islamaumaroc

كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار

  محمد الفاسي

13 العدد


كنت نشرت في مجلة (الثقافة المغربية) بحثا عن كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار لمؤلف مجهول، ولم نكن نعرف من هذا الكتاب إلا نسخة مكتبة جامعة (فينة) عاصمة النمسا، حتى حصل صديقنا العلامة الكبير الأستاذ محمد المختار السوسي على نسخة كاملة، استفدنا منها فوائد جديدة عن المؤلف وعن حالة المغرب الأقصى أيام ازدهار الحضارة الموحدية، فكان لزاما علينا أن نضم هذه المعلومات الجديدة إلى ما كنا كتبناه من قبل، وعسى أن نوفق إلى العثور على ما يزيح الستار عن هذا الذي يظهر أنه كان له مقام في البيئة العلمية.
وكتاب الاستبصار هذا من الآثار الأدبية العلمية التي ظهرت في العصر الموحدي الثاني، وهو مؤلف جغرافي أدبي، جمع بين نوعي كتب المسالك والممالك وكتب الرحلات، لأن ترتيبه وكيفية عرضه لمسائله يشبهان كتب الجغرافية، ثم إن مؤلفه زار جل البقاع التي يتحدث عنها، فيصفها غالبا عن مشاهدة كأصحاب الرحلات، فنراه يقول مثلا بعد أن ذكر الطريق بين (توزر) و (نفزاوة)(1): (وإذا دخل المسافرون هذا الطريق في أيام الصيف يكادون يهلكون من حرارة الملح، ويرجع ماؤها وهو في الزقاق ملحا لا يقدر على شربه، إلا أن تمزج بالسكر أو العسل، رأيت ذلك وشاهدته).
ويقول عند كلامه على مغارات في مرسي تونس (2)(والناس يتنافسون في الدخول فيها، فمن جسر على الدخول فيها بالليل علم أنه جرئ قوي القلب، وقد دخلتها بالنهار مع أصحاب لي فرأيت منظرا هائلا) وقال عن (قسنطينة)(3): (وهذه المدينة من إحدى أعاجيب العالم، قد دخلتها مرارا وتأملت آثارها ودخلت مواضع كثيرة فيها آثار للأول فتأملتها)، ثم إنه يعبر عن نفسه بلفظة (الناظر) عوضا عن (المؤلف) إفهاما منه أنه شاهد ما يصف ونظره بعينه.
ولكنه من جهة أخرى لا يتبع طريقة أصحاب الرحلات في التحدث عن حوادثهم الخاصة، فإنه لا يذكر تاريخ دخوله المدن التي يزورها، ولا تاريخ خروجه منها، ولا يذكر من تعرف بهم مدة سياحته، إلى نحو هذا مما تشتمل عليه الرحلات.
وأما أسلوبه فهو أسلوب أديب، مما يجعله أقرب إلى مؤلفي الرحلات منه إلى الجغرافيين كالإدريسي وغيره.
وإننا لا نعرف مؤلف كتاب الاستبصار، إلا أننا نرجح أنه كان مغربيا، وذلك لأسباب منها أنه يعتني بكيفية خاصة ببلاد المغرب الأقصى، ويتوسع في وصفها وإيراد أخبارها، منها أنه كان لا شك يقيم بفاس لما جمع كتابه هذا سنة سبع وثمانين وخمسمائة، لأنه كثيرا ما يذكر هذا التاريخ عند ما يقول عن شيء إنه الآن على الحالة الفلانية، ويشرح ذلك بقوله: (ونحن سنة سبع وثمانين) وفي كلامه على فاس ورد هذا التاريخ مع ما يشعر بمقامه إذ ذاك بفاس، وقد أتى عن هذه المدينة بتفاصيل كثيرة بالنسبة لعادته في الاختصار وأطنب في مدحها وفي الرد على ما ينقص من أهلها.
وهذا ما كنا نعرفه عن مؤلف الاستبصار قبل اكتشاف النسخة الكاملة التي أشرنا إليها آنفا، فقد ورد فيها عند كلامه على مراكش قوله: (4)(وجلب الخليفة الإمام (عبد المومن) المياه من أودية (درن) وغرس بحيرة عظيمة بقربي المدينة مثل نفيس، دورها ستة أميال، و بنى فيها وبخارجها صهريجين عظيمين، كنا في تلك المدة نعوم فيهما، فلا يكاد القوم منا يقطع الصهريج إلا عن مشقة، وكنا نتفاخر بذلك).
وهذا يدلنا على أن مؤلف الاستبصار نشأ بمراكش وقضى طفولته وشبابه بها، مما لا يترك  لنا شكا في مغربيته، وربما استطعنا أن نستنتج من هذا النص، أنه كان من أهل مراكش من بيت يمت إلى الدولة الموحدية بسبب، إذ يظهر لي من خلال كتابه أنه كان من جملة ركاب الخلفاء الموحدين، لا ندري بأية صفة، ولكنا كثيرا ما نراه يصف معسكراتهم وتنقلاتهم وصف مشاهد، وهو لا يفتر عن مدحهم والثناء على مآثرهم، وعلى كل حال فكيف ما كان الأمر، فإن كتابه يعطينا أكمل صورة عن حالة الأقطار التابعة للدولة الموحدية أيام بلوغها ذروة المجد والعظمة.
(وكلمة التوحيد والهداية ـ كما يقول صاحب الاستبصار (5) متصلة من ((طرابلس)) إلى مدينة ((غانة)) و((كوكو)) من بلاد الصحراء)، فهو لا يستغني عنه لدراسة هذا العصر.
ومما ورد فيه عن مدينة فاس مما يؤيد أيضا أنها كانت العاصمة الكبرى إذ ذاك للبلاد المغربية قوله عنها بعد أن عنون الفصل بقوله: (قاعدة بلاد المغرب مدينة فاس كلأها الله أعظم مدينة من مصر إلى آخر بلاد المغرب). ثم يقول: (وهذه المدينة قصر بلاد المغرب، بل وبلاد المشرق والأندلس، لاسيما في هذا الأمر العزيز أيد الله دوامه) والأمر العزيز في اصطلاحهم إذ ذاك هو الخليفة الموحدي والخلافة الموحدية. وقال عند كلامه على مدينة ((سلا)): (وهذه المدينة قد شرفها هذا الأمر العزيز وكرمها مما أحدثه فيها من المباني الرفيعة والمنارة البديعة، وما هي وقت مرور المحلات عليها إلا من عجائب متنزهات الدنيا، لاسيما في الأعوام الخصبة والفصول المعتدلة، وناهيك في ساحل طوله نحو الميلين وعرضه نحو الميل، مملوء بالبشر والزوارق في الوادي بركابها، والمنارة المطلة، وعلقات الثمار، وقباب الجلوس للسادات أيدهم الله ظاهرة من المدينة، وما هي في أوقاتها إلا أحسن من ديار مصر، وما يحكى من دجلة والفرات، فإنا لله على الفناء والممات).
ومما يستفاد من هذا الكتاب زراعة قصب السكر بالمغرب أيام الموحدين، وصناعة السكر، حيث يقول عند كلامه على وادي (ماسة) بالسوس الأقصى(6): (وعليه القرى المتصلة والعمائر الكثيرة والبساتين والجنات بأنواع الفواكه والثمار والأعناب وقصب السكر.. وعلى هذا النهر قرية كبيرة تعرف بتارودانت وهي أكثر بلاد الدنيا قصب السكر، وفيها معاصر للسكر كثيرة، وهذه البلاد أخصب بلاد المغرب وأكثرها فواكه وخيرات، ومنها يجلب السكر إلى جميع بلاد المغرب والأندلس وإفريقية، وهو المشهور بالطبرزد المذكور في كتب الطب).
وقال كذلك عند كلامه على (إيكلي)(7): (قاعدة بلاد السوس إيكلي، وهي مدينة كبيرة.. وقصب السكر بها كثير، وأكثر شراب أهلها إنما هو ماء قصب السكر).
ومما يستفاد من مجموع الكتاب أن المؤلف كانت له علائق ودية مع أكابر علماء عصره وفلاسفته، فنراه يذكر أن الفيلسوف (ابن رشد) أخبره بمسألة فلكية سنة 584، وهو يتكلم في المسائل الفلكية تكلم عالم مختص له معرفة تامة بها، ونراه يتحدث بإعجاب كبير عن بني الملجوم من أهل فاس، ذلك البيت الشهير بالعلم والفضل أيام المرابطين والموحدين، ويذكر أخبارهم عن الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن القاضي أبي موسى ابن الملجوم، وتظهر في كتابته تلك النزعة الشيعية الخفية، أو بالأحرى ذلك العطف الكبير على آل البيت النبوي الذي لمسناه عند دراستنا لشاعر الدولة الموحدية أبي العباس الجراوي(8))، فإنه يقول بعد أن أورد قصيدة في مدح القاضي أبي موسى بن الملجوم (9)(قال الناظر: ولولا أن أخرج من قصد الوضع لأوردت من مفاخر هذا الفقيه القاضي رحمه الله، ومفاخر المعاصرين له، ما يربى على كل مفخر، سوى الاتصال بسلالة النبوة، وكيف وواضع هذه المدينة فاطمي النسب حسني المذهب، فكيف يعاب أهلها وأسلافهم أزكياء أتقياء علماء حلماء، وقال رسول الله ?: وكل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي).
أما فيما يرجع لتاريخ وضع هذا الكتاب فقد رأينا أنه يشير مرارا إلى سنة 587. لكن ورد تاريخان آخران بعد هذه السنة أحدهما ورد مرتين، أولاهما عندما تكلم على مدينتي (تنيس) و (ودمياط) بمصر حيث قال: (وسكن بجزيرة ((تنيس)) و((دمياط)) نصارى، هم الآن تحت الذمة بحمد الله تعالى، ونحن في سنة ثمان وثمانين).
 والثانية عند ما تكلم على سفارة عبد الرحمن بن محمد بن منقذ قال: (وقد بعث ((أي صلاح الدين)) إرساله بما وجد فيه ((أي في بيت المقدس بعد فتحه)) وفي تلك البلاد من الذخائر، وهم الآن في مدينة فاس حرسها الله، مستمعين للأوامر المطاعة، ونحن الآن في رجب الفرد لسنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكان اجتماع هذا الرجل وهو عبد الرحمن بن محمد بن منقذ الأزرق، سادس محرم سنة ثمان وثمانين بالخليفة الإمام أبي يوسف رضي الله عنه).
فيدلنا هذا النص على أنه عند ما كان يحرر كتابه ويخرجه من مبيضته ومن تقاييده وهو بفاس على ما يظهر سنة 587 وصلت السفارة الأيوبية إليها، ثم لم يتسن لها ملاقاة الخليفة إلا بعد شهور، وكان المؤلف لم ينته من تخريج كتابه، ولا شك أنه علم منها كذلك خبر نصارى (تنيس) و(دمياط)
أما التاريخ الثاني فقد ورد في كلامه على يهود سجلماسة حيث قال: (كان هذا في الزمان المتقدم، وأما الآن فهم تجار هذه البلاد كلها وأغنياؤها، وخاصة بمدينة فاس، فإني عاينت منهم ممن يقال إن عنده المال الممدود، رجالا كثيرين، وقد كان تنبه لهم الأمر العالي أيده الله سنة اثنتين وثمانين، فلبس الدنانير وشوش المشوشين وخوف المفتشين، فأرجأ القدر السابق هذا إلى نهاية أمرهم وعزهم وابتداء نكسهم أن شاء الله وزرهم، وهي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة.
هذا آخر تاريخ ورد في هذا الكتاب مما يشعر بأن المؤلف وإن كان يشتغل في تخريجه سنة 87 فإنه لم يتمه إلا بعد سنة 591.
وهذا الكتاب لا يزال مخطوطا، وإنا عندما نظفر بأثر من آثار عصورنا الماضية لا نتأسف على عدم وجوده مطبوعا، وإنما نحمد الله على أن أفلت من الضياع، وكابر الحدثان، وبقي كآية ناطقة على ما  كان لسلف هذه الأمة من الفضل في ميادين العلم والثقافة العامة، وقد طبع منه طرف يسير منذ أكثر من مائة سنة بـ ( فينة) عاصمة النمسا، وقد كان أول كتاب عربي طبع إذ ذاك بمطبعة الدولة النمساوية.                                                      
(
1)  ورقة 102 أولى، من نسخة السيد المختار السوسي.
(2)  ورقة 77 أولى ـ 77 ثانية من نسخة السيد المختار السوسي .
(3)  نسخة الخرانة الأولى ورقة 84 أولى.
(4) نسخة السيد المختار، ورقة 144 أولى.
(5) ورقة 69 ثانية من نسخة السيد المختار.
(6) ورقة 145 ثانية نسخة السيد المختار.
(7) ورقة 146 أولى نسخة السيد المختار
(8) شاعر الخلافة الموحدية أبو العباس الجراوي، لمحمد الفاسي ص 35 ـ 37.
(9) نسخة السيد المختار ورقة 120 أولى.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here