islamaumaroc

في ليلة عيدهم

  دعوة الحق

94 العدد

جميع الطرقات المودية إلى الدار البيضاء مكتظة تتسابق فيها سيارات من مختلف الأنواع والأشكال، ذات ألوان زاهية براقة، تتكدس على سقوفها حقائب وزكائب من الجلد الفاخر. وعلب من القماش المتين حفظت فيها بعض آلات الطرب أن القادمين معولون على قضاء ليلة عيد الميلاد في ابتهاج وانشراح ومتع لم يسبق لها مثيل فيها مضى من السنوات.
ولم يكن ينقص من قيمة هذه السيارات أن طبقات من الوحل تغطي أجزاءها السفلى وعجلاتها. فذلك في الواقع يزيد في قيمة أناقة الكراسي الداخلية الفخمة الوثيرة وروعة التجهيزات العصرية التي توفر للراكبين جلسات مريحة، وتدفئة منعشة، وأنغاما موسيقية ... بل توفر لهم حتى الجمرات لاشتعال السجاير! أما الأوحال العالقة بالخارج فليست إلا آثارا من أراضي الشاوية ودكالة المرتوية، التي تكشف أمطار الخريف والشتاء عن خيراتها المخبوءة، فتخضر الأراضي الشائعة، وتتفتح براعم الأزهار الرائعة، ويصبح كل شبر من الأرض مستعدا للعطاء السخي، تحت طقس غاية في الاعتدال والجمال!.
لقد كان في إمكان هؤلاء المسافرين أن يبقوا حيث يسكنون، ويقيموا الليلة الكبرى في ضيعاتهم، داخل بعض القصور الباذخة، ويحيوا ما شاءوا هناك من حفلات الرقص، ويشربوا ما طاب لهم من كؤوس الخمر المعتقة، في جو منعش، مشبع بعطر الازهار، وروائح الأشجار الغابوية، تلك الروائح التي تعطر الجو برائحة الصنوبر الفواح، خصوصا إذا ما نزل المطر وارتوت الأرض ارتواء ولكن الشوق أشتد بهم جميعا إلى مدينة الدار البيضاء، من حيث يرى الكهول والشيوخ جماعات من بني قومهم، فينتعش الفواد بروئيتهم وسماع أحاديثهم وأخبارهم وأسرارهم كما يجددون النظر في شوارع وعمارات ونماذج من البناء تذكر بارض الوطن البعيد، ويطلقون الخيال اطلاقا في مجالات أحياء (الوازيس، وفرانس فيل، وبولو، وليرمتاج، وآنفا) بل سيبادر بعضهم بمجرد الوصول ليقف على مساكن الشاطيء، ومقاهي الشاطيء، وصخور الشاطيء، وهناك تسرح العيون وتتغذى الأفئدة وتنشرح الصدور.
والشبان والشابات من بين هؤلاء لا يهمهم الا أن يروا – مرة أخرى – دور السينما الفخمة والمقاهي العامرة، وعلب الليل الصاخبة  ولن يفوت الزوجات الانيقات أن يقفن بأنفسهن على آخر المبتكرات الواردة من باريس من أزياء للربيع والصيف المقبلين، وسيتزودن بما هن محتاجات إليه من عطر وأدوات زينة ومناديل وملابس حريرية داخلية .. أنهن بذلك ينفضن عن كواهلهن غبار البداوة، ويجددن العهد بحياة الحضارة والرفاهية .... من أجل هذا تواعد القوم،هاتفيا ومراسلة ومشافهة. على أن يتلاقوا في البيضاء. وعلى أن تكون ليلة عيد الميلاد بها هذه السنة (1953) ليلة خالدة لم يات الزمان ولا يمكنه أن يأتي بشبيهة لها مطلقا، فهي ليلة النصر، وليلة تأكيد النصر، وليلة شرب نخب النصر أنه ليس هناك أحسن من الدار البيضاء بشوارعها وساحاتها الكبرى، وفنادقها ومقاهيها الرفيعة الأنيقة لإقامة حفلات ليلة الليالي فلا عجب أن تسابقت السيارات المرفهة وأطلقت أقصى الجهود لسرعتها، تلهفا على رؤية معالم البيضاء الحبيبة.
وعج شارع (فرنسا) بالوافدين والوافدات، وطاب للبعض منهم أن يقفوا أمام المخازن العامرة بأفخم البضائع من أثواب وملابس جاهزة ومجوهرات وأحذية وأثاث وحلويات ومصبرات وخمور وكتب ولوحات ومقتنيات طريفة الشيء الذي جعل الوقفات أمام الواجهات تطول والنقاش يمتد، والرغبات تتضارب، والمفاضلة من الأمور الصعبة، وأن كان هذا كله ليس من الأمور المعقدة، اذ المال وفير، والأذواق سليمة، والبائعون على جانب من اللباقة والحذق.
ثم أنه من عادة الفرنسي الا يهمل الوقوف أمام المكتبات وأكشاك الصحف ولو كان مستعجلا، فهو وان كان يتوصل يوميا وأسبوعيا وشهريا بصحفه ومجلاته من المغرب ومن الوطن الام فهو مع ذلك يريد أن يستعرض وان يقف على الجديد، يدرسه، ويكون لنفسه فكرة عنه أن هذا أمر ضروري ولا مفر منه، ولهذا ف (بابا موح) بدوره مشغول اليد في هذا اليوم أيضا، إذ الضغط على معروضاته شديد والأسئلة ملحة متتابعة، ولكنه مع ذلك حاضر الذهن قوي اليقظة في تتبع أعمال الاختيار التي يقوم بها زبناؤه على طول الطاولة، كما أنه كان يتلقى الاستفسارات بانتباه ويجيب عنها، ولكنه يعرف كيف يجيب!  فالمتلطف جوابه لطيف، والمتعالي المتعجرف جوابه يكون بشيء من الإبطاء وقلة اهتمام، ومن مده بالثمن بدا بيد ناوله البقية يدا بيد كذلك مع كلمة شكر، والذي يرمي إليه بالنقود رميا، يكتفي بالرد عليه فوق مجلة من المجلات المعروضة، دون أن يكلف نفسه برفع بصره إليه وبذلك يلذ له أن يرى الهامات المتشامخة تنحني انحناء لتناول بقية النقود، ولا يهمه أن يسمع همهمة أو عبارة سخط.
كان هذا حال، بابا موح" في الصباح من ذلك اليوم، ولكنه فيما بعد الظهر فضل الاستكانة عند طرف الطاولة البعيد، منكمشا في جلبابه الصوفي المتين لا يكاد يظهر منه الا حاجباه الكثيفان وعيناه الدقيقتان البراقتان، المشحونتان بفيض من الذكاء وقوة العزيمة، أما شفتاه الدقيقتان فقد كانت علياهما تختفي تحت شارب أسود متهدل، وما تركه، "بابا موح" متهدلا الا ليعمد إلى العبث به في بعض الأحوال التي لا تكون نفسيته فيها على أحسن حال!.
وطاب "لبابا موح" خلال تتبعه لأعمال البيع التي يقوم بها مساعده (حماد) أن يتعرف على عقليات الزبناء الفرنسيين الواردين على كشكه، فهذا القادم المتزن في خطواته، المتناسق في هندامه وشكله يسأل- في رقة- عن جريدة (لومند) ، وذاك المتعالي الشامخ الأنف، العريض الأكتاف، الغليظ القفا يقصر طلبه على جرائد من مثل (لورور) (وطومبا).
والاخر الذي أتى متباطئا يتلفت حواليه ويصعد نظره في الآخرين يسأل في شبه استخفاء عن جريدة (لومانتي) الشيوعية!.
وتأبى همة "بابا موح" أن يكون كمثل الحمار يحمل أسفارا، لذلك فهو يحمل إلى بيته كل صحف ومجلات اليوم الواردة من شركة التوزيع، ويدفعها إلى  ربيبه، الذي يطالعها بشغف وتمعن طرفا من الليل، وفي الصباح ويوافيه بملخصات وافية، عما جاء في تلك الجرائد من أخبار عن المغرب التي يستمع إليها (بابا موح) بانتباه شديد ويناقشها مع (صالح) ربيه، ومتى كان هناك مقال قيم أو صورة فريدة فإن (بابا موح) يحتفظ بالنسخة في صندوق خاص للذكرى والتاريخ ! .
ووافى المساء معتدل الطقس، عذب النسمات، لا يمكن بحال أن يعد من أمسيات فصل الشتاء التي اعتاد الناس أن يجدوا فيها الكثير من عصف الريح وتراكم السحب وشدة البرد، ولربما نزول المطر مع البرد أو تساقط الثلوج ما يجعل لهذه الليلة طابعها الخاص، ويزيد في متع الدفء والأكل والشراب ومخاصرات الرقص ولكن الطقس في المغرب يكاد يكون ربيعا متصلا !  واشتد الازدحام وتزاحمت المناكب واختلطت جموع المدنيين والعسكريين والشيوخ والكهول وحتى الشبان والشابات الذين يطيب لهم الانغمار في مثل هذا الازدحام من حيث يتعمدون الاصطدام الخفيف والاحتكاك اللطيف الذي تتبعه عادة نظرات عاتبة يرد عليها بغمزات عابثة وقد يكون ذلك مفتاح تعارف ممتع يمتد الى طلوع الفجر!.
على كل حال، أن تجار (شارع فرنسا) وتجار (السوق المركزي) على الخصوص اخذوا حيطتهم لهذا اليوم الزاهر، فتزودوا له بوافر البضائع الممتازة، التي ينفق سوقها عادة ليلة العيد، بما في ذلك الفواكه والحلويات وأنواع النبيد والزهور، والكرات المطاطية الملونة والخيوط الفضية وازياء التنكر ومع ذلك نفذت البضائع بين أيدي تجار التفصيل، مما اضطروا معه الى الاتصال هاتفيا مع تجار الجملة لموافتهم بالمزيد، وسرعان ما أقبل الحمالون يحملون البضائع المطلوبة على أكتافهم العاتية.
لم يفقد "بابا موح" اتزانه وسط هذا الخضم البشري الكبير، فهو ما زال يتتبع بنظراته الدقيقة المتفحصة جموع المتهادين والمتهاديات وقد عمهم الاستبشار والاغتباط في انتظار نزول الظلام، وحلول أوقات الهناء والسرور وبادر الكثيرون والكثيرات إلى ارتداء ثياب السهرة الكاملة بأقمشتها الناصعة والأربطة الحريرية الفاخرة، كما سمع للأحذية ازيز خافت، وفاحت عطور باريس الزكية المسكرة، مما زاد حقا في مرح الشباب واستبشاره واشتداد شوقه، وحار كل طير في أي عش سيكون مثواه، لأن الأعشاش كلها سخية دافئة، مليئة بالمحبة والغرام والحنان!.
في هذا الوقت بالذات هاجت الذكرى في نفس (بابا موح) فتجددت حسراته وهو يستمع إلى همسات فؤاده الحزين:
"لقد ألف هؤلاء القوم إنزال النكبات بنا، فمنذ سنة وضعوا أيديهم الظالمة على الوطنيين بمناسبة الاحتجاج على اغتيال زعيم نقابي تونسي ورموا بهم إلى السجون والمعتقلات، وفي ليلة عيدنا الكبير وضعوا أيديهم الملوثة على ملكنا وأخذوه إلى المنفى ... ترى ماذا بقى في أمكانهم أن يفعلوا، أنهم الآن يسخرون من رجولتنا وشجاعتنا، ويعتقدون أن (الخراف بين أيديهم مكتوفة)، وألا لما فرحوا إلى هذا الحد المبالغ فيه، أنهم مبتهجون كما لم يبتهجوا من قبل، ومعولون على تمضية ليلة من أعذب الليالي.
ان بابا موح هذا لا يستطيع تكدير ليلتكم كلكم، ولكنه يستطيع تكدير ليلة أفراد منكم، وسيفعل ! ستقول جرائدكم أنه سفاك إرهابي متعصب لا يهم، لابد أن يكدركم كما كدرتم بني وطنه ليلة العيد".
والخطة بسيطة، فبابا موح يخفي تحت طاولة الجرائد برميلا  من البنزين الممتاز، وفي وقت مناسب من الليل سيعمل على فتحه وصب ما فيه على طول الرصيف، وسيكون ذلك في أقرب نقطة إلى المقهى الفاجرة التي يوجد تحتها وكر من أوكار الفساد والرقص الداعر، أنه بمجرد أن يصب البنزين سيرمي بعود الثقاب، وما أن يسري اللهيب العظيم حتى يبادر إلى بابا موح إلى دراجته النارية وينطلق إلى مسكنه بسلام، ويا حبذا لو تأتي الأخبار في الغد لتقول أن المقهى والمرقص قد احترقا عن أخرهما وأن عدد الضحايا يعد بالعشرات، سيكون الصباح عندئذ أسعد صباح .. أن خمسين لترا من البنزين الخالص لابد وأن توقد اللهيب الكافي!.
واستمر "بابا موح" يفكر:
"ليلة عيدنا قضيناها في الظلام الدامس وفي حالة منع التجول، وتحت سيطرة العساكر الاجلاف الذين كانوا يطوقون الدروب والشوارع، والموت العاجل لمن فتح نافذة أو زحزح بابا، فمحتوى الرشاش المشحون سرعان ما يفرغ في صدره أو رأسه بدون رحمة.
"يا عجبا أنكم تعلمون هذا كله، وتاتون ما هو أفظع منه من الجرائم، ومع ذلك تكتبون في جرائدكم ومجلاتكم مئات الصفحات، بالله ماذا تكتبون ؟ ما اراكم تكتبون الا الكذب!".
"لا فرانس، لا فرانس، ما أتعسها بكم! لولا أنني أعرف أناسا عقلاء منكم لأقسمت أنكم كلكم لا خير فيكم يا عجبا لهؤلاء ! لكم يبالغون اليوم في ضحكهم وعبثهم وإظهار سرورهم وغبطتهم، ولربما من  اجلي أنا المغربي الواعي الوحيد الموجود في هذه الساعة بهذا الشارع المنحوس المدنس، ومن أجل هؤلاء الحمالين الذين اضطرهم الى كسب الخبز أن يحملوا هذه الانتقال من النعيم والخيرات صابرين على التعب والعرق الغزير المتصبب من جباههم.
"مساكين هؤلاء الحمالون! لو كنت منهم لقمت بأي عمل آخر مهما كان صعبا مجهدا، ولا أقوم بخدمات مثل هذه، وفي مثل هذا اليوم الذي تعمد الأعداء فيه أن يظهر منهم أكثر مما يضمرون في الواقع كان على هؤلاء الاخوان أن يتقاعسوا عن خدمتهم ولكنهم –هداهم الله- أراهم يجهدون أنفسهم أكثر من اللازم ولكنه الخبز، وأفواه الصغار ، المفتحة بالليل والنهار!".
"فكرة! لو كان هناك مائة (بابا موح) مثلا، ومع كل واحد منهم برميل من البنزين، وعند ساعة معينة، وأمام مقهى من المقاهي توقد النار إذا لاحترقت طائفة من هؤلاء الملاعين، نصفهم، ربعهم، عشرة منهم المهم أن يعرفوا أن هناك مغاربة أحرارا وأن يعرفوا أن أوه ما هذا ؟ لقد كدت أطير من مقعدي ؟ ما هذا؟ هل المدافع أمست تطلق من الشوارع؟ ما هذا؟ ماذا؟ لقد أصفر لونك يا حماد وأحسبك تكاد تموت من الهول والفزع!
قام بابا موح عن مقعده وتطلع ...
أن القوم بين قائم وقاعد، وساقط ومتداع على الجدار، والنساء والفتيات الانيقات يولولن باكيات، والأشداء من الشبان والكهول غاضت الدماء من وجوهمم، وراحوا يمضغون السجائر بدل أن يدخنوها أما الشيوخ فقد حسبوه نفير الساعة، ساعة الفناء الابدي، فقدوا اتزانهم وتعقلهم.
وأقبل (إبراهيم) بائع الصحف المتجول مهرولا يكاد يطير من الفرح:
- لقد انفجرت قنبلة خطيرة بالسوق المركزي، انفجرت داخل سلة وضعها أحد الحمالين ومضى، لقد سقط عدد من القتلى وعدد من الجرحى أن (المارشي) أصبح مجزرة، وكل التجار هربوا وتركوا حوانيتهم قم الى حال سبيلك لقد انتقمنا منهم في ليلة عيدهم، واحزناهم كما احزنونا، الله يهنيك يا بابا موح!.
- تضاربت المشاعر في نفس بابا موح، لقد كان يريد أن يكون هو السابق فسبق ولكن الضربة جاءت محكمة، وأدخلت ما يكفي من الفزع والرعب في قلوب الأعداء، وأفسدت عليهم تنظيمات الأفراح، سيبيتون في حداد وكل هذا يكفي!
سرعان ما امتلأ الشارع بقوات الشرطة الهائجة، وفرق من الجيش المدجج بالسلاح، وصاح صاحب المقهى بخدمه صاخبا: أن عجلوا بجمع الكراسي أن الشارع احتل عسكريا.
كان على بابا موح أن ينصرف بدوره وأن يتحمل مرارة الأسف، وأن يتذوق حلاوة المجد والعزة في نفس الوقت!

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here