islamaumaroc

الشيخ عبد الرحيم المغربي (521-592) -2-

  دعوة الحق

94 العدد

وقد رحل إلى الشرق في هذا العصر، كثير من شيوخ المغرب، ندكر منهم: أبا محمد صالح بن حرزهم، وأبا القاسم بن العجوز، وابا جبل الفاسي، وابا عثمان بن الحداد، وعبد الجليل بن ويخلان، وابا القاسم المعافري، والشريف الادريسي، وابا الحسن الصواف، وابا الصبر الفهري وابا الحسن المراكشي دفين بادس.
واستوطن بلاد الصعيد عدد منهم، كأبي محمد عبد الرزاق الجزولي، وابي العباس بن الحطيئة، وأبي عبد الله القرشي، وأبي العباس التميمي، وهو اندلسي الأصل، توفي بقوص سنة "551".
وفي هذه السنة بالذات، نزل السيد عبد الرحيم بلاد الصعيد، وهي الأرض الخصبة بالروح الدينية، والمركز الأساسي للتصوف الإسلامي، وقد استقبله عالم قوص الشيخ مجد الدين القشيري، وقدمه للجمهور كعالم ديني كبير، وشيخ مرب مصلح، هدفه خدمة الإسلام، وهداية الناس إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم، وهي مهمة بعث من أجلها الرسل، وجاهد في سبلها المصلحون، وقد اختار الشيخ المغربي بلدنا – بأعلى الصعيد- مقاما له، وسلمت اليه مفاتيح المدرسة التي كان يؤمها القاصي والداني، ويلجأ اليها الفقير والعاني، وانتظر الناس خروج الشيخ، وجلسوا حلقات حول الكرسي الذي أعد له، ولشد ما كانت دهشتهم عندما رأوه يحزم أمتعته ويخرج إلى السوق، فيجلس للبيع والشراء، وظل يتاجر في الحبوب، ثم في الأقمشة مدة، وكأنه أراد أن يعطي لتلاميذه درسا عمليا، تتجلى فيه روح العمل، والاعتماد على النفس، ومحاربة الكسل والبطالة، وقد ثار الشيخ المغربي على عادة كانت مألوفة بين الناس، وهو أن الشيوخ  ينقطعون في زواياهم، والتلاميذ هم الذين يكفونهم مؤونة العيش، يجمعون من هنا وهناك، ويلقون بين أيديهم ، قيل يا رسول الله: أن فلانا يصوم النهار ويقوم الليل، قال ومن يكفله؟ قالوا نحن، قال كلكم خير منه. وربما جرت ذيلها – هذه الآية على أولئك المتواكلين: "يا أيها الذين آمنوا أن كثيرا من الأحبار والرهبان لياكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله".
والتجارة من أفضل وجوه الكسب – والتكسب لا ينافي التوكل – وقد تاجر أبوبكر وعمر وعبد الرحمن ابن عوف، وهم خيرة الصحابة، وصفوة هذه الأمة، روي عن سفيان الثوري أنه كانت له بضاعة يقلبها، ويقول: لولا هذه لتمنده بي بنو العباس. أي لا متهنوه.
ثم اختار السيد عبد الرحيم مكانا، بنى فيه رباطا لحماية البلاد، والذب عن حوزة الإسلام، وكان يدرب فيه تلاميذه على البطولة، والفتوة والخشونة، "المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف، وليس الصوفي هو ذلك النحيف الضعيف المتهالك وقد قال عمر لرجل أظهر أمامه غاية الضعف والمسكنة -: مالك يا هذا تتماوت علينا؟ أماتك الله؟
ولعل الشيخ المغربي أراد أن يحيي بهذا العمل حياة الربط التي عاشها في بلاد المغرب، ورآها لا تقل أهمية عن المدارس والمساجد في التربية والتهذيب، وهي أشبه ما تكون بمراكز التجنيد، يتلقى فيها المتدربون دروسا علمية وعملية، تعدهم الأمة ليكونوا عمدتها، وقوتها التي لا تغلب.
وكانت هذه الربط كرد فعل للحروب الصليبية التي اكتوى المسلمون بنارها، عانوا منها الويلات في الشرق والغرب.
وكان لرجال التصوف دورخطير في هذه التكنات لحماية الإسلام، وكانوا الدرع الحصين لهذه الأمة، سئل شقيق البلخي – وهو في صف القتال – كيف تجد نفسك ؟ قال الله أني لا أرى نفسي مثل ما كنت ليلة زفافي؟
تفرغ الشيخ المغربي للمدرسة التي و كل اليه أمرها، فجعل أساسها الكتاب والسنة، ومن أهدافها تكوين المومن الصالح، ومن بنوالمريد منهجها:
1- أن يكون المريد متزوجا، ليمنع نفسه من النزوات الشيطانية وربما كان الأغلب على الصوفية أن ينفروا من الزواج، وقد استشاروا رجل الإمام الشعبي في الزواج فقال: أن صبرت على الباه فاتق الله ولا تتزوج، وان لم تصبر فاتق الله وتزوج، وقد تزوج الشيخ المغربي، وولد له أولاد، على ما سنذكره بعد. روى عن بشر الحافي أنه قال في أحمد بن حنبل: فضل علي بثلاث : يطلب الحلال لنفسه ولغيره، وأنا طالب الحلال لنفسي، واتساعه للنكاح وضيقي عنه ...
2- ويشترط لقبول المريد في هذه المدرسة أن يكون له عمل يتعيش منه، حتى لا يكون عالة على غيره، أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي الفارغ" واسلفنا أن الشيخ كان يخرج الى السوق للتجارة، وكان له رصيد من المال درته عليه تجارته ومع ذلك فقد كان زاهدا ورعا، عابدا متبتلا. قال الحافظ المنذري، صاحب الترغيب والترهيب: كان السيد عبد الرحيم من الزهاد المذكزرين، والعباد المشهورين، ظهرت بركاته على أصحابه، وتخرج عليه جماعة من أعيان الصالحين، لصالح أنفاسه".
وكان شيخنا وقورا، كثير العبرة، دائم الفكرة، ياخذ أصحابه بالبجد والحزم، وكان يقول: لو ولد لي ولد ما تركته ليضحك.
وفي الحديث: لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم منه".
وكان اذا ذكر أصحابه الدار الآخرة، يقول: ما رأيت أقرب من الآخرة، غمض بصرك، وادخل الآخرة.
ومن اداب هذه لمدرسة في الذكر – أن يكون بادب وخشوع ، بعيدا عن البهرجة، وآلات اللهو والسماع، لا شطح ولا تواجد، ولا صعق ولا نعيق؟ وكان التلاميذ اذا جلسوا لذكر الله، ومدارسة كتاب الله، فكأنما على رؤوسهم الطير؟.
"والذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، واذا تليت عليهم آياته زادتهم أيمانا وعلى ربهم يتوكلون"
وكان الشيخ المغربي يكره للمريدين اسم الدراويش، ويرى أنها تسمية اعجمية، جاءت من الفرس، والتصقت بالسالكين ورجال التصوف في الشرق العربي، كما انتقلت معها كثير من عوائد الفرس: ظنها بعض الجهلة من آداب التصوف الاسلامي. وربما كان الطرطوشي على حق حين كتب الى سلطان المغرب – رسالة يقول فيها: أن أهل المغرب، هم المشار إليهم في الحديث الشريف: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق" لما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة، وطهارتهم من البدع والاحداث في الدين.
وكانت بدعة الاسم الاعظم، هي الشغل الشاغل لكثير من المريدين، فشدد الشيخ المغربي النكير عليهم في ذلك، وكان يقول: أروني الاصغر، أريكم الاكبر؟ يا هؤلاء اسماء الله كلها عظيمة. وكان اذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إلاه إلا الله يقول هو: شهدنا بما شاهدنا، وويل لمن كذب على الله تعالى.
وكما كانت هذه المدرسة تجمع بين العلم والعمل، فمن حرم المعرفة، لا يجد للطاعة حلاوة، ومن علم ولم يعمل فما وعى فلبه خيرا- كانت كذلك تجمع بين الكتاب والسنة، والفقه والتصوف، فبالكتاب والسنة يستضيئ المريد، وبنورهما يرى الطريق، وبالفقه يفقه أمور دينه ودنياه، وبالتصوف يعرف أداب الاسلام وأخلاقه، فالشيخ المغربي يصور لنا التصوف بأنه أخلاق ترتفع الى الادراك، حتى يصير الادراك اخلاقا، والأخلاق ادراكا، ويقسم الآخلاق إلى حسية ومعنوية، ونفسية وكلامية، ويرد التصوف الى الخلق النفسي، فالتصوف – عنده- وان لم يكن ركنا من أركان الإسلام، فهو ركن من أركان الأخلاق، والدين الإسلام، علم وعمل وأخلاق، فمن ترك واحدة فقد ضل الطريق، فالأخلاق عنده هي كل شيء، وكان رغم حبه للعطف والاحسان، يكره ان يكون عطوفا على أمثال هؤلاء الناس، ممن لا علم لهم ولا عمل، ولا أخلاق، وكان يقول: العطف على الناس فيما ينتقص من دينهم وأخلاقهم جريمة، والنصح لهم هو الاحسان الكامل.
وكان السيد عبد الرحيم المغربي – الى كونه عالما عاملا، فقيها متبحرا في علوم الشريعة، وكان على مذهب مالك، وكان كتاب "المعونة" – للقاضي عبد الوهاب – هو الكتاب المفضل لديه في الفقه المالكي، وكان ينصح تلاميذه بالرجوع إليه.
ومن أنجب تلاكيذه – أبو الحسن بن الصياغ، وربما كان أول تلميذ بها، بعث به السيد القشيري، وهو ابن عشر سنين، وأقان في خدمة الشيخ المغربي مدة، ونال حظا وأقرا من عمله ومعرفته، وكان وارث مقامه وسره، حتى قال بعض الشيوخ: ولو لم يكن من أصحابه الا الامام الشيخ ابن الصباغ- لكفاه عن سائر الأمم، ولان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " وهناك عدد عديد ممن تخرجواعلى يد السيد عبد الرحيم، وكانوا أعلاما يهتدي بهم، كأبي يحيي بن شافع ، ومفرج بن عبد الله الدماميني، ورفاعة الجذامي، في آخرين.
قال الحافظ ابن المنذري: وهو "أي السيد عبد الرحيم" شيخ من مشايخ المسلمين، وأمام العارفين، وكانت أقامته ببلاد الصعيد رحمة بأهله، اغترفوا من بحر علمه وفضله: وتمتعوا ببركاته وأشرقت أنوار قلوبهم لما دخلوا في خلواته".
وكان الشيوخ وكبار العلماء يرحلون إلى زيارته، والتبرك به. ومن الذين زاروه في أخريات حياته – الشيخ أبو علي الحسن بن العربي الحسين بن الامام أبي الفضل الهمذاني، وهو من كبار علماء مصر.
توفي السيد عبد الرحيم المغربي – صبيحة يوم الجمعة تاسع صفر عام اثنين وتسعين وخمسمائة هجرية "592" وخلف وراءه ثروة من العلم والمال، وجيلا من التلاميذ والمريدين، حملوا لواء المعرفة، أحقابا من السنين، ولا نعرف من آثاره – الا ما يرويه عنه تلاميذه من مقالات في التوحيد، وحكم في التصوف، قال في الطالع السعيد:
وللشيخ عبد الرحيم تصانيف في التوحيد، ورسائل في علم القوم، وهي عبارة تدلنا على أن الشيخ خلف مؤلفات ورسائل، وربما ضاعت فيما ضاع من جراء سيل عرم أصاب قنا، وجرف كثيرا من دورها، وذهب بآثارها وذخائرها. وقد جمع تلميذه يحيي بن يحيي المعروف بابن الحلاوي – منتخبا من كلامه. ولعل خلاصة هذه الكتب وتلك الرسائل – هو ما ضمنه أبو الوفاء المدني في كتابه "الأصفياء" وقد ذكر بعض الباحثين أنه من استقى من الذين كتبوا عن الشيخ الغربي، قال وتوجد منه نسخة بمكتبة المدينة المنورة. وقد أورد هذا الكتاب جملة من الاحزاب كان الشيخ يجعلها وردا له ولتلاميذه الحزب الكبير، وحزب التكوين، وحزب الوحدانية والتوسل لرب العزة ومناجاته .. وكل هذه الأحزاب تبتدئ بالاستعادة والبسملة، وآيات قرآنية، تستغرق نحو نصفها ، ثم أدعية وصلوات على الرسول – كما أشرنا إلى ذلك سابقا. والذي يجب أن نسجله هنا – هو أن الشيخ ابن عطاء الله ربما اقتبس كثيرا من حكم السيد عبد الرحيم المغربي ومناجاته .... وأنك لتكاد تجد بعض الحكم بالنص كقول ابن عطاء الله مثلا: ان أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر فيما ذا يقيمك" فهو نفس قول السيد عبد الرحيم: اذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر فيما أقامك" – مع تغيير بسيط ، ولا نستطيع أن نقول الكلمة النهائية في الموضوع حتى نطلع على أصول حكم الشيخ المغربي، والأيام كفيلة بذلك.
ومن كلامه في التوحيد – أدركت جميع صفات الله الا صفة السمع. وكان يقول: المتكلمون كلهم يدندنون حول عرض الحق، ولا يصلون إليه.
ومن حكمه : الحياة أن يحيا القلب بنور الكشف، فيدرك سر الحق الذي برزت به الأكوان في اختلاف أطوارها. ويقول: الهيبة في القلب لعظمة الله تعالى، هو طمس أبصار البصائر عن مشاهدته لمن سواه حسا، فلا يرى الا بأنوار الجلال، ولا يسمع الا بسواطع الجمال.
ويقول: الرضا سكون القلب تحت مجاري الاقدار ...".
وقد انجب السيد عبد الرحيم – الكثير من الاولاد، فكان منهم العلماء العاملون، والشيوخ المربون، كالسيد الحسن، وكان من الصوفية الفقهاء، والعلماء الفضلاء، وكان مالكي المذهب كوالده، روى عنه المنذري بعض شعره، قال وتبرك بدعائه توفي بقنا سنة 655 – وقد قارب الثمانين.
ومنهم السيد محمد وبه كان يكنى الشيخ عبد الرحيم، ولا نعرف شيئا عن حياته.
ومن حفائده – جعفر بن محمد بن عبد الرحيم، شيخ الدهر وتحفة العصر، تقلب في عدة وظائف سامية في مصر والشام، وكان مع ذلك يجلس للتدريس بالمشهد الحسيني، ويقال أنه كان يطمح للخلافة – لكماله نبلا وفضلا، توفي بمصر سنة 696 هـ.
ومنهم أبو العباس أحمد بن ابراهيم بن الحسن ابن عبد الرحيم، وكان من أهل الفضل والاصلاح، من حفاظ العصر، انتفع الناس به كثيرا، توفي بقنا سنة 828.
والتحق به من أسرته بالمغرب – اخته شعثة مع ثلاثة من أولادها وهم جابر وعبد الشافي ورقية مات والدهم في وباء بالمغرب، فشملهم بعطفه، وضمهم إلى رعايته، تعلموا بمدرسته، ونالوا نصيبهم من العلم والثقافة، وكان عبد الشافي ضخم الجثة، طويل القامة، حتى لقد كان خاله يلقبه بيوشع، توفي سنة 600 ودفن بشرق مقبرة قنا، ويعتقد الناس –خطأ- أنه النبي يوشع عليه السلام.
والمهم أن الشيخ المغربي لم تنقطع صلته بأسرته، وبأبناء قومه بالمغرب إلى أن لقي ربه.
ونورد في خاتمة هذا البحث كلمة الشيخ أبي العباس رضوان البغدادي نوه فيها بمدرسة السيد عبد الرحيم، وبمقامه في العلم والتصوف، ومما جاء فيها:
"... وكان السيد عبد الرحيم مقيما على الكتاب والسنة، غيورا على الدين، يتعهد مريديه بالتقوى، والعمل الصالح، وكان يامرهم بأخذ الأسباب المباحة التي لا تشغلهم عن الله تعالى، وكان زاهدا عارفا، عالما ربانيا، جامعا بين العلمين: علم الشريعة وعلم الحقيقة، وصل إلى مقام المشاهدة بعد المجاهدة ... وخرق الله له العادات، حتى صار هواه تبعا لما جاء به النبي "ص".
وقبر الشيخ عبد الرحيم – مزارة مشهورة بقنا الصعيد، يحتفل بمولده كل سنة، من أول شعبان إلى نصفه، تخليدا لذكراه، واكراما لجهاده.
وبعد: فهذه سطور عن عالم مغربي، درج من أسرة واغلة في البداوة، وعاش حياة التقشف والخشونة، ولكنه كان قمة سامقة في العلم والمعرفة، وطودا شامخا في التصوف والحكمة، وهو رجل أهمله قومه، فاضاعوا صفحة مجيدة من تاريخهم الفكري، وبكل أسف لم يتبرع ولو واحد منهم بكلمة تشير إلى اسمه أو نسبه، فضلا عن التعريف به أو ذكر شيء من آثاره، وقاتل الله الاهمال، فكم ضاع بسببه من رجال.
والفضل كل الفضل لاخواننا المشارقة، الذين عرفونا بكثير من رجالنا، ولولاهم ما عرف الشاذلي، بل ولا ذكر اسم ابت مشيش، ولما عرفنا شيئا عن ابن خلدون والمقري واضرابهم من عباقرة المغرب، وقد قيل : "من أرخ عالما فكأنما أحيا أمة".

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here