islamaumaroc

نظرة في كتاب معجم الأدباء بعد طبع مصدر من مصادره.-3-

  دعوة الحق

94 العدد

13) لقد ترجم الحموي لمؤرخ اندلسي سماه أحمد ابن محمد التاريخي الرعيني وقال عنه ناقلا ذلك عن الحميدي: "إنه عالم بالأخبار ألف في مآثر المغرب كتبا جمة منها كتاب ضخم ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها وامهات مدنها واجنادها السنة وخواص كل لد منها".
ولما رجعت الى كتاب الجذوة وجدت أن الترجمة هاته إنما هي لأحمد محمد التاريخي دون زيادة الرعيني.
أما الرعيني فهو شخص آخر خصه الحميدي بترجمة مستقلة وهو من رجال الفقه والحديث وقال عنه: "حدث عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك".
فالحموي اذن مزج بين شخصين وجعل لهما ترجمة واحدة ظنا منه أن إحدهما ليس الا الآخر.
ووقع لمصحح المعجم خطأ شبيه بهذا أو أشد ذلك أنه أشار في حاشية الكتاب إلى مصادر أخرى اعتبرها ترجمت لهذا العالم الأديب مع ان التراجم التي أتى بها ليست للرعيني الذي ذكره الحميدي وإنما لأحمد ابن محمد التاريخي أو لأحمد بن محمد الرعيني الذي كان يعيش في القرن الثامن الهجري.
فمما قاله المصحح في حاشية الكتاب: "وترجم له في بغية الوعاة صفحة 157 بما يأتي "أحمد بن محمد بن أحمد الرعيني يعرف بنسبه. أبو جعفر قال في تاريخ غرناطة كان من أهل الفضل والظرف عارفا بالعربية مشاركا في الفقه متدربا في الأحكام قرأ على أبي الحسن الفيجاطي وابن الفخار وولي قضاء أرحبة ولد سنة إحدى وسبعمائة ومات سنة أربع وأربعين وسبمعمائة".
وإني لاعجب كيف اطمأن المصحح إلى هذا النص مع وجود الفرق الزمني الشاسع بين الرعيني المذكور في الجذرة والرعيني المذكور في البغية.
إنها لغفلة لا تخفي على القراء الذين يدركونها ببداهتهم ويصلون اليها دون أدنى تعب أو امعان نظر(1).
14) لقد أصبحت الدراسات الأدبية عنصرا أساسيا في الإطلاع على أحوال التاريخ العام للأمة العربية الاسلامية بحيث يعسر على المهتمين بتاريخ المجتمع العربي في حقبة من الحقب أن ينفصلوا عن الآثار الأدبية الخالدة التي كانت صورة ناطقة لما يقع من أحداث وما يجري من وقائع لأن الأدب كان متصلا تمام الاتصال بالبيئة الثقافية والسياسية والطبيعية فلا يمكن الانفصال مطلقا عن الجانب الأدبي إذا اردنا استيعاب الجوانب الأخرى.
لذا كان الاهتمام بالدراسات الادبية عنصرا فعالا في تتبع الحضارة العربية والانتقال معها حسب الا عصر سواء من الناحية العمرانية أو الناحية الأخلاقية أو الناحية الفنية.
ومن المعلوم أن الثقافة العربية كادت تكون وحدة بين جميع الاصقاع الإسلامية رغم وجود التنافس بين مختلف الطبقات والأقاليم لذا نجد تشابها بينا في شكل بعض  الكتب المؤلفة وفي موضوعاتها فلا يقع الفرق إلا في الاختيار لطائفة دون أخرى.
وقد وقع ذلك بالفعل في بلاد الأندلس حينما أحسوا باستقلالهم الذاتي وأرادوا أن يظهروا وجودهم الأدبي واستغناءهم عن بعض الكتب الشرقية أو معارضتهم لتلك الكتب ليضيفوا الى الخزانة العربية دراسات جديدة.
ومن بين الموضوعات التي اهتم بها الأندلسيون موضوع الحب فدرسوه من الناحية النفسية والخلقية والأدبية والمجونية وانتشر الشعر الغزلي على اختلاف حيثياته بين الأدباء وكانت بعض الكتب الشرقية تقرأ بينهم ككتاب الزهرة لأبي بكر بن داود الأصبهاني الظاهري فقلده أحمد بن محمد بن فرج الجياني بكتاب آخر سماه الحدائق ولم يختر فيه لغير الأندلسيين وأحسن الاختيار.
وقد ذكر الحموي في كتابه ترجمة ابن فرج هذا وكناه بأبي عمرو(2) مع أن المعروف في كنيته أبو عمر بالصيغة المعدولة الموافقة لما في كتاب الحميدي وكتاب الصلة لابن بشكوال.
وهو شاعر رقيق العاطفة اهتم بالشعر الغزلي العفيف وكان شعره حديث المجالس لا يذكي شهوة ولا يؤجج فسقا بل تطمئن اليه النفس المؤمنة التواقة الى الخير فهو يعبر عن عاطفة الحب من جهة ويصور خلق العفة من جهة أخرى ولا أدري لماذا أهمل الحموي ذكر شعره ولم يختر من الحميدي شيئا.
فمن شعره قولة:(3)
وطائعة الوصال عدوت عنها 
      وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرت فباتت 
      دياجي الليل سافرة القناع
وما من لحظة الا وفيها
     الى فتن القلوب لها دواعي
فملكت النهى جمحات شوقي
     لاجري في العفاف على طباعي
وبت بها مبيت السقب يظما
     فيمنعه الكعام من الرضاع
كذلك الروض ما فيه لمثلى
     سوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملات
     فاتخذ الرياض من المراعى

أدخل ابن فرج هذا السجن أيام الحكم المستنصر وظل فيه الى أن توفي الحكم سنة 366 هـ فأعطى الأمر بإطلاق سراحه فلما بلغه الخبر فزع لذلك فرحا فمات.
ومن طريف ما يقرأ أن ابن فرج هذا رغم أنه أدخل  السجن لم يمنع الطلبة من الاستفادة منه فكان يسمح لهم بالدخول إليه ليستفيدوا من علومه ويقرؤوا عليه اللغة وغيرها(4).
15) ذكر الحموي ترجمة لأحد المعتنين بالقرآت وهو أحمد بن محمد بن عمار بن مهدي بن إبراهيم المهدوي وكناه بأبي القاسم المقرىء(5) ونقل ترجمته عن الحميدي فقال: "أصله من المهدية ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة أو نحوها وكان عالما بالقراءات والأدب متقدما" ولكن كنيته بأبي القاسم لم توجد في الأصل وإنما يكنى بأبي العباس.
ولقد أشار الأستاذ ابن تاويت في تصحيحه لكتاب الجذوة(6) الى ملاحظة تقيد المهتمين بدراسة الأعلام حيث ذكر أن حاشية الأصل جعلت أحمد بن محمد هذا أحمد بن عمار التميمي ولكنه لم يذكر غير ذلك.
وأنا أظن أن محمدا أبا المترجم له كان يلقب بعمار أو سقط من نسخ الجذوة وهذا ما يتلاءم مع الترجمة التي ذكرها السيوطي في كتاب بغية الوعاء لأحمد بن عمار التميمي حيث لقبه بأبي العباس المهدوي المقرئ النحوي المفسر وقال: "إنه كان مقدما في القراءات والعربية وان أصله من المهدية ودخل الأندلس وصنف كتبا مفيدة منها التفسير ومات في الأربعين وأربعمائة"(7)
فأحمد بن عمار هذا هو أحمد بن محمد المهدوي الذي ترجم له الحموي ولكن الخلاف في الكنية قد يكون من أخطاء النساخ لذلك يرجع عندنا أنه أبو العباس وليس بأبي القاسم.
وفي هذه الحقبة التي عاش فيها هذا المقريء نجد أزدهارا علميا كبيرا في البلاد التونسية وتجاوبا مطلقا بين مختلف الثقافات والأقاليم بحيث لا يشعر القارئ لهذه الفترة من تاريخ الفكر الاسلامي بغربة الموطن العلمي بين شتى أصقاع البلاد الإسلامية.
وكانت العناية موجهة من قبل بعض العلماء الإسلاميين لكتاب الله العزيز يدرسونه حسب ميولهم واختصاصهم فمن دراسات بلاغية الى دراسات أحكام الى الربط بأسباب النزول الى رسم الكتاب الى مختلف الروايات وأسبابها إلى ظواهر الاعجاز اللفظي والمعنوي إلى العلاقة بين الكتاب والسنة الى الدراسات الفقهية والأصولية والاستنباطية إلى غير ذلك من الأبحاث الدينية المتعلقة بكتاب الله.
وكان أغلب المسلمين يتقيدون بكتابة القرآن على الرسم الذي كان معهودا أيام النبي وأيان عثمان حين جمع المصحف ونسخ منه نسخا أرسلها إلى مختلف الأقاليم لذلك كان يهتم بعض حفاظه بنشر الرسم بين القراء وبعينونهم عليه بشتى الوسائل من ذلك مثلا الاشعار بالكلمات التي تكتب على شكل خاص أو صورة معينة وكانوا يستخدمون الشعر التعليمي المعروف بالنظم في تسجيل قواعد الرسم على عادتهم في استعمال النظم في تقريب مختلف العلوم وتيسير معرفتها للطلبة الراغبين في المعرفة فكانت هذه المنظومات تنشر بين القراء ويعمد مؤلفوها الى اختيار أحسن المناهج لتقريب مضمونها.
وحيث ان اهتمام القراء كان يوجه الى كتابة القرآن حسب القواعد الرسمية المعهودة وبما أن بعض المبتدئين في الدراسة قد يعسر عليهم التمييز بيت مخارج الحروف وقد يلتبس عليهم الأمر فلا يميزون بين كتابة الظاء المعجمة المشالة وبين كتابة الضاد فقد نظم مترجمنا أبياتا حدد فيها ظاءات القرآن فقال:
ظنت عظيمة ظلمنا من حظها 
      فظللت أوقظها لكاظم غيظها
وظعنت انظر في الظلام وظله
      ظمآن انتظر الظهور لوعظها
ظهري وظفري قم عظمي في لظي
      لأظاهرن لحظها ولحفظها
لفظي شواظ أو كشمس ظهيرة
       ظفر لدى غلظ القلوب وفظها
ومن المعلوم أن المنظومات التي تهدف إلى تعليم بعض القواعد أو الإشعار ببعض الصور غالبا ما تنعدم بعض الروح الأدبية الا إذا كان الأمر يتعلق بتحسين تعبير من نفوس صقلها الأدب قبل العلم فأحسنت الربط بينهما كما نلاحظ ذلك في تحف ابن عاصم مثلا.
ولم يقتصر علماء القراءات وحدهم بالأهتمام بالرسم بل اهتم علماء اللغة أيضا بالرسم العربي وكانوا يبينون الأصول التي ينبني عليها الرسم باعتبار أن الرسم القرآني خاص بالمصحف حتى صاروا يقولون:
خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروضيين.
ومن الطريف هنا أن نشير الى أن مشكلة الظاء في الرسم العربي واشتباهها بالضاد دفعت بعض المؤلفين الى تحديد الكلمات المشتملة عليها وجعلها في ترتيب أبجدي غير معهود في المعاجم العربية بحيث يعتبر هذا العمل الذي قام به مرتب هذه الكلمات ثورة في تنظيم الكلمات العربية داخل المعاجم لو سار عليها العرب في ترتيب معاجمهم منذ تأسيسها لسهل على كل القارئين البحث عن الكلمة دون الرجوع الى أصلها وإنما يكتفون بصورتها اللفظية.
والفضل في هذه الطريقة يرجع الى القلقشندي في كتابه صبح الاعشى(8) حين قال:
"الفصل الخامس من الباب الثاني من المقالة الأولى فيما يكتب بالظاء مع بيان ما يقع الاشتباه فيه مما يكتب بالضاد" ثم بعد ذلك رتب الكلمات على هذا الشكل فقال:
حرف الألف فيه أظله الشيء اذا غشيه، أما اضله من الضلال اذا ضل دابته اذا ندت فبالضاد.
حرف الباء فيه بهظه الأمر اذا أتعبه وفيه البظر
حرف التاء المثناة فوق فيه التقريظ وهو المدح والتلمظ وهو تحريك الشفتين بعد الأكل لابتلاع ما حصل بين الاسنان.
حرف الجيم فيه الجواظ وهو الجافي المتكبر أو الأكوال. والجحوظ وهو نتو العين وندورها ومنه أبو عثمان الجاحظ وجحظة البرمكي ..ثم استمر في تعداد الكلمات حسب مخرجها لا حسب أصلها فنحن اذن نلاحظ أن هذا الترتيب الذي سار عليه القلقشندي ترتيب يهتم بصورة الكلمة وهو عمل قيم في كتابه المعاجم لاشك أن المعجم العربي الحديث سينهجه تسهيلا لنشر اللغة العربية بين القراء وتقريبا لمدلول الكلمة بين التلاميذ الذين يعسر عليهم البحث في المعاجم اللغوية قبل الاطلاع على قواعد اللغة العربية وأصول اشتقاقها.
وأن هذه الملاحظات التي قدمناها سواء فيما يتعلق عند علماء القراءات بكتابة الرسم القرآني أو عند علماء اللغة بكتابة الفاظها لمما يدل على العناية الكبرى التي كان يوليها أجدادنا للدراسات الدينية واللغوية والتي شارك فيها المترجم له بظاءاته القرآنية ففتح لنا باب الحديث عن تسجيل هاته الخواطر.
16) ذكر الحموي من بين التراجم التي اختارها لأدباء الأندلس ترجمة الأديب الشهير أحمد بن محمد بن أحمد بن برد الأصغر(9). وقد نشأ هذا الأديب في حقبة أدبية كان الأندلسيون يحاولون فيها تكوين شخصيتهم وإبراز ميزاتهم الأدبية، ولقد اشتهر بمفاخرته الشهيرة بين السيف والقلم محاولا بذلك أبراز الفضل لذوي اللسان والسنان معا حتى لا ينسى بعض الحاكمين فضل الأدباء ويقتصروا على ذوي التغلب من القواد والجنود.
والدعوة إلى المفاضلة في هاته الحقبة التي كانت تحياها الأندلس سببها ما نشأ من الفتن ضد الحكومة  المركزية وما أثارته الفتنة البربرية التي تحدثنا عنها في مقال سابق من اضطراب أدت الى قيام بعض التمردات في أقاليم مختلفة كان ذووها يعتمدون على السيف في تركيز نفوذهم فخشي هذا الأديب ان تضعف دولة الأدب وتزول هيبة الكتاب والشعراء فحاول ابراز فضل القلم دون أن ينكر فضل القوة في تثبيت المجد وأبرز في المفاخرة المحاسن والمساوئ لكل من الطرفين ولكنه في الأخير حاول التوفيق بينهما.
ولما نقل ترجمة ابن برد ذكر أن الحميدي قال(10) : "هو مولى أحمد بن عبد الملك بن عمر ابن محمد بن شهيد. أبو حفص الكاتب مليح الشعر بليغ الكتابة من أهل بيت أدب ورياسة".
واستمر في نقله عن الحميدي دون أن يقطع الاتصال وذكر من المنقول قوله : "وله كتب في علم القرآن منها كتاب التحصيل في تفسير القرآن وكتاب التفصيل في تفسيره أيضا وله غير ذلك وكان جده احمد ابن برد وزيرا في الأيام العامرية مات سنة ثمان عشرة وأربعمائة أعني الوزير".
مع أن هاته الفقرة الأخيرة لا توجد في كتابه الجذوة المطبوع فهي أما ساقطة من النسخة التي وجدت واعتمد عليها الناشرون في طبع الكتاب وأما نسبة ذلك إلى الحميدي وهم من الحموي جره إليه قلمه فلم يشر إلى نهاية النص المأخوذ عن الحميدي وأضاف إليه ما أخذه عن غيره.
وليس معنى ما أشير إليه التشكيك فيما نسبه الحموي إلى ابن برد من تفسير للقرآن واهتمام بمعاينة وإنما الاشارة فقط الى نسبة هذا الخبر إلى كتاب الحميدي مشكوك فيها نظرا لعدم وجوده في النسخة المطبوعة من الجذوة.
17) قال الحموي عند حديثه عن ابن برد هذا ومن شعره:
تأمل فقد شق البهار(12) مغلسا
      كماميه عن نواره الخضل التدي
مداهن تبر أنامل فضة
      على أذرع مخروطة من زبرجد
فالشاعر في وصف البهار اعتمد على تصوير الألوان والمزج بينها واستعمل من المشبهات بها ما يزينه للنفس ويقربه اليها فقد جمع بين الوان النبات الطبيعي وبين ألوان المعادن التي يميل الإنسان إلى اكتسابها ويرغب في الحصول عليها وتتصل بمظاهر الترف والنعيم أكثر مما تتصل بمظاهر البؤس والحرمان وبهذه الوسيلة حاول الشاعر أن يرتشي قراءة ليستلدوا بشعره ويؤمنوا بإعجابه بالبهار فهو في هذين البيتنين شبيه بما قاله اسماعيل بن بدر في وصف البهار(13).
أهدي إليك من النوار أحسنه
            قد ضل في وصفه من قبلي الناس
كأنه نقر من فضة وضعت
            فيها من الذهب الابريز اكواس
على الزمرد قامت عند منبتها
            في كل نوارة مفتوحة كاس

فاستعمال الذهب والفضة والزمرد وهو الزبرجد مشترك بين الشاعرين في وصف البهار.
لم أتعرض لبيتي ابن برد لاتحدث عنهما من الجانب الوصفي وإنما جاء ذلك عرضا فقط وإنما
لابين للقراء أن البيت الأول ورد في كتاب الجذوة على هذا الشكل(14).

تأمل فقد شق البهار مغلسا
                  كماميه عن نواره المخضل الندي

ولم يكتف المصحح بزيادة الميم بل وضع السكون على الخاء والفتحة على الضاد وهذا ما لا يتناسق مع النغمة الشعرية والوزن العروضي للقالب الذي اختاره الشاعر.
فالبيتان من بحر الطويل ذي الضرب المقبوض مع العروض المقبوضة طبعا فهو من النوع الثاني على الشكل الآتي:
مفعولن مفاعلين فعولن مفاعلن
                  فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

ولا يقع تغيير في الضرب إذا أخد اتجاها معينا في مطلع القصيدة كما هو المعروف في علم العروض والقوافي بخلاف الزحافات داخل الحشو فقد تحدث وقد لا تحدث.
والإشارة إلى هذا التحريف في وضع البيت لا تخفى على المهتمين بدراسة الكتاب ولكننا رغم ذلك نجد أن الواجب يدفعنا إلى التنبيه للمحافظة على السياق الأدبي في الشعر العربي الأصيل.
كما نرى أن الإشارة إلى بيتين آخرين داخل ترجمة ابن برد قد ورد شكلهما مختلفا بين الكتابين فالشاعر يقول(16):
قلبي وقلبك لا محالة واحد
                  شهدت بذلك بيننا الألحاظ
فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا
                  أن الحسود بمثل ذلك يغاظ
إن كلمة فلنغظ شكلت في كتاب الحموي بفتح النون من غاظه الثلاثي وفي كتاب الجذوة بضم النون من أغاظ الرباعي.
ونحن نرى أن الأستاذ ابن تاويت كان من الواجب أن لا يشكل هذا الحرف وذلك لامرين:
الأمر الأول – إنه يوجد من علماء اللغة من ينفي وجود أغاظ الرباعي ولا يثبت الا الثلاثي ومن هؤلاء الجوهري في كتاب الصحاح(17) فقد جاء في التعريف بهذه المادة قوله: "الغيظ: غضب كامن للعاجز. وغاظه من باب باع فهو مغيظ ولا يقال أغاظه.
الأمر الثاني – يرجع إلى أن طائفة من علماء اللغة أجازت الصيغتين معا فقد جاء في كتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي(18): "الغيظ : الغضب المحيط بالكبد وهو أشد الحنق وفي التنزيل "قل موتوا بغيظكم" وهو مصدر من غاظه الأمر من باب سار. قال ابن الاعرابي كما حكاه الازهري غاظه يغيظه وأغاظه بالألف واسم المفعول من الثلاثي مغيظ قال:

ما كان ضرك لو مننت وربما
                   من الفتى وهو المغيظ المحنق

فإذا كان ما حكاه الازهري عن ابن الاعرابي صحيحا فإن الصيغتين معا صالحتان فليس هناك اذن أي معنى لهذا الشكل الذي يوهم اعتماد هذه الصيغة أو صحتها دون سواها مع أنها الصيغة المختلف فيها وعليه فلان نترك الحرف مهملا ونترك للقارئ الحرية في النطق به كما شاء خير من أن نفيده بوجه خاص قد يكون مرجوحا.
ولعل القراء أيضا يستحسنون هذه الحرية لأنها أقرب إلى الصواب.


(1) ينظر في هذا التصويت معجم الأدباء الجزء الرابع صفحة 234 وكتاب الجذوة صفحة 96 وكتاب بغية الوعاة صفحة 157 ولا بأس أن أنبه القراء بأن النص الموجود في حاشية المعجم المأخوذ من البغية قد حرف كثيرا عن أصله لذلك اعتمدت على الأصل فيما سجلت.
(2)  معجم الأدباء الجزء الرابع صفحة 236.
(3) ذكر الثعالبي قسطا من شعره في كتاب يتيمة الدهر الجزء الثاني صفحة 14.
(4) الصلة لابن بشكوال الجزء الأول صفحة 11.
(5) معجم الأدباء الجزء الخامس صفحة 39.
(6)  كتاب الجذوة صفحة 106.
(7) بغية الوعاة صفحة 152.
(8)  صبح الاعشى الجزء الثالث صفحة 222
(9)  قال الحميدي وقد رأيته بالمرية بعد الأربعين وأربعمائة غير مرة زائرا لأبي محمد علي بن أحمد
(10) معجم الأدباء الجزء الخامس صفحة 41
(12) البهار هو الزهر المعروف عند الشرقيين بالنرجس أما الأندلسيون فكانوا يستعملون الاسمين معا.
(13) البديع في وصف الربيع لأبي الوليد اسماعيل بن عامر الحميري من مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية صفحة 97.
(14) الجذوة صفحة 107.
(16) نفس المصدر صفحة 108 أما في كتاب المعجم فقد وردا في صفحة 43 من الجزء الخامس.
(17) مختار الصحاح أبي بكر الرازي الطبعة المنسقة بمجهود محمود خاطر المرتبة على حروف المعجم صفحة 512.
(18) هذا المعجم لغوي متداول من تأليف أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة 770 هجرية


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here