islamaumaroc

أبو الفضل يوسف ابن النحوي المغربي

  دعوة الحق

94 العدد

ابو الفضل من قلعة بني حماد أصله من توزر –دخل سجلماسة وفاسا- ثم عاد إلى القلعة، وبها توفي سنة 513 هـ 1119 م عن ثمانين سنة اخذ صحيح البخاري عن اللخمي – وقد سأله ما أتى بك؟ - قال ابو الفضل: لنصر تبصرتك. فقال له: تريد أن تحملني في كفك للغرب. يقصد أن علمه كله فيها – كما اخذ عن غيره كالمازري وأبي زكرياء الشقراطيسي.
كان من العلماء العاملين وعلى سنن الصالحين مجاب الدعوة حاضرا مع الله في غالب أمره، له اعتقاد تام بإحياء أبي حامد الغزالي فعند ما افتى الفقهاء بحرقها في صحن مراكش، ووصل كتاب سلطان لمتون بذلك، وتحليف الناس بمغلظ اليمين أن ليس عندهم الأحياء – انتصر وكتب للسلطان، وافتى بعدم لزوم تلك الايمان، فعند ما وصل كتاب رئيس الدولة بالتحريج والتحريم – ذهب ابن حرزهم إلى أبي الفضل يستفتيه في تلك الإيمان، فافتى بأنها لا تلزم.
وتلكم ظاهرة نبيلة تبرهن في جلاء على قوة إيمان الرجل، وثبات عقيدته، ورسوخ يقينه في الله غير مكترث للصولة والسلطة التي لا تجري على موجب للحدود والمبادئ.
وان جرى نوعها بالشرق، وصدع بها عدة علماء –كالنووي، والعز بن عبد السلام – فمترجمنا أبو الفضل المغربي له فضيلة السبق في الميدان – فضيلة قل من يتوفر عليها من علماء الشعوب ومثقفيها وقد نسخ أبو الفضل الأحياء ثلاثين جزءا وكان كل يوم من رمضان يقرأ جزء قائلا: وددت أني لم أنظر في عمري سواء (1)
وما جرأة فقهاء الدولة الذين كانت لهم الصولة في الحكومة المرابطية الا نتيجة قصور وتزمت وجمود في إطار ضيق عن الفهم لمدلولات التشريع الصحيح، ووقوف عند أقوال فقهاء لم تتسع صدورهم لادراك  تعاليم الإسلام ومراميها المنشرحة.
كان الغالب على ابن النحوي العالم الصوفي الصادق – الحضور والتعلق بالحضرة الإلهية، ويقال أنه بات عنده ضيق، فدخل في بيت يصلي فيه، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات في الدار، فقال الضيف لابنه: أما تشغلون خاطر الشيخ بهذا في صلاته ؟ فقال له ابنه : انه اذ دخل في الصلاة لم يشعر بذلك ولا  يغيب عن الأشياء – وهو ان لا يميز بين مرافقه وملاذه وبين اضدادها في مرافقة الحق فإن غلبة وجود الحق تسقطه عن التمييز بين ما يولمه ويلذه في هذه اللحظة تعجب الشيف من قوله كالمنكر له وعن كتب تناول الابن السراج وادناه من عيني أبي الفضل وهو في صلاته فلم يحس به لحضوره مع الحق، وغيبته عن الخلق، عريقا في تأملات محرابه ومر به شخص وهو يمشي في طرق فاس فقال له: أين الطريق إلى سوق البقر ؟ فقال له : هو الذي تمشي فيه وأنشد.
ان كنت أدري من أين آتي
وأين من حيرة امر
فأنت يا مركبي حبيس
وياغلامي فأنت حر
فأبو الفضل كما نرى يصارح السائل بأن السوق المسؤول عنها هي هذه يعني ما هما سائران فيه الان، فالمجموع فيها من بني الانسان لا يدرون من أين أتوا وأين يمرون ويذهبون، لما علاهم من ذهول وركبهم من حيرة، لحد جعل الشيخ أبا الفضل يصورها بصورة بقر – خطوب وهموم تفقد الإنسان إنسانيته فيصبح مسلوب التمييز فقيد العقل، يستطيع رائيه وضعه مكان العجماوات من الحيوانات
"يغمى على المرأ في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن"
هذا يفكر في مصيره، وذاك في ذريته وأسرته، والآخر في الوسط الموبوء، ورابع في المجتمع وأمراضه وكيف الوصول إلى العلاج الناجع ؟ أشياء من شأنها أن تقلب الحقائق ، وتجعل الإنسان غير الإنسان
يقول ابن الزيات التادلي في كتابه التشوف: حدثني يحيى بن عبد الرحمن، قال: أنشدني أبو العلاء  أدريس بن محمد الكتامي عرف بابن الرمامة قال: أنشدني أبو الفضل:
أصبحت فيمن له دين  بلا أدب
ومن له أدب عار من الدين

أصبحت فيهم فقيد الشكل منفردا
كبيت حسان في ديوان سحنون(2)
يشير إلى البيت الذي لحسان في كتاب الجهاد من المدونة ونصه:
فهان على سراة بني لوي
حريق بالبويرة مستطير
فها نحن نرى الصوفي أبا الفضل يرثي لنفسه. ويشفق من الحالة التي يعيشها أبناء شعبه، لدرجة أن المتدين القائم بشعائره عار عن الأدب بعيد عن الفضيلة في سلوكه وسيرته بل حسبه الاتيان بما وجب عليه أداؤه من طقوس دينية شخصية لا أقل ولا أكثر – ناس أو متناس ما يجب أن يتحلى به من محامد ومكارم، تجعله مرموقا بين أبناء الوسط الذي يعيشه، منظورا إليه بعين التجلة والاكبار – وعلى العكس نراه يتأفف ويتألم من طبقات توفرت على سلوك طيب، وخلق حميد بيد أنها في تبرم وابتعاد عن القيام بما فرض عليها من واجبات، وما طولبت به في دائرة التعبد والنسك من أعمال وتوجيهات لله بل حسبها التظاهر بمظهر اللين والطيبوبة في التعامل مع البشر، وليت كلا من الفريقين شرب من الكأسين فتعبد وتأدب – وعاش مترجمنا أبو الفضل ومن على شاكلته من رجال التصوف الصادق مستريح البال مطمئن القلب سعيدا برؤية أبناء امته سعداء ظاهرا وباطنا.
أنه أبو الفضل الذي يقال: أعوذ بالله من دعوة ابن النحوي اذ كان مجاب الدعوة – جاء عن الولي ابي الحسن علي ابن حرزهم – أن ابا الفضل كان يلبس البياض – فدخل عليه شاب من طلبة العلم فبادر يسلم عليه، فاراق المداد على ثوب أبي الفضل من محبرة، فخجل من ذلك، فقال له أبو الفضل، رفعا للخجل عنه: كنت أقول: أي لون أصبغ به هذا الثوب ؟ فالان أصبغه حبريا(3) فجرده وبعثه إلى الصباغ.
وحدث أبو الحسن قال: أوصاني أبي ان أقبل يد أبي الفضل بن النحوي متى لقيته، ولو لقيته في اليوم مائة مرة، فبعثني يوما اليه ليدعو لي، فأتيته وقت غروب الشمس فوجدته يتوضأ – فلما فرغ من وضوئه نظرت إلى الأناء كانه لم ينقص منه شيء، فلما اراد أن يكبر نظرت إلى ثوبه الذي على كتفه يتحرك حركة شديدة يسمع صوته من شدة الخوف ثم قرأ قراءة مينة يسردها حرفا حرفا(4)، فلما سلم دعا لي فانصرفت إلى أبي فحدثته وقلت له: رأيته صلى عند غروب الشمس قبل الوقت الذي يصلي به أهل البلد، فأهوى إلى بيده ولطمني وقال لي: اتتكلم في ولي من أولياء الله تعالى، وهل وقت المغرب الا ذلك الوقت الذي صلى فيه أبو الفضل، وانما الناس ابتدعوا في التأخير عن ذلك الوقت، ثم أمرني أبي أن أحكي له فعل أبي الفضل من أوله إلى آخره ففعلت، فقال لأمي وكانت حاضرة: هذا صبي نرجو من الله تعالى أن ينفعنا به، فإنه وجد بركة أبي الفضل وقد رأيته حين دخل علي، وعليه نور فعلمت أن الله قد أجاب فيه دعوة أبي الفضل.
وحدث ابن أبي القاسم عن أبي علي سالم قال: لما دخل أبو الفضل سجلماسة – أمر أن ينزل في دار قريبة من الحمام بعيدة من المسجد، فانكروا عليه ذلك غير منعمين النظر فيما يرمي إليه، وسالوه عن ذلك فقال: خطاي الى الحمام في حق بدني، فاريد أن تكون قليلة، وخطاي الى المسجد  فيها الاجر فاريد أن تكون كثيرة (سنكتب ما قدموا واثارهم) كما جاء في القرآن – وفسر بالخطأ الى المسجد، ومن أغبرت قدماء في سبيل الله حرمه الله على النار، وسبيل الله أوسع من أن يحصر، ومن الماثور عنه – أنه لما عاد القلعة – أخذ نفسه بالتقشف، وهجر اللين من الثياب، وليس الخشن من الصوف، وكانت جبته إلى ركبتيه (5).
فمر يوما بابي محمد بن عصمة، وكان فقيه المدينة ومفتيها، فلم يسلم عليه أبو الفضل – وربما كان غائب الفكر، مشغول البال في الذكر والتعلق حسب مشربه – فعظم ذلك على ابن عصمة، فلما رجع أبو الفضل ناداه ابن عصمة محقرا له: يا يوسف – فلباه أبو الفضل، وأتاه، فقال له: يا توزري صفرت وجهك، ورققت ساقيك، وصرت تمر فلا تسلم
فاعتذر له أبو الفضل، فلم يقبل عذره، واغلظ له القول فقال له ابو الفضل: غفر الله لك وحسبه قدوة في هذه بالرسول الاعظم، وكم لهذا العالم الناسك من كرامات وآيات تسفر في عمقها عن مسلم ذاق حلاوة الايمان، وصفت مشاربه، وأصبح من الذين لا يرون في الوجود سوى الخالق جلت قدرته.
يقول القاضي أبو عبد الله بن علي بن حماد: كان أبو الفضل ببلادنا كالغزالي في العراق علما وعملا، ويقول فيه القاضي عياض - : كان من أهل العلم والفضل شديد الخوف من الله- غالب حاله الحضور معه تعالى – لا يقبل من أحد شيئا، إنما يتعش مما ياتيه من توزر


(1)  وهذا الاندفاع الغريب نحو كتاب الأحياء البالغ درجة أنه لا ينظر حياته سواء – والسوى بالطبع قد يتناول أصول الأحياء وينابيعها من كتاب وسنة، لكن الظن بأبي الفضل لا يتحمل هذا ، رغم ما توحي به العبارة أو الشغف بمضامين الأحياء جعله يبالغ ولا من حرج على مبالغ
(2)  سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي مصنف المدونة التي عبر عنها أبو الفضل : "بديوان سحنون" وعليها اعتماد أهل القيروان ت: 240-854.
(3) حبريا – يقصد أسود اللون شأن المداد.
(4) كأنه يشير الى قراءة الرسول عليه السلام التي كانت لو شاء العاد لعدها حرفا حرفا، ولا غرابة أن يسير أبو الفضل على سننها.
(5) والرجل في هذا الحال متمسك بسنة سيد المرسلين محمد عليه السلام الذي يقول: ازرة المومن إلى نصف الساق ولا حرج أو قال لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين الحديث:
"تقصيرك الثوب حقا       اتقى وانقى وأبقى"
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here