islamaumaroc

المسلمون في خطر الفراغ

  دعوة الحق

94 العدد

قرأت مقال الدكتور شكري فيصل "المسلمون أمام خطر التقاطع" الذي أشعرنا فيه بما يتهدد المسلمين من أخطار التقاطع التي لا سبيل إلى اتقائها إلا بالتواصل، وذلك يحتاج إلى مجهودات جبارة وشعور بالمسؤولية من كل فرد مسلم.
غير أن التقاطع في الحقيقة ليس إلا عرضا من أعراض السرطان المرعب الذي يعانيه المسلمون ويعيث في كيانهم وينشر بعنف وسرعة أنواعا من الأعراض الاجتماعية والخلقية والعقلية التي تفتت وحدة المسلمين وتبدد كل أمل في التوصل إلى سبيل النهوض بهم. وهذا السرطان هو الفراغ من العقيدة.
وقد تكون هذا المرض شيئا فشيئا خلال أجيال وأحقاب ومنذ أن زحزحت القيادة الثقافية الإسلامية عن مكانها، وأصبح توجيه الأجيال ومصادر نقل التراث الحضاري الإسلامي إليها غير خالص من شوائب الزيف والتحريف، والشهوة، فأدى ذلك إلى اختلال خطير في العلاقات بين المسلمين والإسلام، وبالتالي إلى تدهور في الإبداع، وإخماد في الفعالية، وجمود في الفكر، وقصور في الأهداف، وشلل في الفضائل والقيم، وتحول الإسلام عند من يستغله أو يجهله إلى وسائل نفعية أو تقاليد رجعية كما وقع للأديان الأخرى، ولذلك كان عمل المصلحين عبر التاريخ الإسلامي هو الثورة العنيفة على المستغلين والجامدين ومحاولة تصفية العقيدة والمفاهيم الإسلامية مما علق بهما من طفيليات وما خالطهما من عناصر غريبة قتالة، ولقى المصلحون ما لقوا من عنت وقسوة ممن لهم المصلحة في أن يكون الإسلام في "إطار" خاص ومتمشيا حسب هواهم .
وكان من سوء حظ المسلمين أن اضطروا للاتصال بالحضارات الغربية وهم على حالة يرثى لها من تضعضع في العقيدة واختلال في الفكرة مما جعل الاستعمار يهتبلها فرصة لتصفية البقية الباقية من هذه العقيدة التي تهدد صفو سيطرته واستعباده ومصالحه، فعمل على تطعيم الأجيال الصاعدة بأفكار مشلولة وسامة في نفس الوقت، وتهيئها للفراغ الكلي ليستطيع أن يبثها ما هيأه لها من تعاليم "خاصة" تتيح له، دائما، السيطرة وتضمن لهم – أي المسلمين  - الاضطراب والتيه في حياتهم. وهكذا احتوشتنا مؤامرة الاستعمار الثقافية وأحاطت بنا من كل جانب فاندفع أطفالنا وشبابنا يتزودون منها في نهم جاهل، وإخلاص بليد دون أن يكون لهم من استقلال في الفكر ما يجعلهم يستخلصون النافع لهم ويلفظون الضار لهم. وسرعان ما انبثقت في بلاد المسلمين ايديولوجيات فجة ونظريات ضحلة وتكونت على أساس ذلك منظمات أضافت لأمراض العالم الإسلامي أمراضا جديدة ومعقدة تعسر معالجتها، وها نحن اليوم نحصد ذلك التراث السيء الذي زرعناه في مجتمعنا بأنفسنا وساهم الاستعمار في ازدهاره بنصيب وافر.
فهذا التقاطع أو التمزق الذي يعيشه العالم الإسلامي يا أخي شكري إن دل على شيء فإنما يدل على أننا لا نعيش بفكرة الإسلام التي تدعو إلى الوحدة والتضامن والوئام. وإنما نسير ببقايا عقيدة مشلولة، مضافة إليها أو شاب من تعاليم أمدتنا بها مدارس التبشير لتصنع من كل واحد منا الفرد المضطرب الحائر التي دلت الأحداث والتجارب على أنه غير أهل لقيادة سليمة تضمن للمسلمين الاستقرار والبناء. ولكن الكارثة ليست في استعراض مآسينا الماضية أو الحاضرة وأسبابها بل الكارثة العظمى أننا اليوم نزيد في فرض الفراغ العقائدي ويعميق الهوة بين أجيالنا وفكرة الإسلام وذلك على مختلف المستويات وبشتى الوسائل.
وإن هذا الجانب الهدام ليكتسب أنصارا جددا في تكاثر متفاحش حسب قاعدة المتواليات الهندسية. وإن البيت المسلم الذي كان سندنا في التكوين والتوجيه والمقاومة قد استسلم فأصبح بيتا آخر لا يملك من الثقافة الإسلامية ما يؤهله للقيام برسالته وبعضه أصبح أجنبي الفكر والقلب، وأنه لمن المفرغ حقا أن نشاهد بعض الذين يتبنون الفكرة الإسلامية رياء أو صدقا قد انساقت أسرهم مع ما يسمى بالتيار.

فما الدواء يا أخي شكري ؟
الدواء يعرفه كل مسلم غيور على أمته وتراثه وحضارته، ولكن المشكلة فيمن سيتولى تقديم هذا الدواء والتبشير به ؟ ولذلك يجب:
1- أولا: أن تتبنى هذه الفئات المسلمة التي تظهر دائما اقتناعها بالإسلام الفكرة الإسلامية وتعتبرها قضيتها الأولى التي تستحق التضحية والولاء والإخلاص، وتهبها بعض ما تهب لدنياها ومصالحها الشخصية من تعب ونشاط، وتسارع إلى تنظيم نفسها على مستوى إقليمي، ثم على مستوى عالمي على أساس تخطيط علمي يتفق وعقلية القرن العشرين، وهكذا تضطلع بنشر الفكرة الإسلامية داخل بلادها وخارجها بكافة الوسائل التي تحقق لها  أهدافها وعليها أن تكون صريحة في مواقفها متجنبة ما أمكن السرعة والانشغال بأهداف ثانوية تافهة، متجردة عن المطامع والأغراض وذلك وحده الذي يبرهن على أن هذه الفئات والأفراد قد اقتنعت بالإسلام وآمنت برسالته. أما أن نكتفي بالأقوال والوقوف على هامش الحياة أو الاعتماد على قدرة الزمن لإظهار هذا الدين أو نصرته على يد من يعمل على تهديمه أو من يتخذه تجارة، فإن الأمر، إذن، لا يتعدى نوعا من العبث والسلبية في وقت لا يستجيب إلا للمجدين والمناضلين.
2- ثانيا، أن يعمل المسئولون في البلاد الإسلامية على إعادة النظر في مناهج التربية والتثقيف وتصفيتها من كل عنصر غريب عن الفكرة الإسلامية ومن كل ما من شأنه أن يعوقنا عن تكوين الفرد المؤمن وأعني بالمؤمن الإنسان المتحضر الذي يضطلع بالرسالة الإنسانية الخالدة. وعلى الطبقة الواعية من المسلمين مناشدة المسئولين في كل مناسبة ليحققوا للمسلمين مناهج تربوية وتثقيفية مستمدة من تعاليم القرآن والسنة ليتاح لنا ملء هذا الفراغ العقائدي المخيف وننقد هذه الأجيال الصاعدة من خطر الحيرة والعقوق والعبودية.
3- ثالثا، أن يعاد للمسجد رسالته ليقوم بتزويد الآباء والأمهات بكل ما يساعدهم على تربية أبنائهم وبثهم تراث الاسلام وأحاطتهم بكل ما يعصمهم من الزيغ والضعف لأن الأسرة المؤمنة هي الكفيلة وحدها بمد المجتمع بالعناصر البشرية الصالحة والمصلحة، وبإنقاذ الأمة من خطر التبعية الثقافية.
والمهم من كل ما سبق أن تبادر العناصر المؤمنة لجمع شملها وتوحيد نشاطها فقد آن الأوان لنبذ التجارب الفاشلة التي مر بها العالم الإسلامي منذ أن أسلس قيادته لغيره وتشييد عالم إسلامي على أساس تجربة الإسلام النافعة التي اتفق العقلاء من جميع الأجناس على أنها هي السبيل الوحيد لانقاذ العالم الإسلامي من تدهوره وإنحطاطه، ولتكن هذه العناصر على يقين من أن الشعوب الإسلامية ستهبها كل ثقتها باذلة كل طاقاتها لأن هذه الشعوب مقتنعة أكثر من أي وقت مضى من أن الخلاص لا يكون إلا بالإسلام.
وعندما تبرز القيادة المحمدية في الميدان ستتلاشى الطلائع المزيفة "وأن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here