islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -16-

  دعوة الحق

94 العدد

ختام السلطة
قراء مقالات هذه السلسلة، وهم كثير في المغرب وفي الخارج يعلمون الباعث على كتابتهما، وهو أن أحد دسائس الاستعمار الروحي الخبيث الذي هو شر ألف مرة من الاستعمار المادي، بل هو سل الشعوب وسرطانها نشر مقالا سب فيه الله جل جلاله وفي سبه سبحانه وتعالى سب لجميع المؤمنين من المسلمين واليهود والنصارى والبوذيين والهنادك وكل من يومن بما وراء المادة. فندبتني لجنة إدارة مجلة دعوة الحق لرجم هذا الشيطان المارد واسكات هذا الغراب الناعب بشهب ثواقب من براهين العقل والنقل، وأقوال الفلاسفة والعلماء المتقدمين والمتآخرين، وشهادات سفراء الدول الديمقراطية التي يكفل الحرية التامة لكل فرد من شعوبها في اعتقاده، وابداء رأيه في حدود القانون أمنا من كل طائلة عقاب أو حرمان كما يقع في غير الدول الديمقراطية التي يحكم الشعب فيها نفسه بنفسه بواسطة مجلس نواب منتخب انتخابا حرا.
أما الشعوب التي لا ترى دولها هذا المسلك، سواء أكانت مؤمنة بالله أم كافرة، فإني لم أتواجه إلى سفاراتها ولم التمس منها إحصاء لعدد المؤمنين بالله من شعوبها، لأن حرية الاعتقاد وإبداء الرأي محظور على أفراد شعوبها. ولا يمكن التوصل إلى معرفة آراء تلك الشعوب إلا إذا كانوا أحرارا في إبداء آرائهم وليس مقصودي بهذا الكلام مدح أحد الفريقين ولا ذم الآخر، وإنما ذكرت هذا اعتذارا للقراء عن عدم تعميم الزيارة لجميع السفارات والتماس الاحصاء منها على أني تركت زيارة سفارات توفرت فيها الشروط كالسفارة الفلاندية مثلا اكتفاء بما ذكر، وفيه مقنع لكل منصف.
والان اختم هذه السلسلة بفقرات لم أستطع اغفالها لقوتها ووضوحها وإعجابي بها ولو ذهبت انقل كل ما وجدته في هذه القضية لاستمرت الكتابة سنين، ولكني أردت الاقتصار على هذا القدر، فقد قرت به عيون المؤمنين وسخنت عيون الكافرين والمنافقين، وخصوصا المردود عليه ذو الرين الملقب بالحبشي.
قال الأستاذ فاضل صالح السامرائي في كتابه (نداء الروح) نقلا عن كتاب الرد على الدهريين للفيلسون الاسلامي العظيم جمال الدين الافغاني.

أصل الحياة
اصل بعض الطبعيين: إن تركيب الخلايا هذا التركيب الكيماوي المعروف، وبهذه النسب الثابتة من العناصر المختلفة هو الذي منحها الحياة ومن عليها بالإحساس، ووهبها هذه الصفات.
وابسط ما يرد عليهم، إنه قد اظهر لكم المختبر جميع أجزاء الخلية، وعرفتم جميع عناصرها واوزانها ونسبها أجزاء الخلية، وعرفتم جميع عناصرها وأوزانها ونسبها وتركيبها، فلم اذن لم تفلحوا في إنشاء خلية واحدة تنبض بالحياة وتتغذى وتنمو وتشعر وتتكاثر وتحتاط في الدفاع عن نفسها احتياطا يعجز العقول ويأخذ بالألباب شأن (ذوات الخلية الواحدة؟)
أنه طلب معقول، كان وجهه أحد الكتاب المعروفين ( هذه عناصر الخلية، هاتوا لنا خلية واحدة).
هل تستطيع أجهزتكم أن تكون لنا (نواة تمسر) لها صفات النواة وخصائصها خشبة صغيرة متى غرست في الأرض انفجرت عن جذير وسويق وامتدت ضاربة في الهواء تحمل الرطب الجني والتمر الشهي.
هل تستطيع مثلا أن تكون لنا (نواة) مرة كنواة المشمش مثلا أو بذرة البرتقال حتى إذا غرست في الأرض وسقيت بالماء وصارت شجرة وارفة بالثمار الحلوة والفاكهة الشهية.
كيف يعقل – يا هؤلاء- أن يكون تركيب الخلية أصل حياتها، والحياة هي التي تغذيها وتنميها وتحول المواد الجامدة فيها إلى مواد حية؟
إن الحياة هي التي تحفظ على الخلية وجودها، وتجمع عناصرها، وتمسكها من التحلل والافتراق، فإن فارقتها الحياة ذهب وجودها واختفى تكوينها، وافترقت عناصرها، وتحللت موادها، إن الحياة هي التي تمنعها من التفرق، وتعصمها من التحلل، وبدونها تفرق شملها، وتمزقت أوصالها. كيف يعقل إذن أن يكون تركيب الخلية أصل حياتها، مع أن الحياة هي التي حفظت على الخلية تركيبها، ولولاها لتعفنت وضربتها الرياح وذهبت سدى، ولتحللت عناصرها وتمزقت أوصالها.
إن الحياة هي التي تجعل من المواد الميتة، ومن العناصر المتحللة مواد حية تضع كل مادة بمحلها، وتجمع بين هذا وذاك بنسب ثابتة، وتحفظ تماسك هذه المواد على الوضعية التي أنتجتها.
إن الكائن الحي ذا الخلية الواحدة مثلا من حيث هو مخلوق بسيط: من يحفظ مواده من أن تعبث به الرياح ؟ من يمسك عناصره حتى لا تحطمه الطبيعة بحملاتها الشديدة ؟ أنها الحياة.
ترى، ماذا سيحدث لو فارقتها الحياة ؟ إن هذه المواد المتماسكة التي يزعم الزاعمون أن تماسكها وتركيبها هو أصل الحياة ستفقد تماسكها، وتتحلل تراكيبها بعد خروج الحياة منها .
لقد عجزت الطوائف عن بيان السبب لحياة الجراثيم، حياة نباتية أو حيوانية، خصوصا بعد ما تبين لهم، أن الحياة فاعل في بسائط الجراثيم، موجب لالتثامها، حافظ لكيانها، وأن قوتها الغاذية هي التي تجعل غير الحي من الاجزاء حيا بالتغذية، فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك البسائط وتحاذبها، ثم صارت إلى الانحلال.
ثم نقل المؤلف المذكور كلام العلامة (كرسي موريسن) في حقيقة الحياة، وقد ترجمت هذا الفصل برمته ونشرته في سلسلة مقالات (دواء الشاكين وقامع المشككين) في الجزء العاشر من السنة الثالثة من هذه المجلة فليراجعه من إراده.
ثم قال المؤلف المذكور، وقال جارثر فندلاي: فما السبب في أن الشجرة المزهرة تحتفظ بشكلها وأوراقها، على حين تتناثر شجرة أخرى من تلك التي نسميها (ميتة) وتتساقط أجزاؤها عند لمسها وتتفتت في الثرى؟ لابد أن يكون هنالك ثمة شيء، وهو ما سميناه (حياة) هو الذي يوجد في الكائن الحي وينعشه ويختفي من الكائن الميت، ولهذا الشيء قدرة على اكتساب المادة الشكل واللون، ويتوى الشيء الذي كان حيا فيما مضى إلى الأرض مكونا جزءا منها
من ثم يتضح أن هناك شيئا لا يمكن أن نراه ولا أن نلمسه، ولكنه مع ذلك حقيقي وقادر، وله خاصية تشكيل الصور من الأرض غير الحية، أقول : أنه لابد أن يكون قادرا، لأنه يقوى على رفع المادة رغم قوة الجاذبية، ويستطيع الاحتفاظ بها في وضع معتدل، فإذا ترك المادة عادت لقوة الجاذبية سيطرتها، وتأثرت المادة بقوى الطبيعة كلها فالإنسان أو الحيوان أو النبات يمكنه أن يقف معتدلا عندما تسري فيه هذه القوة، فإذا ما وقف سريانها هوى هؤلاء جميعا إلى الأرض، فالحياة إذن قوة منظمة تقاوم في المادة ميلها إلى الاحتلال وعدم الانتظام.
الحياة قوة منظمة مفكرة تسري في المادة فتنظمها، وبدونها تكون المادة مختلة النظام فهي إذن لا يمكن أن تكون جزءا من المادة إلا إذا كان صاني الخزفة جزءا من الصلصال الذي يصوغه أواني، وعدا هذا للحياة شخصية.
لكل كائن حي شخصية، لأن كل كائن حي يختلف عن غيره من الكائنات الحية، وبهذا التدليل يكون لهذه الحياة قوى تقصر عنها القوى المادية، فهي أقوى من المادة، وهي تستطيع تنظيم المادة
ايضاح وشرح لحجة جمال الدين الافغاني
إنما احتج به هذا العالم المفكر المسلم على الطبيعين الجاحدين واضح لا يحتاج إلى شرح بالنسبة إلى ذوي الكفاءة العلمية من القراء، ولكني حريص على تعميم الفائدة وإبلاغ ذلك إلى أذهان سائر القراء، فلذلك أزيده توضيحا فأقول، زعم عباد الطبيعة الجاهلة العمياء الصماء أن الحياة في الإنسان والحيوان والنبات انما نشأت لتركب كل من هذه الأنواع من عناصر مختلفة بأجزاء متناسبة فمتى تألف جسم الإنسان أو الحيوان أو النبات من تلك العناصر بتلك النسب والأجزاء جاءت الحياة من تلقاء نفسها، فتحداهم العلماء المثبتون لوجود الخالق المبدع لجميع ما في العالم والحافظ عليه وجوده والمدبر لشؤونه بقولهم، ما أنتم اليوم تملكون مختبرات كيميائية تحلل كل مركب حتى ترده إلى عناصره الأولية وتعلمون علم اليقين أجزاء المركبات ونسبها وحقائق البسائط غير المركبة، فهلا جمعتم أجزاء نوع من النبات أو الحيوان، فضلا عن الإنسان وركبتم ذلك؟ فتجيئكم الحياة وتستقر فيه وتعرضونه على خصومكم المؤمنين بالله وبعالم الغيب فتفحمونهم بحجة يحسونها، وأنتم تزعمون أنكم لا تؤمنون إلا بما يحس كالبهائم، فكيف تريدون من خصومكم أن يومنوا بخيال باطل لفقته عقولكم السخيفة، وأنتم تردون الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، وقد تستطيعون أن تقنعوا بذلك الصبيان ومن في معناهم من كبار الأجسام المضروبين بسوط الاستعمار الروحي الذين يتلقون كل هذيان تفوهون به بالتصديق أما أهل العقول النيرة والأبصار الثاقبة فلا تجوز عليهم ترهاتكم، ولا تتمشى عليهم تلفيقاتكم.
ثم قال العلماء المومنون: بل الأمر بالعكس، فإن الحياة هي التي تحفظ الأجسام مستمتعة بخصائصها، ومتى فقدت منها الحياة تلاشت، ونحن ناخذ نواة تمر جامدة جمود الاحجار لا حياة فيها ولا أثر للحياة، ولا حركة ولا نمو، فتغرسها في ارض طيبة ونسقيها بالماء فتنشق ويخرج منها جذر يمد عروقه في الأرض إلى أسفل، ونبتة تمتد إلى أعلى في شكل وريقة ضعيفة، ولا تزال تنمو حتى تصير جذعا، له خشب وكرب وليف وسعف وخوص وشوك وقلب، ثم تثمر، فنجني منها رطبا يانعا وتمرا لذيذا، وتعيش ما شاء الله في زيادة ونمو حتى تصير نخلة باسقة صاعدة في السماء، فإن لم يطرأ عليها مرض مميت تطول حياتها حتى يدركها ضعف الهرم كالإنسان والحيوان فتقطع وينتفع بخشبها في البناء وغيره، وإن أصابها مرض كمرض (بيوض) المنشر في نخيل تفيلالت يذبل قلبها ثم يبس ويتلوه سعفها قتموت وتتفتت ويسري الفساد في جذعها فلا ينتفع به في بناء ولا غيره، فقد رأينا أن الحياة هي التي تحفظ وجود الجسم وتماسكه وازدهاره، وفقدانها يؤدي إلى تلاشيه حتى يصير ترابا كما كان.
ومثل هذا يقال في كل نبات وكل حيوان، فالحياة هي سر الوجود، سواء أكانت بسيطة كما في الخلية الواحدة أو الأميبة التي هي أصغر حيوان، أم كانت في المركبات التي تتألف من ملايين الخلايا، فالحياة هي التي تحفظ وجودها وتضامنها واتحادها واتصافها بخصائصها من حركة ونمو واعمال، وهذه الحياة هبة من الخالق جل وعلا لا حيلة لأحد في ايجادها ابتداء، ولا في ردها بعد فقدانها قال تعالى في سورة الحج (73-74) "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وأن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز".
ومن أين جاءت الحياة لتلك النواة الجامدة حتى نشأت منها تلك النخلة العظيمة ثم لما قبضت الحياة تلاشت النخلة ولم يبق لها وجود، وهكذا يقال في كل نواة، وفي بذرة من بذور المزروعات قال تعالى في سورة الأنعام 95: "إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله، فأنى توفكون".
فالنواة تكون ميتة فيفلقها الله، أي يشقها ويخرج منها شجرة تتدفق بالحياة، والحبة تكون ميتة فيفلقها الله تعالى فتخرج شطأها ويستغلظ ويستوي على سوقه ويخرج منه حبا متراكبا رزقا للإنسان والحيوان يحفظ عليه حياته إلى أجل مسمى، ذلكم الله فأنى تصرفون.
2- قوله: لأنه يقوى على رفع المادة رغم قوة الجاذبية الخ، بيان ذلك أن الله أودع في هذه الأرض التي تعيش عليها قوة، يسميها علماء هذا العصر، الجاذبية، وبهذه القوة تتماسك أجزاء الأرض ويثبت عليها كل ما هو متصل بها من بحار وجبال واحجار وحيوان وهواء محيط بها فلا يقوم شيء منها ويرتفع الا إذا كانت فيه قوة تقاوم تلك الجاذبية، فالنواة قبل أن تغرس تبقى في مكانها لا يرتفع منها شيء، إذ ليس فيها قوة تقاوم الجاذبية، فإذا غرست اشربها الله الحياة وفلقها فارتفعت منها نبتة مقاومة للجاذبية حتى تبلغ ما قدر لها من الارتفاع، ولا تزال كذلك حتى تفقد الحياة فتفقد القوة التي كانت تقاوم بها الجاذبية، ويؤول بها الأمر إلى أن تهوى على الأرض ثم تصير ترابا ميتا.
مثال آخر هو أوضح، إذا أراد الانسان أن يثب إلى فوق، فإنه يجمع قواه فيثب في الهواء مقدار متر أو نحوه، والجاذبية تعاكسه وتقهره وتجبره على الرجوع إلى الأرض فلا يلبث أن يعود إليها مقهورا، وإذا رمى الانسان بحجر إلى أعلى يرتفع الحجر مقاوما الجاذبية على قدر القوة الدافعة، ثم تجبره الجاذبية على أن يعود إلى الأرض، وهذه حجة على أشباه البهائم الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما تدركه الحواس الخمس.
3- قوله: إلا إذا كان صانع الخزفة جزءا من الصلصال الخ يعني أن المادة التي يتألف منها أجسام الحيوان والنبات لا تستطيع أن تهب الحياة لهذه الأجسام إلا إذا كان صانع القلة من الطين جزءا من ذلك الطين الذي يصنع منه القلل وغيرها من الأنواني.
4- قوله: لكل كائن حي شخصية، يعني ان الله يهب لكل حيوان وكل نوع من أنواع النبات صورة خاصة وحياة خاصة، فعمل الحياة في البعوضة ليس كعملها في الفيل، وقس على ذلك جميع أنواع الحيوان، وبذلك يكون التباين والاختلاف بينها، وهكذا يقال في النبات، فالحياة التي وهبها الله لنوع من الأشجار توثر فيه شكلا ونوعا وثمرا ولونا غير الحياة التي وهبها الله للنوع الآخر.
يقول محمد تقي الدين الهلالي: بهذا المقال اختم هذه السلسلة، وقد بلغ عدد مقالاتها ست عشرة إذا ضمت إلى السلسلة الموسومة ب (دواء الشاكين وقامع المشككين) التي بلغ عدد مقالاتها أربعا وعشرين وتضمنت كتاب العالم (كرسي موريسن) الموسوم ب (ليس الإنسان مهملا) يكون مجموع المقالات أربعين اشتملت على براهين قاطعة وأنوار ساطعة يؤيدها العقل ، وكملها النقل يثبت الله بها المؤمنين ويشفي صدروهم ويطهر نفوسهم، وتطمئن إليها نفوس المنصفين وتكبت بها نفوس المنافقين والجاحدين.
فلو جمعت في كتاب واحد، ويسر الله من ينفق على طبعه لكان حصنا حصينا لطلبة العلم الصادقين، وسلاحا فتاكا في أيدي المناضلين، وسيفا صارما في نحور أعداء الإسلام والمسلمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here