islamaumaroc

القضاء عند العرب

  دعوة الحق

العددان 88 و89

عرف العرب القضاء احد مقومات دولتهم الكبيرة، مؤسسة تطورت وازدهرت ولم تلبث بعامل التفاعل الحضاري و النمو الذاتي ان اصبحت في اواسط العصر العباسي على شان عظيم من الرقي تنظيما و شمولا.
و لا بد للباحث في تاريخ القضاء عند العرب من ان يرجع قليلا الى ما قبل الاسلام حيث لم يكن للقضاء شخصية مميزة، وحيث كان نظام التحكيم السائد انذاك، هو كل شيء.
و الواقع ان التحكيم على ما عرفته الجاهلية لا يعد قضاء بالمعنى الموضوعي و الاصطلاحي و انما يصح اعتباره مخرجا يلجا اليه المتخاصمون لحل قضاياهم، يرتكز عنصر «الالزام» فيه على رضى الطرفين و ليس على القوة التي يتمتع بها حكم القاضي اذ ينفذ بالاكراه عند التمنع
ولمعرفة ميزات كل من القضاء والتحكيم على وجه دقيق نذكر الفوارق التالية:
اولا - القضاء منصب رسمي ومظهر من مظاهر الدولة وتنظيماتها، اما نظام التحكيم فعماده افراد مختارون من قبل الناس لفض النزاعات التي يعرضها ذوو العلاقة. بمعنى ان القاضي يضع يديه على الخلاف تلقائيا وباسم الدولة، بينما يظل المحكم بعيدا عن المشكلة حتى تعرض عليه ويقبل بها.
ثانيا- لا اثر للالزام في التحكيم اذ باستطاعة احد الطرفين ان لا يحضر مجلس الحكم، اما في القضاء فان للقاضي سلطان السير في المحاكمة بغياب المدعى عليه.
ثالثا- في حال صدور قرارمن قبل المحكم يبقى الخيار للطرفين المتخاصمين في تنفيذ القرار او اهماله او الانتقال الى محكم ثان، فثالث فالولاية هنا مرهوتة برضى المتخاصمين، اما قرار القاضي فله حرمته و قوته الملزمة المؤيدة بسلطة الدولة
يتيبن مما تقدم ان التحكيم يستمد مقوماته من تراضي المتخاصمين، بينما يرتكز القضاء على عنصرالالزام في المحاكمة و التنفيذ كما اسلفنا...
و لانكران في انه كانت عند العرب طائفة من المحكمين اشتهرت بسعة الاطلاع و نفوذ الفكر و قرة الاستنتاج والتجرد والنزاهة عرف منهم بنوسهم في مكة و الاقرع بن جابس و اكتم بن صيفي و عبد المطلب بن هاشم جد النبي وهند الايادية و حذام بنت الريان التي قيل عنها:
اذا قالت حذام فصدقوها   
              فان القول ما قالت حذام
على انه في سياق الكلام على التحكيم و المحكمين في العصر الجاهلي لا محيد عن ذكر رئيس العشيرة الذي كان يفصل بحكم منصبه بين الافراد التابعين له خشية اضطراب حبل الامن داخل العشيرة و كذلك فان الكهان و العرافين كانوا مفزع كثير من المتخاصمين كل هذا اذا لم يتعد الخلاف افراد القبيلة او العشيرة الواحدة، اما اذا كان مدار الخلاف افرادا من عدة قبائل فالحكم هو السيف و ما يستتبعه من حرب و افناء و دمار، و ليست عادة الثأر و التربص للقاتل  او لاحد افراد عشيرته بغية اراقة دمه الا شاهدا على صورة قائمة من صور الحياة الاجتماعية في عصر الجاهلية…

النبي والقضاء:
في مطلع العهد الاسلامي كانت لا تزال تهيمن على الناس عادات الجاهلية فهناك التحكيم و هناك الاقتصاص بالذات، و هناك اللجوء الى الكهان، وكانوا يحتكمون الى الرسول (ص) دون ان يكونوا ملزمين بما حكم به، و استمرت الحال على هذا المنوال حتى نزلت الاية الكريمة: «فلا وربك  لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» و قيل ان سبب نزول هذه الاية الحادثة التالية:
اختصم رجلان الى رسول الله (ص) فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه:
ردنا على عمر بن الخطاب
فقال عمر: اكذاك؟؟
قال: نعم
قال عمر: مكانكما حتى اخرج اليكما فاقضي بينكما
فخرج اليهما مستملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا الى عمر فقتله و على هذا اصبح لحكم الرسول قوة ملزمة بمقتضى الاية المشار اليه، "وسلمو تسليما" و بذلك  تكون صفة جوهرية من صفات القضاء قد تحققت
و اذا كان المحكم من قبل غير قادر على اجبار أي من الطرفين بالحضور لديه الا اذا رضي الطرف الاخر، فقد اصبح الرسول يجبر محكميه على ان يحضروا، بعد نزول الاية:
«واذا دعوا الله و الرسول ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون، و ان يكن لهم الحق ياتوا اليه مذعنين افي قلوبهم مرض ام ارتابوا ام يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله. بل اولئك هم الظالمون انما كان قول المومنين اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا: سمعنا و اطعنا واولئك هم المفلحون»
و هذه هي الخطوة الثانية نحو القضاء
 -الاولى هي ان حكم الرسول اصبح ملزما
-الثانية ان واحدا من الخصمين اذا دعا الى الرسول وجب على خصمه ان يلبي دعوته ولا ضرورة الى وقوع التراضي بينهما على ذلك من قبل
«خطوتان لم يكن الناس في زمن النبي يحتاجون الى اكثر منها وبهما تمت صفتا القضاء الجوهريتان فالخصم يلزمه خصمه بالمسير الى النبي والنبي يلزم الخصمين معا بحكمه» وبذلك تسقط حجة الذين زعموا ان العرب لم يعرفوا القضاء بل انهم اقتبسوه عن الامم التي تغلبوا عليها كالفرس والرمان

التنظيم القضائي:
ليس في المصادراية اشارة جازمة الى اول من تولى منصب «قاض» اذ ان النبي حين كان يقضي بين الناس فانما كان يعمد الى ذلك بحكم ما تنطوي عليه شخصيته من سلطة زمنية وروحية، واذا كان بعض المؤرخين قد ذهبوا الى القول بان علي بن ابي طالب و معاذ بن جبل اللذين و لاهما الرسول على اليمن، هما اول قاضيين في الاسلام، فلانهم كانوا يرون ان القضاء بين الناس هو من اكبر مهمات الوالي في الولاية التي يدير شؤونها.
على ان الامر يختلف في عهد الخلفاء الراشدين حيث يجمع المؤلفون على ان عمر بن الخطاب هو اول من عين قاضيا، و من هذا القبيلنقرأ  في مؤلف الكتاني، ما اتخذ رسول الله قاضيا ولا ابو بكر ولا عمر حتى كان في وسط خلافة عمر اذ قال لعلي: اكفني بعض الامور، لان عليا كان اقضى الصحابة واعلمهم ودفع اليه امر القضاء في بعض الامور».
و قد سار معاوية على هذا النهج فتخلى عن القضاء و ترك امره الى بعض الرجال الذين كانوا على مقدرة في الفقه وامور الدين، و تمشى سائر الخلفاءالامويين  على هذا النمط  فولوا القضاة على الامصار
و اختلف الامر في العصر العباسي حيث استحدث الخلفاء منصب «قاضي القضاة» الذي تولاه «ابو يوسف» واوكلوا اليه امر انتقاء القضاة و تعيينهم وبذلك اصبح للقضاء استقلاله و مؤسسته الخاصة به

صلاحية القضاة
كانت صلاحية القاضي باديء الامر مقتصرة على القضايا المدنية والشرعية ثم اخذت تزداد سعة وشمولا حتى اصبحت تتناول كافة الامور المعروفة في عصرنا و حصرها بعضهم بالمسائل التالية:
1- النظر في الخلافات الحقوقية بين المتخاصمين
2- النظر في الدعاوي الجزائية وهي التي يرفعها المتضررون او المتعلقة بالحق العام
3- النظر في تنفيذ االحكام المقضى بها
4- النظر في الحجر على السفهاء و المبذرين والولاية على القاصرين
5- النظر في تزويج الايامى اذا امسك اولياؤهن عن تزويجهن
6- تصفح احوال الشهود و تزكيتهم
7- النظر في امور الاوقاف و تولية المتولين عليها
و فيما يخص الصلاحية المكانية فقد كان القاضي يولى على مدينة بكاملها، بكامل او ببعض الامور المحكى عنها انفا أو يعهد اليه بالقضاء في جزء من المدينة، لمدة معينة
و كان اسلوب، القاضي الفرد هو المعول عليه و لم تشر امهات الكتب الى نظام محاكم الجماعة، الا ان بعض المؤرخين يذكرون انه اذا  اشكل أمر هام، فان عددا من كبار القضاة كان يجتمع لدرسه و اعطاء الحل الملائم على غرار ما نعرفه في عصرنا الحاضر حين تجتمع غرف محكمة التمييز «النقض والابرام» بكاملها للنظر في توحيد الراي.

مظاهر القضاء:
كان القاضي يجلس للفصل بين الناس اما في المسجد او في منزله او في مكان يعرف بدار القضاء.
 وكان القضاة يعنون بمظهرهم و يديرون مجلس الحكم بوقارو هيبة و يتخذون كتابا لتسجيل الوقائع و ضبط الافادات، وحجاجا لتبليغ اصحاب الدعاوي، كما كانوا يساوون في مجلسهم بين المتخاصمين و ينظرون في الخصومات بترتيب ودون محاباة..
 وكانوا يتمتعون بحصانة ضد النقل و العزل الا في الحالات النادرة، ويروى في هذا الصدد ان الخليفة اذ ولى وزيرا وقاضيا ثم مات ينعزل الوزير بموته ولا ينعزل القاضي باعتبار ان الوزير مرتبط بالخليفة فيذهب بذهابه، اما القاضي فمرتبط بالامة فلذا يستمر في منصبه…

طلب القضاء:
طالب الولاية لا يولى: تلك هي القاعدة التي كانت متبعة في تعيين القضاة و لذا كان على الخليفة او وكيله او قاضي القضاة ان يولي الكفء الصالح، و كان العلماء يتورعون عن طلب القضاء نظرا لخطورة المنصب و عظيم المسؤولية، ومن القصص الرائعة في هذا المجال ما حدث للامام الاعظم ابي حنيفة حين طلب اليه ان يقبل منصب قاضي فرفض قائلا للخليفة المنصور:
اتق الله و لا ترع في امانتك الا من يخاف الله، والله ما انا بمامون الرضى فكيف اكون مامون الغضب و لو اتجه الحكم عليك ثم تهددني ان تغرقني قي الفرات او  تلي الحكم لاخترت ان اغرق
ولك حاشية يحتاجون الى من يكرمهم لك و لا اصلح ذلك.. فقال المنصور: كذبت انت تصلح..
فقال:  حكمت قد  لي على نفسك كيف يحل لك ان تولي قاضيا على امانتك و هو كذاب
ويقال ان المنصور حبسه ثم عاد فدعاه الى القضاء و هدده بالضرب فقبل.

اسباب الحكم واصوله:
لا نرى في ختام هذا البحث افضل من تثبيت رسالة عمر  بن الخطاب الى ابي موسى الاشعري عامله على الكوفة التي تعد بحق دستورا للقضاء و نبراسا للقضاة يسيرون على ضوئه في مجلس الحكم و حين تدقيق اضبارة الدعوى «من عمر بن الخطاب الى ابي موسى الاشعري عامله على الكوفة . اما بعد، فان القضاء فريضة محكمة و سنة متبعة، فافهم اذا ادلي اليك، و انفذ اذا تبين لك فانه لا ينفع تكلم بحق لا ينفذ، وءاس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يياس ضعيف من عدلك البينة على المدعي، و اليمين على من انكر والصلح جائز بين المسلمين، الا صلحا احل حراما او حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته بالامس ثم راجعت فيه نفسك و هديت فيه لرشدك ان ترجع الى الحق فان الحق قديم و الرجوع الى الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب و لا سنة ثم اعرف الامثال والاشباه و قس الامور بنظائرها و اعمد الى احب الامور الى الله تعالى و اشبهها بالحق فيما ترى و اجعل لمن يدعي حقا غائبا او بينة اجلا ينتهي اليه فان احضر بينة اخذ بحقه والا وجهت عليه القضاء، فان ذلك اجلى للعمى وابلغ للعذر والمسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد او مجربا عليه شهادة زور او ظنينا في ولاء او نسب فان الله تعالى تولى منكم السرائر ودرا عنكم بالبينات و الايمان و اياك والقلق والضجر والتاذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الاجر و يحسن الذخر فانه من يصلح بينه و بين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه و بين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله منه شانه الله فما ظنك بثواب الله تعالى في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام».

مصادر البحث:
تاريخ بغداد لابن الخطيب
كتاب القضاة للكندي
عبقرية الاسلام للعجلاني
تاريخ الامم و الملوك للطبري

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here