ننظر من خلال قلوب كبيرة واخيلة جبارة إلى ما فوق المحسوس وما هو أبعد من مجال العقل والإدراك، فالشعر مكتشف كبير، ورائد لا يجاري، وجريئ فيه اقتحام الطرق التي لا يعلم أحد إلى أين تؤدي، ولاية غاية تنتهي، حتى ليكون أحيانا، وعلى يد كبار الشعراء نبوءة في عصر كافر بالنبوءات كعصرنا هذا، ودائما كان الشعر يتقدم العلم في التعبير عن الطاقة الإنسانية، ومدى قدرتها على الإبداع، وكثير في زمن ما أحلاما تداعب أخيلة الشعراء، وأطيافا جميلة تهز وجدانهم الشعر تساؤل وحيرة وشوق إلى شيء ما، وتجاوز للمشهود إلى ما وراء المشهود، ونداء حار يهز أعماق القلوب، ودعوة للتفوق على الذات، على حين أن العلم لشدة كلفه بالأصول والقواعد، يضحي بالهدف البعيد الذي تعوز وسائل الوصول إليه، في سبيل الهدف القريب الذي تيسرت وسائله، هو لا يحلم، ولا يجري مبهور الأنفاس، ولا يتخطى الدروب والآفاق، من أجل شعاع يلمع في أفق بعيد، وإنما هو الرزانة والاناة وهدوء الحركة، على حين أن الشعر هو النقيض من ذلك، هو طفل مكلف باقتحام المخاطر، مفتون بالتجربة يقتحمها مهما كانت العواقب، فلا غرو بعد هذا إذا كنا نجد في الشعر ما لا نجده في العلم من إرضاء الأشواق الروحية، وتفوق على الذات، وحنين إلى الأبدية.
ونحن عشاق الشعر لا نكتفي بأن نجد نفوسنا في نصوصه الممتازة، بل نتجاوز ذلك لنجد فيه علاجا لبعض ما ينتابنا من الام وأحزان في هذه الحياة المليئة بالورود والأشواك، وكم كانت الام الإنسان سببا في إزواره عن الحياة وكفره بها وتمنيه الانعتاق من نيرها الثقيل، وهنا يتقدم الشعر ألينا بترياق للسموم السارية في نفوسنا. وبلسما للجراح الدامية في أكبادنا وقلوبنا، فقصص الأبطال الشقياء، وماسي المعذبين المحرومين، والام الحائرين الضالين، كما يرويها الشعر، من شأنها أن تؤنس كل معذب وشقي وحائر، وتخفف عنه من هول المصاب، إذ بواسطتها ينفث صدره ما يمزقه من السم مبرح، ورب كلمة شعرية وردت الروح إلى الميت. الحائر وليس الشعر الباسم وحده هو الذي يفيدنا في التغلب على همومنا البشرية، فحتى الشعر العابس قد يستطيع ذلك، طالما كان في تكاشف البوساء والأشقياء وسيلة لإعادة الابتسام إلى وجوههم الكفهرة، وتخفيف لعبئهم الثقيل ومن أكبر وسائل سعادة الإنسان أن يسكن إلى من يشاكلونه في الطبع والمزاج،  ويقاسمونه مصيره سنة النفس الإنسانية، حيث تجد في أسباب سعادتها أسباب شقائها، والعكس بالعكس، فكم نتألم ونحن في أوج فرحنا، وكم نتلذذ ونحن في أسوء حالاتنا، وما الصحك نفسه الا حيلة من الطبيعة للتخفيف من مضاعفات الإحساس بالآلم عند الإنسان، ومن تم كان هذا الاختلاط بين العوامل البكاء وعوامل الضحك، حتى ليصعب التفريق بينهما أحيانا كثيرة.
وكما أن الشعر يخفف عنا بعض هموما، فربما خلق لنا هموما جديدة، بل لا خير في الشعر إذا هو لم يخلق لنا هذه الهموم الجديدة، وقد يعتبر هذا من غريب المفارقات، ولكن متى كان الإنسان خاليا من الهموم ؟ فهو لا يكاد يودع هموما حتى تستبد به هموم أخرى، ذلك أن نفس الإنسان لا ترتاح لحظة واحدة في صراعها مع ظروفها والحياة، همومها يتولد بعضها من بعض، ويستدعي بعضها بعضا، ويجلو منها شيء ليحل محله شيء جديد، وهكذا نستطيع أن نفهم كيف يمكن أن يسلينا الشعر من جهة، ليثقل كاهلنا بحمل جديد قد نعاني منه زمنا، وقد قلت أنه لا خير في الشعر إذا هو لم يحملنا هموما جديدة، وعلى أن أقيم الدليل على هذا الزعم، والمسألة في منتهى البساطة، فالشعر الصحيح تطلع إلى المجهول، وكشف عن أسرار الأشياء الجميلة، وتشوق إلى المستقبل الغامض، واستبطان لأعماق الإنسان وتعبير عن أزمات الروح والضمير، ودعوة إلى تعشق الكمال، ونفور من البشاغة في شكلها المادي، او في وجودها المعنوي، وفي اشعار قارئ الشعر ببعض هذا لا بهذا كله، مدعاة إلى اخراجه من جو الراحة النفسية، ورمية بين ملتقى رياح أربع لا خير في العمل الشعري الذي تنتهي منه لتستلم للنوم، أو تحملق في الفضاء كالأبله، ما دام الشعر تفجيرا للطاقة الإنسانية، وأثارة للمعاني القوية.
قد يتصدى معترض للرد على هذا الكلام فيقول: إن الحياة في سيرها العادي كفيلة بأن تغرق الإنسان في بحر من الهموم التي لا ينتهي ، فما حاجته إلى الشعر يلتمس فيه هموما إن هي الا انعكاس لهموم الحياة اليومية؟ وهي مغالطة لا تثبت أمام البحث حقيقة أن هموم الشعر من هموم الحياة، ولكن الفرق بينها وهي ضمن الواقع، وبينها وهي في نصوص الشعر، وهو الفرق ضمن الواقع، وبينها وهي في نصوص الشعر، هو الفرق بين الطبيعة باعتبارها شجرة أو جبلا أو بحرا، وبينها وهي مصورة في نصوص الشعر الجيد، العمل الشعري إن يتناول الشيء في النفس أو الطبيعة، يعيطنا نموذجه المثالي ويستفيد من خصائصه وميمزاته لا برازها في أدق نواحيها، هذا بالاضافة إلى ما تضفيه عليها روح الشاعر من طامع خاص، يجليها في شكل طريف، ومن هموم الحياة ما يعيشه الناس فعلا، ولكنهم لا يفطنون إليه، ولا يشكل (أزمة) بالنسبة إليهم، تحملهم على النظر في شؤونهم نظرة الناقد، حتى يجيء الشعر فيمكنهم من ذلك
وبين سلوتنا عن هموم، وامتلائنا بهموم قصة طويلة من التوجس وكذب الطنون، وخداع الأماني، ووساوس الأحلام، وانتظار المفاجات، وما إلى ذلك من الحالات النفسية التي تتبدل باندفاعنا وراء الكلمات الشاعرة، نحبس نبضها، وتحياها ملء كياننا كله.
والهموم الشعرية ليست – كما قد يتبادر إلى الذهن- نوعا من الترف الذهني والنفسي، بحيث تعتبر تظرفا فنيا وعرضا من أعراض الذهنية الخاملة وسلبية الإرادة، وإنما هي تعبير عن النزوع إلى الحرية والانعتاق من طغيان المادة، وجبروت الآلة، وارتفاع بمستوى المشاغل الفكرية والروحية إلى مستواها الرفيع هي رفض الإنسان لحيوانيته، وامتداد لافقه الآنساني.
ومن حسنات الطبيعة أنها لم تعمم هذه الهموم على جميع البشر، وإنما أوقفتها على طائفة محدودة من الناس، ولو عممتها لكنا نعيش في عالم مجنون، لا يعرف شيئا من الاستقرار والتوازن، ولا يكون فيه مجال للحقائق الصغيرة البسيطة، التي تشغل حيزا كبيرا من حياة الناس، وبوجودها تنتظم الحياة في سيرها العادي بل لو عممتها لما كان لها هذا السحر، وهذا الرونق الذي تبدو عليه. في عالم يتسع لصغار الأشياء وتوافه الأمور، مما يساعد هذه الهموم على الاستبداد بطائفة من الناس، ملت ما جريات الحياة العادية، فحنت إلى جو الإيحاء والإشراف الروحي، جو الشعر والشعراء تعادلية الحياة بين المتناقضات والمفارقات، بين المادة والروح، والجوهر والصورة، والحرية والعبودية الخ هي السر في استمرار الحياة بشكلها المعهود، لذلك ما أحس أحدنا بهموم شعرية فرضت سلطانها عليه. منتجا للشعر أو قارئا له، الا وشعر بشيء من الغربة في العالم المحيط به، إذ يقدر ما تشق تأملاته وخواطره وتطلعاته الروحية إلى الكامل والسامي والامثل، بقدر ما تظهر بشاعة الحقائق الصغيرة التي يجري الناس من ورائها لاهثين متزاحمين بالمناكب، في كل زاوية ودرب ومنعطف وهو حينئذ إما أن  يعترف بمنطق الحياة ويحاول التوفيق بين نفسه والجو الاجتماعي المحيط به، وأما أن يستسلم لنوع من البوهيمية اللامبالاة، التي تحمل إليه فيما تحمل: الملل والقنوط والسخط على كل قيد أو نظام، وهو فشل وقع فيه الكثيرون من منتجي الشعر وعشاقه على السواء.
والشعراء الذين عاشوا في صلح مع الحياة، أقل بكثير من الشعراء الذين عاشوا في صراع معها، إذ كلما كان الشاعر أقوى شعورا بذاتيته، كلما ازداد خلافه مع العالم المحيط به، ولو وكل الأمر إلى جل الشعراء، لقلبوا الدنيا رأسا على عقب، وغيروا كثيرا من أنظمة الحياة، بل لفعل كل واحد على شاكلته الخاصة، واذن لكان هناك عوالم مختلفة لا عالم واحد، تتعدد بتعدد منازع الشعراء وامزجتهم.
وإذا كان الشعراء عاجزين عن تغيير نظام الحياة، فهم يغيرون ويبدلون منها في دنياهم الخاصة، يخلقون أنواع الفراديس، وأنواع الجحيم، ويبدعون في تجسيم المثل والقيم التي يومنون بها، ويبحثون عنها في الواقع المشهود فلا يجدونها، ويتقنون في رسم الحياة المثالية كما يتصورونها وتهفو نحوها قلوبهم ونحن قراء الشعر تصيبنا عدوى هذا الرأي يشغلهم ، فنحلم أحلامهم ونعيش همومهم ونشاركهم عملية الخلق والإبداع، ونقاسمهم عاقبة المصير، دون أن نعتبره مصيرا فرديا يهم الشاعر وحده، ولا مصيرا انتهى أمره ودخل في ذمة التاريخ، وإنما نعتبره مصيرا يتجدد وينتظر وتتسع الحياة لعودته مرات ومرات، كلما وجدت أسبابه ومبرراته، فمشاغل الشعراء وهمومهم، أن هي إلا مشاغل وهموم إنسانية عامة، بمعنى أن الشعراء يحملون نقل الهموم عددا كبيرا كلها، وينطلقون مجنونين بالكلمة، لأن هناك عددا كبيرا من الناس لا يحسنون استعمالها فيما يجدون من شؤون القلب والعاطفة، فكان الطبيعة إذ تحرم هؤلاء الناس الموهبة القادرة على استعمال الكلمة استعمالا شعريا، تلقي العبء، كله على الشاعر الذي يظهر بينهم.
لقد انتهينا الآن إلى نقطة من هذا الحديث، ظهر لنا الشعر خلالها ضروريا ضرورة الماء والشمس والهواء، ولا غنى لنا عنه ما دمنا نتنفس ونضطرب في هذه الحياة، ولكن ما زالت هناك بواعث أخرى كثيرة تدفعنا إلى تعشق الشعر، ومنها قصور الإنسان عن تحقيق جميع آماله ومتمنياته في هذه في هذه الحياة وأنها لعجيبة هذه الطبيعة التي خلق الإنسان عليها، إذ ركبت فيها عناصر الضعف إلى جانب عناصر القوة، الأمر الذي خلق في الإنسان صراعا حادا بين نواحيه القوية ونواحيه الضعيفة لا يهدأ الا برحيله إلى العالم الآخر، فهو يجاهد ويجاهد، فلا يحقق من آمانيه الا الشيء اليسير، بالقياس إلى الأماني التي يعجز عن تحقيقها، ولذلك فهي تبقى حلما يلازمه في مختلف حالاته، وتتولد عنه ضروب من الآثار النفسية المختلفة، تؤثر على أقوال وأفعاله، ملتمسة وسيلة للتعبير عن نفسها، فإذا كان صاحبها ذا نزوع فني، اتخذت من الفن مجالا لظهورها، ومن هنا كان الشعر –سواء من ناحية منتجه أو قارئه- تعويضا عما يصيب الانسان الفنان من خيبة في آماله العذاب.
واعتقد أن لو رزق الإنسان قدرة فائقة على ان يقول للشيء: كن فيكون، لما وجد من نفسه وازعا يدفعه إلى قول الشعر أو قراءته، ذلك أن الشعر تعبير عن الجانب المثالي في الإنسان، هذا الجانب الذي لم يستطع الإنسان تحويله إلى حقيقة واقعة، بالرغم من جهود المصلحين والفلاسفة وكبا الشعراء والأدباء، فدائما يصطدم عالم الواقع بعالم المثال، وأخيرا ينهزم الثاني أمام الأول، ليعيش بين الحروف، وفي تضاعيف الكلمات الشعرية الجميلة، فتحقيق جميع الأماني معناه الشعور بالاكتفاء، وانتفاء لذة الأشواق، ومتعة الانتظار، ومعناه أيضا خمول النفس، وانحلال القوى المبدعة، وانعدام عنصر الصراع بين الإنسان وظروفه، وبينه وبين نفسه، هذا الصراع الخالق المبدع، الذي تتولد عنه كثير من العقد النفسية، ملهمة العباقرة والفنانين هل كان للعقاد أن يملآ الدنيا بروائعه وآياته، لولا هذه العقدة التي الحت عليه كثيرا، وهي أنه لا يحمل شهادات عليا، تضع له مكانة بين أبناء جيله فجاهد بقلمه ليفرض شخصيته، لا عن طريق الألقاب العلمية، وإنما عن طريق البيان والإبداع؟ وهل كان في مقدور المتنبي أن يملآ الدنيا ويشغل الناس، لولا صراعه مع الظروف المعاكسة التي أحاطت به ؟ وهل كان في وسع ابن الرومي وأبيحيان التوحيدي ان يبدعا لولا خيبتهما المريرة القاسية ؟ قد يعترض معترض فيقول: واين تركت عمر بن أبي ربيعة الشاعر المحظوظ، وامرء القيس ربيب العز، وشوقي شاعر القصور، واضرابهم من الشعراء الذين نالوا من متاع الدنيا قسطا واقرا ؟ ولكن هل خلت حياة هؤلاء من نوع من الصراع ؟ ومن يستطيع أن يثبت لنا أن آمال هؤلاء قد تحققت جميعها، بحيث لم تترك لهم مجالا للتمني ؟ الا فلماذا نجد عمر بن أبي ربيعة تبع نساء، يضفي عليهن من شعره حللا قشيبة يتباهين بها بين رحاب الآداب العربي؟ فهو ما أن يشبع أحداهن وصفا وغزلا، حتى تلوح له أخرى تسكره باللفظ واللحظ، فيحيطها بهالة وضاءة من عذب الشعر وجمال الفن، ثم ترنوا إليه أخرى فيترك صاحبه ويهرع إليها، يحوم حولها ولسانه ينفث روائع القصيد، فهذا الجري من امرأة إلى أخرى. أن هو الا برهان على أن عمر تتجدد أماله، وتمتنع عن التحقيق الكامل، فتكون هبة ذلك هذا الحر من الكلام الذي اتحفنا به وقل مثل هذا بالنسبة لبقية الشعراء الذين يلوح لنا أنهم وفي يعرفوا شيئا من الصراع، فأنت لابد واجد عنهم وفي خلال أعمالهم الفنية دليلا على انبثاق شعرهم من الشعور بأن هناك أمالا لم تتحقق، وليست الأمال المعلقة مقصورة على الأغراض الدنيوية، بل هي قد تكون أمالا فنية صرفا، هي أمال منتج الفن في الوصول إلى الكمال، والتربع على القمة.
وعدم تحقق بعض الآمال كما يكون دافعا إلى قول الشعر لاستغراقها وتحقيقها عن طريق الحكم الشعري، فهو كذلك بالنسبة إلى قارئ الشعر، يلتمس فيه إشباع نفسه الطموح، وتحقيق أماله الضائعة، فعاشق الشعر هو شاعر أخرس، وقد لا تقل تجربته عمقا وأصالة عن تجربة الشاعر وهو يقرأ أعماله، ولا أبالغ إذا قلت أنها قد تفوقها، متى كان القارئ أقوى حيوية واستجابة من الشاعر المبتكر.
ومن بواعث قراءة الشعر، هذا الغموض الذي نحسه في كثير من نواحي الحياة وآفاقها فكم من معاني تجول في خواطرنا، أو مشاعر تهتز لها قلوبنا، أو أصداء كونية تأخذ أسماعنا من هنا وهناك، ولكننا لا ندرك كنهها، ولا نتبين طبيعتها، ومن ثم ينبعث فينا شيء من  الفضول الفكري، والشوق العاطفي، لا ماطلة الكلام عن هذا الذي غمض علينا، فنجد أشياء نستطيع إخضاعها للعقل الفاحص ولكن قد تصادفنا اشياؤ وشؤون أخرى تأبى هذا الخضوع، إذ هي بطبيعتها غامضة حرة لا تريد أن تنزل النقاب عن وجهها، فنحتال عليها بلغة الشعر الساحرة، نهمس لها بها، ونضع لها الفخاخ بكلماتها، وكلما اشتدت غموضا كلما اقبلنا عليها متلطفين، نحوم حولها كما يحوم الطائر الصادي حول الماء العذب النمير الغموض هو إحدى حيل الطبيعة لتفجير الطاقة الشعرية في الإنسان إذ معه يوجد الشوق، واللهفة، والفضول، والتطلع والتساؤل والشعور بالتحدي، ولا شيء أعدى للشعر من الوضوح الكامل الذي لا يترك أفقا غامضا، ولا زاوية غارقة في الظلال، ولا سرا يكمن وراء ستار. ولا خاطرا يحيط به جو الإبهام أو معاني تتردد في الصدر، ولا تتضح للذهن والا فبأي شيء نعلل كلف الشعراء بالطرافة الغريبة وارتياد الأفق المبكر. واصطياد الخواطر والمعاني الغريبة التي لم تبتذل بشدة الشيوع؟ ولماذا نجد قارئ الشعر الممتاز. يعرض عن الشعراء المجترين، وينصرف إلى الشعراء المبدعين؟ قد يقول قائل: ما بال شعراء العرب في الجاهلية أجادوا في فن القول: مع أنهم كانوا يعيشون في بيئة كل ما فيها واضح، من الرمال إلى الصخور إلى الحيوان إلى السماء المكشوفة والفضاء الواسع الذي لا يعترضه حاجز؟ ولكن هل الغموض لا يشمل إلا البيئة الخارجية وحدها؟ وأين تركنا نفس الشاعر في طبيعة اتصالها بالدنيا من حولها؟ إذ ليس من المفروض أن تكون واضحة في كل انطباعاتها عن البيئة الواضحة، ذلك أن النفس الإنسانية معمل للتجارب النفسية، تتلقى مؤثرات الحياة الخارجية وأصداءها. فتولد منها عالما من المشاعر والخواطر التي منها الواضح، ومنها الغامض وما اعتذريات النابغة الذبياني إلا صدى لإحساس الشاعر بالغموض الطارئ على علاقته بالنعمان، وعدم ثوقه بأن مكانته عند الملك لم تتغير ولنستمع إلى امرء القيس يقول هذين البيتين:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
                           وايقن أنا لاحقان بقصيـــــرا
فقلت له لا تبك عينك إنما
                           نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

فها هنا نجد صاحب الشاعر يشعر بغموض المصير الذي ينتظرهما وهما في طريقهما إلى قيصر الروم. والشاعر نفسه يشعر بهذا الغموض، ولا يعلم عاقبة المغامرة التي يقوم بها، ولكنه بغالب مصاعب الموقف، ويثبت صاحبه ويعيد إليه الثقة بالنفس وقس على ذلك الشيء الواضح إذا رأيته أو سمعته أو استحضرته لذهنك، يمكنك أدراكه بكل وضوح ودقة، ومن ثم تراه شيئا مفروغا منه، لا يستدعي فضولا فكريا ولا لهفة عاطفية، ويمكن لمجموعة من الناس أن تراه أو تسمعه أو تستحضره معك، ثم تنصرف نعنه لأنها أدركت كل شيء فيه، ولكن الشيء الغامض يبعث شيئا من الحيرة، ويجعل الناس يذهبون مذاهب مختلفة في تمثله وفهمه والاستجابة له، فتكثر الظنون، وتتنوع الفروض والتخمينات، وهذا هو الجمال الحيوي بالنسبة للشعر، إذ يصدر عن هذا الغموض، الذي يحرك مواهب الشعراء، وبتعدد الششعراء تتعدد أساليبهم في استيعاب الشيء الغامض الذي يساعده غموضه على الإيحاء والإلهام، وفتح أبواب الظنون الشعرية، لتجد مرتعها الخصب، ومن ثم لا وجود في الشعر للمعنى أو الخاطر المقطوع به أو المفروغ منه أبدا، وإنما كل معاني الشعراء وخواطرهم نسبية مؤقتة، تتبدل بتبدل الظروف المؤثرة، والنفوس المتأثرة، وقارئ الشعر هو أيضا يخوض تجارب الشعراء، ويتعرض لما يعرض لهم من أحوال متباينة، والا عيب الظنون.
ونحن عند ما نقبل على الشعر نقرأه، نريد أن نستشعر المغازي الكامنة في مظاهر الحياة من حولنا، والتي طالما وقفنا أزاءها حائرين، نحس نحوها بشيء من الحب أو شيء من البغض، نتأملها محملقين ، ثم نرتد عنها لا نحمل لها إلا صدى مبهما، فإذا بالشاعر المبدع يأخذ بيدنا إلى قدس أقداسها وبعيد أعماقها، دون أن يفسد علينا  متعة الاستماع بتلك الغلالة الشفافة التي تكتسيها معاني الأشياء، لتكون بعيدة كالقريبة قريبة كالبعيدة، فابغض الشعراء إلينا ذلك الذي يتناول مظاهر الحياة بالأسلوب المباشر الذي لا يدع للقارئ فرصة استعمال الذكاء، لملء الفجوات، وقراءة ما بين السطور.
ونحن نقرأ الشعر لنكون أغنياء بألفاظنا، تنبعث عنها ألوان من الإشعاع الروحي، وتتكشف عن صور من الحياة، وتكون بالنسبة إلينا كائنات حية، لها كل خصائص الكائن الحي، من الحركة والنمو والتطور، ومن ثم لا تبقى عندنا مجرد أداة لتبادل الرأي والدلالة على المعاني، وإنما نستحيل إلى عالم فني قائم بذاته، يوحي ويلهم، ويروق بكيانه الذاتي الجميل فعندما تجري الكلمة على ألسنتنا أو تطرق أسماعنا، أو تتمثل لخاطرنا، تغمرنا بظلالها وألوانها ومفاتنها، تحمل إلينا ذكريات من الماضي، وأطيافا من المستقبل، وتشق عن كنوز من ذخائر النفوس الشاعرة، ولا شيء أقدر من الشعر نقرأه ليهب ألفاظنا هذه الثورة وهذا الغنى الفني، إذ فيه تعيش كلمات اللغة، تتنفس وتضطرب، وتتعاطف، وتهمس، وتبتسم وتعبس، وكلما انتقلت من شاعر إلى آخر، تضخمت حمولتها من المشاعر وتدفقت بواعث الحياة فيها، وعند ما يأخذها القارئ في نصوصها الجميلة المتنوعة، تفيض عليه بكل هاتيك الماتي، التي هي تركة ماضي حافل بالأمجاد ولم تتخايل مدلولات الألفاظ وظلالها ومعطياتها كما تخايلت للشاعر المبدع، الذي يسلمها إلينا طريفة مشعة، وكأنها بنت ساعتها.
ونحن نريد أن نكون أغنياء بألفاظنا لنوسع على أنفسنا من دروب الحياة وآفاقها، ولنستعيض عن قصر أعمارنا في هذه الحياة، بامتداد حيزنا المعنوي إلى ما لا نهاية، ولتتجمع بين أيدينا جهود الإنسانية في نضالها الطويل المضني من أجل السمو بروح الإنسان، ولتنقل إلينا الكلمات أصداء الكون، من حيث لا نحتمل الزاوية صغيرة من هذا الكون، ففي الكلمات الشعرية شيء من خرير الماء، وهدير البحر، وحرارة الصحراء، وأريج الزهر، وأشعة الضوء، وصليل السيوف، وهمسات المحبين، وأنين المعذبين، وما إلى ذلك من أصوات الحياة المختلفة، فإذا نحن استعملنا كلمات اللغة في أخص شؤوننا، فاضت علينا بكل ذلك، تشي بما تحمله في طبيعتها من عناصر إنسانية كثيرة، ومن ثم تصبح مستودعا لأسرارنا، نحملها خفقات قلوبنا، ومناجاة أنفسنا، وسوانح أحلامنا، دون أن تشكو روما أو ضيقا، لأنها تستمد سعتها من مدى ما ترمز إليه من أنواع الدلالة عندنا، وهو مدى واسع سعة نفوسنا المترامية الآفاق.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here