islamaumaroc

ابدأهم بما تريد...

  دعوة الحق

94 العدد

يظلنا شهر رمضان المعظم، فنستقبله بالرضى والبشر، والغبطة والشكر، إذ يتلقى المسلم المومن في مدرسته دروسا في التعاون والتآزر، والتواصل والتعاطف، والتكاتف والتزوار، ويجد من نفسه وازعا يحمله على أن يحبوا إخوانه المعوزين الذين برحت بهم الفاقة، ما يسدون به الرمق، ويبعث في نفوسهم المحبة والرحمة والإخاء...
والصوم، كما هو معلوم، فريضة تسمو بالروح إلى عالم اللطف والصفاء، غايته تطهير النفوس من أوضار المادة وأدران الذنوب، وهدفه بث الطمأنينة والأمن والإيمان في القلوب، وتأكيد أسباب المحبة والمودة بين أفراد المجتمع..
ولكم يحلو للمسلم المومن في هذا الشهر الكريم الذي يعم فيه الرخاء الطلق، والأنس الشامل، إن يخلو إلى نفسه في عبادات خاشعة لإشباع أشواقه، والتملي بأحاديث دينية توثق ما وهي بين القلب والدين.
.....ولئن كان الحديث عن رمضان المعظم وأثره في النفوس ذا سعة، فستقتصر في هذا المجال المحدود على ظاهرة غريبة، تبدو واضحة، وتعطي صورة للمفارقات العجيبة التي نحياها في عصرنا الحاضر...
كان الجيل الذي عاش في العقود الأخيرة ينعم بعقيدة دينية راسخة، تنعكس آثارها في سلوكه وإخلاصه، فيحس معها بحرارة الإيمان، وبرد اليقين، رغم قلة وسائل العلوم التي تساعد على تنمية الروح، وتفتح النفس لتسمو إلى معارج الكمال، في حين أن جيلنا الصاعد، وشبابنا الناهض، تضعف لديه هذه الحاسة الدينية حيث تكاد تفني في دنيا المادة الجافة الضحلة التي تحول دون إشباع الروح من غذائها ومقوماتها، رغم توافر وسائل العلوم، ووفرة الكتب، كثرة المرشدين والوعاظ، سواء عن طريق المسجد، أو الإذاعة والتلفزيون....
كان الجيل الماضي مثال الصدق في عقيدته، والطهارة في روحه، ملتزما سلوكا يدنيه إلى صفات الكمال،  ويتجلى ذلك في إقباله على العبادة وأنواع الطاعات وتدارس القرآن.
أما جيلنا الناشئ، فبالرغم من أنه يرتوي من منابع المعرفة والعلوم، ويقبل عليها إقبال الهيم، وتتطلع نفسه التواقة إلى المزيد منها لتنعم في رحابها الفسيحة، وآفاقها المشرقة، فلم تهذب تلك العلوم روحه، ولم تنعكس أثارها في سلوكه، ولم تعط الدليل العملي على أن دراسته أنتجت ثمارها، وآتت أكلها....
لماذا لم تتهذب هذه النفوس رغم وفرة وسائل العلوم، هذه العلوم التي يشير إلى آثارها ومفعولها الشيخ الرئيس بقوله:

هذب النفس بالعلوم لترقـــى      وترى الكل، وهي للكل بيت
إنما النفس كالزجاجة والعلــ      ــم سراج، وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنك حـــــــي ،     وإذا أظلمت فإنك ميــــــــت
ما السر في هذه المفارقات الغريبة التي تعطي صورة عن هذا الجموح الأرعن، واللامبالاة العمياء؟
بل، لماذا يشب شبابنا "كقرن الماعز" ينبت على استواء، ولا يثبت الا على التواء ".
هل عتت موجة العلم، وضعفت أمامها موجة الدين، وفنيت في خضم الموجات الأخرى؟!
قد يكون هذا صحيحا بالنسبة لغير المسلمين....
فلقد اكتسح العلم المادي أوربا أثر حركات تاريخية، ورجات عنيفة، قام بها العلماء، الذين وضعوا لأنفسهم مناهج علمية، أساسها ملاحظة الظواهر، وتحرروا في مناهجهم من كل شيء، الا الملاحظة الحسية، والتجربة والبرهان، فلم يعبأوا بأقوال الحكماء، ولم يهتموا بما ورد في الكتب الدينية، ولم يسلموا إلا بما يقع تحت حواسهم، وجرب في المخبر عن طريق هذه الحواس، وعرفوا ما لا يحصى من سنن الكون، ونواميس الطبيعة، كانوا يقفون أمام عتبتها حيارى مشدوهين واجمين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، مما زاد في احترامهم للعلم، وإعجابهم به، وتقديرهم له، وعطفهم عليه ...
ربما كان هذا السبب صحيحا بالنسبة إلى أوربا، وقد يرجع الجواب عن سؤالنا السابق إلى جملة أسباب، أبرزها انعدام التربية الدينية، والثقافة الروحية، والقدوة الحسنة.
فالقدوة الصالحة، والسلوك الحميد، هو الدرس العملي، والخطبة البليغة التي ينفعل لها شعور الإنسان، إذ الإنسان قد ركب في طبعه أنه يتأثر بكل ما يرى، ويقلد من هو أكبر منه فضلا وعلما...
فالأبوان في المنزل هما المربيان الحقيقيان لأطفالهما، لا بقولهما فحسب، إذ الفعل هو الأول، والأبعد أثرا..

وإنك إذ ما أنت أمر           به، تلف من أياه آتيا

فعلة ما يكون عليه الأبوان من أخلاق سمحة، ونفوس مطمئنة، وسلوك صحيح، واعتصام بحبل الدين متين، والتزام جانب الصدق والاستقامة، وحسن الأحدوثة، ينشأ الأطفال..
وينشأ ناشئ الفتيان فينا        على ما كان عوده أبوه
وإذا كانت الأم طاهرة الذيل، نقية الأخلاق، نظيفة السلوك، كان بناتها يحتذين حذوها ويسرن على نهجها...وعبثا يحاول الأب أن يغرس في أبنائه الفضيلة، وهو عابث بهذه الفضيلة،  حائد عن جادة الصواب، يعرض وينأى بجانبه عن فروض الله ... إذ كيف يهذب أبناءه، وينشئهم تنشئة دينية صرفا، وهو خلو من كل هذا ... ففاقد الشيء لا يعطيه كما قيل...
والمعلم في المدرسة هو القدوة المثالية لتلاميذه، على نهجه ينهجون، منه يأخذون أخلاقهم عامدين أو غير عامدين، ويقلدونه مغتبطين مسرورين، "فالولد من معلمه، كالظل للعود" كما قال أبو حامد الغزالي.
ويخطئ المعلم إذا اعتقد أن شيئا من سلوكه وأفعاله يدق ويخفى عن أفهام كلابه، إذ
مهمل تكن عند امرئ من خليقة             وأن خالها تخفى على الناس، تعلم
وكأثر للقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، نسوق هذا المثال الفذ، الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما انتهى عليه السلام من وضع شروط الحديبية وقبل كل الشروط ، داخل المسلمين منها أمر عظيم.. فقد أمر عليه السلام أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا الهدي، فيتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك هما عظيما حتى أنهم لم يبادروا بالامتثال.
فدخل عليه السلام على أم المؤمنين، أم سلمة، وقال لها: "هلك المسلمون !! أمرتهم فلم يمتثلوا، فقالت: "يا رسول الله، أعذرهم، فقد حملت نفسك أمرا عظيما في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون!! ولكن اخرج يا رسول الله، وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت اتبعوك..
واقام محمد مضطربا مما رأى من شأن من حوله، ثم صلى واطمأن، ثم قام إلى هديه فنحره، ثم جلس، فحلق رأسه أيذانا بالعمرة، وقد امتلأت نفسه بالسكينة والرضا، فلما رأى الناس صنيعه، ورأوا سكينته تواثبوا ينحدرون ويحلقون، وأن منهم من حلق، ومنهم من قصر، قال محمد: "يرحم الله المحلقين"، فتنادى الناس في قلق: "والمقصرين يا رسول الله؟" قال: "والمقصرين". قال بعضهم: "فلم ظاهرت يا رسول الله الترحم للمحلقين دون المقصرين" فكان جوابه: "أنهم لم يشكوا".
فأنت ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يمتثلوا لأمر النبي عليه السلام، حتى ظن أنهم هلكوا، ولكن أم سلمة، وهي الخريثة بنفوس القوم، تعلم من آثار الأسوة الحسنة في النفوس، وفعلها في القلوب، ما دعاها إلى اللجوء إلى هذه الطريقة الفذة في التربية والتلقين، والامتثال الحسن.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here