islamaumaroc

إنني أستأنف

  دعوة الحق

العددان 88 و89

للاستاذ عبد المجيد بنجلون ماض ادبي يتسم بصور من النضال المتواصل، و في غمرة ذلك النضال اعتصر الاستاذ عبد المجيد بنجلون انتاجه الذي يتصل بعضه بالشعر، و بعضه بالنثر الفني، بينما قسم اخر منه يخلد فترة من كفاحنا السياسي.
و انها لحصيلة جيدة اسهمت بقسط وافر  في كمه و جيد من حيث نوعه في نهضتنا الادبية المتواضعة التي ما يزال صديقنا  الاستاذ بنجلون  يواصل كفاحه من اجل تعزيزها و تدعيمها.
و ما نظن الاستاذ عبد المجيد بنجلون صرف و يصرف هذه العملة الادبية الحديثة من غير رصيد من الادب العربي القديم. و لئن كانت هذه العملة تختلف عن الرصيد، فان هذه الاختلاف لا يتعدى الشكل، او من المفروض فيه ان لا يتعدى الشكل مثلما هو الحال في الميدان النقدي بالضبط.
 و ما نظن ان الاستاذ عبد المجيد بنجلون كان يستطيع ان يكتب "وادي الدماء" و "مارس استقلالك" و ان ينشر شعره على الناس، ويحظى هذا الشعر بالقبول و الرضى – بدون ما ان يقرا شعر المتنبي، و عمر بن ابي ربيعة، ويجول في النثر الفني، - و لو على سبيل الفسحة - الذي خلفه القدماء.
و ما اظن بعد هذا و ذاك ان يكون الادب الذي انتجه صديقنا عبد المجيد، ادبا لقيطا مجهول النسب، و ذلك بالرغم عما يكون قد اكتسى به من حلل العصر وزينته.
فكيف امكن له ان يتنكر لهذا الرصيد، وينادي بواد القديم، لا لشيء الا لكون ذلك الادب ينطوي على صور بشرية من النفاق و المجون و الزلفى و التكسب. و هي نقائص تشاركه فيها اداب اخرى قديمة وحديثة مع اختلاف البيئات التي تستلزم اختلاف المناهج في بلوغ المقاصد.
فالادب العربي القديم فيه مجون و نفاق و تكسيب وزلفى. هذا امر محق،  و لكن هذه النقائص لا تستطيع ان تكون حيثيات للحكم عليه بالشنق و الاعدام و الاقبار، وذلك من خلال جلسة طارئة و في مقالة عابرة، لان في هذا الاجراء الكثير من التجني و ما يشبه   العقوق.
ايعاب على ادبنا العربي القديم انه ينطوي على ادب مجنون؟
ان مجون هذا الادب تعد خفيفة الوزن بالنسبة لهذا الادب الداعر الذي تتوارد علينا الكثير من صوره اليوم، هذا الادب الذي يقبل عليه المراهقون اقبالا كان من نتائجه ان خلق لنا مشكلة اجتماعية تتسع رقعتها يوما عن يوم. فادبنا القديم لم يضع المشكلة الجنسية مثلما وضعها الادب الحديث، و لم يتفنن فيها، و يجعل منها ايديولوجية اخرى من الايديولوجيات التي يزخر بها عالم اليوم.
ان ادبنا العربي القديم كان ماجنا في بعض صوره و لكن مجونه لم يتجاوز الخمر و الخمار و الوصف الجسماني الذي كان اذا تجاوز حدا محدودا وصف بالشذوذ وقوبل بالاعراض في حين ان المجون في ادب اليوم اصبحث ظاهرة الشذوذ تكون له قاعدة قارة، و مقياسا طبيعيا، لا جدال فيه، و لا لوم عليه.
فابو نواس – مثلا- شاعر مجن، و لكنه مجون طريف الا في بعض صوره لاشاذة، و يشار بن برد شاعر ماجن ايضا، و لكن مجونه اذا تجاوز حد الطرافة وصف بالزندفة.
 و هذا الشيء الذي كان يسمى زندقة في الادب العربي القديم يعد في بعض اداب اليوم "تحليلا نفسانيا" و "انعكاسات باطنية" و "رد فعل بسيكولوجي" و غير ذلك من الكليشيات التي تبرر الزندقة و تقر المجون الفاحش و تعد مفخرة من مفاخر "التطور السيكولوجي" هذه هي الحقيقة، فكيف جاز لصديقي الاستاذ عبد المجيد ان يحكم على ادبنا القديم و ان يطالب له بنصب المشنقة و اعداد العشماوي –بلغة مصر- لشنقه و اقباره. انه لظلم، وظلم من نوع ذي القربى ! !
و اذا كانت حيثية المجون في شعر شعراء المجون و التكسب في شعر المتكسبين يمكن قبولهما – ولو جدلا- ضمن صك الاتهام، فاية جريرة ارتكبها عمر بن ابي ربيعة حتى يزج به ضمن حيثيات حكم هذه المحكمة العرفية التي نصبها صديقنا الاستاذ عبد المجيد لمحاكمة ادبنا العربي.
و هذا شعر ابن ابي ربيعة، ماذا فيه؟ انه شعر رصين، وعفيف، وافلاطوني، كما قيل عنه، لان صاحبه اتخذ له شعارا من قوله.
و اني امرؤ مولع بالحسن اتبعه            لا حظ لي منه الا لذة النظر
فاية عفة اشد صونا من هذه العفة؟ و اين هذه العفة في هذا الادب المراهق الذي يتقاطر بالتخنث و الانحلال، و قد ملات صوره رفوف المكاتب و شغلت الاباء بسلزك الابناء و البنات كذلك؟
انا لا اريد ان اسوق الصور لاقارن واقابل، لان العصر عصر اشارة و اختصار وايجاز، الا انني ارجو و الح في الرجاء على ان يراجع صديقنا الاستاذ عبد المجيد "سواره" في الادب العربي القديم ليقتنع بانه اعلن حالة الطوارىء في ادبنا العربي و اصدر حكما عرفيا في قضية لا تستحق هذا الاجراء و هي مظلومة كل الظلم حينما يحكم عليها بمقتضى حالة الطوارىء.
و ناتي الى ظاهرة التكسب في الادب العربي القديم، انها ايضا ظاهرة الانحراف ما في ذلك من شك، بيد انها نزعة لحياة اجتماعية لا بد من اخذها كما هي ضمن مجموع خصائص البيئات التي عرفها الادب العربي نتيجة اوضاعها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. و من ثم يكون الحكم على الادب العربي القاضي بالاقبار انما هو واقع الامر الحكم على تاريخ مرحلة هامة للامة العربية بما فيها من مراحل القوة والضعف، لان الادب العربي القديم يصور جزءا كبيرا من ذلك التاريخ لا تعد هذه النقائص التي اخذ منها الاستاذ عبد المجيد حيثيات الحكم بالاعدام عليه سوى جزئيات. و ليس عيبا ان يعرف تاريخ من التواريخ  البشرية بكل ما له و ما عليه.
لقد سبت الاديان في بعض الاداب بينما اداب اخرى – غير ادبنا العربي- مجدت الاستبداد وسبحت له، ونافقت اولى الامر و كان المذهب "الميكافيلي" يقدم بعض الانعكاسات في اداب النهضة الاوربية، و لكن احدا لم يقل باقبار هذه الاداب، لئلا تنعدم مراة عصر من عصور التاريخ تتجلى فيها المساوىء و المحاسن، وحتى لا تفتقد الوثائق التاريخية و لو ان وسيلة الاقبار هذه استخدمت لاتى العفاء على ما يزخر به التاريخ من عبقرية البشر و عيوبه و نقائصه كذلك.
و بعد هذا كله فان الادب انما هو مراة لبيئته تنعكس عليها الصور التي تفاعلت في رسم ظلالها عناصر الخير و لاشر و الفضيلة الورذيلة فلو حكم على كل بيئة بما يمكن ان يوصف بانه نقائص او انحراف في ادابها لطويت صفحات طويلة و عريضة من تاريخ الانسانية.
و ينبغي ان لا ننسى شيئا اخر، ونعني به المقاييس التي ينبغي ان تصدر الاحكام بمقتضاها فمقاييس عصرنا هذا لا تصلح في مجموعها لان يتخذ منها ميزانا تصدر الاحكام بمقتضاه. اذ سيكون في استخدام تلك المقاييس جور و حيف ما في ذلك من شك.
على انه مما يخفف من وطاة هذا الحكم المعرفي الذي اصدره الاستاذ عبد المجيد بنجلون على الادب العربي القديم انه قابل المناقشة. أي انه قابل للاستيناف و ها نحن قد استانفناه، و لا شك في ان نتيجة الاستيناف ستكون هي النقض التام، ذلك لان حيثيات الحكم ضعيفة، و لان الادب العربي الذي ساقه الاستاذ عبد المجيد الى قفص الاتهام في حالة الطوارىء ثم اصدر حكمه القاضي عليه، انما ادب مظلوم ليس من الحق في شيء ان يكون مجون ابي نواس و هجاء الحطيئة و تكسب البحتري حيثيات تقضي بشنقه في عصوره المختلفة.
و مرة اخرى فانني رايت من حق الادب العربي على شخصيا ان اهب للدفاع عنه و استانف الحكم الصادر في شانه، حتى لا تظل عملتنا في الادب العربي الحديث بدون رصيد. و حتى لا يكون الاستاذ عبد المجيد بنجلون نفسه يصرف انتاجه الادبي من غير ما ان يكون له رصيد في خزينة الادخار.. ساوالي هذا الكفاح ان اقتضى الامر، لاكون ابنا بارا للادب العربي القديم، ليلا يكون ادبا لقيطا و حتى لا يكون في الاخير هذا الادب المخصاب الذي ينتجه صديقنا الاستاذ عبد المجيد ادبا مجهول النسب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here