islamaumaroc

الإنسان والمجتمع

  دعوة الحق

94 العدد

أنا وأنت والآخر يكون كل واحد منا فردا من المجتمع ..
المجتمع هو مجموعة من الناس، مجموعة من الأسر، بعاداتها وتقاليدها، بأفكارها ومطالبها، بمعاملاتها الصغيرة والكبيرة، بتبادل المصالح على جميع مستوياتها ...
المجتمع هو مجموعة من الناس تأخذ وتعطى، أحيانا تأخذ أكثر مما تعطي، وأحيانا تعطي أكثر مما تأخذ، وفي كلتا الحالتين فإن ذلك لا يتعدى إطار المجتمع الذي خط لنفسه قوانين وعادات ومصالح ..
فالسفسطائيون من فلاسفة الإغريق كانوا يقولون بأن المجتمع شيء ليس من صنع الطبيعة، ولكنه من اصطناع الإنسان ...
الإنسان هو الذي يعطي للمجتمع، وهو الذي يأخذ منه.
والفيلسوف الإنجليزي هوبز كان يرى أن المجتمع يتضمن عقدا غير مكتوب بين أفراد المجتمع، فأنا وأنت والآخر لابد لنا من معاملات، ومعاملاتنا هذه – وكيفما كانت – لا تتم إلا مع الآخرين .. إن بيني وبينك وبين الآخرين عقدا غير مكتوب ... يسمى المجتمع.
أما الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت فكان يرى، ومعه الفيلسوف الإنجليزي اسبنسر والفيلسوف الألماني هيجل، أن المجتمع كجسم الإنسان والأفراد خلاياه، وراح فلاسفة آخرون يبحثون عن مخ وأعصاب ...
ولن ندخل هنا في تفاصيل جزئية لا يتسع المقام لسردها، ولكن يكفي أننا عرفنا أن الإنسان يكون فردا من المجتمع وأنه خلية من خلايا جسم لا يفنى أبدا، ولكنه ينمو باستمرار ويتطور ..
وإذا كان علم الاجتماع قد أصبح علما قائما بذاته فإن من مواده الأولى دراسة التطورات المجتمعية التي حصلت ابتداء من ظهور الإنسان..
وهذه التطورات تقترن في غالب الأحوال بوسائل الإنتاج التي كان يطمح إلى تحقيقها الإنسان حتى يطور أسلوب حياته ومعيشته، وحتى يحقق الرغبات والمطامح التي تتوق إليها نفسه، ويحاول جاهدا أن يصل إليها ...وبنظرة على الأسلوب الحياتي الذي كان يعيشه الإنسان من قبل، وعلى الوسائل التي كان يعمل بها هذا الإنسان، نرى الفرق الواضح والشاسع الذي أفاد منه المجتمع والإنسان معا ..
ولا بأس أن أنقل هنا لوحة تبين الخطوط الكبرى لتطور القوى المنتجة، وتبرز في آن واحد الخبرات الكبيرة التي حصل عليها الإنسان منذ أقدم الأزمان ...
والشيء الملاحظ ونحن نستعرض خطوط هذه -اللوحة - أن الإنسان يفضل أن يرتقي بمداركه إلى أعلى، وهو عندما يفعل فلأن ذلك ناتج عن رغبة طبيعية يعمل على نهجها وتحقيقها لنفسه وللمجتمع ...
تقول اللوحة: "انتقل الإنسان من الأدوات الحجرية الغليظة إلى القوس والسهام، وبالتالي من الصيد إلى استخدام الحيوانات وتربية المواشي بشكل ابتدائي، ثم انتقل من الأدوات الحجرية إلى الأدوات المعدنية، الفأس الحديدية، المحراث المجهز بسكة مصنوعة من حديد الخ.
ثم انتقل الإنسان بعد ذلك إلى غرس النباتات.. إلى الزراعة .. وهنا عمل على إجراء تحسين جديد في الأدوات المعدنية لأجل صنع مختلف المواد، وظهور الكور ذي المنفاخ، وصناعة الأواني الفخارية وبالتالي تطور الحرف، وانفصالها عن الزراعة فيما بعد، وتطور الحرف المستقلة أولا ثم المانيفاكتوره ثانيا ...
ثم انتقل الإنسان بعد ذلك من أدوات الإنتاج الحرفي الآلة، وتحويل الإنتاج وظهور الصناعة الميكانيكية الكبرى..
هذه -اللوحة- السريعة والعابرة حرصت على أن أنقل أهم ما فيها حتى أبرز للقارئ أن من أهم صفات المجتمع التطور الدائم، الذي لا يقف عند أي مرحلة أبدا ...
 وما دام الإنسان يتوق إلى تحقيق هذا التطور فإن المجتمعات في كل مكان ستبقى تشهد تغييرات جذرية وشاملة ...
إن المجتمع الذي يستقر عند حال واحد مجتمع ميت ...
والمجتمع الذي يطمح إلى التبديل والتغيير أو بصفة عامة يطمح إلى التطور، هذا المجتمع يحقق حياته، لا تهمنا نوعية هذه الحياة ولكن يكفي أن يكون من بين عناصرها الاستمرار الخلود، والمجتمع المستقر أو الميت لا يمكن أن تشم منه سوى رائحة الموت، وهذه الأخيرة لا تتوفر على عناصر يمكن أن تضيفها إليها ...
ولذلك لا يأخذنا العجب عندما نرى بعض المجتمعات اليوم لا تستقر على تطور واحد معين ولكنها تعمل على إضافة تطورات أخرى جديدة ... إنها ترغب في أن تجدد حياتها وكيانها، إنها تسير على منهج طبيعي خطته سنة الكون ابتداء من المشاعية الابتدائية ...
وإذا كان الإنسان قد فكر ابتداء من ظهوره على هذه البسيطة في وسائل للإنتاج تعينه على تحقيق مطالبه ورغباته ومطامعه أيضا، فإن هذه الوسائل الإنتاجية لا تكفي ... لأن الإنسان إذا اتفقنا عليه مسبقا وفي أول هذا الكلام إنه يكون عضوا من أسرة، والأسرة في مجموعها تكون أفرادا من جماعة، والجماعة هي الخلية التي يتكون منها المجتمع، أدركنا أن كل إنسان يدخل في محاورات بيع وشراء وتبادل مع الآخرين في هذا الإنتاج ...
أنا أكتب مثلا ليقرأ لي الناس ...
أنت تصنع حذاء ليلبسه الآخر...
هو فتح عيادة طبية لأعرض نفسي عليه إذا ما اشتكيت من مرض! وهكذا.. عمليات ومصالح متبادلة، كل في دائرة اختصاصه ... والمجتمع الحي هو الذي يفتح لأبنائه جميع هذه الاختصاصات ..
والمجتمع الحي أيضا هو الذي ينتفع بكل هذه -الاختصاصات- أو العمليات أيضا ...
وإذا كان الإنسان فيما سبق من الأزمان يكتفي بمعاملات محدودة على مستوى الأفراد ثم على مستوى القبيلة من بعد، فإن هذه المعاملات قد اتسع نطاقها اليوم وأصبحت بالإضافة إلى كونها تتم على مستوى الأفراد فإنها تتم أيضا على مستوى الأمم، بعد أن تدخلت الدولة في توجيه مجتمعاتها.
وبعد أن كان التطور الطبيعي لسنة الحياة سببا من أسباب هذا التدخل الحتمي ... فازدياد سكان مجتمع ما معنى ذلك ازدياد مشاكل وأتعاب ومطالب ومتمنيات هذا المجتمع...
ولذلك ... كان لابد من تدخل ...
أو بلغة تعبير أحسن كان لابد من توجيه ....
لابد من نظام ....
لا أريد هنا أن أتحدث عن تطورات المجتمع السابقة ابتداء من المشاعية الابتدائية إلى نظام الرق .. وهنا أقف وقفة لأقول إنه في ذلك الوقت أصبح نظام الرق أساس كل إنتاج، وعلم الاجتماع يقول إن عدد العبيد في ذلك الوقت فاق عدد السكان الأحرار أضعافا عدة ...
وهنا لا بأس أيضا من ذكر بعض الأرقام:
في أثينا كان يوجد بها 365 ألف عبد مقابل 90 ألف حر ... وفي كاريثيا 460 ألف عبد مقابل 46 ألف من الأحرار، أو بعبارة ثانية أغنياء وفقراء، مستثمرون ومستئمرون – لفظان يلتقيان في الكتابة ولا يلتقيان في المعنى - أناس لهم كل الحقوق، وأناس ليس لهم أي حق ..
والتاريخ يحكي لنا أن سبارتاكوسSPARTACUS قام متمردا ضد هذا الاستثمار من سنة 73 إلى سنة 81 قبل الميلاد، وكان مصيره الفشل...
وبعد نظام الرق أو استثمار العبيد شهد المجتمع بصفة عامة نظام الإقطاع في الشرق والغرب وقد كان قائما على استنزاف خيرات الفلاحين واضطهادهم.
وتشهد المجتمعات اليوم نظما بين رأسمالية واشتراكية ...ولن أدخل في هذه العجالة في الحديث عن كل واحد منهما لأنه حديث متشعب ويحتاج إلى حديث وربما إلى أحاديث مستقلة ...
وهنا لا أخفي شيئا وهو أن كثيرا من المجتمعات اعتنقت المبادئ الاشتراكية، فعن طريقها تأمل في تحقيق تطور كبير وشامل ...
والمجتمعات المتخلفة اليوم كانت سباقة في نهج واتباع هذه المبادئ...
ولن أدخل هنا أيضا في أسباب نجاحها أو فشلها لأنه ليس هنا مقام ذلك ...
وكل واحد يكتب عن المجتمع لا ينسى أبدا القرن الثامن عشر ...
ففي هذه الفترة أصبحت فرنسا مهد الفكر، وتبادل الآراء وخصوصا منها السياسية.
وأدرك الإنسان أن حياته يجب أن تأخذ طريقا جديدا أو اتجاها واضحا، فكان ذلك بداية لزوال النظام الإقطاعي و -بالتدريج- في أوروبا.
وبعبارة أخرى فقد تبلورت مقاصد وأفكار الإنسان في ذلك الوقت وحقق المجتمع خطوة كبيرة في ميدان التقدم واستعادة الحقوق ...
إن أمام كل مجتمع اليوم عدة مشاكل
أنا هنا لا أستثني المجتمعات لأن كل واحد منها يتوفر على مشاكل من نوع خاص ... ولكن في إمكاننا أن نقول إن كل المجتمعات تسير في حلقة التسابق.
وإذا كانت المجتمعات المتخلفة تشتكي، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، من الجوع كما يحدث اليوم في الهند وبعض الدول الأخرى التي يكثر فيها النسل فإن مجتمعات أخرى تشتكي من التخمة .
ولن يهدأ بال المجتمعات التي تشتكي من التخمة إلا بعد أن تعرف كيف تصرف خيراتها الزائدة وتعوضها بأخرى تنفعها ....
عمليات متبادلة بدأت على أصغر نطاق في المجتمعات البدائية، واتسع نطاقها حتى وصل إلى ما نشهده عليه الآن ..
إن من طبيعة أي مجتمع أنه يتطور .....


                           بقي بين الدور ... والأبواب

أسخطت إخواني، وأخفق مطمعي        فبقيت بين الدور والأبواب
                                                        ابن الرومي

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here