islamaumaroc

نظرات في معضلة الترجمة (تر. عبد الرحمن بن عبد الله)

  دعوة الحق

94 العدد

...في السطور التالية حلقة ثانية تضيف جديدا إلى ما تضمنته الحلقة الأولى وتلقي بعض الضوء على معضلة الترجمة من الوجهة الفنية والدياليكتيكية، كما تقترح من الحلول ما تمس إليه الحاجة في الظروف الحاضرة، حفاظا على سمعة الترجمة وروح الانتاج المنقول ...
                                                                                       المعرب

تشمل حركة النقل إلى الفرنسية، في كل سنة ألفي كتاب أجنبي معظمها أثار أدبية، وقد شملت القصة فيها إلى عهد قريب حيزا كبيرا، قبل أن ينصرف القراء عن هذا اللون من الأدب إلى غيره من الآداب الواقعية، مما يسميه الناطقون باللغة الانجليزية أدب الواقع أو الأدب الذي يبتعد عن الخيال، وغدت اللغة الفرنسية غنية بما ينقل إليها كل يوم من آثار العبقريات الأجنبية حتى أنك لا تكاد تجد كاتبا من نوابغ المفكرين الأجانب لم تترجم كتاباته إلى هذه اللغة بيد أننا نلاحظ بمزيد الاستغراب والأسف، أن عمل الترجمة والنقل، بما يعتوره من مصاعب وعراقيل على الصعيد الفني والأدبي، يستوجب حلولا جدية ناجعة لم يفكر أحد في البحث عنها، لأسباب نود أن تعرض لها بالتحليل في السطور اللاحقة.
لا جدال في أن مهنة الناقل كمهنة الكاتب، وأن ترجمة المقال أو الكتاب تفرض على الناقل كتابة النص من جديد بصورة يسهم فيها مع الكاتب في خلق الإنتاج، وفي نظرنا أن إحاطة الناقل باللغة التي ينقل إليها أمر حيوي قد يفوق في أهميته إحاطة الناقل باللغة التي ينقل منها، ومن سمات الترجمة الصحيحة سلامة النص من العجمة والركاكة، فهناك من "المترجمات" ما يكتبه النلقة بلغات دخيلة لا تمت إلى الأصالة بأدنى صلة، وليست هي باللغة الفرنسية أو الانجليزية أو العربية أو غيرها من اللغات "المحترمة" وقد المعنا في مقال سابق إلى أن الترجمة التي تكتب بأسلوب شبيه بأساليب الأفلام المترجمة كالمعزوفة التي تؤدي بطريقة يمجها الذوق، كلتاهما تقتل الإنتاج، ذلك أن النقل يتضمن جانبا من التحويل والتهذيب والتطويع يقتضي المام الناقل بصناعة القلم.
ليس الوفاء لمبادئ الترجمة الحق أن يتقيد الناقل بكلمات النص كاملة غير منقوصة، فكثير من أمهات الكتب غدت، بعد ترجمتها، غفلا من أي مدلول، لأنها نقلت إلى لغة أخرى بصورة حرفية ... ونحن إذ نسلم بأن لكل لغة معيطات وتعابير خاصة، نرى أن من الإخلال البين بأسلوب اللغة اللجوء إلى الترجمة الحرفية، فليس الغرض الرئيسي من الترجمة نقل الكلمات والعبارات بقدر ما هو تحويل للأفكار، بكل مفاهيمها، إلى لغة ثانية أما الكلمات فلا تعدو أن تكون "وسيلة" من وسائل التعبير والإفصاح. وأمثل الطرائق في نظرنا أن يسائل الناقل نفسه عن الكيفية التي كان يصوغ بها الكاتب أفكاره لو تصدى لإنتاجه باللغة المنقول إليها. ونحن لا نعرف أن هناك كاتبا واحدا أنكر على ناقله تحويرا نسبيا موقوتا يفرضه الحفاظ على روح الإنتاج.

رب قائل:أن هذه بديهيات لا يختلف فيها اثنان. على أن الذي يحز في النفس أيمان جمهرة الناشرين بأن دور الناقل ثانوي، لا يفوق في أهميته دور الناسخ أو آلة الاستنساخ بدعوى أن الكتب التي نقلت بصورة مرتجلة قد لاقت رواجا كبيرا وأعيد طبعها مرات عديدة. ولعل أغرب ما في الأمر أن يعرض الناشرون هذه المسودات على بعض المصححين لإعادة النظر فيها وتصويب أخطائها .. وتحسين أسلوبها وبديهي أن الناشرين يستهدفون الكسب المادي قبل غيره، فلو كانوا يتوخون اليسر فيما يقصدون لراجعوا مواقفهم وعهدوا بمهمة النقل إلى من هم أقدر عليها من النقلة. وفي اعتقادنا أنه عمل لن يكلفهم أكثر مما ينفقون على انصاف المترجمين.
صحيح أن النقلة المقتدرين قليلون ... وقد يزول العجب إذا علمنا أن الناقل الذي ينفق شهرين أو ثلاثة أشهر في ترجمة نص يقع في ثلاثمائة صفحة، قد لا يكسب من عمله هذا أكثر مما تمنحه مجلات الاعلام السنوية لصاحب عبر مثير ينشر في هذا الصنف من المجلات، هذا بالاضافة إلى أن المترجم الأدبي لا يتأتى له أن ينقل أكثر من ثلاثة كتب في السنة، الا إذا صرف كل أوقاته في هذا الضرب من النشاط، وهو شيء مرهق عديم الربح، والجدير بالذكر أن الأجر الذي يتقاضاه الناقل عن ترجمة أمريكية أو أنجليزية لكتاب فرنسي يساوي أربعة أضعاف ما يدفع للناقل الذي يتولى ترجمة كتاب أمريكي او أنجليزي إلى الفرنسية، أما في اليابان فيتقاضى النقلة أجورا مماثلة لأجور المؤلفين قد تبلغ 10 % من ثمن بيع الكتاب، وفي الاتحاد السوفياتي يخصص للناقل مبلغ يساوي معدل الأجر الشهري للعامل العادي مضروبا في عشرين ...
أما في بلادنا بصرف النظر عن المكاسب التي حققتها الجمعيات المختصة منذ سنين، فإن المترجم لا يتقاضى أكثر من 3.000 إلى 3.500 فرنك عن ترجمة كتاب يقع في ثلاثمائة صفحة.
ونتيجة لذلك، فإن المترجمين – بالمعنى الصحيح قليلون، في الوقت الذي أصبحت فيه الحاجة ماسة إلى نقلة مقتدرين، لترجمة مئات الآثار الأجنبية التي تنزل إلى الأسواق في بلادنا كل سنة، ونحن نلحظ بمزيد الأسف أن الذين يلمون – ولو المامة خاطفة – بلغة أجنبية إلى جانب ما يتقنونه، وهو ضئيل، في اللغة المنقول إليها- يتصدون لنقل الآثار الأجنبية دون اعتبار لمبادئ هذا الفن وقواعده. وكم من قارئ يقتني عشرة كتب مترجمة فلا يكاد يفهم منها أكثر من أربعة أو خمسة، ولعل الأمر ليس كذلك الا لأن الكتب العشرة قد تناولتها أيدي "المصححين" قبل نشرها بالتحوير والتويب ...على أن الذي يحز في النفس حقا أن عددا من المع الآثار تتعرض لكثير من المسخ والتشويه عند نقلها من لغة إلى أخرى، وتلك جناية لا تغتفر في حق الأدب والأدباء.
في مقال لي بعنوان "لا جواز للشعراء" تساءلت عن الحدود التي تقف عندها الترجمة في الشعر وأشرت إلى أن بعض القصائد تستعصي على كبار النقلة حتى ليصبح أن نقول: أن جهودهم تكاد تنحصر في تطويع القصيدة المترجمة إلى اللغة المنقولة اليها .. ولعله سؤال أثار نقعا كبيرا ولا زالت للمعركة التي قامت حوله أصداء في أواسط النقلة والنقاد وعامة القراء.
والواقع أن الشعر، كما يقول "بول فاليري" باقة من الكلمات وليس مجموعة من الأفكار، ودلالة الشعر وثيقة الصلة بأسلوبه، والشيء الذي يدل عليه يوحي به رهين بالطريقة التي سلكها الشاعر في صياغته، وغني عن القول هنا أن الذي ينقل الشعر بصورة حرفية كالذي يؤدي بالبيان – مثلا-معزوفة موسيقية أعدت للكمان، ومثار الاستغراب في ذلك، الضجة التي قامت حول السؤال المطروح رغم توفر الأدلة على وجود الشعر الذي لا يقبل النقل الا على أساس التحرير والتطويع، وأنا أتحدى أكثر النقلة لباقة واقتدارا في بريطانيا أو المانيا أو إيطاليا أو روسيا أو الصين أن يأتوا بترجمة مرضية لأحدى قصائد فرلين أو بودلير أو أبو لينير.
هل نستخلص مما سبق أن من الشعر ما يجب العدول عن ترجمته؟ أقول نعم، إن كان في ذلك ما يصونه من الاسفاف والوضاعة... وأنا أربأ بنتاج كبار الشعراء أن تتناوله معاول الهدم والتحطيم، بدعوى إشراك الجمهور وعامة القراء في تذوق الآثار الأدبية، أو غير ذلك من المزاعم التي لا تقوم على سند صحيح.
في اعتقادنا أن النقد يجب أن يكون أكثر صرامة في تقييم الآثار المنقولة وأن من واجبات الجمهور أن ينبذ المترجمات الرديئة ويندد بالارتجال الذي تتسم به، فقد يكون في ذلك ما يحفز الناشرين بدورهم، إلى توخي الجدية والرصانة فيما ينشرون، وقد يكون في ذلك أيضا – ولعله أمر بديهي – ما يعلو بأجور النقلة عن الحضيض الذي وصلت إليه.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here