islamaumaroc

من تاريخ المسلمين في بلاد الإنجليز

  دعوة الحق

94 العدد

من الممكن للجالية الإسلامية في بريطانيا أن تقوم بدور كبير في توطيد مركز الإسلام والعالم الإسلامي في أوربا، وتحسين العلاقات بين تلك البلدان والدول الإسلامية بالإضافة إلى إقامتهم مركز دعاية بناءة لحقيقة الإسلام والعالم الإسلامي سياسيا واقتصاديا ودينيا، وهذا يعتمد على نقاط ثلاث، يمكن بواسطتها تحقيق هذه الأمنية التي طالما راودت المسلمين، وخاصة أولئك الذين هاجروا من ديارهم واستوطنوا الجزر البريطانية.

1) العلاقة بين المسلمين في بريطانيا والعالم الإسلامي:
في الحقيقة يصعب على المسلمين هنا القيام بأي عمل سواء بالنسبة للعالم الإسلامي أو بالنسبة للجالية الإسلامية في بريطانيا بدون تلك العلاقة القوية التي تربط المسلمين بالدول الإسلامية. وحيث أن الظروف القاسية التي ترم بالعالم الإسلامي اليوم تنعكس صورتها في الجالية الإسلامية هنا لا يمكن القيام بأي عمل إيجابي بصورة منفردة منعزلة عن تلك البلاد الإسلامية. والكل يعلم أن المنظمات المعادية للإسلام لها إمكانياتها الغير المحدودة والتي تسندها الدول المعادية حتى في عقر دارنا. ولتحديد هذه العلاقة وكيف يجب أن تكون نضع النقاط التالية:

أ‌- التأييد المادي والمعنوي:
لابد للخطوة الأولى هنا أن تأتي من الجالية الإسلامية وذلك بتنظيم نفسها وتوحيد جهودها وعلى الدول الإسلامية وحكوماتها أن تشجع هذه الجالية وتمدها بما تحتاجه من توجيهات ومطبوعات وأموال في بناء مركزها الاجتماعي على المستوى الذي تتطلبه الحياة اليوم في بريطانيا. أن أغلب أبناء الجالية الإسلامية هم من الطبقة العاملة التي لا تستطيع التوفير من معاشها اليومي فكيف بنا أن نطلب منها أن تسابق التنظيمات الصهونية وغيرها والتي تقف جحر عثرة في سبيل أي تنظيم إسلامي.

ب‌- أبعاد الجمعيات والمنظمات الإسلامية عن النشاط السياسي:
مما لاشك فيه أن الخلافات السياسية بين الدول الإسلامية وخاصة العربية منها يجب أن لا ينعكس أثرها على الجالية الإسلامية في بريطانيا: حيث أن هذه الخلافات لا يمكن حلها من هنا ولا تجدي نفعا للإسلام ولا للمسلمين في هذا البلد غير الأمين وإنما تزيد الطين بلة لتشوه سمعة الإسلام وأهله، وعلى الجالية أن توحد جهودها وتكون مثلا حيا للوحدة الواضحة هو خير دعاية للدول الإسلامية كافة.

ج- بناء المساجد والمراكز الإسلامية:
وحيث أن المال هنا هو الركن الأساسي ويمكن ضم هذه الفقرة مع القسم الأول من الفقرة (أ) إلا أننا نرى الأهمية الكبرى لهذا الموضوع. فأهمية المسجد في الإسلام معروفة وأن الدور الذي لعبه في التأريخ واضح، ومما لا خلاف فيه أن المسجد في الإسلام يمكن أن يلعب ذلك الدور نفسه فيما لو عرفنا حقه وقمنا على خدمته وبنائه، فالجالية الإسلامية اليوم ليس لها مركز إسلامي(1) أو مسجد جامع يليق بعظمة الإسلام ومركز المسلمين، وأن الذي لدينا اليوم ليس هو إلا بيوت صغيرة تبرع بها أصحابها لتكون مراكز للقاء المسلمين وهي غير مؤثتة أو مفروشة كأي مسجد كما وليس فيها من وسائل الراحة ما يتلاءم والمحيط الذي نعيش فيه، وأن الجالية الإسلامية عاجزة عن تحسينها لقصر ذات اليد. فعليه يقع الواجب هنا على الدول الإسلامية مجتمعة في إمداد هذه البيوت وتحسينها والإنفاق عليها لتكون صورة من  صور الإسلام في الغرب.

د-إرسال الوفود والموظفين الاكفاء:
إن من أهم الأمور الحساسة هو وجود الموجه الصالح ذو الكفاءة العلمية بشؤون الإسلام وشؤون الحياة في العالم الغربي، وأعني بذلك رجال ذوو إطلاع واسع عاشوا او خبروا الحياة في الغرب بالإضافة إلى منزلتهم العلمية الإسلامية، فالرجل الفقيه بالقرآن والحديث الذي لا يجيد اللغة الإنكليزية ولا يعرف كيف يعيش في بلد أجنبي لا ينفع مطلقا وقد يكون مصدر نقمة على الإسلام والمسلمين. ولنا أن نعتبر اليوم بالمبشرين الذين ترسلهم المنظمات المسيحية إلى بلادنا، فأولا وقبل كل شيء عليه أن يعرف عن الإسلام ما استطاع ثم أن يتعلم لغة القوم التي سيبعث لهم ويمر في دور دراسة قد تطول سنة أو سنتين في الجامعات البريطانية أو مدارس خاصة قبل أن يرسلوه، فهل عملنا لهذا حسابنا ؟
هذا بالإضافة إلى الوفود التي تمر ببريطانيا لغرض الزيارة أو الاستشفاء او المهام السياسية كالمؤتمرات وغيرها يكون لها أثر فعال في نفوس المسلمين هنا، لو قام مثل هؤلاء الوافدين بزيارة لمحلات تجمع الجالية الإسلامية والتعرف على أحوالهم والإطلاع على شؤونهم فهذا هو الذي يبث فيهم الأمل والصمود للكفاح، وإلا فإنهم يعتبرون أنفسهم نسيا منسيا وتنقطع الصلة بينهم وبين اوطانهم.

2) علاقة الجالية الإسلامية بعضها ببعض:
وقبل أن نحدد هذه العلاقة علينا أن نتبين عن كثب لنرى إمكانياتها المعنوية أو بالأحرى لنرى إسلاميتها، فالمسلمون في هذه البلاد يمكن تصنيفهم ثلاثة مجاميع كما هو الحال تقريبا في معظم البلاد الإسلامية نفسها. فقسم اتخذ القومية شعارا واخذ يدافع ويركز جهوده للدعاية والعمل لقوميته سواء كانت عربية أو إفريقية أو باكستانية، والقسم الثاني هو ما اسمه بالشباب الضائع الذي أغرته الحضارة الغربية وساعد على ذلك عدم وجود الوازع والموجه الإسلامي لهم وهؤلاء وهم الأغلبية الساحقة من طلاب البعوث الذين سيتولون قيادة الأمة في القريب. أما القسم الثالث فهو الثالث المسلم الذي صمد في وسط المعركة المادية الملحدة التي لا نهاية لها.
ونظرا لانعدام العلاقة بين المسلمين هنا والعالم الإسلامي نرى أن الشقة بعدت بين هذه المجاميع الثلاث مما أدى إلى تشتيت الجهود وضياع الشباب الطاهر وسط صراع بين التقاليد والعادات وبين بهرج الحضارة الغريبة الزائفة.
فالخطوة الأولى للتغلب على المصاعب التي تواجه الحركة الإسلامية هي توحيد الجهود وضم الكلمة وتحديد الهدف والغاية ثم إعداد المسلم كمواطن صالح يقدر موقفه ويعرف حقيقته ليكون خير صورة لأمته وبلده، وكلنا يعلم أن الإسلام مانتشر في أغلب بقاع العالم كأندونيسيا مثلا إلا لمعاملة هؤلاء المهاجرين الطيبة وحسن أخلاقهم وإعطائهم الصورة الحقيقية لإنمائهم وإسلامهم مما دفع أهل تلك البلاد لتبنى دينهم والتخلق بأخلاقهم.
فعلى المسلمين في بريطانيا أن يحددوا علاقة بعضهم ببعض على ضوء الإسلام وأن يتخلقوا أفرادا وجماعات بنظام القرآن والله سبحانه وتعالى كفيل بتحقيق أملهم ونصرهم.
والنقاط التالية تحدد المخطط العام لهذه العلاقة:

1- الاجتماعات العامة والخاصة:
على المسؤولين من أبناء الجالية الإسلامية تنظيم الاجتماعات العامة والخاصة وانتهاز الاحتفالات الدينية والعطل الرسمية لأحياء النفوس وتجميع القوى، وعلى أفراد الجالية المشاركة في هذه الاجتماعات وحضورها باستمرار ودعوة الأصدقاء إليها فهي الحلقة الأولى التي تلتقي على صعيدها الجالية الإسلامية والتعرف بعضهم على بعض. أما الاجتماعات الخاصة فيجب أن يكون منها في الدارسة أكثر منها في موضوعات خطابية عامة وذلك لمعرفة أحوال البلاد التي تعيش فيها الجالية ودراسة كيفية وتحسين احوالها وعلاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه.

ت‌- الزيارة العائلية وزيارة المستشفيات:
وهذا من المبادئ الإسلامية الأولية فكيف بنا في بلد أجنبي وكلنا غرباء فالزيارات الخاصة وزيارة الجار والأصدقاء وتفقد الأخوة أمر ضروري بالرغم من كثرة المشاغل وصعوبة الحياة فالعائلات المسلمة وخاصة المسلمة حديثا أن تختلط بصورة أوسع مما في الاجتماعات العامة والخاصة ليكثر تعرفها في الإسلام وتعاونها على حمل عبئه وليفهم بعضهم البعض فتقوى الأخوة ويثمر العمل. أما زيارة المرضى في المستشفيات فإنها عمل جليل، وخاصة أن أغلب المرضى يأتون خصيصا للعلاج وأغلبهم لا يفهم الإنجليزية وهم بكثرة بحيث لا تجد مستشفى إلا وفيها بعض المسلمين، فيجب والحالة هذه تنظيم هذه الأمور بحيث لا يبقى مريض إلا وهناك من يزوره ويخفف من مرضه وغربته وإشعاره أنه بين أهله وإخوانه.

ج‌- التجارة والمعاملات المالية
على أفراد الجالية الإسلامية والمسؤولين فيها إدراك حقيقة واضحة وهي تشجيع أصحاب الأعمال والتجار المسلمين إذا أردنا بناء أركان الجالية الإسلامية المتصدعة، وأن يقاطعه مقاطعة تامة المنتجات الإسرائيلية والشركات التي تتبنى محاربة الإسلام سرا وعلنا خصوصا دور النشر والطباعة .
كما وأن تكوين الجمعيات والتعاونيات وخاصة في تجارة المستهلكات من الأغذية وغيرها مما يسهل للمسلم الحصول على الطعام الحلال بالإضافة إلى إشعاره بكونه لبنة في بناء الجالية في الوقت الذي هو فيه الآن كالريشة في مهب الريح كما ويمكن للتجار المسلمين في البلاد الإسلامية الاعتماد على أفراد الجالية الإسلامية ذوو الخبرة في الأسواق التجارية وتكوين علاقات تجارية فيما بينهم تستفيد منها الجالية من طرف والبلاد الإسلامية من طرف آخر.

3) علاقة المسلمين بأهل البلاد الانكليز:
ونعني بذلك علاقة المسلمين مع سكنة هذه البلاد من المستوطنين الأجانب والجاليات الصغيرة الأخرى بالإضافة إلى أهل البلاد الأصلين. وهذه العلاقة يمكن ان تكون على الأساس الآتي:

أ- علاقة العمل:
وقد تكون هذه العلاقة في الجامعة أو في المصنع أو في الكتب أو في أية فرصة تتاح للفرد للاختلاط مع أهل البلاد. حيث على المسلم أن يظهر بمظهر لائق كمسلم فيؤدي واجبه على أحسن حال ويكون منتظما في عمله وعلى الطالب أن يحسن دراسته ليكون الواحد منهم سفيرا لعقيدته ومصحفا ناطقا بين أصحابه وإن كانت هناك علاقات تجارية وتعهدات مالية، على المسلم أن يعمل بما أمر به القرآن وأن يكون مثالا يقتذى به وبذلك سيحسن الناس معاملاتهم وثقته ويتخلقون بثقته.

ب- علاقة حسن الجوار:
فقد يكون الجار في هذه البلاد ملحدا أو نصرانيا أو يهوديا، وقد يكون انكليزيا أو مهاجرا.وهذا لا يغير في الحقيقة شيء فحسن معاملة الجار من لب تعاليم الإسلام وليس هدا فقطوانما على المسلم أن يعتني بأمور بيته ونظافته ويقيم علاقات طيبة مع جاره وقيام مثل هذه الصلات يؤدي خدمة للجالية الإسلامية كبيرة.
فعلاقة المسلمين بأهل البلاد يجب أن ترتكز على شيء واحد مهم هو التمسك بالإسلام وعدم التضحية بجزء من تعاليم الإسلام مهما كانت الأسباب والظروف واعلم انك إن استمسكت بعاداتك وتقاليدك الإسلامية فسيحترمك الانكليز ويرفعون منزلتك واحترامك وهم يقدرون ذلك أحسن تقدير. وأن المسلم الذي يتخلى ويتساهل بجزء من تعاليم إسلامه فينظرون إليه كرجل فيه مركب نقص يحاول إخفاءه. وأن الرجل الذي يحاول أن يتخلق بعاداتهم وتقاليدهم الغريبة فلن يكون واحدا منهم مهما طأطأ رأسه وأنهم سيحتقرونه. وإبعادا لكل الشبهات كن مسلما كما يجب أن تكون وبذلك توفر على نفسك متاعب كثيرة وتكسب احترام الناس بعد احترام الله.

ج- الاجتماعات العامة والاحتفالات الرسمية:
وأعني بذلك المشاركة في الاجتماعات العامة التي ينظمها أهل البلاد والاحتفالات الرسمية التي تقام فيها، فعلى المسلمين الاشتراك في كل اجتماع أو احتفال يظهر فيه اسم الإسلام عاليا ويعود على الجالية الإسلامية بالخير، والحذر من الاجتماعات الغوغائية والابتعاد عنها ومحاولة تمثيل المسلمين في المؤتمرات سواء الثقافية منها أو الرسمية، والاشتراك في المناظرات والمحاضرات التي تجري عن الإسلام في الجامعات والنوادي.
وخلاصة القول في الوقت الذي يهمل العالم الإسلامي أمور الجالية الإسلامية في بريطانيا والتي هي مركز الاشعاع في الغرب كله لما لها من موقع جغرافي وسياسي فإن العواقب ستكون على عكس الثمار المرجوة التي كانت في بقاع العالم الإسلامي الأخرى يوم اصطبغت البقاع هنالك بالإسلام فستكون العاقبة هنا أن ينحرف المسلمون وخاصة الكثير منهم أولئك الذين تزوجوا من نساء الانكليز الذين بقوا على أديانهم، وأن أطفالهم لعدم وجود المدارس الإسلامية يتعلمون ويثقفون بثقافة أهل البلاد.
وفي نهاية القرن الحاضر سوف لا يكون هناك أثر للإسلام أو المسلمين إلا إذا تداركت ذلك جهود الأفراد والجماعات من الجالية الإسلامية من هنا والعالم الإسلامي من هناك، والله وكيل بعباده.


كلنا يبغي الحياة لنفسه
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه
                            حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفسي، أورده التقى
                              وحب الشجاع النفس أورده الحربا


(1) سنعود للحديث عن المركز الثقافي الاسلامي وجامع لندن في حديث آخر.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here