islamaumaroc

العلامة الإمام رشيد رضا

  دعوة الحق

94 العدد

يمثل السيد رشيد رضا نموذجا لمجموعة من الموسوعيين في مجال الصحافة والفكر العربي المعاصر، هؤلاء الذين اتاحت لهم فسحة العمر إنشاء صحف شهرية عاشت السنوات الطوال وحوت عصارة العصر كله. وأصبحت من بعد ذلك مرجعا أساسيا لكل باحث لا يستغنى عنها، فالمنار الذي أنشأه الشيخ رشيد رضا عام 1899 قد عاش إلى وفاته "37 سنة" وشأنه في هذا شأن الهلال الذي أصدره جرجي زيدان، والمقتطف الذي أنشأه الدكتور صروف، والعرفان التي أصدرها أحمد عارف الزين، والمشرف الذي حرره الأب لويس شيخو، فهذه أعمال فردية ضخمة عاشت طويلا وأصبحت مراجع هامة للباحثين تمثل قطاعا ولونا في حياة الفكر العربي المعاصر.
أما "المنار" فقد أصدره الشيخ رشيد في ظل الأستاذ الشيخ محمد عبده لسانا للإصلاح الإسلامي الذي كان يدعو إليه وعلامة على ذلك الطريق والربط العمل لتجديد الإسلام وفتح باب الإجتهاد والربط بين الدراسات الإسلامية وبين معالجة قضايا العالم الإسلامي السياسية.
ذلك أن الشيخ رشيد كان قد قدم من الشام فالتصق بالشيخ عبده وتلمذ عليه وأصدر المنار في مجال خدمة الدعوة التي يحمل لواءها المفتي، والتي كان لها طابع بعد الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر، وكان الإمام قد بدأ برنامجا جديدا للتجديد الإسلامي تتصل في مجال تطوير اللغة العربية والدفاع عن الإسلام وتفسير القرآن تفسيرا عصريا يربط بين الإسلام وبين الحضارة.
وفي خلال السنوات الست "1899-1905" التي عاشها رشيد رضا في ظل الإمام، استطاع أن يرسم صورة واضحة لمفاهيم الفكر العربي الإسلامي في خطواته نحو اليقظة والتجديد. وكان الشيخ محمد عبده، مواليا له، معتنقا آراءه، ومرتبطا بأوليائه وخصومه على السواء، ومن هنا كان موقف الشيخ رشيد والمنار، هو موقف الترفق بالاحتلال البريطاني، ومس القضايا التي ترتبط به مسا خفيفا، وكانت كذلك خصومته لمصطفى كامل والحزب الوطني، وخصومته أيضا للخديوي، وكان هذا التيار هو بؤرة المفاهيم التي حملها لطفي السيد في "الجريدة" وحزب الأمة من بعد.
غير أن هذه المرحلة تنتهي في حياة الشيخ رشيد رضا بوفاة الشيخ محمد عبده لتبدأ مرحلة جديدة مع تطور الأحداث يبدو منها طابع القومية العربية مرتبطا بالإسلام في ظل الحركة التي انبعثت في الشام للتحرير من النفوذ العثماني. ومن هنا وجدت المنار طريقها إلى المشاركة في هذا القطاع والتبريز فيه، حتى ليمكن أن يكون هو المرحلة الثانية لتطوره الفكري، فما أن صدر الدستور العثماني سنة 1908 وسقط السلطان عبد الحميد سنة 1919 حتى بدأ الشيخ رشيد رضا وله موقف عثماني عربي مصري،هو موقف الدعاة إلى اللامركزية وأصحاب فكرة المؤتمر العربي الأول سنة 1913 الذي عقد في باريس.
وقد انتهى هذا الموقف بموالاة الثورة العربية التي أعلنها العرب بقيادة الشريف حسين ثم كان عضوا في الحكومة العربية السورية الأولى التي أقامها فيصل بعد إعلان الهدنة للحرب العالمية الأولى، فلما سقطت هذه الحكومة واستولى الفرنسيون على سوريا، عاد الشيخ رشيد رضا إلى مصر وأعاد إصدار المنار الذي كان قد توقف ثمة، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياة الشيخ رشيد وحياة المنار.
أما هذه المرحلة فتتمثل في تعليق الأمال بالدعوة الوهابية وحكومة مكة وخلفاء الشريف حسين في الجزيرة العربية، وقد امتدت هذه المرحلة إلى نهاية حياة صاحب المنار.
وقد كان الشيخ رشيد يجمع بين العمل في ميدان الفكر الإسلامي والقضايا السياسية في العالم الإسلامي فهو يفسر القرآن ويكمله مراحل بعد وفاة الشيخ محمد عبده ويسير على منهجه وأن خالفه في بعض آرائه، فهو وان كان امتدادا له في النظرة العامة غير أنه كان له طابعه الاستقلالي الواضح، ذلك أن الشيخ رشيد رضا، لم يكن من خريجي الأزهر أصلا، ولا مصري الجنس، فهو ليس مشغولا بإصلاح الأزهر، ولا بالقضية المصرية الوطنية، ثم هو واضح الاهتمام بالحكومات العربية، وقضايا العالم الإسلامي، وهو في مجال الدراسات الإسلامية له طابعه الذي يختلف عن طابع الشيخ محمد عبده، فهو أعمق منه في مجالات قضايا الفقه والتشريع، ومراجعات المذاهب والاقضية ودقائق المسائل والفتاوي والعلل، فهو فقيه متبحر، قرأ اختلافات الأئمة والفقهاء ومساجلاتهم ووجوه النظر المختلفة بين المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب ومن هنا جاءت نظرته أعمق من نظرة الشيخ محمد عبده الذي كان يعالج القضايا الكلية ويلجأ إلى المنطق والنظرة الفلسفية الشاملة باعتباره مصلحا إسلاميا يواجه قضية أساسية: هي "قدرة الإسلام على مواجهة العصر والحضارة دون التخلف عنها" أما السيد رشيد فقد تحول عن هذه النظرية الكلية ثمة، واغرم بدقائق المسائل ومراجعة التفصيلات.
ومن هنا بدا الشيخ عبده أوسع افقا، بينما بدا الشيخ رشيد أعمق نظرة ويرجع هذا إلى الطابع النفسي والفكري لكل منهما، غير أن دعوة الشيخ محمد عبده إلى تجديد الإسلام وفتح باب الاجتهاد قد وجدت صدى بعيد المدى في مختلف أقطار العالم الإسلامي، في كل قطر من يحمل لواءها ويرفع شعاراتها، غير أن الذي أعطى هذه الحرية اتساعها وعمقها واستمرارها، إنما كان هو الشيخ رشيد ومجلة المنار التي تعتبر مدرسة هذه الدعوة وبؤرتها، وقد امتدت وفاة الشيخ عبده بثلاثين عاما كاملة، ومن هنا كان الشيخ رشيد تلك المكانة المرموقة والتقدير الأوفى.
وليس لهذا فقط تألق اسم الشيخ رشيد رضا، وإنما كان هو في جوهر شخصيته، وطابع فكره، عالما ممتازا، موسوعيا، فقد أحاط بالتراث الإسلامي إحاطة ضخمة، وعميقة، مستوعبة، واستطاع أن يهضم هذا التراث وتمثيله، وكانت له همة ضخمة، وعزيمة حية، وجلد لا حد له على العمل، وصبر لا حد له في احتمال المتاعب من أجل استمرار مجلته، فهو يستدين، ويواجه الصدمات والعقبات، فلا يزال يواجهها بصمود عجيب، حتى لا يتوقف، وهو صاحب أسلوب بليغ سمح، له طابعه ودلالاته، وله قدرة قوية على الإفاضة والتوسع وتقليب الرأي، وتعدد الجوانب، وعمق النظرة، فكانت كتاباته مستفيضة، ولم يكن يقف نشاطه إلى حد إصدار مجلة المنار، بل لقد خلفت الصحف اليومية بكتاباته في مختلف المناسبات والقضايا والمواقف، فهو حي دائما، متحرك دائما، يخطب ويحاضر، ويناقش خصومه، ويقترع المساجلات ويدخل المناظرات، وله باع واسع في الجدل والمصاولة، وقدرة على كسب الرأي العام إلى صفه، وله سمت أنيق رقيق، ومواقف، ومجاملات تخلق له جو الصداقة، حتى كانت الصحف التي تختلف معه في الرأي، تكتب عنه وتجامله، وتذكره، وكان هو إلى طابعه الإسلامي، العربي، لا يتوقع في الآفاق الضيقة، بل يكتب في الأهرام، وتهتم به صحف دار الهلال، ويشارك في احتفالات المقتطف، وقد كان للصحافة السورية في مصر تقدير متبادل مهما اختلفت وجهات نظرها.
ومن هنا عاش رشيد رضا مرموق المكانة في عالم الدراسات الإسلامية، والقضايا العربية والإسلامية، وكانت دار المنار حافلة بالمطبوعات، والأعلام، الذين يقدمون من كل مكان.
ولقد ارخ السيد لنفسه ورسم مطالع حياته فقال إنه فطر على حب الإصلاح، وأنه كان سريع الفهم قوي الحفظ للمعاني والمعقولات، وقد طلب العلم في أول حياته بمطالعة كتب الأدب وكتب النصوص، وكان أحبها إليه "أحياء علوم الدين" للإمام الغزالي.
يقول: "فهو الذي طالعته وكنت أكثر مراجعة وقراءة بعض أبوابه عودا على بدء، ثم صرت اقرأه للناس، فكان له أكبر التأثير في ديني وأخلاقي وعلمي،وعملي، ثم صرت أتاثر به تأثير صالح نافع في أكثره، ضار في أقله وقد عالجت الضار منه بعد العلم به، فما كان فيه من خطأ علمي فقد رجعت عنه بالتدريج بعد اشغالي بعلم الحديث.
وقد نظم الشعر واشتهر به في مطالع حياته، وكانت له سليقة في اللغة وتعلم على الشيخ حين الجسر، عالم الشام إذ ذاك، والذي كان له المام واسع بالعلوم العصرية.
ويرى للإمام الغزالي فضل عليه، "فإنه كان قد علق بنفسي من كلامه في شرح عجائب القلب ما ضر به من المثل للفرق بين العلم الذي يصل إلى القلب أو النفس من طريق الحواس، والعلم الذي يتفجر منه بتطهيره من الصفات المذمومة والأفكار الرديئة حتى يكون كالمرآة الصقيلة. بأن مثل الأول كالماء الذي يجري من السواقي المحفورة إلى حفرة أو بئر يجتمع فيه مع ما يحمله في طريقه من الغثاء والوحل، ومثل الثاني كماء الينبوع الذي يتفجر من الصخر".
وقد أشار الشيخ رشيد إلى أنه طلب العلم ليكون معلما ومرشدا، وإنه من أجل ذلك لم يقصد به مالا أو شهرة، وإنه قصد إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يعتقد أنه الحق، وقد اهتدى إلى غايته بعد الغزالي بالعروة الوثقى وأساتذته هم: غايته الجسر، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده.
ثم عزم على لقاء جمال الدين الافغاني "لتكميل نفسه بالحكمة والجهاد في خدمة الملة" الذي توفى عام 1893 قبل أن يلقاه فاستقر فعزم على الهجرة إلى مصر، والاتصال بالشيخ محمد عبده، لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم.
وقد حقق أمله فوصل إلى مصر عام 1898 والتقى بالإمام في القاهرة بعد وصوله فكان ذلك فاتحة حياته الفكرية في انطلاقها إلى الآفاق التي كان يتطلع اليها وكان في سن الثالثة والثلاثين، إذ ذاك.
وفي ضحوة اليوم التالي "لوصوله إلى القاهرة" ذهب لزيارة الشيخ محمد عبده في داره بالناصرية واستشارته في إنشاء الصحيفة التي كان يرغب في في تحريرها وذكر عدة أسماء لها فاختار لها الأستاذ الإمام اسم "المنار".
يقول: فكتبت فاتحة العدد الأول بقلم الرصاص في جامع الاسماعيلي "مارس 1898" وعرضها عليه فارتضى ما كتبته الا كلمة واحدة وهي تعريف الأمة بحقوق الإمام والإمام بحقوق الأمة فقاب ما معناه أن المسلمين اليوم لا أمام لهم الا القرآن، واقترحت عليه تفسير القرآن، ينفخ فيه من روحه، فاعتذر. وظل يوالي دعوته، حتى اقتنع وبدا دروس التفسير في "10 المحرم 1317" وانتهى منه في منتصف "المحرم 1323" عند تفسير "وكان الله بكل شيء محيطا" الآية 36 من سورة النساء، وكان قرأ زهاء خمسة أجزاء في ست سنين ثم توفى الإمام، فشرع رشيد رضا في محرم 1318 يكمل التفسير وفي رأي بعض الباحثين أنه فاق استاذه.
ويرى الشيخ محمد أحمد شاكر: أن الشيخ محمد عبده كان حكيما عظيما، وروحا وثابا ولكنه لم يكن مطلعا على السنة النبوية اطلاعا كافيا، ولا يكون المفسر للقرآن مفسرا حقا الا بالتوسع في دراسة الحديث  النبوي، والتشبع منه" وقد اتم الشيخ رشيد  رشيد تفسير "12 جزءا" من أجزاء القرآن ونشر بعض أيات من أول الجزء الثالث عشر، ويرى بعض الباحثين " "1" إنه التفسير الآوحد الذي بين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن ...، وإن الشيخ رشيد أوتي من الإطلاع على السنة إلى فهم القرآن حق فهمه، في الرد على الشبهات، واقوال الماديين ومسائل العمران والآيات الكونية" ويرى الأستاذ محمد مصطفى المراغي: أن رشيد رضا كان محيطا بعلوم القرآن وقد رزقه الله عقلا راجحا في فهمه، ومعرفة أسراره وحكمه، واسع الإطلاع على ألسنة واقضية الصحابة، وآراء العلماء، عارفا بأحوال المجتمع، والأدوار التي مر بها التاريخ الإسلامي، وكان شديد الاحاطة بما في العصر الذي يعيش فيه، خبيرا بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية، ملما بما في العالم من بحوث جديدة، وبما يحدث من المعارك بين العلماء وأهل الاديان. وبذلك كان أكبر المدافعين عن قواعد الإسلام. وأشدهم غيرة عليها، ولم يكن له مبدأ جديد في الإسلام حتى يصح أن يقال أنه له مذهبا ينسب إليه، بل كان مبدؤه جميع علماء السلف، وهو التحاكم إلى الله وروسوله".

وقد اتخذ الشيخ رشيد رضا من مجلة المنار سجلا لاحداث عصره ووقائع حياته، وهي حياة خصبة عريضة، تعرف فيها بأعلام الفكر والحكم والسياسة في العالم العربي الإسلامي كله وخدم قضايا الحرية في المغرب والجزائر وسوريا والهند، وقد أتاحت له رحلاته خبرة وتجربة، فقد رحل خمس رحلات إلى أوربا والاستانة والحجاز "مرتين" والهند وكتب عن هذه الرحلات صفحات تدخل ي باب دراسة الأدب وفن الرحلات، فقد سجل انطباعاته وآراءه ومشاهداته بتوسع ويمكن أن يقال أن تراثه يتمثل في ثلاث قطاعات:
1- "مؤلفاته" وفي مقدمتها "تفسير المنار" والوحي المحمدي" و "نداء للجنس اللطيف" و "تاريخ الأستاذ الإمام" وله مؤلفات عن الوحدة الإسلامية والخلافة والسنة والشيعة، ومناسك الحج وحقيقة الربا.
 وله منظومة شعرية طويلة أطلق عليها "المقصورة الرشيدية".
2-  مجلدات جريدة المنار: وهي 33 مجلدا "1899-1935" وتضم أكثر من 160 ألف صفحة.
3- رسالة إلى أصفيائه وأصدقائه في مختلف أنحاء العالم العربي، وقد استطاع الأستاذ أحمد الشرباصي أن يقدم منها مجموعة كبيرة في دراسته عن "رشيد رضا" وليديه مجموعة أخرى ستنظمها دراسته الضخمة عنه.
ويصور الأمير شكيب أرسلان مقدرة رشيد رضا وصيره على كتابة الرسائل فيقول: "لم أكن أرى في عصرنا هذا أصبر على الكتابة واجلد على الشغل وأسيل قلما وأسرع خاطرا من الشيخ رشيد فلو وزعنا ما كتبه بقلمه وبخط بنائه في حياته على خمسين كاتبا لأصاب كل منهم قسطا يجدر أن يجعله في صف المؤلفين العاملين، وهو لا يضيع دقيقة واحدة من وقته، وأنه يتلقى أكثر من ألفي مكتوب على دور السنة فيجيب عليها كلها، ويكتب زيادة مائتين إلى مائتين وخميسين مقال في دور السنة وينشر من التأليف بضعة آلاف من الصفحات المطبوعة تأليفا، فلست إذا لا غبط أحدا من الخلق على شأو بعيد في الجد ولا محصول غزيز من ثمرات الأقلام، ولا أدعي مجاراة السيد رشيد في هذا الشأو، فقد كان يكتب جميع ما يكتبه بخلط أنامله، ومما أدهشني أن كتابه الأخير الذي كان قبل وفاته بأيام قلائل، وكان يشكو إلى فيه المرض، وهو أيضا بخطه".

             على قدر الهوى ...
            وكل الناس مجنون، ولكن
        على قدر الهوى اختلف الجنون

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here