islamaumaroc

إفريقيا في مفترق الطرق -2-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

يجب علينا نحن الافارقة ان نضع مشكل القارة الافريقية فردى وجماعات جكومات وشعوبا هيئات ومنظمات، يجب علينا ان نضع هذا المشكل في وضعه الحقيقي، لانه مشكل واحد بالنسبة الينا مهما تباين في شكلياته بالنسبة لغرب و شرق لفريقيا و شمالها و جنوبها.
و علينا الى جانب ذلك وبالاضافة الى ذلك ان نضعه بجميع عيوبه ما ظهر منها و ما بطن و ان نحيط دراسته بمبادىء قويمة من النقد الذاتي العميق الذي لا يرحم و لايداهن و لا يتستر متجردين عن كل عاطفة قد يمليها مركب نقص تدفع اليه الانانية دفعا، و تحملنا على ان نتظاهر بعظمة القط الذي يحكي انتفاخا صولة الاسد.
ان هنالك افريقيا كما ارادتها الطبيعة و خلقتها بادغالها وبحيراتها و تماسيحها وذباب "تسي تسي" الذي يعشعش في بعض اجزائها، و مرض النوم الذي يتفشى في بعض جهاتها و قبائلها المتباعدة في الامزجة و الاعراف و الديانات والامية المتفشية بين ربوعها و دخلها الوقمي الهزيل.
كما ان هناك افريقيا التي تختزن الكنوز من مواد اولية التهمتها وتلتهمها الات التصنيع في الدول المصنعة.
و هناك افريقيا كما اراده الاستعمار الذي توافد مغامروه عليها باحثين، مستكشفين حتى اذا وقعèت ابصارهم على ثرواتها، تحركت شهياتهم، و لا نقول سال لعابهم، ثم سرعان ما تحولت مغامرات المغامرين، و مساعي التجار المقامرين الى غزو عززته الاساطيل والجنود.
ثم وقع تقسيم افريقية كما اراده الاستعمار فكانت منها الامبراطورية التي لا تغرب الشمس عن اطرافها، و كانت منها المواد الخام التي لا ينضب معينها، ووضعت الاسنرانيجية العسكرية في ترتيب مواقعها و سادها حكم مباشر متفاوت الدرجات تعددت وسائله و توحدت اهدافه.
اما الوسائل فقد تجلت فيما ركن اليه الاستعمار وداب عليه من تنظيم القبلية و تقنينها و العمل على تشعب مشاكلها وتعقيدها، فاصبحت تلك المشاكل و هي تصطبغى بصبغتين اثنتين صبغة الطبع و صبغة التطبع.
و اما الاهداف فهي ترمي الى استنزاف ما تختزنه الارض من مواد اولية تحول الى المصانع التي تحولها  بدورها الى انتاج استهلاكي تعاد الى افريقيا فواضله و بواقيه لتشتري على انها مواد للاستهلاك.
ولسوء حظ افريقيا فان عملية اللتنسيق و التلقيح طالت مدتها هذه طالت مدتها،  تنوع مددها و كان الشعار الدائم لتلك الوسائل والاهداف هو: الغنم للمستعمرين و الغرم على المستعمرين. ثم ان الاستعمار قد استطاع ان يشغل بوسيلة من وسائله الشعوب الافريقية ليحقق اهدافه، فمن تشجيع للقبيلة الى الاستعانة بالمبشرين، و من رشوة رؤساء القبائل الى تسبيط البعض منهم على البعض الاخر الامر الذي كان من نتائجه الحتمية تعميق الاساليب البدائية و سد كل نافذة يمكن ان تطل منها افريقيا على ما كان يتعرض اليه العالم من تحول و تطور. و لئن تباينت خطط الاستعمار بالنسبة لغرب افريقيا وشرقها وجنوبها فام مبدا ضرب الحصار عليها وعزلها وتركها عرضة للتفقير و التجهيل والاستغلال كان هو المبدا الذي ارتكزت عليه خطط الاستعمار على اختلاف اجناسه واشكاله.
و الواقع ان سرد تاريخ افريقيا اما جملة و اما تفصيلا تحت مختلف الانظمة الاستعمارية لم يعد في خد ذاته امرا ذي بال.
و بالرغم من دسائس  الاستعمار و اساليبه و خططه و حصاره المنيع فان شعوب افريقيا استطاعت ان تفتح لتفسها نوافذ على العالم، واستطاعت شعوبها ان تتعرض للهواء الطلق و ان تمتد ابصار سكانها من وراء الحصون الاستعمارية و من وراء الادغال الطبيعية لترى مشاهد من عالم اليوم، و لترى ايضا البون لاشاسع الذي يفصل فيما بين حياتها و حياة ذلك العالم الذي لاحظت فيه انه مليىء بالاعاجيب.
و لم يكن لها بد بعد ذلك من ان تجهز على الاغلال التي قد تقيدها و تعمل على تكسيرها وتحطيمها لتنساب زاحفة و لتقيم في ساحاتها تماثيل الحرية و لتحلها محل تماثيل الاستعمار وكذلك كان.
ان افريقيا قد اكتسبت الدول الاستعمارية "قوة متعددة الاطراف"، قوة اقتصادية وسياسية كانت هي العملة الجاري بها في ميدان التنافس و التطاحن فيما بين تلك الدول، و كان الجانب السياسي في هذه القوة يست  سلطته على الدوام من الجانب الاقتصادي الذي تكمن عناصره فيما تختزنه الارض الافريقية من مواد اولية و مختلفة الاشكال والاحجام.
و منذ احرزت الاقطار الافريقية على استقلالها اصبحت مقاليد هذه القوة خاضعة لسلطة وطنية يمكنها ان تكون مطلقة التصرف في استغلال مواردها استغلالا وطنيا يستوحي توجيهاته من عبر الماضي و محنه و ماسيه.
لقد اثرت ان اضرب صفحا على استعراض المراحل التي توالت على افريقيا قبل الاستعمار، لان مثل هذا الاستعراض لا يفيد كثيرا في فتح عيوننا عن بعض الحقائق التي نتوخاها، و احسن من ذلك هو ان نجمل كلما امكن الاجمال في التحدث عن الماضي، لانه ولى بجميع ظروفه وشروره واحسن من ذلك ايضا هو ان نشير ولو اشارة عابرة الى بعض عناصر تلك القوة التي طالما تطاول بها الاستعمار وصال و جال واكتسى بها و لو ان "المكتسي بثياب الاخرين انما هو في الواقع عريان"
ان الاحصائيات الحديثة و التي تتضمنها وثائق الامم المتحدة لتسلط الاضواء والانوار على مكنون الارض الافريقية، فلنستشر بعض تلك الوثائق لتشير علينا بما يمكن ان يكون لنا نبراسا في هذه الدراسة.
ان افريقيا تنتج حوالي 3.3 من انتاج العالم في الكاكاو، كما ان افريقيا تحتل مرتبة مرموقة فيما يخص انتاج المطاط في حين ان مساحات الاراضي تعمها الغابات في افريقيا تصل الى حوالي نحو 800 مليون هكتارا، و هي تنافس في هذا المضمار الدول السكندنافية وكناد و حتى الولايات المتحدة، بينما الثروة المعدنية  تضرب رقما كبيرا في اقتضاديات افريقيا بالنسبة لمختلف دول العالم، فهي تنتج 2.1 من ذهب العالم و 98 في المائة من الماس و 4.5 من الكوبالط،، و يعد الذهب من انفس المعادن التي تنتجها افريقيا، و لهذا فانه لعب دورا خطيرا في دخول الاستعمار الاوروبي الى القارة الافريقية و خصوصا بجنوبها، و تنتج افريقيا ما يوازي تسعين في المائة من انتاج العالم من  الكوبالط، و توجد بافريقيا مناجم للحديد و المنغنيز يرتفع انتاجها سنة بعد اخرى، كما ان افريقيا تتوفر على ثروة كبيرة من مادة الفوسفاط الذي يعتبر المغرب من اهم منتجيه، و لا يفوتنا ان نشير الى ثروة البترول و التي يتوالى ارتفاع المكتشف منها وخصوصا بالجزائر.
تلك عينات من ثروات افريقيا، و هي عينات تدعو الى كثير من اللدهشة والاستغراب حينما نستعرض حالة التغذية في الاقطار الافريقية و مستوى الدخل القومي والصور التي تظهر من خلالها بعض انحاء افريقيا و هي على حالة من البدائية التي ما تزال شاشات السينما تعرضها حينا بعد حين.
فاذاكان مثلا انتاج الماشية في افيريقيا يعلو و ينخفض فان هذا الانخفاض لا يكون و لن يكون مبرر للقدر المزري الذي يستهلمه المواطن الافريقي في بعض الاقطار الافريقية من اللحوم و الذي يتراوح فيما بين كيلوغرام وثلاثة في السنة كلها.
واذا كان الاستعمار يعد مبررا فيما قبل لكل البلايا التي صبت على الاقطار الافريقية فان عهد الاستقلال و المسؤواية الوطنية قد انعدم معه هذا المبرر، و المفروض فيه ان ينعدم معه.
هنالك صعوبات اخرى تعرض حركة النمو ما في دلك من شك، بيد ان هذه الصعوبات ما كانت لتمنع من الوصول الى المستوى النسبي، و لئن كان لهذه الصعوبات تاثيرها فان انعدام المناهج الصالحة و الجدية تاثيرها كذلك، و يجب على النص هنا ان على ان مناهج بناء الاستقلال تختلف كثيرا عن مناهج تحقيق الاستقلال تختلف كثيرا عن مناهج تحقيق الاستقلال كما ان الوسائل تتباين هي ايضا كذلك.
وبمعنى اوضح فان وسائل تحقيق الاستقلال كانت مجرد ثورات عاطفية دفعت في الكثير من الاحيان الى بذل تضحيات جسيمة، بيد ان هذه التضحيات لم يكن لها و بطبيعتها  ان تتعدى الحيز المثالي في كيفها وكمها، اما وسائل بناء الاستقلال فهي مثالية من حيث المقصد، غير انها تصطبغ بالتقنية من حيث التطبيق و التدقيق في التطبيق.
و يفضي بنا هذا التعليل الوجيز الى ان نضع الاسئلة التالية:
هل شرعت الاقطار الافريقية في استغلال ثرواتها استغلالا مرضيا لبناء الاستقلال؟ و هل الاقطار الافريقية سائرة في اكتساب القوة التي استطاع الاستعمار ان يجعل من لاثروات عناصر لقوته، واذا وقع بالفعل استغلالها فهل وقع الاختيار على احسن الاساليب وانسبها واقربها لللواقع الافريقي؟
ان الجواب على هذه الاسئلة يقتضي منا الاشارة مرة اخرى الى نوعية الوسائل التي حققت بها الاقطار الافريقية استقلالها، و هي وسائل يختلف البعض منها على لابعض الاخر من حيث الميف فهناكل اقطار افريقية لم تحرز على استقلالها الا بعد جهد جهيد وتضحيات جسيمة و مريرة في نفس الوقت، فكان من الطبيعي ان يستمر المد الثوري لاساليب خططها في بناء الاستقلال، في حين ان اقطارا افريقية اخرى ساعدتها ظروف نشات عن تطور المفاهيم التي استطاعت الحركات التحريرية ذات الطابع الثوري ان تغيرها، فوقع التسليم بحقها في الحجرية والاستقلال بصورة عفوية، و كان استقلالها تبعا لذلك عبارة عن نتيجة لمقدمة منطقية شكلتها الحركات التحررية ذات الطابع الثوري.
و هذا لاقسم الثاني من الدول الافريقية كان ولا بد من ان تتتكيف اساليبه في بناء الاستقلال بكيفية مغايرة لاساليب القسم الاول حيث اثر قادة هذا القسم مبدا الاعتدال الذي يشتط احيانا فيتحول الى حالات صريحية من التبعية و السياسة و الاقتصادية، في حين ان القسم الاول من الدول الافريقية لم بتاخر عن استخدام المد الثوري حتى في هذه المرحلة من بناء الاستقلال، و هو مد يشتط هو ايضا في كثير من الاحيان فيؤدي شططه الى ارتكاب الاخطاء الذي كان من نتائجها على الاقل ضياع الوقت.
و فيما بين الاعتدال الذي يشتط في اساليب القسم الثاني فينقلب هو ايضا الى مجرد محاكاة و تقليد، فيما بين هاتين الحالتين تكمن الازمة التي تعاني منها البلدان الافريقية فيما تعانيه.
وهنا يدعونا هذا العرض الى الحديث عن الواردات العقائدية التي تضاربت الاراء حولها و ما تزال فيما يخص دورها في القارة الافريقية.
فاذا كانقسم في دول افريقيا اثر التبعية و التحالف التقليديين فان قسما اخر اخذ اتجاها مغايرا و لنسم هذا الاتجاه باالتجاه الاشتراكي.
لقد كان و لا بد للتجربة الاشتراكية من ان تجري اولا و بالذات على استغلال الثروات الوطنية بمفهومها العام، و تطبعها بطالع العدالة في التوزيع و تزيل عنها الصبغة الاحتكارية الي داب الاستعمار عليها حين من الدهر.
نعد لقد وقعت التجربة الاشتراكية في افريقيا بيد ان بعض خططها منيت بالفشل و لماذا؟ لانها لم تكن اشتراكية تقنية، ثم وطنية بعد ذلك انها لم تكن تقنية لان التقنية تقضي الاناة التي تلتزم المبدا الثوري في مراحل تكوين المجتمعات من ظروف التخلف و لكنها لا تغفل في نفس الوقت مناهج العلم الحديث التي تسلتزم مفاهيم القرن لاعشرين التقيد بها و العمل على ان تكون الروح الثورية  عاملة بمقاييسها وذلك مجاراة للترابط الدولي الذي  لابد من مراعاته ووضع الحساب لمقتضيات نتائجه وعواقبه.
و لا بد هنا من ابراز حقيقة لا بد من ان نبرزها الا و هي ان الثورية لا تناقض في شىء المناهج العلمية و الاساتليب التقنية التي يجب ان يخضع لها كل تخطيط من مخططات النمو الاقتصادي فالثورية انطلاقة و لكنها انطلاقة يجب ان تستوحي ترتيب خطواتها من الوازع الوطني في حين ان المناهج العليمة والاساليب التقنية يجب ان تتحكم هي الاخرى في ارقام لاسرعة لكل انطلاقة في النمو الاقتصادي ثم انه  لا بد من تنحية مركب النقص الذي يوهم بان ضبط التوقيت في التخطيط الاشتراكي و مراعاة مختلف التيارات العالمية يعد خصوصا لايديولوجية رجعية هي ايضا قبل ذلك و بعد ذلك المحافظة على كل مكسب و طني و تدبيره يساعد على النمو و يجنب الزج بالوطن في مازق قد تكون عاقبته الافلاس.
اذا كان من الممكن غض الطرف عن اخطاء الاشتراكية في شكليات الحكم فانه يكون من المتعذر حقا غض الطرف عن اخطاء اشتراكية في التصاميم الاقتصادية التي يتصل امرها بين لاشعوب و تحويلها من مرحلة الاستعمار الى مرحلة عهود الاستقلال، مع ان العلم بان اشتراكية الحكم ترتبط باشتراكية النمو الاقتصادي و ان كانت عواقب الخطا تختلف عن بعضها في الحالتين و بحكم هذا الارتباط فان مشكلا اخر برز في الدول الافريقية و هو مشكل الملاءمة فيما بين الاشتراكية والديموقراطية سواء في شكليات الحكم او في برامج التخطيط التي تسهر تلك التشكيلات على تطبيقها، فهل امكن و هل يمكن الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية في الاقطار الافريقية؟ و هل يبقى للذيمقراطية مدلول في ظل جكم اشتركي و هل تصلح ديمقراطية الغرب لانظمة الحكم بافريقيا، انن اعطي الكلمة للجواب على ههذ الاسئلة الى خبير  افريقي هو السيد رني هاندن الذي يلخص هذه الاسئلة في سؤال ثم يجيب عليه بكل تفصيل، ولاسؤال الذي وضعه هذا الخبير هو "هل للديمقراطية مستقبل في افريقيا؟" ثم يجيب:
" ان جميع الامم الافريقية تقريبا تكرم فكرة الديمقراطية و مع ذلك يجابه معظمها اخطر المصاعب في تطبيقها، و في معظم هذه البلدان التي نالت استقلالها منذ سنوات قليلة قامت في البداية انظمة برلمانية من مجاس تشريعية منتخبة و قضاء مستقل، بل ونظام حزبي في بعضها الا انها – يقول السيد هاندن اخذت تواجه تفككا في مؤسسات ديمقراطية بدرجات متفاوتة حتى انه ليمكن القول ان النظام الديمقرايط لا يسير بصورة مرضية الا في دولتين من اصل مايزيد على اربع وعشرين دولة افريقيقة، و يكشف عن هذا التقكك عن نفسه في حاليتن من التطور يحصلان عادة بعيد الاستقلال، اولاهما انخفاض سلطة الهيئة التشريعية و نفوذها ان هنالك واقعا لا يمكن اخفاؤه او التستر عليه الا وهو ان اعضاء الهيئة التشريعية والمنتخبين في بلد متطور تنقصه الخبرة، قد يفتقرون الى التدريب الضروري لانجاز مهمتهم انجازا صحيحا و كاملا، غير انه في النادر ما تتوقر فيه المعارف الكافية لفحص التشريع ونقدع نقد خبير، وتلك هي المهمة الاولى و الاساسية في المشرع، ثم ان مجتمعات ما يزال يسودها البغض الشديد للقبيلة قد تجد صعوبات كثيرة في مجابهة الضغط الاقليمي
او القبلي  و في اعطاء الاولية لمصلحة الامة ككل، وحيث تكون الحاجة ماسة لبناء و تطوير الاقتصاد كما هو الشان في افريقيا فان الهيئة التنفيذية تشعر بانها في حالة اضطرار لان تكتسب المزيد من السلطات التي تمكنها من العمل بنشاط و قد يوجد هنالك ما يغريها لتجاوز الهيئة التشريعية التي ما تلبث ان تفقد ثقة الشعب.
هذه هي الحلة الاولى من الحاليتن المشار اليهما.
اما الحالة الثانية فتتلخص في انه خلال الصراع من اجل الاستقلال اتحدث جميع القوى في حركة  قوية واحدة و كثيرا ما كانت هذه الحركة موحدة تسير بقيادة زعيم واحد، فلما جاء الاستقلال اصبحت الحرك الناجحة هي الحزب الحاكم، و ربما احرز هذا الحزب جميع المقاعد في المجلس التشريعي المنتخب حتى اذا ما قامت احزاب المعارضة و استطاعت البقاء في مرحلة الانتقال الى الاستقلال لم تشتطع الدولة الجديدة ان تهصمها بسهولة، وهكذا فاما ان تلصق بزعمائها صبغة الخيانة لا لشىء الا انهم المحررون المنتصرون، و اما ان يقع الاصطدام فيوضع المعارضون السجون و يقصون الى المنافي و في النهاية قد يلتحق البعض منهم بحزب الحكومة، و هكذا اصبحت الاحزاب المعارضة بشكل عام تؤول الى الزوال، فليس من العجيب بالنظر لهذا الوضع ان اصبح العديد من الملاحظين السياسيين يتنباون للديمقراطية في افريقيا بمصير قاتم."
تلك هي ازمة الديمقراطية في شكليات الحكم التي تعاني منها افريقيا ما تعانيه.
بعد هذا تاتي اكثر المشكلات صعوبة و هي هل تتفق الديمقراطية في الامم الحديثة مع النمو الاقتصادي السريع؟ و هل يجب ان تكون هناك حكومات مركزية متوفة على سلطات ديكتاتورية لتخطيط الاقتصاد و توجيهه مهما تكن الاحوال؟
هذان السؤالان نجد الجواب عليهما عند خبيرين في الشؤون الافريقية هما ويتمان روستو استاذ اختصاصي في التيقنولوجية والاستاذ ارثر لويس الذي كان يعمل مستشار للدكتور نكرومة و قد وضع الاول في هذه المشكلة في نطاق ابعادها التاريخية، و تتلخص نظريته في انه يحدد خمس مراحل للنمو و هذه المراحل تجتازها البلدان المختلفة في اوقات مختلفة.
فهنالك المجتمع التقليدي المبني على العلم السابق لنيوتن، و المعني بالزراعة على العموم، و ههو مجتمع توجد فيه لاصناعة محدودة، لانعدام المعرفة العلمية ثم تاتي مرحلة التي يكتمل فيها شكل ما يسميه الاستاذ روستو "بالاوضاع المهيئة للانطلاق" حيث يستعد الاقتصاد الى لاقفزة العظيمة الى الامام،، ويتم الوصول الى هذه المرحلة نتيجة للتطبيقات الاولى للعلم الحديث و لتوسيع السوق العالمية او تدخل حضارات اكث تقدما، وهنا تبدا الصناعة الحديثة و يتم تطوير المصارف و التجارة و ينمو النقل و تنشا الدول المركزية و هذه المرحلة التي يمر فيها قسم كبير من افريقيا اليوم.
ثم تاتي المرحلة الثالثة، الخطيرة، و الحاسمة: و هي الانطلاق نفسه، و هناك محركان اساسيان للانطلاق،هما : التقدم التقنولوجي، وسيطرة قوى التقدم على المجتمع و التغلب على المقاومة المحافظة، و مما يميز هذه المرحلة بصورة خاصة هو ان توظيف المال و ادخاره يرتفعان من اقل من خمسة بالمائة من الدخل القومي  الى عشرة و اثنتي عشرة بالمائة بحيث ان التغييرات الثورية في بنيان الصناعة و حجم الانتاج تصبح ممكنة، و يعود الانطلاق في بريطانيا الى نهاية القرن الثامن عشر، و في فرنسا والولايات المتحدة الى منتصف القرن التاسع عشر، و في المانيا الى الربع الثالث من الفرن التاسع عشر:
اما في افريقيا فانه لم يات بعد.
و تعقب المرحلة هذه مرحلتان اخريتان: اولاهما "الاندفاع نحو النضج" عندما تنمي الاساليب الحديثة لتشمل الاقتصاد كله، و قدازداد توظيف المال الى 20 بالمئة من الدخل القومي؟، وتزداد سرعة الانتاج لتتعدى الزيادة في الكان، ويتم بلوغ النضج بعد حوالي سنتين من ابتداء الانطلاق، وياتي في النهاية عصر الاستهلاك العام الواسع، و ذلك عندما يتجاوز الاستهلاك الاحتياجات الاساسية و يقفز انتاج سلع الاستهلاك غير لاقابلة للعطب هذا عندما يطرا نمو سريع على نسبة السكان في المدن و تزداد نسبة عمال المكاتب و العمال المهرة زيادة على العمال اليدويين و غير الماهرين، و هنا لا يعود استمرار توسيع التقنولوجية هدفا ملحا من اهداف الامة، بل ينصب الاهتمام على رفاهية المجتمع و متطلبات اوقات الفراغ و ربما على العائلات الاكبر عددا و كانت الولايات المتحدة اول من بلغ مرحلة الاستهلاك العام على نطاق واسع، وذلك في العقد الثالث من القرن الحالي، و اندفع الاستهلاك العام الواسع النطاق الى نهايته المنطقية بعد الحرب العالمية الثانية، و في العقد لاسادس من القرن الحالي دخلت المرحلة عينها الى كل من اوربا الغربية واليابان، و تقف روسيا اليوم على العتبة.
اما الاستاذ ارثر لويس فيقول في الموضوع:
ان الحجة ضد التخطيط المركزي المفصل هي انه لا ديمقراطي، وانه بيروقراطي غير مرن و معرض لاخطاء و بلبلة عظيمة فضلا هن انه غير ضروري و هناك ما يدعونا الى تاييد فكرة التخطيط شيئا فشيئا، أي التركيز على بضع مسائل يراد التاثير فيها بصورة خاصة، مثل مستوى الصادرات او توين راس المال، او الانتاج الصناعي او انتاج الاغذية، وترك بقية الاقتصاد ليكيف نفسه حسب العرض و الطلب، وهناك ضرورة لبعض التخطيط، اذ ان نتائج العرض و الطلب غير مقبولة كلها اجتماعيا.
لكن يمكن حصر التخطيط في تلك المجالات التي يعتبر فيها ذا اهمية بالغة لتعديل النتائج التي يجب ان تعطيها قوى السوق العامة وحدها".
و في مكان اخر يكتب قائلا ان الحكومات قد تحد بالفعل من النمو الاقتصادي عن طريق الاكثار من التخطيط و التدخل و هي تفعل ذلك عن طريق منع الناس من ممارسة المبادرة و الاستجابة للحس السليم.
ان الاتحاد السوفياتي يرد نجاحه الاقتصادي الى التخطيط المركزي لكن ذلك يعد خطا فان نجاحه يعود الى مستوى عال من التكوين الراسمالي كالذي تم تحقيقه في اليابان ذون نوع التخطيط الروسي.. فلو سمح بمزيد من المبادرة في الاتحاد السوفياتي لكانت نوعية الخدمات التي تلقاها المستهلك افضل بكثير، ان المشكلات الحكومية في الحياة الاقتصادية هي اكتشاف الطريق الصحيح بين التخطيط الزائد و التخطيط الناقص، و بين التاميم الزائد و التاميم الناقص.
اذا كانت هذه هي الحقيقة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، فلماذا يطلب من الناس التضحية بحرياتهم من اجل انظمة قاسية لا ترحم؟ لماذا نسمع باستمرار الاسطورة القائلة ان النمو الاقتصادي يعتمد على التخطيط التوليتاري؟ قد تدعو الحاجة الى وجود حكومة مركزية قوية، ولكن ليس في شروط النمو الاقتصادي ما يتطلب التخلي عن حكم القانون و خنق الحريات المدنية الاساسية، ان عدم فهم هذه الحقيقة الجوهرية قد اسبق ان ادى الى الام عظيمة على نطاق واسع في البلدان الشيوعية في اوربا واسيا، و هي قد تؤدي الى النتائج المفجعة عينها في افريقيا، فما ان تسلم الحرية الى حكم مستبد حتى لا تعود هناك اية ضمانة لاستردادها.
و هكذا فان استنتاجات ثلاثة تبرز من خلالها هذين الرايين:
اولا، يجب عدم الخلط بين الديمقراطية في قيمها المبنية على احترام الشخصية الانسانية اما المؤسسات التي تصون هذه القيم فهي قابلة للتنوع والمرونة، ولكل بلد ان يختار الاشكال التي تناسبه، و الحد الادنى للمؤسسات الديمقراطية الذي لا يمكن بدونه لاي نظام على الاطلاق ان يسمى ديمقراطية هو: مجلس تمثيلي و حريا مدنية، و حكم القانون، و اما وجود المعارضة المنظمة فلا حاجة لتضمينه الحد الادنى، شريطة ان يسمح الحزب المسيطر بممارسة الحريات اللازمة داخل صفوفه.
ثانيا ليس في هذا المفهوم الواسع للديمقراطية ما يتعارض مع التقاليد الافريقية مع العلم بان المؤسات تتخذ شكلا مختلفا عندما تنتقل من الوحدة الى القبلية الصغيرة الى الامة الدولة الحديثة.
ثالثا الاعتقاد بان التوتاليتاري ضروري للنمو الاقتصادي الشريع لا يدعمه التاريخ و لا تؤيده الدراسة الموضوعية المجردة لما يحدث في العالم اليوم، ان تدخل الحكومة ضروري، و التخطيط ضروري، لكن ليس الى ذلك الحد الصارم الذي يجعل الانماء المتحقق بالقوة و الدفع نتعارضا مع الحكم الديمقراطي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here