islamaumaroc

لماذا نقرأ الشعر؟ -2-

  دعوة الحق

93 العدد

اقترح على القارئ، أن يقرأ معي هذه الكلمات من ديوان «أزهار الضياع» لسليمان العيسى، بعنوان «مصير أغنية»
غرقت في الصمت
ضاعت في المدى،
في حنايا الغيب..
لا أعلن أين !
ولدت كالضوء..
ثم انطفأت..
رعشة حالمة.. أو رعشتين
ربما ذابت شعاعا لينا
منهمكا.. واختبأت في مقلتين
ربما فرت على أجنحة
من رؤى..
وانسكبت في غيمتين..
إنني ألمحها.. أغنيتي
جدولا ينساب
مغلول اليدين
جدولا صلى له الفجر ندى
وسقاه عبقر.. أرجوعتين
سوف أطوي سرها في خاطري
أي لحن يتحدى شفتين
أروع الشعر
سؤال حائر
أبدا..
مختبئ
في مقلين..
الشاعر في هذه الكلمات، يحدثنا عن الأغنية التي لم يستطع أن يكتبها، لأنها أومضت في خياله وميض البرق، ثم اختفت في ضمير الغيب، غيبه البعيد الأغوار، ولكل شاعر كبير غيبه الخاص، شأن كل نفس كبيرة، كثيرة الدروب، شاسعة الآفاق، والشاعر يشعر بحيرة كبيرة، غذ يحس الأغنية جدولا ينساب في نفسه، ولكنه عاجز عن التقاطها في كلمات، ربما لأنها شديدة الغموض، ربما لأنها غربية رعناء طائشة، لا تريد أن تخضع لقيود اللفظ، ربما لسبب آخر، وأخيرا يقنع الشاعر بأن يكتمها في قلبه، ضاما عليها شفتيه، وهنا يتبين لنا، عمق اللحظة التي عاشها الشاعر، عندما اهتدى إلى أن حيرته نفسها، هي من صميم الشعر، فالشعر إن هو إلا سؤال حائر مختبئ دائما في مقلتين، وهذه الحيرة تفتح أمامنا كثيرا من آفاق التخيل والأوهام الشعرية، فهي أغنى وأقوى ثراء من أي يقين أو جزم بشيء، ولو أن الشاعر ضبط تلك الأغنية، وألقى عليها شباكه وقدمها إلينا، لما وصلت إلى أن تضعنا في هذا الجو الشعري الحائر، الذي نقلنا إليه سليمان العيسى، عندما ألقى إلينا بكلماته تلك الحائرة..
وإذا كان الشاعر يشكو من أن أغنية لم يستطع أن يكتبها، وهو الإنسان الممتاز في تصوره للأشياء وقدرته على التعبير عنها، هو الذي يقوم بعلية الخلق فيضيف إلى الحياة أشياء جميلة من ابتكاره، فكيف بنا نحن ولسنا شعراء، ولا نملك من مقاليد الكلمة الشاعرة ما يملك ؟ وبالرغم من أن الشاعر انسابت الأغنية من بين أصابعه كشعاع يتبدد، فإنه احتال عليها، واقتبس منها كلماته الرائعة تلك، فكان كتمانه لها، أقوى منه فيما لو أفصح عنها، وإذا كانت الأغنية قد أفلتت منه، فهو بكياسته الفنية، قد قدم لنا نفحات من شذاها العطر، أما نحن الذين لسنا شعراء، فما أكثر الأغنيات التي ماتت على شفاهنا.
والخواطر التي تلاشت على ألسنتا، ولو أعارنا الشاعر لسانه الذرب، وأداته الفنية، لكانت لنا جولات في دنيا الشعر، وإذا لم يكن ذلك في الإمكان، فالشاعر يتولى مهمة التعبير والكشف، بما أوتي من كفاية وقدرة، وكأنما يحمل الشاعر هموم الكون كله، ومشاعر الإنسانية كلها، عندما يكلف بالكلمة كلفه الشديد، فيزرع الصفحات تلو الصفحات، حروفا مشرقة، اختصرت فيها عوالم سماوات..
وكلما طالت عشرتنا للشعراء الأفذاذ، نلتمس عندهم شفاءنا مما نجد من كبت، تجاه أنفسنا، في حالات إشراقها وتفتحها، لا تزيدنا تلك العشرة إلا حيرة على حيرة، فإذا بشؤوننا الروحية، وشكوكنا الفكرية، وتطلعاتنا إلى المجهول، لا تزداد إلا تعقيدا وغموضا، إذ كلما انفسح المجال أمام الرؤية الفنية، كلما كثرت الشكوك والوساوس، فكأنما ألقي بنا في بحر خضم، لا نهدأ فيه ولا نستقر، وإنما هي غمرات تعقبها غمرات.. وإذا كان الشعر سؤالا حائرا على حد تعبير سليمان العيسي، فهذا السؤال سيظل منتصبا أمام خالقي الشعر وقارئيه، متحديا المواهب والتطلعات الفكرية، تندفع من أجل الإجابة عنه، ولكنها لا تصل إلى ذلك الجواب المرح، ولو هي وصلت إليه، واستراحت وزايلها كل قلق وحيرة، لانطفأت شعلة الفن، واقفرت دنيا الشعراء، وأغلقت أبواب السماء، وانقطع الوحي الشعري، ذلك أن من عجائب قصة الخلق الغني عند الإنسان، أنه بقدر ما تكثر شكوكه، وهواجسه، وتطلعاته، وتحرقه للحقيقة الخالدة، وتلهفه للكمال الإنساني والفني، بقدر ما تنفجر في نفسه ينابيع الشعر، وتسيل الكلمات من بين أصابعه تفيض إشراقا وحرارة ونحن قراء الشعر، نريد أن نقرأه ونقرأه كثيرا، ليخصب نفوسنا، وينمي تطلعاتنا، ويشعرنا بمكانتنا من هذا الكون، ومكان الكون منا، ليبعثنا على التساؤل والقلق والحيرة، ويستحثنا على التأمل في مصيرنا، وفيم خلقنا، ولماذا نعيش، وما الغاية من وجودنا ؟؟ ونحن مقدما واثقون أننا لن نصل أبدا إلى الاقتناع، لأن الفكر البشري عندما يصل إلى هذه المسألة الهامة، ذات الخطورة الكبرى، يظهر عجزه المطلق، بالقياس إلى ابتكاراته وفتوحاته في النواحي العلمية الكثيرة. بيد أن التطلع والإلحاح في السؤال، هو في حد ذاته إخراج للنفس من حالة الركود إلى حالة الحركة والإشراق والشوق إلى المجهول واللانهائي. وليس شيئا قليلا أن تكون للإنسان مواقف إزاء نفسه، وإزاء العالم الذي يعيش فيه، يريد أن يفهم وأن يكتشف، وأن يتفوق على ضعفه البشري. وهل كانت الفلسفات إلا لهذه الغاية، غاية نقل الإنسان عن راحته الفكرية، وقناعته الروحية، لحمله على التفكير في نفسه، وتبيين الصلة التي تربطه بهذا الكون ؟
والعلم ليس عن اختصاصه أن يؤدي لنا هذه الخدمة، لأن له مهمة تتنافى مع رغباتنا في هذا الصدد، وهي ـ أي مهمة العلم ـ دراسة الواقع، لاستخلاص خصائصه ومميزاته، والخروج من ذلك بقوانين وقواعد عامة، يمكن تطبيقها بصفة دائمة، إلى أن تظهر نتائج علمية تحمل على إعادة النظر فيها. فالعلم لا يتجاوز هذه المنطقة، فليس من طبيعته النزوع إلى الثورة على الواقع، أو اكتشاف قيم جديدة للحياة، وإنما ذلك يدخل في مهمة الشعر والفلسفة، هذين اللذين كثيرا ما يلتقيان ويتزاوجان، وتبقى للشعر ميزة يمتاز بها على الفلسفة، وهي أنه يستطيع أن يقدم للقارئ التأملات والتطلعات الفكرية والقلقة، في إطار يقبله ويتعشقه، وهو إطار فن، أما الفلسفة  فهي على كثير من الجفاف والصلابة وعدم المرونة، والبعد عن التلقائية، مع ميلها إلى التجريد غالبا، واستعمالها للألفاظ بطريقة تحد من إيحائها وانطلاقتها وخلقها للجو، الأمر الذي أبعد الفلسفة عن كثير من الناس، وقام حافزا بينهم وبينها فنظروا إليها نظرة كلها تهيب وخوف، على حين أن الشعر ظريف العشرة، حلو المحاضرة، لطيف الحيلة، يقدم أنغامه وسحره وروعته، بين يدي ما قد يتضمنه من فلسفات وتطلعات فكرية، ولهذا السبب لقيت الفلسفة الهندية المصبوغة بصبغة الشعر، ما لم تلقه الفلسفة الصينية المتجردة عن الطابع الشعري من الذيوع والانتشار، فوحدة الوجود ونظرية تناسخ الأرواح، وغيرها من قضايا الفلسفة الهندية، كان لها رواج عظيم في الشرق والغرب، على حين أن معضلات الفلسفة الصينية لا يعرفها إلا الراسخون في العلم.
ولكن ما كل شعر يستطيع أن يبعث فينا الشك والقلق والحيرة، وكثير من الشعر العربي لا يدفع إلى شيء من هذا، ولكن عندما نقرأ لشعراء اليوم، كصلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السباب، وسليمان العيسي، نجد عندهم شيئا من هذا الذي نبحث عنه، فهؤلاء قد أحسوا أولا بالثقل الفكري والحضاري لهذا العصر،وثانيا بأن القارئ العربي اليوم يختلف عن القارئ العربي بالأمس القريب أو البعيد، فهو قبل اليوم كان يكتفي من الشعر بالعبارة الجزلة والأسلوب الخطابي، والكلمات ذات الرنين، وهو اليوم قد أخذ يرفع إلى مستوى العصر الذي يعيش فيه، وشرع يمتص الفلسفات والمذاهب الفكرية الحديثة، ولذلك فهو لم تعد تستبد به الموسيقى ويشغله النغم عن كل شيء، بل بدأ يضغط على شعراء اليوم، كاتبا وناقدا وهاويا، أن يقدموا إليه شيئا يرضي تطلعه الفكري، وينسجم مع ما اتصل به من نظريات النقد الحديثة.
وكل من الشاعر العربي المعاصر، والقارئ العربي المعاصر، يحس بأنه مأزوم، نتيجة لوضعه الحضاري الراهن، فهو يشعر بتمزق عميق، بين مفاهيمه التي تسير وأحدث تطورات الفكر العالمي، وبين واقعه المتأخر، وبين تقاليد قومه ومقدساتهم، وبين تحديات عصره، التي تنتصب أمامه كعلامات استفهام كبيرة، بين مثالية الفكرية وواقعه المؤلم، هذا علاوة على أزمات العصر الفكرية والنفسية، التي يشارك فيها معاصريه في العالم كله تقريبا.
ونحن هنا في المغرب، شعراء وكتابا ونقادا وقراء، كنا منذ وقت ليس بالبعيد، نعيش خارج منطقة هذا الصراع، هادئين وادعين ناعمي البال، لا شيء يقلق راحتنا، نسأل الله المزيد من السلامة والعافية، ولكن اليوم، يحس كل واحد منا ـ نتيجة يقظتنا الأخيرة ـ أنه مس بتيار كهربائي هزه هزا عنيفا، ويظهر أنا بدأنا نأخذ نصيبنا من ثقل المسؤولية التي يحسها وينهض بها المثقفون العرب، في الشرق العربي، هذه الحقبة من السنين، ولكن الحق يقتضينا أن نعترف بأننا ما زلنا على هامش الأزمة، ولم نتوغل منها في الصميم بعد، نظرا إلى ما يصدر عنا من إنتاج أدبي وشعري، كما أن الحق يقتضينا أن نعترف أننا كقراء، أحسن منا كمنتجين، وهذا شيء طبيعي، فغالبا ما يسبق القارئ الممتاز، المنتج الممتاز، أي أن رجال الفكر والفن يبداون أولا كقراء واعين، على حين أنهم كمنتجين، يظلون دون مستوى قراءتهم، إلى أن يتمرسوا بالميدان، فيحدث التقارب والانسجام في المستوى بين القراءة والكتابة. لهذا فقارئ الشعر عندنا في المغرب، لا يجد ضالته المنشودة فيما ينشر عندنا من شعر مغربي، بل يجدها فيما يرد علينا من الآداب الشرقية، فأكثر شعرنا ما زال أمينا مخلصا للطرق القديمة، يتنفس في المناخ القديم، ويستمد نغماته من قيثارة الشعر العربي القديمة. وحتى المحاولات المجددة التي نجدها عند بعض شعرائنا، ما زالت تضطرب وتتهافت، لأنها في بداية الطريق. وعسى أن نستفيد من تجارب الشعراء العرب به البلاد العربية، فهؤلاء عانوا تبعات الربادة وتكاليفها، حيث استطاعوا أن يبدلوا من نسيج الشعر العربي، ويغيروا من تقاليده القديمة، بالقدر الذي يتطلبه العصر، بالرغم مما صحب ذلك من مزالق وأخطاء، لا بد منها في كل تطور من هذا النوع، وبفضلهم أصبح الشعر العربي الحديث، يتوفر على محاولات في المستوى الفكري والفني لعالم اليوم أو في مستوى قريب منه. وبما أن التجربة نجحت هناك أو في طريقها إلى النجاح، فما على شعرائنا المغاربة إلا أن ينطلقوا منها، مستفيدين من حسناتها وسيئاتها، محتفظين بأصالتهم الفردية والاجتماعية، بوصفهم أفرادا ممتازين وبوصفهم أبناء بيئة معينة، فبذلك سيتمكن القارئ المغربي من أن يجد نفسه في شعرهم، ويلمس عندهم ما يجعله لا يذهب بعيدا عن المغرب، عندما يتساءل لماذا يقرأ الشعر ؟
واقرأ معي إذا شئت أبياتا أخرى لسليمان العيسي، مأخوذة من ديوانه «أزهار الضياع بعنوان : «يا شعر»
في رحمة الفولاذ ماذا عسى                  تقول للدنيا.. وما تحمل ؟
أصداؤك الحلوة هل لملمت                  أذيالها.. واختنق البلبل ؟
كواسر النار تجوب السما                     فيا هزار النبع.. ما تفعل ؟
صارع.. فلن نسلم هذا الثرى                  يطويه منهموم ومستعجل
قد يركع التاريخ يوما على                     بابك يستجدي.. فما تبخل
في الأرض قلب لو يزل نابضا               ولم يزل في صدرها جدول
في هذه الأبيات تبدو تخوفات الشاعر من مستقبل الشعر، نظرا لسيطرة الآلة وضجيجها الذي تفنى فيه أصداء الشعر الحلوة، ولكنه يدعوه إلى الصراع من أجل البقاء، معللا النفس، بأن وجهة التاريخ يمكن أن تتبدل، فيكفر الإنسان بسيطرة الآلة، ويعود إلى الشعر مرتميا تحت قدميه يستجديه شفاء ما في نفسه من عذاب وصراع، وما فيها من عقد نفسية جاءت نتيجة لأوضاع العصر المادية، وهنا يلتقي سليمان العيسي مع بعض المؤرخين المعاصرين، الذين يتنباون للحضارة الغربية بالسقوط والانهيار، كسبنلجر صاحب كتاب «تدهور حضارة الغرب» الذي نقل أخيرا إلى اللغة العربية ولو سقطت القيم المادية التي تقوم عليها هذه الحضارة، لعاد الإنسان إلى قواعده، من دين وشعر ومثل عليا وقيم روحية، هذه التي تطارد اليوم باسم العلم. ونحن قراء الشعر وهواته، نلتقي مع سليمان العيسي، في فكرة صراع الشعر من أجل البقاء، لأنه الواحة التي تتفيا ظلالها، كلما عافت نفوسنا دنيا الصراع المادي، الذي لا يتورع الناس أن يستعملوا فيه أقذر الأسلحة، وأن يبيعوا الدين والمروءة والضمير، حتى يتغلب فيهم الحيوان على الإنسان. ولا أعرف عصرا اشتدت فيه حاجة الناس إلى الشعر، كهذا العصر الذي نعيش فيه. فقبل اليوم، لم تشكل الآلية خطرا على كيان الإنسان الروحي، بالقوة التي تشكله بها اليوم، كانت النزعة الدينية تكيف حياة الناس، وتؤثر في معاملاتهم ونظرتهم إلى الأشياء، فكان الدين حارسا للقيم مهذبا لفعل الغريزة، فاحتلت الروحيات مكانة ممتازة في جل البيئات والمجتمعات، بالرغم من بعض الفترات التي تستباح فيها القيم، وتهان المثل، وكان الشعر مرخي العنان، يبسط سلطانه وينشر ظلاله واثقا من نفسه، مطمئنا إلى نفوذه، حتى لنجده عند بعض الشعوب القديمة يصبغ بصبغته العلوم الفلسفية والهندسية والرياضية، ففي كتاب «قصة الحضارة» لديورانت، نجد هذا النص الذي يوضح الجبر في صورته الشعرية عند الهنود، : «هناك خلية من النحل، استقر خمسها على زهرة كادامبا، وهبط ثلثها على زهرة سلنذرة، وطار ثلاثة أمثال الفرق بين هذين العددين إلى زهر الكوتاجا، وظلت نحلة واحدة ـ وهي كل ما تبقى حائمة في الهواء، أنبئيني أيتها المرأة الفاتنة عدد النحل كله.. لقد اشتريت لك يا حبيبتي هذه الياقوتات الثمان، والزمردات العشر، واللؤلؤات المائة، التي ترينها في قرطك، واشتريتها بأثمان متساوية، وكان مجموع أثمان الأنواع الثلاثة من الأحجار الكريمة، أقل من نصف المائة بثلاثة، فأنبئيني ثمن كل منهما أيتها المرأة المجدودة».
أما عصرنا  هذا فقد تبدل فيه كل شيء حيث ضعف الوازع الديني، وكادت الروحيات أن تختفي تحت وطأة الماديات، وحلت مثل وقيم مادية جديدة محل المثل والقيم القديمة، وتطاولت أيدي كثيرة، تريد إنزال الشعر عن عرشه الذي تربع عليه قرونا طويلة، ولهذا نعيد ما قلناه آنفا من أن حاجة الناس إلى الشعر اليوم، أقوى منها في أي وقت مضى، ليكون الملاذ الروحي الذي تعتصم به النفوس التواقة إلى السمو، إذا عافت التكالب المادي. وهنا تبدو لنا مهمة الشعر شاقة وعسيرة، يحتاج إلى صراع من أجل الاحتفاظ بوجود شفاف فياضا،  ناشرا أفضاله وبركاته على الناس. فلم يسبق للشعر أن عاش وسط ظروف عصيبة كالتي يعيش فيها اليوم، فانتشار أدب الساندويتش، وشيوع الأدب الخفيف الذي تزخر به الصحافة، ودخول أسطوانات الغناء إلى كل بيت، وغزو التلفزة لجميع الأوساط، وكون المقاهي والسينمات ودور اللهو، تربض في كل منعطف، وعلى رأس كل شارع واسترجال المرأة ونزولها الفاضح إلى سوق الحياة، تأخذ وتعطي، وتحتك بالشؤون اليومية حتى تفوح رائحة عرضها، ورميها بالحياء والخفر جانبا، واستجابتها السريعة بزجاجة الكوكاكولا، وتذكرة السينما، والمقعد المريح في السيارة، مما جعلها تتجرد هالتها السحرية، التي طالما فتنت الشعراء وكانت لهم مصدر إلهام، أضف إلى ذلك الصيحات المنكرة التي تنكر على الشعر حقه في الوجود، كل ذلك وغيره يجعل الشعر يتنفس اليوم في جو ثقيل مفعم بالجراثيم القاتلة. ولكن بقدر ما يحارب الشعر ويقاوم، بقدر ما تشتد الحاجة إليه، كلما اشتد الجشع والحرص، والشعر تشتد الحاجة إليه، كلما طغت المادة، وطغى سلطانها على الناس، وما أشق مهمة الدين بين قوم كافرين، وما أشق مهمة الشعر بين قوم ماديين !!
ولهذا كله كان عصرنا في أمس الحاجة إلى طاقات شعرية ضخمة، وعبقريات شعرية فائقة، تتفق والمهمة الخطيرة التي ينتظر من الشعر أن ينهض بها، وظهور تلك الطاقات وهذه العبقريات، يرتبط بمناهج دراسية، أو أساليب تربوية، بقدر ما يتوقف على قوة الطباع، ورجولة الكفاءات، وهذا أمر موكول إلى عمل الطبيعة، هذه التي تفاجئ الناس بأمور لم تدخل في حسبانهم.
ونحن إذ نلتمس من الشعر أن يسمو بنا على الصراع المادي البغيض، لا نريد طبعا الانفصال عن عالم الناس، وعالم الكفاح وتنازع البقاء، لنتيه في مجاهل خيالية منقطعة الصلة بأرض البشر. ولا خير في الشعر إذا كان سيجرنا إلى هذا المصير، إذ لا مكان اليوم تحت الشمس للخياليين التائهين، وحتى لو أراد هؤلاء أن يختاروا هذا الاتجاه، فالأحداث ستضطرهم إلى العودة إلى الواقع، لمواجهة ما يتمخض عنه، خصوصا وأن شرارة الأحداث اليوم، تنتقل بسرعة البرق، إلى شرق الدنيا وغربها، فنحن لا نريد ذلك إذن من الشعر، وإنما نريد فقط، أن تكون لنا إنسانيتنا داخل عالم مادي مغال في ماديته، نسابق الزمن، ونسير في موكب العلم والاختراع، باذلين في ذلك أقصى ما نملك من جهود وقوة، ولكن في الوقت نفسه، نريد أن تكون لنا لحظات نتصرف فيها لأنفسنا، وللنفس شؤون وشجون.. ولا تناقص مطلقا بين الاتجاهين، كما قد يتبادر إلى الذهن. والدارس لتاريخ الأدب العربي يجد أن شعراء العرب كانوا إلا قليلا منهم عمليين، لهم مشاكلهم المنبثقة عن طبيعة وجودهم، وعن صراعهم مع ظروفهم الخاصة، ولم يصرفهم ذلك عن قول الشعر في أغراض روحية صرفة، فعنترة بن شداد كان لسانه يتفجر شعرا حماسيا أو غزليا، وسيفه الدامي في رقاب أعدائه، وزهير بن أبي سلمى كان يقول الشعر، ويهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية لقبيلته، بل إنه استخدم الشعر لهذا الغرض، والمتنبي كان يصارع من أجل السيادة والسلطة، ويقارع الخصوم والمناوئين، دون أن يمنعه ذلك من أن يقول هذا الشعر العاطفي وما يشاكله :
ليالي بعد الظاعنين شكول               طوال وليل العاشقين طويل
بين لي البدر الذي لا أريد               هويخفين بدرا ما إليه سبيل
 والمعتمد بن عباد يخوض المعارك ضد ملوك الطوائف تارة، وضد الأسبان تارة أخرى، ثم يعود إلى قصره لينظم أرق الشعر وأعذبه، وهكذا قل بالنسبة لغيرهم من أمثال أبي فراس وأسامة ابن منقد، وحتى أبي العلاء، الذي ربما يعتبره البعض سلبيا في عزلته، قد انصرف نهائيا عن معترك الحياة والحقيقة خلاف ذلك، فالرجل كان في محبه يشتغل بالتعليم، ويوافيه طلبته إلى بيته في أوقات خاصة، ليلتقوا عنه علم العربية وآدابها، وناهيك بالأمة اليونانية القديمة، التي جمعت بين تعشق البطولة وكمال الجسم البشري، وبين الكلف بالشعر، إلى أبعد حد مستطاع.
نريد من الشعر أن يعالج قضايا عصرنا ومشاكله، إلا أن يتهرب منها أو يتغافل عنها، يعالجها بطريقته الخاصة، وبما له من رؤى وشغوف وفن، بحيث يتأتى لنا نحن قراء الشعر، الجمع بين أن نعيش أحداث عصرنا وقضاياه، وبين أن ننظر إلى داخل نفوسنا، لنتبين صداها والآثار التي خلفتها في أعماقنا، وأن نتجاوز ذلك فنسبق الزمن، لنتصور مصيرنا الإنساني، على ضوء ما نعيشه اليوم، وبذلك نلتمس في الشعر ضربا من النبوة، ولو  في زمن كافر  بالرسالات والنبوات..
والناس في كل عصر، يطلبون من شعرائهم ما يتفق وذوقهم العام، المستمد من أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولكن ما أسهل أن يقترح الناس على الشعراء، وما أشق ما يعانيه هؤلاء من أجل إرضاء أنفسهم أولا، والاستجابة لمتطلبات عصورهم وبيئاتهم ثانيا، وكم يكلفهم ذلك من جهود مضنية، خصوصا وأن قارئ اليوم، لما يتوفر عليه من ثقافة عامة، ودقيقة في أكثر الأحيان، لا يكاد يقتنع بشيء، وقد تكونت عنده حاسة دقيقة هي حاسة «الملل» من جراء التأثر بطابع العصر، العصر المتبدل المتغير، لا أقول بين يوم وآخر، بل بين ساعة وأخرى، فالأحداث تتوالى سراعا، ومصاير الناس ما تلبث قلبا حولا لا تكاد تستقر، وهذا ينطبق سواء على شؤون العلم والاختراع، أو على شؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد، الأمر الذي ألقى في روع القارئ المعاصر الميل الشديد إلى التجديد، والكره الشديد للاجترار والتقليد، وويل للشاعر الذي يدور حول نفسه دائما، ولا يرضى في القارئ ميله ذاك. فمن هذه الناحية نستطيع القول بأن شعراء الإنسانية قبل اليوم، كانوا أسعد حظا من الشعراء المعاصرين، إذ كانت البيئات الأدبية لا تشدد في معاملاتهم تشددها اليوم، إلا ما كان من قبيل الحملات التهريجية المغرضة، البعيدة عن الروح الفني، كالتي شنت على أبي الطيب المتنبي وغيره من الشعراء، أما اليوم، فقد تضافرت علوم الجمال والنفس والاجتماع والنقد الأدبي والأدب المقارن، لتكون سلاحا قويا في يد ناقد الشعر، ويا له من سلاح يقع الأدباء والشعراء تحت رحمته..
ذلك الوضع هو الذي ولد في نفسية قارئ اليوم ذلك الملل، والعزوف عن الرتابة. والسؤال الوارد على لسانه دائما هو : هل من جديد ؟ يواجه به من يقرأ لهم، وعلى ضوئه ينظر في أعمالهم، ويضعهم في منازلهم بالنسبة إليه. وكان الله في عونهم ليكونوا عند حسن ظنه بهم، فتكاليف الخلق والابتكار باهضة، يعرفها كل من عانى عمليات الإنتاج الفني. فالشاعر لا يمكن أن يسير بالسرعة التي يريدها أفراد اليوم، شأن العلم الذي بطبيعته يتغير بسرعة، الشعر مرتبط بأذواق بطيئة التغير، وطبائع لها أصول ثابتة. وهنا تكمن الصعوبة التي يجدها الشعراء، فهم بين طبائعهم الأصيلة، وبين متطلبات عصرهم، بين ذاتيتهم وإلحاح ما يكتنفهم من ظروف خارجية، ما إن يحدث اليوم حادث كبير، حتى يتساءل القراء غدا : ماذا قيل فيه من شعر؟ وماذا كتب عنه من نثر ؟ سباق مع الأحداث لا يقف أبدا، وصراع من الشاعر ليكون جديرا بعصره، وفي مستواه، والشاعر في هذا غير مظلوم، فهو يعيش في عصر وضع بين يديه من منجزات الحضارة وثمراتها المتراكمة، ما لم يحظ به أي شاعر قبله، وهيأ له من أسباب الاتصال بجمهوره وتخليد آثاره، ما لم ينله سابقوه في أي عصر من العصور، وأعد له من وسائل التربية الفنية ما يسمح لأضعف المواهب والملكات بالظهور والتألق، والعصر قدم له الكتاب والإسناد، والمعهد، والكلية، والصحيفة، والتربية الجميلة، ووضع رهن إشارته المذاهب والفلسفات، تسعى إليه وهو في بيته ووصله بنتائج قرائح الماضين، مطبوعا أنيقا، وهيا له من وسائل السفر في الجو والبر والبحر ما يمكنه من رؤية الدنيا كلها، ومشاهدة سائر الشعوب والمجتمعات، وآيات الطبيعة على تنوعها بين قارة وأخرى، هذا علاوة على أن كل ورقة من إنتاجه يدفع بها إلى القارئ يأخذ عليها مقابلا ماديا، ومن ثم كان من حق القارئ أن يقترح وينقد، لكونه أدى ثمن ما يقرأ.
وليس على الشاعر أن يستجيب لأي رغبة خارجية من طرف قرائه، ما لم تكن منسجمة مع المشاعر التي يعتمل بها كيانه، وإلا عد شاعرا متملقا، ينشد الحظوة عند الناس، لا عن طريق الإخلاص لأصالته الشخصية، وإنما عن طريق النفاق والتملق والزيف. وليس على الشاعر أن يعمل بكل توجيه يأتيه  ن بعض نقاد الشعر وقرائه، فقد يكون هذا التوجيه خاطئا بعيدا عن مثالية الفن ورسالته الخالدة، بل ربما اقتضت أصالة الشاعر ونظرته إلى الشعر كفن رفيع، أن يثور على الأوضاع الأدبية السائدة، ويدعو إلى تغييرها والقضاء عليها ليحل محلها وضع أدبي جديد، وربما تحمل الشاعر في سبيل ذلك ما قد يشن عليه من حرب كلامية، تقتضيه مزيدا من الشجاعة الأدبية ليصمد أمامها وحينئذ قد يستطيع أن يبدل من  نظرة الناس إلى الشعر، وقد تحققت هذه الظاهرة بالفعل في تاريخ الأدب العربي الحديث، عندما ظهر العقاد كشاعر وناقد ومفكر، يرى في الشعر رأيا غير الذي كان بيئته الأدبية تراه. فالشعر عندها كان ديباجة مشرقة، وجزالة لفظية، وتشبيهات واستعارات رائعة، ولذلك اتخذت مثلها الأعلى من شعر شوقي. لأنه يمثل هذه الثبات خير تمثيل وأروعه، فجاء العقاد صحبة زميله المازني وعبد الرحمان شكري، ليشنها حربا عوانا على الذوق الفني السائد، وعلى شوقي متزعم هذا الذوق والمعبر الأمين عنه، ووقفت البيئة الأدبية كلها تقريبا في جانب شوقي، ووقف العقاد ومعه زميله في الجانب المقابل، وكانت  معركة من أعنف معارك النقد الأدبي الحديث، انتهت بانتصار العقاد وفكرته الجبارة  المتفتحة، الأمر الذي غير من الذوق العام لا في مصر وحدها، بل في أقطار كثيرة من العالم العربي، وانبثقت عن ذلك نظرة جديدة إلى الشعر، وأعاد الناس النظر في مقاييسهم النقدية القديمة، ونتيجة لذلك، أصبح الشاعر العربي يطالب اليوم، بغير ما كان يطالب به قديما.
وتجربة الأستاذ العقاد كانت فريدة من نوعها، في تاريخ الشعر العربي، أثبتت أن ليس من حق القراء وحدهم أن يعرفوا لماذا يقرءون الشعر، بل إن من حق الشاعر هو الآخر، أن يصوغ فكرتهم عن الغرض من قراءة الشعر، إذا كان صاحب رأي في الموضوع، ووجد من نفسه الجرأة على أن يدعو إلى رأيه صامدا متحملا كل أنواع التضحية، متسلحا بالثقافة الواسعة. وانطلاقا من تجربة العقاد أصبح للشعراء العرب المعاصرين رأي في قضايا الأدب والشعر، فصلاح عبد الصبور، ونازك الملائكة، وملك عبد العزيز، لهم عشرات الفصول، التي تتضمن آراء ونظريات حول الشعر، ويكفي أن نشير إلى كتاب «قضايا الشعر المعاصر» لنازك الملائكة، وإلى مقالات صلاح عبد الصبور وملك عبد العزيز، في مجلة «الآداب» وفي «المجلة» وهذا اتجاه جديد في تاريخ الشعر العربي، فلم نعهد من الشعراء العرب الأقدمين، أنهم كانوا أصحاب نظريات في الشعر، يبسطونها نثرا، ويدبجون الفصول للدفاع عنها، وحتى وإن وجدنا لبعضهم رأيا في هذا الصدد، فهو يبسط بلغة الشعر نفسها، على غرار ما فعل أبو نواس، في دعوته الفاشلة إلى تعويض المقدمة الغزلية، بمقدمة في وصف الخمر، ونستثني من هؤلاء المعري، الذي لا نعدم أن نجد له آراء في الشعر، منبثة في بعض كتبه النثرية، كرسالة الغفران، وكذا ابن المعتز في كتابة المشهور «البديع» على ألا نفهم من ذلك أن كلا من أبي العلاء وابن المعتز، كان له حول الشعر ما يسمى بـ «النظرية» فإنما هي خواطر وسوانح منتثرة يعوزها النظام والتقعيد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here