islamaumaroc

على هامش قصة الفتح -1-

  دعوة الحق

94 العدد

دكان القشاش:
كان لسان الدين بن الخطيب يقول عن قصة فتح العرب للأندلس:
"مملول قصاص وأوراق، وعظم امتشاش، والة معلقة في دكان قشاش".
وكان لسان الدين يعني بذلك، ان هذه القصة قد أصبحت مملولة من كثرة ما تداولها الكتاب والقصاصون والمورخون، وأنها أصبحت من كثرة ما تهالكوا عليها واستهلكوها، كالعظم الذي لم يعد يكسوه لحم، فهو يمتص لاستخراج ما عسى أن يكون بداخله من الدهن، بل أنها أصبحت كالالة القديمة في دكان قشاش، يبيع الخردوات والأشياء البالية المستعملة.
هذا ما قاله لسان الدين بن الخطيب عن قصة فتح المسلمين للأندلس، ومع ذلك فإن الذي روى عنه هذه الكلمة، وهو المقري، في كتابه "نفح الطيب" لم يمنعه ذلك من أن يطيل القول في نفس القصة إلى حد الاملال الحقيقي، وذلك عند ما حرص على أن ياتي في موسوعته الأندلسية بكل ما قاله في موضوع الفتح جميع المورخين السابقين عليه، حتى ولو كان ما قاله بعضهم لا يختلف عما قاله الآخر في الصياغة، وقد لا يكون هنالك اختلاف حتى في الصياغة نفسها.

وجاء بعد لسان الدين بن الخطيب، وبعد صاحبه المقري، أناس كثيرون، استهوتهم نفس القصة، فجربوا فيها حظوظهم المختلفة.
كتبها بعضهم تاريخا بالأسلوب التقليدي المعروف، أسلوب الاستطراد واستعراض الروايات.
كتبها بعضهم مسرحيات تقوم على الحوار، وتخضع لكل مقتضيات الفن المسرحي، وكتبها بعضهم الآخر قصصا للقراءة والتسلية، يلعب الغرام فيها الدور الأساسي.
ولم يمنع أي واحد منهم من الاقدام على التجربة، أن القصة نفسها قديمة بالية، وأنها مملول قصاص وأوراق، وعظم امتشاش، وآلة معلقة في دكان قشاش كما كان يقول عنها لسان الدين بن الخطيب.
فهل يضيق هذا الموضوع القديم البالي ببضع صفحات أخرى تكتب على "هامشه" وتضم إلى مئات وآلاف الصفحات التي كتبت فيه.
لا أظن ذلك، خصوصا إذا كان بامكاننا أن ننهج في هذا "التهميش" أسلوبا خاصا، لا هو بالأسلوب التقليدي الذي لم يعد يستهوي جمهرة القراء، ولا الأسلوب المنهجي الجاد الصارم الذي لا يطيقه إلا المتخصصون ومن في حكمهم، ولا هو بالأسلوب الذي يعتمد على الخيال إلى حد قد تتعرض معه الحقيقة التاريخية للضياع، وإنما هو أسلوب يهتم بالاحاطة ببعض جوانب الموضوع، وتنسيقها تنسيقا منطقيا ما أمكن، مع التبسط في عرضها عرضا أمنيا، وتسليط أكثر ما يمكن من الاضواء على بعض المواقف والأدوار التي ساهمت في تكييف قصة الفتح، وعلى الدوافع الحقيقية للشخصيات التي تلعب هذه الأدوار، عند اتخاذها هذه المواقف بالذات .

أوربا المسلمة،
ان فتح المسلمين لاسبانيا – ولا نقول للأندلس إلا من باب التجوز ومسايرة التعيير الشائع – يستمد أهميته من كونه كان أول اتصال للعرب والمسلمين كدولة، بقارة أخرى كانت جديدة عليهم حتى ذلك الحين، هي القارة الأوربية بعد أن كانوا قد توغلوا في آسيا وفتحوا الشمال الافريقي كله ولربما كانت أهمية هذا الفتح ستكون أكبر من ذلك بكثير جدا لو قدر له أن يسير إلى نهايته التي كانت قد رسمت له، ولولا أن إرادة الحليفة نفسه، وأوامره الصارمة المشددة، وقفت في طريقه وهو يجتاز مدينة (ليون) الفرنسية، ليشمل فرنسا كلها، وليتجاوزها الى المانيا وايطاليا وغيرها من البلاد الأوربية.
وقد كان الخليفة في اتخاذه لهذا الموقف، مدفوعا بدوافع، بعضها عام، وبعضها شخصي، كما سنشرح ذلك من بعد.
وإذن لكان العرب والمسلمون قد أصبحوا هم المتحكمين في مصير أوربا منذ ذلك الوقت المبكر من التاريخ، ولكانوا قد ساروا بتاريخ الدنيا كله في وجهة أخرى غير التي سار فيها حتى اليوم.
وليس هذا مجرد كلام يلقى على عواهنه، وإنما هي النصوص والأحداث التاريخية الواقعة، وتفسير المورخين لها من قدامى ومحدثين، من مسلمين وغير مسلمين على السواء.

الوليد بن عبد الملك.
لم يكن قد مضى على الهجرة النبوية إلا ست وثمانون سنة، عندما توفي بدمشق "سنة 705م" الخليفة الأموي الكبير عبد الملك بن مروان.
وقد ترك عبد الملك ولاية العهد من بعده لاثنين من أبنائه، يتوليان الخلافة بعده على التوالي:
الوليد أولا
ثم سليمان بعد وفاة أخيه الوليد
وهو أسلوب في ولاية العهد قد يبدو غريبا بعض الشيء، ومع ذلك فقد وقع اللجوء إليه في أحوال كثيرة في دولة الخلافة الإسلامية، وكان يراد به منع تنافس الأخوة على كرسي الخلافة، اذ أن كل واحد منهم سيليها بدوره، عندما يصله الدور.
لكن هذا الأسلوب كان في الواقع، مدعاة الى عكس ذلك في كثير من الأحيان  فالابن الأول الذي يلي الخلافة بعد أبيه، ربما سولت له نفسه – بعد أن يتمكن- أن يحول ولاية العهد عن أخيه أو إخوته الى أبنائه، متوسلا لذلك بوسيلة أو بأخرى.
وبالمقابل، فإن الابن الثاني مثلا، في ترتيب ولاية العهد، ربما يستبطئ موت أخيه، لينال هو أيضا حقه في الخلافة، أو ربما يشعر بما يدبره أخوه في السر أو في العلانية لتحويل ولاية العهد عنه، فلا يجد أمامه إلا أن يدخل في موامرة ضده، أو يعلنها عليه حربا صريحة واضحة.
مهما يكن، فقد توفي عبد الملك بن مروان وأصبح الخليفة من بعده هو الوليد بن عبد الملك  وأصبح على سليمان أن ينتظر وفاة أخيه – ربما بفارغ الصبر – ليقتعد بدوره كرسي الخلاقة.
وإنما احتجنا إلى شرح هذه النقطة بالذات، لأنها كانت ذات تأثير في سير عمليات الفتح الإسلامي في أوربا، إذ كانت من العوامل التي حالت دونه ودون الاستمرار إلى غايته، كما كانت ذات تأثير فعال في المصير المحزن الذي ال إليه الرجل الذي كان على رأس الحملة الإسلامية في هذا الفتح، وهو موسى بن نصير.

موسى بن نصير
كان عهد الخليفة السابق الذكر، عبد الملك بن مروان، من أزهى عصور الدولة الإسلامية، واحفلها بالنشاط والتوسع في الفتوحات، والاتصال بعوالم أخرى جديدة.
وكان الفضل في ذلك يرجع إلى عوامل متعددة، من أهمها توفره على عدد من الحكام الحازمين، والقادة العسكريين الكبار.
ولسنا بحاجة أن نذكر هنا من هؤلاء إلا واحدا، هو موسى، بن نصير، الذي ولى أمر أفريقية والمغرب على عهد عبد الملك بن مروان.
وكلمة افريقية والمغرب، كانت تعني في ذلك الوقت ما يشمل الآن ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، أي الشمال الافريقي كله، باستثناء مصر، أو ما يعرف الآن بالمغرب العربي، أو المغرب الكبير.
ولى موسى بن نصير أمر المغرب، تابعا في ولايته في بداية الأمر للوالي على مصر من قبل الخليفة فقد كان الوالي على مصر هو الذي يرجع إليه تعيين ولاة في إفريقيا والمغرب.
ولكن موسى ما لبث أن استقل بولايته، وان أصبح غير تابع فيها إلا للخليفة نفسه، مباشرة، في دمشق.
قد لا يعنينا الدخول في تفاصيل الأعمال العسكرية التي قام بها موسى بن نصير في المغرب، وإنما يكفي أن نقول على وجه الإجمال، إنها كانت تتويجا لكل الأعمال التي قام بها الفاتحون والقادة العسكريون المسلمون الذين سبقوه إلى هذه البلاد.
فقد قضى موسى على كل مقاومة أو وقوف في وجه الفتح الإسلامي، سواء كانت هذه المقاومة من طرف السكان، أو من طرف الدولة البيزنطية التي لم تدخر جهدا في الدفاع عن مستعمراتها على طول الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
أن بشمال الإفريقي قد أصبح على يد موسى بن نصير، جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية الإسلامية.
كما أصبح على يده أيضا- وبصفة نهائية دائمة- يمثل الجناح الغربي للأمة العربية، بعد أن أصبح مرتبطا معها برابطة اللغة العربية، التي ما لبث أن اتخذها لغته، يمارس بها شعائر دينه، ويتخاطب بها ويتدارسها، ويسهم في ازدهارها وإثرائها على مر العصور.
وتحدثنا المصادر التاريخية القديمة، أن موسى ابن نصير قد وصل بالجيوش الإسلامية في زحفه في المغرب، إلى درعة وتافيلالت، وأنه – كما يقول صاحب الوفيات- سار حتى انتهى إلى سوس الادنى، لا يدافعه أحد، وأنه – على حد تعبير نفس المصدر- لم يبق في البلاد من ينازعه من البربر ولا من العرب.

طنجة وسبتة
وتحدثنا المصادر التاريخية أيضا أن موسى بن نصير افتتح طنجة، ولم يكن الجيش الإسلامي قد وصل إليها من قبل، وأنه ولى عليها ضابطا من جيشه كان قد رافقه في كل حملته العسكرية في الشمال الافريقي، وإبان فيها عن مهارة ومقدرة عظيمتين، ذلك الضابط الذي لن يغيب عنا اسمه بعد الان، هو طارق بن زياد.
ثم تزيد نفس المصادر أنه لم يستعص على المسلمين في حملتهم هذه، الا مدينة واحدة، تقع في أقصى شمال المغرب، غير بعيد عن طنجة، التي أصبحت عاصمة المسلمين في هذا القطر.
هذه المدينة التي استعصى فتحها على موسى بن نصير، هي مدينة سبتة. كانت سبتة تابعة في حكمها اذ ذاك للدولة القوطية في إسبانيا وكان يحكمها حاكم قوطي اسباني يدعى "الكونت دوليان" سيلعب دورا في سير الأحداث التي نتناولها هنا بالعرض.
لقد حارب المسلمون (الكونت جوليان) كثيرا، وحاصروه طويلا، فصمد لهم واستمات في صموده إلى حد بعيد ، ولم يجدوا بدا في النهاية من فك الحصار عنه ومصالحته على شروط معلومة.
وبقيت سبتة على ما كانت عليه، يحكمها (الكونت جوليان) باسم الملك القوطي في طليطلة، بعد أن تحددت العلاقة السياسية بينه وبين المسلمين الفاتحين على أساس معاهدة صلح مشروط.

ثلاثة رجال
يمكن تلخيص الوضعية السياسية في هذا الظرف التاريخي، وفي الحيز الجغرافي الذي يعنينا الآن فيما يلي:
أولا: موسى بن نصير، وال على الشمال الإفريقي كله، ما عدا مصر، غير تابع في ولايته الا للخليفة نفسه في دمشق، عبد الملك بن مروان وقد اتخذ موسى عاصمة لولايته الكبيرة، مدينة القيروان، بتونس.
ثانيا: يمثل الدولة الإسلامية في غرب هذه الولاية الكبيرة، طارق بن زياد، بعد أن عقد له هذه الولاية، موسى بن نصير، وتركه في العاصمة الجديدة، مدينة طنجة، وعاد هو إلى القيروان.
ثالثا: غير بعيد من طنجة، تقع مدينة سبتة، محتفظة، بوضعيتها السابقة، كقاعدة للدولة الإسبانية القوطية، الاسباني "الكونت جوليان".
فما ذا يهمنا أن نعرف، أو ما ذا نستطيع أن نعرف عن هذه الشخصيات الثلاثة، موسى وطارق وجوليان قبل محاولتنا أن نعبر مع الأحداث التاريخية، ذلك المضيق الصغير الذي يفصل بين قارتين، والذي لم يكن حتى ذلك الوقت يدعى مضيق جبل طارق؟

موسى ...مرة أخرى.
أما موسى بن نصير، فينتمي أصلا إلى قرية من قرى الحجاز بالجزيرة العربية ثم أنه من عائلة لها سابقة في العمل السياسي
فوالده نصير كان رئيسا لشرطة الخليفة معاوية بن أبي سفيان، عندما كان هذا الأخير لا يزال يخوض حروبه الشهيرة ضد علي بن أبي طالب ويبدو أن نصيرا لم يكن موظفا عاديا، تصدر إليه الأوامر فينفذها دون مناقشة، بل كان له رأيه الخاص وشخصيته المستقلة.
وكان معاوية بن أبي سفيان بما عرف عنه من مرونة كبيرة، ومن مهارة في اصطناع الرجال، يقدر لنصير رأيه الخاص، ويقره على موقفه المستقل من بعض القضايا الخطيرة ولا أدل على ذلك من أن نصيرا كان يرفض الخروج مع معاوية في حروبه ضد علي، محتجا بما يفهم منه أنه يراها حربا غير مشروطة، ومن أن معاوية كان يتفهم موقف رئيس شرطته، ويغض له عنه، بالرغم من كونه كان ينظر إلى هذه الحروب ونتائجها على أنها قضية حياة أو موت بالنسبة إليه،
وبطبيعة الحال، فإن معاوية، الرجل الذي كانت دوافعه في الدرجة الأولى سياسية، ما كان ليتفهم موقف رئيس شرطته بهذا الشكل، لولا أن هذا الأخير كان يتمتع بمواهب فذة، كان معاوية يجد نفسه في حاجة ماسة إلى استغلالها.
في هذا المحيط السياسي نشأ موسى بن نصير، وصفاته المعنوية فقد كان والده، كما رأينا من المثال السابق، يحكم في تصرفاته الاعتبارات الدينية والأخلاقية أما موسى فنشأ رجل دولة، سياسيا محضا، يتسلح للميدان الذي يعمل فيه بصفات وأخلاق الرجل السياسي الذي يعتمد في تصرفاته على حساب الربح والخسارة، وهو حساب قد يصدق في بعض الأحيان، وقد يخيب أحيانا أخرى كما هو معلوم.
وفيما عدا ذلك فقد كان موسى يتمتع بمواهب فذة، كان رجلا سياسيا، وكان قائدا عسكريا كبيرا، وكان فصيحا لسنا لا تخطئه الحجة الكلامية.
وأهلته هذه المواهب كلها لأن يتقلب في مناصب سياسية وعسكرية مختلفة، قبل أن يصبح واليا على إفريقية والمغرب من قبل الخليفة عبد الملك بن مروان.
لقد قاد قبل ذلك الحملات العسكرية برا وبحرا، وأسندت إليه مهمات سياسية مختلفة، فقام بها خير قيام.
لكن التهمة توجهت إليه وهو يؤدي إحدى هذه المهمات السياسية، وكانت تهمة ثقيلة، هي تهمة سرقة أموال الدولة والتلاعب فيها، فالقي عليه القبض وتعرض للمهانة والتعذيب والاحتقار.
بل إنها كانت محنة، لم يفلت منها بجلده، إلا بالوساطات، والا بتدخل بعض الشخصيات الكبيرة في الدولة، فقد بلغ من سخط الخليفة عليه – الوليد بن عبد الملك نفسه – إنه كان يريد أن يقتله نعم، كان يريد أن يقتله كما روى ذلك ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر والمغرب" وهو أقدم وثيقة تاريخية إسلامية وصلت الينا.
وجدت بعد ذلك أحداث أخرى، جعلت الخليفة ينسى غضبه على موسى بن نصير، وينسى أنه كان يريد أن يقتله عقابا له على التلاعب بأموال المسلمين.
وهكذا لم نلبث أن وجدنا موسى بن نصير واليا من قبل نفس الخليفة على الشمال الافريقي، يتمم به عمليات الفتح الإسلامي، ويصل إلى درعة وتافيلالت والسوس الآدنى، ويقضي على كل مقاومة للفتح، وينصب طارق بن زياد واليا تابعا له على مدينة طنجة، قبل أن يعود هو إلى القيروان، قاعدة ولايته الكبرى التي تمتد من حدود مصر الغربية إلى البحر المحيط.

طارق بن زياد
طارق بن زياد العسكري الخطير، والذي اقترن اسمه على مدى الأحقاب التالية بقصة الفتح الإسلامي للأندلس، والذي قدر للجيش الإسلامي أن يصل إلى أوربا تحت قيادته، والذي أعطي اسمه للمضيق فأصبح يعرف حتى اليوم بمضيق جبل طارق، هذا الرجل، ظلمه التاريخ ظلما كبيرا، كما ظلم كثيرا غيره من الرجال.
ظلمه التاريخ عند ما لم يهتم بأن يدون من حياته إلا ما اتصل بعمليات فتح الأندلس، من اجتياز البوغاز وإحراق السفن، والدخول في معارك مع القوط، وما يلابس ذلك مما قد يأتي تفصيل القول فيه أما من هو طارق نفسه ؟ وما ذا كان قبل الفتح ؟ وما ذا كان مصيره بعد الفتح ؟ فإن المصادر التاريخية على تعددها وتنوعها تسكت عن ذلك سكوتا مطلقا وعند ما تتكلم هذه المصادر، أو تحاول أن تتكلم عن شيء مما يتصل بطارق وبشخصيته، فإنها لا تروي إلا ما يزيد في كثافة الغموض المحيط به، اذ تذكره مرة على أنه من أصل عربي، ومرة على أنه من أصل بربري من السكان الأصليين للشمال الإفريقي، ويذهب بعضهم إلى أبعد من هذا وذاك؟ فيذكر أنه من أصل فارسي، ومن همذان بالذات؟
وقد لا يعنينا كثيرا أن نعرف نسب طارق واصله، ولكننا عندما نصحبه في عمليات الفتح الإسلامي في إسبانيا، سنجده يلقي في جنوده خطبة تعتبر الى الآن من غرر البيان العربي، وفي الذروة من خطب الميدان التي حفظتها لنا كتب الأدب والتاريخ العربية، وسنجد الشك الذي يحوم عند المورخين حول أصله ونسبه، يتجاوز ذلك إلى الشك في صدور هذه الخطبة البليغة عنه، لأنها في بلاغتها المتناهية، لا يمكن أن تصدر الا عن عربي أصيل، ذي موهبة أدبية رائعة، أو عن مستعرب عريق في الاستعراب، مع العلم بأن البربر كانوا حتى ذلك الوقت حديثي عهد بالإسلام وباللغة العربية
ودون أن نحاول الدخول في استعراض روايات مختلف المورخين عن نسب طارق، نقول: أنهم يكادون مع ذلك يجمعون على أنه من أصل بربري من شمال افريقية، وأنه مستغرب بالميلاد، كما يدل على ذلك اسمه واسم أبيه واسم جده؟
فهو طارق بن زياد بن عبد الله
أما بعد جده عبد الله، فإن الأسماء الواردة في بقية نسبه، كما سجله صاحب البيان المعرب، أسماء غير عربية، من قبيل "ولغو" و "رفحوم" وما إلى ذلك، مما لا نستطيع أن نجزم ما إذا كان نسبا حقيقيا، أم مجرد اختراع من اختراعات الرواة والنسابين
وما ذا بعد ذلك عن الرجل ؟
لا شيء على الإطلاق، الا بضعة أبيات ركيكة من الشعر يرويها له المقري في (نفح الطيب) ، كما ينقل تعقيب بعض الأدباء المورخين على هذه الأبيات، وهو قوله: "وهذه الأبيات مما يكتب لمراعاة قائلها ومكانته، لا لعلو طبقتها
ان معرفتنا بطارق قبل الفتح، لا تستطيع أن تتعدى أنه كان ضابطا في جيش موسى بن نصير، وأنه أصبح واليا على طنجة، ولكننا نستطيع قي ظل أخباره منذ بداية الفتح أن نستنتج أشياء أخرى
نستطيع أن نستنتج أنه كان ضابطا ممتازا وأنه كان على حظ وافر من الذكاء والمقدرة، وأنه كان أهلا لأن تسند إليه أعظم المهمات، وأن يهتم به الخليفة نفسه، وأن يقف إلى جانبه في النزاع الذي سينشب من بعد، بينه وبين رئيسه موسى بن نصير
بل أن هذه الصفات نفسها هي التي جعلت موسى، من غير شك يعقد له على ولاية طنجة
وقد سار طارق في ولايته بمنتهى الحكمة والتوفيق، ودخل بعد ذلك في مفاوضات سياسية كبيرة، مهدت السبيل أمام المسلمين لفتح الأندلس، وكان في هذه المفاوضات رجلا سياسيا حذرا، كما كان في الميدان الحربي قائدا عسكريا جريئا.
ولعله قد كان لجمعه بين الأصل البربري وبين التمكن في الاستعراب، كما رأينا من قبل يد في تنصيبه حاكما باسم الدولة العربية الإسلامية على ولاية طنجة، وتسليمه قيادة جيش كان يتكون في معظمه، أن لم نقل من مجموعة، من البربر، السكان الأصليين للشمال الإفريقي.
ويجب الا ننسى في هذا المجال، أن أول اتصال للشمال الإفريقي بالإسلام واللغة العربية، يسبق الفترة التاريخية التي نتحدث عنها بنحو خمسين سنة، وهي مدة كافية لأن يكون أوائل السكان الذين استجابوا لطلائع الفتح الإسلامي في المغرب، قد تعربوا بالقدر الكافي ولعل من هؤلاء زيادا ابا طارق، وجده عبد الله السالف الذكر.

الكونت جوليان وابنته (فلوراندا)
وأما الكونت جوليان حاكم سبتة، القوطي، الإسباني، فإن الذي يهمنا الآن أن نعرفه من شأنه –زيادة على ما سبق – إنما هو شيء واحد:
هذا الشيء هو أن الكونت كانت له بنت جميلة تدعى "فلوراندا"
"فلوراندا" لم تكن تعيش مع أبيها في قصره بسبتة، تحت رعايته الخاصة ورعاية والدتها، وإنما كانت تعيش بعيدا عنهما معا، في طليطلة، في قصر الملك رودريك"
كانت العادة جارية بأن يرسل الأمراء والأشراف والحكام الكبار، أولادهم وبناتهم، عند ما يبلغون سن الشباب أو يقاربونه، إلى القصر الملكي في طليلطة ليتأدبوا بالآداب الملوكية، وليكمل بهم الاطار اللازم في قصر كوصفاء ووصيفات شرف، ولينالوا في النهاية شرف أن يكون الملك نفسه، هو الذي اختار لهم الأزواج، وهو الذي تولى بنفسه مباركة زواج من يتزوج منهم.
هكذا كانت "فلوراندا" بنت الكونت جوليان حاكم سبتة، تعيش في القصر الملكي في طليطلة، وصيفة شرف.
الا أن الذي يبدوا أنها كانت وصيفة شرف من نوع ممتاز، أي أنها كانت جميلة جمالا غير عادي، جمالا لم يستطع مضيفها، الملك رودريك، أن يقاوم إغراءه فوقع أسيرا في شراك حبها، ولم يستطع بعد ذلك أن يفلت من هذه الشراك، الى أن كان ما كان، مما سيأتي ذكره في أبانه.
هذه هي "فلوراندا" بنت الكونت جوليان، وهذه هي بداية قصتها مع الملك رودريك، وسنرى من بعد أن هذه القصة وتطوراتها، كان لها تأثير قريب أو بعيد في سير الأحداث المتعلقة بالفتح الإسلامي في الأندلس.
ويجب ألا ننسى إلى جانب كل ذلك، أن "الكونت جوليان" والد فلوراندا" لم يكن مجرد حاكم بسيط أو عادي في مستعمرة، فقد كان على صلة قوية جدا بسير الأحداث في بلاده، اسبانيا، وكان الناقمون على الملك رودريك في طليطلة وعلى سياسته، ينظرون إليه –إلى الكونت جوليان- على أنه واحد منهم، بل يعلقون عليه كثيرا من الأمال، ويرون أنه لبعده عن متناول يد الملك من جهة، ولسهولة اتصاله له بالقوى الخارجية من جهة أخرى، يملك من إمكانيات العمل أكثر مما يملكون هم.
ولعلهم كانوا يرون أيضا أن الكونت يستطيع عند الحاجة أن يجد العرب الذين صالحوه بعد الحرب الضروس التي كانت وبينهم، والتي لم يستطيعوا فيها أن يحققوا نصرا ضده، فاثروا أن يصالحوه وأن يتخذوا منه حليفا أو ما يشبه الحليف
كذلك باختصار كان الوضع السياسي في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وللمضيق بصورة خاصة، قبيل زحف العرب إلى الضفة الشمالية
فكيف كان الوضع في إسبانيا في هذا الوقت بالذات أواخر القرن الأول للهجرة، وأوائل القرن الثامن للميلاد؟

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here